مَن يتحكم بقطاع الإعلام في تونس؟

بعد إلغاء الوزارة و«الهيئات المستقلة»

وقفة امام مقر نقابة الصحافيين التونسيين حول الحريات الصحافية (أرشيف)
وقفة امام مقر نقابة الصحافيين التونسيين حول الحريات الصحافية (أرشيف)
TT

مَن يتحكم بقطاع الإعلام في تونس؟

وقفة امام مقر نقابة الصحافيين التونسيين حول الحريات الصحافية (أرشيف)
وقفة امام مقر نقابة الصحافيين التونسيين حول الحريات الصحافية (أرشيف)

أصدرت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، على هامش «اليوم العالمي لحرية الصحافة»، تقريرها السنوي الجديد عن واقع قطاع الإعلام والاتصال في البلاد، بعد نحو 13 سنة ونصف السنة على «الثورة الشبابية الاجتماعية»، التي أدت إلى انهيار حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وإلى تغييرات سياسية كثيرة من بينها حل وزارة الإعلام ومعظم مؤسسات الدولة التي كانت تشرف على القطاع.

تضمّن هذا التقرير السنوي «ملاحظات نقدية»، بالجملة، حول الظروف المادية والمعنوية والسياسية التي يمرّ بها القطاع وآلاف العاملين فيه وعشرات المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة، التي تمرّ بصعوبات مالية ومهنية تسببت في غلق كثير منها، وإحالة مئات الإعلاميين على البطالة الرسمية أو المقنعة.

من جهة ثانية، حظي التقرير أيضاً باهتمام خاص لتزامنه مع انطلاق الاستعدادات لتنظيم الانتخابات الرئاسية المقررة في الخريف المقبل. غير أن بين أخطر الأسئلة التي تشغل الإعلاميين وصناع القرار والرأي العام بعد إصدار مثل هذه التقارير «النقدية» هو: مَن يتحكم في قطاع الإعلام والاتصال اليوم بعد نحو عقد ونصف العقد من حل «وزارة الإشراف» ومؤسسات الدولة المكملة لها، ثم بعد «تهميش» جلّ «مؤسسات التعديل المستقلة»، ومنها الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري والنقابات ومنظمات الصحافيين وأصحاب المؤسسات الإعلامية.

سامي المالكي، أستاذ الإعلام والاتصال في الجامعة التونسية، عدّ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «حل وزارة الإعلام والاتصال بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 كان يهدف إلى توسيع هامش الحريات في البلاد، وإلغاء سلطات الرقابة على مضمون وسائل الإعلام وعلى الإعلاميين». إلا أنه يسجل أن «ثغرات» برزت بسرعة، بينها تراجع نفوذ الإدارات العامة التابعة للوزارة، التي أُلحقت برئاسة الحكومة أو «وقع تهميشها»، وبينها تلك التي تكلف توزيع الإعلانات العمومية وإسناد «البطاقة المهنية للصحافي» والتوثيق.

مقر النقابة الوطنية للصحافيين (ارشيف)

دراسات «قديمة - جديدة»

من جانبه، سجّل مراد علالة، رئيس التحرير في صحيفة «الصحافة» اليومية الحكومية في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تونس سبق لها أن حلّت وزارة الإعلام والاتصال خلال مرحلة الانفتاح الإعلامي بعد الإطاحة بحكم الرئيس الحبيب بورقيبة قبل 35 سنة. إلا أنها عادت فتراجعت عن ذلك خلال سنوات، بعدما برزت نقائص كبيرة، منها غياب سلطة مركزية تنظّم تمويل المؤسسات الإعلامية وتوزيع الإعلانات العمومية والتوثيق والإحصاء والمتابعات». كذلك، ذكر الأكاديمي عبد الكريم الحيزاوي، المدير العام السابق للمعهد الأفريقي لتدريب الصحافيين بتونس، أنه سبق له نشر دراسات في تسعينات القرن الماضي سجلت «النقائص»، التي «برزت بعد حل وزارة الإعلام... من دون استحداث (مؤسسات بديلة) تنظّم التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والجهات المموّلة لها والأطراف المكلفة التوثيق والأرشيف والإحصاء».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال محمد بن صالح، النقيب السابق للصحافيين، إن «حل الوزارة كان متسرّعاً قبل 35 سنة وبعد ثورة 2011»، لكنه استدرك، فسجّل أن إرجاعها اليوم لن يؤدي بالضرورة إلى «ملء الفراغ الإداري والتنظيمي» و«وضع حد للفلتان الإعلامي» الذي تشكو منه غالبية الأطراف الإعلامية والسياسية والاجتماعية منذ 14 سنة». ورأى بن صالح أن «التحدي الأكبر كان ولا يزال تحقيق توازن» بين المؤسسات الرسمية، والمستقلة، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني التي تتدخل في تسيير القطاع الإعلامي وتمويله وتوجيه الرأي العام. وحذّر من «إرجاع وزارة الإعلام بطريقة مرتجلة في مناخ مماثل لما حصل في التسعينات من القرن الماضي، عندما برزت صراعات نفوذ ومعارك صلاحيات» بينها وبين المؤسسات الرسمية الأخرى، وبينها مكاتب الإعلام والاستشارات السياسية والأمنية في رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، وأيضاً في «وزارات السيادة» من الداخلية إلى العدل والخارجية والدفاع.

«الهيئات البديلة»

في أية حال، فإن ثلة من النقابيين والإعلاميين والسياسيين يدافعون منذ عام 2011 عن إسناد صلاحيات وزارة الإعلام والمؤسسات الحكومية المماثلة إلى «هيئات عليا مستقلة للإعلام السمعي البصري» وإلى «مجالس التحرير» داخل المؤسسات الإعلامية، التي دعوا لأن تكون منتخبة كي «تتولى مهمة التعديل الذاتي وإصلاح الغلطات في التسيير والإنتاج الإعلامي من دون تدخل السلطات وأطراف خارجية»، على حد تعبير الإعلامي والأكاديمي محمد النوري اللجمي الرئيس السابق لـ«الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري».

هذا، وكانت «السلطات الانتقالية» في مرحلة 2011 - 2012 قد أسندت إلى هذه «الهيئة العليا» معظم صلاحيات وزارات الإعلام والداخلية والثقافة، بما فيها إسناد رخص البث الإذاعي والتلفزيوني وسحبها، وحق الإحالة على المحاكم بالنسبة للمؤسسات والإعلاميين المتهمين بتجاوزات للقوانين. لكن الإعلامي هشام السنوسي، نائب رئيس هذه «الهيئة» منذ أكثر من 10 سنوات، قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومات المتعاقبة حاولت دوماً «تضييق الخناق» على مؤسسته «تحت تأثير بعض (اللوبيات)، والأحزاب والأطراف السياسية والمالية الداخلية والخارجية، التي اتهمها بالضلوع في تمويلات غير قانونية لعدد من القنوات الإذاعية والتلفزية؛ خدمة لأجندات حزبية وشخصية وانتخابية».

النوري اللجمي رئيس الهيئة العليا المستقلة للإعلام، ومعه من اليمين هشام السنوسي ومن اليسار سفير فرنسا السابق (ارشيف)

غياب «اتحاد الصحافيين»

وسجّل السنوسي ورفاقه في قيادة «الهيئة العليا» أن حكومات ما بعد القرارات الاستثنائية الصادرة منذ 25 يوليو (تموز) 2021، وبينها حل البرلمان والحكومة المنبثقة منه، اتخذت إجراءات أدّت إلى «تجميد دور الهيئة وتهميشه، منذ إحالة رئيسها السابق محمد اللجمي على التقاعد من دون تعيين خلفٍ له، وكذلك إحالة عدد من صلاحياتها للإدارة المركزية التابعة لرئاسة الحكومة أو لـ«الهيئة العليا للانتخابات» من دون برمجة «ميزانية مالية» لـ«الهيئة» في ميزانية الدولة لعام 2024.

في المقابل، حمّل زياد الهاني، الإعلامي والقيادي السابق في نقابة الصحافيين، مسؤولية «الفراغ الإداري والسياسي والفوضى الحالية في تسيير القطاع للأطراف كلها»، بما فيها بعض القيادات النقابية والرموز الإعلامية، التي عرقلت - حسب تقديره - تأسيس «اتحاد عام للصحافيين التونسيين» كما كان مقرّراً منذ الاستفتاء العام الذي نُظم داخل أوساط الصحافيين منذ أكثر من 30 سنة. وذكّر الهاني بكونه كان مبرمَجاً أن يمهِّد «تأسيس النقابة الوطنية للصحافيين لتأسيس اتحاد عام» تسند له صلاحيات واسعة، على غرار تلك التي تتمتع بها هيئات نقابات المحامين والأطباء والمهندسين، ومنع الطفيليين من التسلل إلى المهنة عبر التحكم في ورقة إسناد البطاقة المهنية.

صورة البلاد في الخارج

على صعيد آخر، عدّت دراسات جديدة عديدة أن من بين أبرز نقاط الضعف الحالية في قطاع الإعلام والاتصال في تونس «تدهور صورة البلاد في الخارج» لأسباب عديدة، من بينها ضعف أداء الدبلوماسية الرسمية، وحلّ «الوكالة التونسية للاتصال الخارجي» منذ 14 سنة «من دون إنشاء آلية بديلة عنها»، حسب تعبير الخبير الدولي في الاتصال ماهر القلال.

وكانت «الوكالة التونسية للاتصال الخارجي»، وهي مؤسسة عمومية ذات طابع تجاري إعلامي قد أُسست عام 1990، وكلفت «التعريف بسياسات الدولة في الإعلام الخارجي في كل الميادين». لكنها حُلّت مثلما حُلّت وزارة الإعلام ومكاتب الإعلام في رئاسة الجمهورية والحزب الحاكم أوائل 2011 إثر اتهامها بـ«لعب دور البروباغندا لنظام الرئيس بن علي» و«تنظيم حملات دعائية لشخص الرئيس وعائلته والمقربين منه» من خلال تحكمها مع رئاسة الجمهورية في تمويل وسائل الإعلام المحلية وفي الإعلانات التي تبث عن البلاد خارجياً.

ختاماً، ممّا يذكر أن حكومات المهدي جمعة (في 2014) والحبيب الصيد ويوسف الشاهد وإلياس الفخفاخ (2015 - 2020) وهشام المشيشي (2020 - 2021) دعمت «مكتب الإعلام في رئاسة الحكومة» ومنحته صلاحيات واسعة شبيهة بصلاحيات وزارة الإعلام ووكالة الاتصال الخارجي. إلا أن حالة انعدام الاستقرار السياسي والأمني في البلاد عطلت كل «مشروعات الإصلاح الجديدة»، بما فيها سيناريوهات إعادة تنظيم مؤسسات الإشراف على تنظيم المشهد الإعلامي وشبكات «الدبلوماسية الاتصالية».



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.