وزير الإعلام السعودي: لدينا حرية منضبطة وإعلامنا الأقوى عربياً

عدَّ مشاريع الرؤية أهم الأذرع ومواكبة التقنية أبرز التحديات... وقال إن موت الصحافي يقلقه

سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي يتحدث لبرنامج «الليوان» (روتانا خليجية)
سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي يتحدث لبرنامج «الليوان» (روتانا خليجية)
TT

وزير الإعلام السعودي: لدينا حرية منضبطة وإعلامنا الأقوى عربياً

سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي يتحدث لبرنامج «الليوان» (روتانا خليجية)
سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي يتحدث لبرنامج «الليوان» (روتانا خليجية)

عدَّ سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، إعلام بلاده الأقوى والأكثر تأثيراً وانتشاراً عربياً، ومشاريع «رؤية 2030» أهم أذرعه لمخاطبة العالم، مشيراً إلى وجود «حرية منضبطة لديه، وبمستوى يناسب ثقافة المملكة، وسقف مرتفع مقارنة بالدول المحيطة».

وأكد الدوسري في برنامج «الليوان» مع الإعلامي السعودي عبد الله المديفر على قناة «روتانا خليجية» منتصف ليل الأحد/ الاثنين، أن الحكومة لا تطالب وسائل الإعلام بمدحها، وقال: «ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لا يقبل المدح، ولا يرضى بالمدح الزائف. نحن نعمل معه ونسمع منه ونعرف أن هذا توجهه، لكن هناك فرق بين إظهار إنجازاتنا - وهذا دور أصيل لوسائل الإعلام، - وبين المدح الزائف غير المقبول وغير المطلوب».

وأضاف الوزير: «هناك حس مسؤولية عالي لدى وسائل الإعلام والإعلاميين في المملكة، واليوم أصبحت لدى الصحافي رقابة ذاتية فهو يعرف مصالح الدولة، ويستطيع أن يتفادى الحساسيات أو يقف عند حد معين يحدده بنفسه، كذلك المؤسسات الإعلامية. ونعول على ذلك الحس كثيراً لا على الرقابة اليومية غير الموجودة لدينا»، متسائلاً: «إذا لم تكن هذه حرية إعلامية فأين هي؟».

وزير الإعلام تحدَّث عن الفرق بين إظهار الإنجازات والمدح الزائف (روتانا خليجية)

ونوّه الدوسري بأن «المطلوب من الإعلاميين هو القيام بدورهم، وأحد الأدوار الأصيلة المناطة بهم هي كشف العيوب، ونحن نشجعهم على ذلك ما دام ذلك ضمن الحرية المنضبطة، ومن حقهم على المواطنين أن يتحدثوا بالطريقة المناسبة التي يرونها في خدمة بلدهم»، عادَّاً «انتقاد وسائل الإعلام الخدمات جزءاً من واجبها الأصيل، وهي تقدم بذلك خدمة للحكومة، ولا نعتبره أمراً سلبياً».

وأشار وزير الإعلام إلى «ضرورة أخذ المرحلة الزمنية والظروف الإقليمية في الاعتبار»، ذلك أن التوقيت قد يكون غير مناسب لقضايا معينة في وقت ما والعكس في وقت آخر، مؤكداً: «يجب الأخذ بالمصلحة العامة، وأن تكون لدينا حرية مسؤولة فيما يتعلق بالأوضاع الإقليمية والدول الشقيقة». وزاد: «لا نقول إن مراعاة الحساسيات هي قدرة الدولة على التدخل في وسائل الإعلام، بل هي في الحقيقة قدرة الارتقاء بالمصلحة العامة من قبل وسائل الإعلام نفسها، وهذه مسؤولية كبيرة، وثقة وضعتها الدولة في الإعلام الخاص، وأرى أنه كان على قدر المسؤولية في كل الأوقات».

سلمان الدوسري يرى أن الإعلام الخاص كان على قدر المسؤولية في كل الأوقات (روتانا خليجية)

وحول رضا المجتمع السعودي عن الإعلام، يرى الدوسري أنه «من حق الناس أن تكون تطلعاتهم عالية في إعلامهم، لكن لدينا انطباعات وحقائق»، مضيفاً: «فيما يتعلق بالحقائق عندما ننظر للإعلام السعودي لدينا ثلاثة أركان له، وهي: المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بمطبوعاتها وتاريخها وحضورها القوي جداً في كل مكان، ومجموعة (إم بي سي)، و(روتانا) بمجموعة قنواتها ومكتبتها الضخمة غير الموجودة في أي دولة عربية».

وتابع الوزير: «عندما ننظر اليوم إلى منصة (شاهد) على سبيل المثال التي تصل إلى 70 في المائة من المنازل العربية، والمشاهد للقنوات السعودية هو الأعلى، والإعلام السعودي الذي يتبع القطاع الخاص يعدّ الأكثر تأثيراً وقوة وانتشاراً في الدول العربية»، مواصلاً: «عندما نأتي لبرامج البودكاست، تتصدر السعودية المشهد عربياً؛ على سبيل المثال لدينا (بودكاست ثمانية) التابع للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام؛ 300 مليون مشاهد ومستمع له في عام 2024، بينهم 68 في المائة داخل السعودية و32 في المائة خارجها. ولدينا 52 مليون حساب سعودي في (يوتيوب) و(إنستغرام) و(إكس) وبقية المنصات، وهؤلاء جزء أساسي من إعلامنا».

سلمان الدوسري استعرض قوة وتأثير الإعلام السعودي عربياً (روتانا خليجية)

وزاد الدوسري: «قد يكون لدى البعض انطباعات، لكن عندما ننظر إلى هذه الحقائق، نجد أن الإعلام السعودي مؤثر ويصل ويضع بصمة في كل مكان، ومع ذلك نحن مطالبون بالارتقاء به ليكون قوياً جداً ويرتقي برؤية السعودية 2030»، مبيناً أن «الحقائق هي من تتكلم، وجعلت إعلامنا الأقوى عربياً، والأكثر مشاهدة والأكثر وصولاً، وهذا ما يؤكد إذا كان يمثلنا أم لا».

وعن التحديات التي تواجه الإعلام السعودي، يعتقد الوزير أن التحدي الحقيقي هو القدرة على مواكبة التقنية في القطاع. ويرى أنه «ليس هناك إعلام قديم وجديد، بل إعلام وطني يُقدِّمك سواءً كان قناة تلفزيونية أو موقعاً إلكترونياً أو حساباً على منصة تواصل اجتماعي، ونحن نُقدِّم محتوى بشكل إيجابي وأكثر بكثير من المحتوى السلبي أو الهابط، لكن التحدي الحقيقي هو مواكبته مع التقنية».

وفيما يتعلق بموت الصحافة الورقية، علّق وزير الإعلام، قائلاً: «لا يقلقني ذلك لأن الورق وسيلة وليس غاية، بل يقلقني موت الصحافي. عندما نتحدث عن أركان الإعلام السعودي الثلاثة فأساسها هو الصحافي، وعندما نتحدث عن المحتوى الإيجابي وصانع التأثير وصانع المحتوى فأساسها الصحافي»، مضيفاً: «في الفترة السابقة، كان المطبخ الصحافي هو الذي يصنع الصحافيين، ومع غياب الصحافة الورقية، أصبح هناك صعوبة في إيجادهم». وأكد: «ما يجب أن نعمل عليه اليوم هو بقاء الصحافي، ونحن دورنا كمُمكِّن نحافظ عليه من الموت عبر الأكاديميات الإعلامية الموجودة والشراكات مع الشركات الكبرى مثل (غوغل) و(أمازون) وغيرها ومع الوزارات والهيئات».

وزير الإعلام أعرب عن قلقه من موت الصحافي بعد غياب الصحافة الورقية (روتانا خليجية)

وعن مستقبل القطاع في البلاد، قال الدوسري: «لدينا في الإعلام السعودي ركيزتان أساسيتان، هما: الإعلام الوطني، واقتصاديات الإعلام. عندما نتحدث عن الأول فهو هادف بكل منصاته، ويُمثِّل رؤية المملكة ويرتقي بها في 2030، أما الجانب الآخر فللأسف وفي فترات كثيرة كان الإعلام عبئاً على الدولة، ونحن بحاجة لرفع مساهمته في الناتج المحلي البالغة اليوم أقل من 1 في المائة عند 0.4 في المائة، ولكن نستهدف رفعها بنسبة 150في المائة بحلول 2030».

وحول فرص التوظيف في القطاع، أكد أهمية هذا الملف بالنسبة لمنظومة الإعلام، مشيراً إلى أنه «في عام 2023 وصلنا لأكثر من 60 ألف وظيفة، ونستهدف الوصول إلى 150 ألف وظيفة بحلول 2030 بزيادة 100 في المائة عن الوظائف الحالية».

وبشأن تسرب إيرادات الإعلانات إلى الخارج، عدَّ الوزير السوق والمعلن والإعلام السعودي الأكبر في المنطقة العربية، «والفاقد من الإعلانات الذي يذهب لخارج البلاد يصل إلى 90 في المائة بدلاً من أن يُسجَّل ضمن مساهمة الإعلام في الناتج المحلي»، متابعاً: «لذلك نحن نستهدف توطين مثل هذه الصناعة، وبقاء كل الإنفاق الإعلاني في وسائل الإعلام والجهات السعودية داخل المملكة، وعدم تسرُّبه خارجياً».

سلمان الدوسري أكد السعي لتوطين صناعة الإعلان لمنع تسرَّب إيراداتها إلى الخارج (روتانا خليجية)

وحول المحتوى الهابط، لفت الدوسري إلى وجود ثلاثة أنواع من المحتوى عموماً، «الأول (الإيجابي)، وهو ما يُعزِّز القيم المجتمعية والهوية الوطنية، وهذا تدعمه الدولة بالكامل عبر جوائز ومبادرات لتعزيزه. والثاني (المقبول اجتماعياً)، ولكنه ليس متميزاً وليس مسيئاً، وهو الغالب بنسبة 90 في المائة من المحتوى اليوم»، مردفاً: «أما الثالث (المخالف)، وهو الذي لا تقبل به التشريعات والقوانين، ومنه على سبيل المثال مظاهر الثراء الزائف في مواقع التواصل الاجتماعي، التي نتخذ موقفاً قوياً جداً ضدها، لكن إذا أردت أن تظهر الثراء فهذا شيء آخر».

ونوّه الوزير بأن «المجتمع هو الذي يحدد الذائقة، سواء نرتقي أو نقبل بها، وله دور ضد المحتوى الهابط الذي تخالفه منظومة الإعلام»، مشيراً إلى أن أفضل عقوبة لمشاهير ذلك المحتوى هي التخلي عن متابعتهم، وعدم تسويق وترويج محتواهم. وأضاف: «نحن مجتمع متنوع، ولدينا مساحة، فما يقبله البعض ثقافياً قد لا يقبله البعض الآخر، وهناك حدود وخط فاصل، ودورنا ضبط المشهد ولا نتحكم فيه. وليس دورنا قمع أفراد المجتمع، ولكن لدينا أنظمة وقوانين نطبقها على المحتوى المخالف».

وزير الإعلام شدَّد على التمسك بتعزيز القيم المجتمعية والهوية الوطنية (روتانا خليجية)

وحول دور الإعلام في تعزيز القيم المجتمعية والهوية الوطنية، أكد الدوسري أهمية هذا الموضوع بالنسبة للوزارة التي ضمّنته في كل مبادرة ومشروع لديها، وتقبل كل محتوى إيجابي يساهم في ذلك، وتعتبر من يُقدِّمه صديقاً؛ لضرورة بقاء القيم المجتمعية وظهورها بشكل مستمر.

وبشأن الإعلام الخارجي، يرى الوزير أن فكرة هذا المفهوم باتت «قديمة وانتهت»، حيث «لم يعد اليوم بمفهومه التقليدي السابق»، مستعرضاً عدة أوجه للإعلام في وقتنا الحاضر، منها «الاستضافات العالمية مثل رالي داكار، والسوبر الإسباني، وفورمولا 1، وموسم الرياض، ومباريات الملاكمة، وعروض الأوبرا السعودية في طوكيو ونيويورك وباريس، ومشاركة بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في المنتدى السعودي للإعلام 2025 وذهابه مع أسرته إلى مشروع البحر الأحمر وتحدثه بشكل إيجابي وفق ما رآه هناك، و7 آلاف فعالية ومؤتمر استضافتها السعودية خلال عام 2024 بمعدل فعاليتين كل ساعة، وصورة لكريستيانو رونالدو وكريم بنزيمة يتناولان الإفطار في جدة»، مؤكداً أن مشاريع «رؤية 2030» هي أهم الأذرع الإعلامية لدى المملكة لمخاطبة العالم.

وزير الإعلام نقل خلال البرنامج 3 من رسائل الحكومة للناس (روتانا خليجية)

وبشأن رسائل الحكومة للناس، نقل وزير الإعلام ثلاثاً منها، هي: «المواطن أولاً مهما كانت الظروف والتحديات، وهنا نذكر جائحة (كورونا) عندما أوقفت الدولة كل مشاريعها لصالحه، وقدَّمت تجربة لم تُقدِّمها أي دولة في العالم. ثانياً: التنمية لن تستمر ولا تنجح من دون شراكة مع المواطن، ولدينا أكبر دليل (رؤية 2030) التي وصلت لمستهدفاتها قبل أوانها؛ لأن المواطن شريك آمن فيها واقتنع بها وعمل بها. ثالثاً: صوت المواطن وحقوقه مكفولة وكفلها له النظام».

وحول تجربته مع جريدة «الشرق الأوسط»، يقول الدوسري: «وصلت إلى طموحي بتولي رئاسة تحرير الصحيفة بعدما كان هذا حلماً لي في المرحلة المتوسطة»، مؤكداً أن هذه الخطوة «كانت نقلة كبيرة جداً بالنسبة لي، ليس فقط من الناحية المهنية، بل من ناحية العلاقة العاطفية مع (الشرق الأوسط)، فما زلت مرتبطاً عاطفياً بها إلى اليوم».

وعدَّ الدوسري رئاسة تحرير «الشرق الأوسط» مسؤولية كبيرة، مبيَّناً أن ميزة الصحيفة أنها استطاعت الوصول إلى كل الدول العربية وغيرها، فأكثر جمهورها هو سفارات الدول الأجنبية في لندن، و«نفاجأ أحياناً بسفارة دولة ما ترسل مُعلِّقة على خبر صغير، وتبدي رأيها فيه». ويضيف: «قدرتك على التوازن وجعل الصحيفة تستمر كما هي قوية من دون إثارة أي مشكلة مع أي دولة، خصوصاً ما يتعلق بالدول العربية، أعتقد أن هذه مهمة ليست سهلة».

سلمان الدوسري تناول خلال المقابلة تجربته مع جريدة «الشرق الأوسط» (روتانا خليجية)

وعن قصته مع الراحل علي إبراهيم نائب رئيس التحرير الأسبق، قال الدوسري: «كان نائب رئيس التحرير، ورئيساً، وأنا مراسل ومسؤول تحرير، وعندما كنت مساعد رئيس تحرير أيضاً، ثم أصبحت أنا رئيسه، ولم يتغير»، مضيفاً: «الصحيفة مرَّ عليها كُتَّاب ورؤساء تحرير وقامات ولم تتعثر. أنا في تقديري ووجهة نظري الشخص الوحيد الذي فقدته (الشرق الأوسط)، وأحد أهم من فقدته فيها هو علي إبراهيم. كانت بالنسبة له ليس بيته الثاني بل الأول، وأعطاها من روحه وحياته».

وواصل: «عندما جاءت علي إبراهيم أزمة قلبية وهو على رأس العمل، انقطع فترة ثم عاد، والأزمة القلبية أثرت عليه، ولا يستطيع المشي، فكنت في صراع يومي معه، أطلب منه أن يخفِّف العمل ولا يضغط على نفسه، وكانت كلمته الشهيرة هي (حاضر)، وكنت أشتكيه عند زوجته، ويبتسم ويقول لي: (حاضر)، حتى جاء يوم، وهذه من النوادر، ضج من كثرة ما أطلب منه تخفيف العمل. قال لي: لو سمحت اتركني أنا أستمتع هنا أكثر من أي مكان آخر، فقلت حينها له: (حاضر)».

وحول الأثر الذي تركه علي إبراهيم، قال: «التفاني. مهما حاولنا أن نقول إننا تفانينا في عملنا لن نصل إلى جزء من التفاني الذي كان يحمله في عمله، والدرس الذي أعطاني إياه ليس فقط فيما يتعلق بـ(الشرق الأوسط) حتى بعدها. كان تفانيه في هذه المسألة ركناً من أركان (الشرق الأوسط). الطريقة التي يتعامل بها، أسلوبه، ابتسامته، وتحمله للضغوط. كل هذه صراحة كانت دروساً عظيمة بالنسبة لي ولزملائي»، متابعاً: «اليوم الذي فقدناه فيه كان بالنسبة لنا جرحاً لكل الزملاء في (الشرق الأوسط) لم يندمل».


مقالات ذات صلة

القضاء الأميركي يتهم مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض بمحاولة اغتيال ترمب

الولايات المتحدة​ صورة ملتقطة في 26 أبريل 2026 في العاصمة الأميركية واشنطن تظهر كول توماس ألين، البالغ من العمر 31 عاماً من كاليفورنيا، بعد محاولته دخول قاعة الاحتفالات حاملاً أسلحة نارية وسكاكين خلال حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في فندق واشنطن هيلتون حيث كان يحضر الحفل الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
p-circle

القضاء الأميركي يتهم مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض بمحاولة اغتيال ترمب

وُجّهت، الاثنين، تهمة محاولة اغتيال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرجل الذي حاول اقتحام عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض مستخدما أسلحة نارية وسكاكين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
إعلام المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة

راغدة بهنام (برلين)
إعلام 
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»... وتدشّن مرحلة تطوير شاملة

أعلنت «SRMG» فوزها بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة، في خطوة تعكس تصاعد دورها في قيادة المشهد الإعلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

حصد صلاح لبن، المحرر في «إندبندنت عربية»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»، «جائزة فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»

«الشرق الأوسط» (ليماسول (قبرص))

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».