مَن يتحكم بقطاع الإعلام في تونس؟

بعد إلغاء الوزارة و«الهيئات المستقلة»

وقفة امام مقر نقابة الصحافيين التونسيين حول الحريات الصحافية (أرشيف)
وقفة امام مقر نقابة الصحافيين التونسيين حول الحريات الصحافية (أرشيف)
TT

مَن يتحكم بقطاع الإعلام في تونس؟

وقفة امام مقر نقابة الصحافيين التونسيين حول الحريات الصحافية (أرشيف)
وقفة امام مقر نقابة الصحافيين التونسيين حول الحريات الصحافية (أرشيف)

أصدرت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، على هامش «اليوم العالمي لحرية الصحافة»، تقريرها السنوي الجديد عن واقع قطاع الإعلام والاتصال في البلاد، بعد نحو 13 سنة ونصف السنة على «الثورة الشبابية الاجتماعية»، التي أدت إلى انهيار حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وإلى تغييرات سياسية كثيرة من بينها حل وزارة الإعلام ومعظم مؤسسات الدولة التي كانت تشرف على القطاع.

تضمّن هذا التقرير السنوي «ملاحظات نقدية»، بالجملة، حول الظروف المادية والمعنوية والسياسية التي يمرّ بها القطاع وآلاف العاملين فيه وعشرات المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة، التي تمرّ بصعوبات مالية ومهنية تسببت في غلق كثير منها، وإحالة مئات الإعلاميين على البطالة الرسمية أو المقنعة.

من جهة ثانية، حظي التقرير أيضاً باهتمام خاص لتزامنه مع انطلاق الاستعدادات لتنظيم الانتخابات الرئاسية المقررة في الخريف المقبل. غير أن بين أخطر الأسئلة التي تشغل الإعلاميين وصناع القرار والرأي العام بعد إصدار مثل هذه التقارير «النقدية» هو: مَن يتحكم في قطاع الإعلام والاتصال اليوم بعد نحو عقد ونصف العقد من حل «وزارة الإشراف» ومؤسسات الدولة المكملة لها، ثم بعد «تهميش» جلّ «مؤسسات التعديل المستقلة»، ومنها الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري والنقابات ومنظمات الصحافيين وأصحاب المؤسسات الإعلامية.

سامي المالكي، أستاذ الإعلام والاتصال في الجامعة التونسية، عدّ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «حل وزارة الإعلام والاتصال بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 كان يهدف إلى توسيع هامش الحريات في البلاد، وإلغاء سلطات الرقابة على مضمون وسائل الإعلام وعلى الإعلاميين». إلا أنه يسجل أن «ثغرات» برزت بسرعة، بينها تراجع نفوذ الإدارات العامة التابعة للوزارة، التي أُلحقت برئاسة الحكومة أو «وقع تهميشها»، وبينها تلك التي تكلف توزيع الإعلانات العمومية وإسناد «البطاقة المهنية للصحافي» والتوثيق.

مقر النقابة الوطنية للصحافيين (ارشيف)

دراسات «قديمة - جديدة»

من جانبه، سجّل مراد علالة، رئيس التحرير في صحيفة «الصحافة» اليومية الحكومية في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تونس سبق لها أن حلّت وزارة الإعلام والاتصال خلال مرحلة الانفتاح الإعلامي بعد الإطاحة بحكم الرئيس الحبيب بورقيبة قبل 35 سنة. إلا أنها عادت فتراجعت عن ذلك خلال سنوات، بعدما برزت نقائص كبيرة، منها غياب سلطة مركزية تنظّم تمويل المؤسسات الإعلامية وتوزيع الإعلانات العمومية والتوثيق والإحصاء والمتابعات». كذلك، ذكر الأكاديمي عبد الكريم الحيزاوي، المدير العام السابق للمعهد الأفريقي لتدريب الصحافيين بتونس، أنه سبق له نشر دراسات في تسعينات القرن الماضي سجلت «النقائص»، التي «برزت بعد حل وزارة الإعلام... من دون استحداث (مؤسسات بديلة) تنظّم التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والجهات المموّلة لها والأطراف المكلفة التوثيق والأرشيف والإحصاء».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال محمد بن صالح، النقيب السابق للصحافيين، إن «حل الوزارة كان متسرّعاً قبل 35 سنة وبعد ثورة 2011»، لكنه استدرك، فسجّل أن إرجاعها اليوم لن يؤدي بالضرورة إلى «ملء الفراغ الإداري والتنظيمي» و«وضع حد للفلتان الإعلامي» الذي تشكو منه غالبية الأطراف الإعلامية والسياسية والاجتماعية منذ 14 سنة». ورأى بن صالح أن «التحدي الأكبر كان ولا يزال تحقيق توازن» بين المؤسسات الرسمية، والمستقلة، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني التي تتدخل في تسيير القطاع الإعلامي وتمويله وتوجيه الرأي العام. وحذّر من «إرجاع وزارة الإعلام بطريقة مرتجلة في مناخ مماثل لما حصل في التسعينات من القرن الماضي، عندما برزت صراعات نفوذ ومعارك صلاحيات» بينها وبين المؤسسات الرسمية الأخرى، وبينها مكاتب الإعلام والاستشارات السياسية والأمنية في رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، وأيضاً في «وزارات السيادة» من الداخلية إلى العدل والخارجية والدفاع.

«الهيئات البديلة»

في أية حال، فإن ثلة من النقابيين والإعلاميين والسياسيين يدافعون منذ عام 2011 عن إسناد صلاحيات وزارة الإعلام والمؤسسات الحكومية المماثلة إلى «هيئات عليا مستقلة للإعلام السمعي البصري» وإلى «مجالس التحرير» داخل المؤسسات الإعلامية، التي دعوا لأن تكون منتخبة كي «تتولى مهمة التعديل الذاتي وإصلاح الغلطات في التسيير والإنتاج الإعلامي من دون تدخل السلطات وأطراف خارجية»، على حد تعبير الإعلامي والأكاديمي محمد النوري اللجمي الرئيس السابق لـ«الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري».

هذا، وكانت «السلطات الانتقالية» في مرحلة 2011 - 2012 قد أسندت إلى هذه «الهيئة العليا» معظم صلاحيات وزارات الإعلام والداخلية والثقافة، بما فيها إسناد رخص البث الإذاعي والتلفزيوني وسحبها، وحق الإحالة على المحاكم بالنسبة للمؤسسات والإعلاميين المتهمين بتجاوزات للقوانين. لكن الإعلامي هشام السنوسي، نائب رئيس هذه «الهيئة» منذ أكثر من 10 سنوات، قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن الحكومات المتعاقبة حاولت دوماً «تضييق الخناق» على مؤسسته «تحت تأثير بعض (اللوبيات)، والأحزاب والأطراف السياسية والمالية الداخلية والخارجية، التي اتهمها بالضلوع في تمويلات غير قانونية لعدد من القنوات الإذاعية والتلفزية؛ خدمة لأجندات حزبية وشخصية وانتخابية».

النوري اللجمي رئيس الهيئة العليا المستقلة للإعلام، ومعه من اليمين هشام السنوسي ومن اليسار سفير فرنسا السابق (ارشيف)

غياب «اتحاد الصحافيين»

وسجّل السنوسي ورفاقه في قيادة «الهيئة العليا» أن حكومات ما بعد القرارات الاستثنائية الصادرة منذ 25 يوليو (تموز) 2021، وبينها حل البرلمان والحكومة المنبثقة منه، اتخذت إجراءات أدّت إلى «تجميد دور الهيئة وتهميشه، منذ إحالة رئيسها السابق محمد اللجمي على التقاعد من دون تعيين خلفٍ له، وكذلك إحالة عدد من صلاحياتها للإدارة المركزية التابعة لرئاسة الحكومة أو لـ«الهيئة العليا للانتخابات» من دون برمجة «ميزانية مالية» لـ«الهيئة» في ميزانية الدولة لعام 2024.

في المقابل، حمّل زياد الهاني، الإعلامي والقيادي السابق في نقابة الصحافيين، مسؤولية «الفراغ الإداري والسياسي والفوضى الحالية في تسيير القطاع للأطراف كلها»، بما فيها بعض القيادات النقابية والرموز الإعلامية، التي عرقلت - حسب تقديره - تأسيس «اتحاد عام للصحافيين التونسيين» كما كان مقرّراً منذ الاستفتاء العام الذي نُظم داخل أوساط الصحافيين منذ أكثر من 30 سنة. وذكّر الهاني بكونه كان مبرمَجاً أن يمهِّد «تأسيس النقابة الوطنية للصحافيين لتأسيس اتحاد عام» تسند له صلاحيات واسعة، على غرار تلك التي تتمتع بها هيئات نقابات المحامين والأطباء والمهندسين، ومنع الطفيليين من التسلل إلى المهنة عبر التحكم في ورقة إسناد البطاقة المهنية.

صورة البلاد في الخارج

على صعيد آخر، عدّت دراسات جديدة عديدة أن من بين أبرز نقاط الضعف الحالية في قطاع الإعلام والاتصال في تونس «تدهور صورة البلاد في الخارج» لأسباب عديدة، من بينها ضعف أداء الدبلوماسية الرسمية، وحلّ «الوكالة التونسية للاتصال الخارجي» منذ 14 سنة «من دون إنشاء آلية بديلة عنها»، حسب تعبير الخبير الدولي في الاتصال ماهر القلال.

وكانت «الوكالة التونسية للاتصال الخارجي»، وهي مؤسسة عمومية ذات طابع تجاري إعلامي قد أُسست عام 1990، وكلفت «التعريف بسياسات الدولة في الإعلام الخارجي في كل الميادين». لكنها حُلّت مثلما حُلّت وزارة الإعلام ومكاتب الإعلام في رئاسة الجمهورية والحزب الحاكم أوائل 2011 إثر اتهامها بـ«لعب دور البروباغندا لنظام الرئيس بن علي» و«تنظيم حملات دعائية لشخص الرئيس وعائلته والمقربين منه» من خلال تحكمها مع رئاسة الجمهورية في تمويل وسائل الإعلام المحلية وفي الإعلانات التي تبث عن البلاد خارجياً.

ختاماً، ممّا يذكر أن حكومات المهدي جمعة (في 2014) والحبيب الصيد ويوسف الشاهد وإلياس الفخفاخ (2015 - 2020) وهشام المشيشي (2020 - 2021) دعمت «مكتب الإعلام في رئاسة الحكومة» ومنحته صلاحيات واسعة شبيهة بصلاحيات وزارة الإعلام ووكالة الاتصال الخارجي. إلا أن حالة انعدام الاستقرار السياسي والأمني في البلاد عطلت كل «مشروعات الإصلاح الجديدة»، بما فيها سيناريوهات إعادة تنظيم مؤسسات الإشراف على تنظيم المشهد الإعلامي وشبكات «الدبلوماسية الاتصالية».



تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.


الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار، وذلك بحسب استطلاع شمل 5397 بالغاً. وهذا أمر عدَّه خبراء «تحدّياً لمؤسسات إعلامية، ليس فقط لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار قد يحتوي على أخطاء تسهم في نشر معلومات مضللة؛ بل أيضاً لأن هذا السلوك لن يُحيل سوى نسبة ضئيلة جداً من النقرات إلى المصادر الأصلية، مما يسهم في تراجع حركة الزيارات على مواقع الناشرين».

التقرير الذي نُشرت نتائجه منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، ذكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي للأخبار هو الأكثر انتشاراً عند الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة بنسبة 37 في المائة. ولقد تصدر «تشات جي بي تي» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً للاطلاع على الأخبار، إذ أفاد 13 في المائة من إجمالي المشاركين باستخدامه لمتابعة الأحداث الجارية خلال الشهر الماضي.

وفق تقديرات «أوفكوم»، تستحوذ محرّكات البحث ومجمّعات الأخبار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، مجتمعة تحت مسمى «الوسطاء الرقميين» على 37 في المائة من إجمالي الوقت الذي تمضيه عينة البحث مع الأخبار، وهو ما يعادل 26 دقيقة يومياً من إجمالي 72 دقيقة يومياً يمضيها القراء في متابعة الأخبار يومياً، لتصبح بذلك أكبر شريحة منفردة. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة مواقع الناشرين المباشرة 8 دقائق يومياً؛ أي 11 في المائة فقط من إجمالي الاستهلاك.

أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، فقد تصدَّر «فيسبوك» قائمة استهلاك الأخبار بنسبة 39 في المائة من البالغين يليه «يوتيوب» بنسبة 33 في المائة.

فادي عمروش، الباحث المتخصّص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي رأى خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الناشرين يواجهون أزمة «عزوف» ليس للأخبار بل للمواقع الإخبارية المباشرة... «ولذا على المؤسسات الإعلامية أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم كما تعاملت سابقاً مع محركات البحث، لكن مع فهم أن قواعد اللعبة تغيرت».

وأضاف: «في عصر محركات البحث كان الهدف من (SEO) واضحاً، وهو أن يظهر الخبر في (غوغل)، ثم يضغط القارئ على الرابط ويزور الموقع، أما اليوم فقد يسأل المستخدم (تشات جي بي تي) و(جيميناي) عن خبر معين ويحصل على ملخص كامل دون أن يزور الموقع الأصلي أصلاً».


السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظّمه شركة «تحالف»، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أبرز الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق، مما يُعزّز مكانة السوق السعودية، عبر الاقتراب من أحدث الممارسات والمعايير والخبرات الدولية.

ويتناول برنامج المهرجان، على مدى 3 أيام، التميُّز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارهم وأساليب سردهم، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي، وسط مشاركة نخبة من الخبراء والقيادات من المنطقة والعالم تحت سقف واحد، ليُشكِّل جسراً مباشراً بين المواهب السعودية والإقليمية والشبكات والأسواق والخبرات الدولية.

تمكين المبدعين

من جانبه، أوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط. واليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة»، مؤكداً أن «ليونز الرياض» يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

وأبان الدوسري أن المهرجان «يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، حيث يُوفِّر فرصة لحضور الإبداع المحلي والمنافسة عالمياً، ويحفز الوكالات على تطوير أدواتها ومنتجاتها.

ويسهم «ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية عبر استقطاب الخبرات والمواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية، الأمر الذي يعكس مساعي الوزارة الهادفة إلى تمكين القطاع والعاملين فيه، وربطه بمراكز التأثير الدولية، بما يعزز نموه ويرفع تنافسيته عالمياً.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

وجهة دولية

بدوره، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وبينما أصبحت السعودية وجهة لمنصات دولية كبرى في التقنية والاستثمار والرياضة والترفيه والأعمال، يرى الخميسي أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي»، وهو ما يؤكد متانة السوق السعودية في خريطة الاقتصاد الإبداعي.

من ناحيته، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

يساهم «مهرجان ليونز الرياض» في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال (واس)

منصة عالمية

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في الإبداع والتسويق وصناعة المحتوى على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية، مما يمنح منطقة الشرق الأوسط نافذة جديدة للتأثير في حوارها.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب لتصبح أكثر تنافسية، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية، وجعل الوكالات المحلية أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، بما يساهم في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال.