هل تنجح المصافحة الحارة بين الإعلام السعودي والمستقبل؟

متخصّصون شرحوا لـ«الشرق الأوسط» المقوّمات والاحتياجات لإنجاح «التحول الإعلامي»

للمرة الأولى تاريخيّاً يتحدّث وزير الإعلام في السعودية عن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (واس)
للمرة الأولى تاريخيّاً يتحدّث وزير الإعلام في السعودية عن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (واس)
TT

هل تنجح المصافحة الحارة بين الإعلام السعودي والمستقبل؟

للمرة الأولى تاريخيّاً يتحدّث وزير الإعلام في السعودية عن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (واس)
للمرة الأولى تاريخيّاً يتحدّث وزير الإعلام في السعودية عن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (واس)

كغيره من القطاعات الحيوية، يحظى قطاع الإعلام السعودي بسيل دائم من التناول حول مخرجاته وإمكاناته، لكن المختلف فيه، أنه يتمتّع بمساحة مفتوحة من النقاش يشارك فيها كل ذي علاقة، ومَن هو غير ذلك، وأحياناً تأتي الآمال والطموحات أكبر من الواقع بكثير، بينما في أحيان أخرى تكون مختلفة عن حقيقة المهمة الوطنية للقطاع، الذي مر بتأرجحات تاريخيّة، أسهمت في استيعاب التحديات، لكنها لم تعالجها بشكل تام.

منذ الثلث الأخير من عام 2023، ومطلع العام الجاري، شهد قطاع الإعلام في السعودية حراكاً نشِطاً لم يختلف عليه اثنان، ما بين مبادرات واستراتيجيات، أُعلن عنها ويُنتظر أن ترى النور قريباً، وانتخابات تاريخية لعضوية «مجلس إدارة هيئة الصحافيين»، ومعرض متخصص شارك فيه عدد من الشركات الإعلامية وعرضت من خلاله آخر ما توصّلت إليه التقنيات الإعلامية، ومنتدى إعلامي شهد حضور 2000 مشارك، وغيرها.

سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، أعلن خلال افتتاحه «المنتدى السعودي للإعلام» بنسخته الثالثة، في 20 من فبراير (شباط) الجاري، أن عام 2024 هو عام «التحول الإعلامي في المملكة»، وستكون معاييره هي الأرقام، والمؤشرات، ومرتكزاته الشغف، والعمل، وفقاً للدوسري الذي حدّد أيضاً مستهدفَين بارزين لهذا العام (المساهمة بـ16 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024، بزيادة 1.5 مليار ريال عن عام 2023، واستحداث أكثر من 67 ألف وظيفة في قطاع الإعلام، بزيادة 11 وظيفة)، مستنداً إلى 3 استراتيجيات وعدد من المشاريع والمبادرات والشراكات.

وكان لافتاً أنه وللمرة الأولى تاريخيّاً، يتحدّث وزير الإعلام في السعودية عن مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ورقم الوظائف المستحدثة، مما يضع القطاع في قلب العجلة التنموية للبلاد، فهل يملك القطاع المقوّمات والأدوات اللازمة لتحقيق مستهدفات «عام التحول الإعلامي»؟

تكلّم مختصّون ومهتمون بالقطاع من مواقعهم المختلفة لـ«الشرق الأوسط» حول توقّعاتهم لـ«عام التحول الإعلامي 2024»، وأجابوا عن تساؤلات دارت حول «فرص نجاح المصافحة الحارة بين الإعلام السعودي والمستقبل» من ثلاثة جوانب محددة هي: المشاريع، والشراكات، والتدريب. واتفق المتكلمون على عدد من النقاط، أهمها أن الحراك الذي يتمتع به القطاع خلال هذه المرحلة، ليس حراكاً تنظيميّاً أو يندرج تحت تسجيل الحضور فقط، إنما هو حراك حقيقي على جانبي القطاع الحكومي والخاص. وأنه مثل كل قطاع حيوي مهم، دائماً هناك فرص للنمو، ولكن التحدي الأكبر في الاستدامة... هناك تحديات أخرى تجب معالجتها مثل التدريب والتأهيل وتنمية القدرات البشرية، لكن الاستثنائية في هذه المرحلة بالنسبة لقطاع الإعلام السعودي، هو أنّه يتزامن مع ورشة عمل تنموية كبرى (رؤية 2030) تدور رحاها كل يوم في البلاد، كما أن هذا الحراك هو وسيلة، من أجل تحقيق غاية «التحول الإعلامي».

فيصل العقيل (الشرق الأوسط)

العقيل: سوق إعلامية تجاوزت قيمتها 20 مليار ريال

د.فيصل العقيل، رئيس قسم الاعلام بجامعة الملك سعود، حدّد عدة عوامل ينبغي الوعي بها والعمل وفقاً لأهميتهاً لإنجاح التحول الإعلامي لهذا العام، أولها «العمل الجمعي والتعاوني بين المنظومات المعنية بالشأن الإعلامي كافة سواء كانت في الجهات المشرِّعة كوزارة الإعلام وقطاعاتها المختلفة أو القطاعات الأكاديمية كالجامعات المسؤولة عن تغذية هذا المجال بالكوادر البشرية».

وأضاف العقيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «السوق الإعلامية التي تجاوزت قيمتها 20 مليار ريال وتسيطر على نصيب لا بأس به من الناتج المحلي الإجمالي، وجود خطط منظِّمة لهذا التعاون بالإضافة إلى تنظيم السوق والاستفادة من الخبرات وتفعيل الاستراتيجيات التي تحدث عنها وزير الإعلام، ستلعب دوراً جوهريّاً في التحول الإعلامي في السعودية».

 

الدحيّه: «أهم منجز شهده حقل الإعلام هو إعلان استراتيجية قطاع الإعلام»

من جهته، اتفق سعيد الدحيّه، رئيس قسم الصحافة والإعلام الجديد في جامعة الإمام محمد بن سعود، مع جزء من حديث زميله فيصل العقيل، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «أهم منجز شهده حقل الإعلام في السعودية أخيراً هو إعلان استراتيجية قطاع الإعلام». وأوضح الدحيّه: «الحق أن قطاع الإعلام وصل متأخراً في سياق التحول الوطني الشامل، ولعل ما نشهده أخيراً يستمر في التنامي مستحضراً سياق الإعلام التقليدي وسياق الإعلام والاتصال الرقمي، مع تأكيد أهمية ألا ننصرف نحو قراءة الأرقام الإحصائية حيال المشاهدات والتفاعل والوصول ونحوها بصورة كاملة، على حساب الأثر النوعي الذي يحتل مرتبة الصدارة في مجال تصميم الاستراتيجيات الإعلامية والاتصالية على وجه التحديد. إذ إن الرقم عنصر سائل ضمن بيئة السيولة الاتصالية الرقمية القائمة على فكرة المحو والتحول، في حين تتركز الأهمية حول الأثر النوعي الصلب عبر المؤسسات الصلبة التي تستحق العناية».

 

تدريب وتأهيل الكوادر البشرية

العقيل والدحيّه اتفقا في عنصر تغذية القطاع بالكوادر البشرية من جانب الجامعات. وأكد العقيل أن العمل جارٍ في جامعة الملك سعود «مع قطاعات حكومية وخاصة في ما بعد المقررات الدراسية لربط الخريجين بسوق العمل عبر برامج التدريب والتوظيف. ونحن نسعى لتوثيق العلاقة بشكل أكبر مع هذه الجهات وغيرها لرفع جودة المخرجات بما يتناسب مع حاجة السوق. أما السبب فهو استشعارنا أهمية المواطنة وبناء ذاتنا إعلامياً عبر بناء الشباب السعودي ليكون مؤهلاً لقيادة إعلام بلده بكل كفاءة». وهنا أشار الدحيّه إلى «جدارة الشباب السعودي وقدرته على الإنجاز في القطاع الإعلامي»، وبرهن على ذلك بـ«مخرجات كليات وأقسام الإعلام في الجامعات السعودية بالتعاون مع جهات التدريب والتوظيف، وأشيد عالياً بخطوات التعاون الإيجابي، وأرجو أن يوازيها توجه واضح نحو التمكين الكامل».

من شأن تعليقات العقيل والدحيّه، وهما رئيسا قسمين للصحافة والإعلام في اثنتين من أهم الجامعات السعودية، أن تسلّط مزيداً من الضوء على إعلان وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري، يوم 20 فبراير (شباط) الجاري، إطلاق «الأكاديمية السعودية للإعلام»، التي تهدف إلى التمكين والتطوير والتدريب في تخصصات المستقبل، لتصبح الأكاديمية الإعلامية الخامسة في البلاد.

 

3 استراتيجيات دفعة واحدة

تميّزت تنمية القطاعات الرئيسية في البلاد خلال السنوات الأخيرة بالانطلاق من خلال استراتيجيات وطنيّة. وهذا ما لم يحظَ به قطاع الإعلام السعودي –آنذاك- الذي يُشارف عمره الحقيقي على إتمام المائة سنة الأولى.

منذ البدايات الأولى، عندما انطلقت صحيفة «أم القرى» يوم 12 سبتمبر (أيلول) 1924، وتلاها تأسيس وزارة الإعلام بمرسوم ملكي من الملك فيصل في مطلع مارس (آذار) عام 1963، لم يشهد قطاع الإعلام الرسمي السعودي، إطلاق استراتيجيّات كبرى من النوع الذي أعلن عنه وزير الإعلام السعودي أخيراً دفعة واحدة. إذ أُعلن عن 3 استراتيجيات تسير عليها منظومة الإعلام وتمثل خريطة طريق نحو إعلام المستقبل، وتسهم في تعزيز القطاع الإعلامي ورفع الجاذبية الاستثمارية، وأيضاً تعزيز كفاءة الكوادر الوطنية، لتتكامل بذلك مع استراتيجية «الهيئة العامة لتنظيم الإعلام»، التي أُعلن عنها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

على صعيد الأرقام، من شأن الاستراتيجية المزمعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون، على سبيل المثال، أن تكون تحت المجهر خلال المرحلة القادمة، خصوصاً من ناحية المحتوى المرئي المنتظَر، وسط تركيز المراقبين والمتابعين على جودته ورصانته وارتباطه بما ينتظرونه من الهيئة. وذلك بعدما أظهرت أرقام رصدتها شركة «التصنيف الإعلامية MRC»، نسب مشاهدات مرتفعة للتلفزيون في السعودية خلال العام المنصرم 2023، خصوصاً أن الشركة ذاتها استخرجت التصريح الوحيد من «الهيئة العامة لتنظيم الإعلام» الخاصة بقياس نسب المشاهدين في السعودية. وأظهرت البيانات أن مشاهدة التلفزيون في المنازل لا تزال قوية، مع نحو 19 مليون مشاهدة غير متكررة، أي ما يعادل نحو 93 في المائة من المشاهدين كل شهر، ويبلغ متوسط وقت المشاهدة اليومي نحو 4 ساعات و50 دقيقة.

الاستراتيجية المزمعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون ستكون تحت المجهر خلال المرحلة القادمة مع ارتفاع المشاهدات للتلفزيون في شهر رمضان الماضي إلى 50 % (موقع الهيئة)

وأضافت البيانات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من «MRC»، أن مشاهدة التلفزيون في السعودية «نشاط عائلي»، إذ إن ما يقرب من 80 في المائة من إجمالي المشاهدات على أجهزة التلفزيون في المنزل هي مشاهدات مشتركة، وقفزت نسبة المشاهدين الذين يشاهدون التلفزيون لمدة 16 يوماً أو أكثر في الشهر من 40 في المائة إلى 50 في المائة في شهر رمضان من العام الماضي.

المتخصّص في إدارة المؤسسات الإعلامية حبيب الشمري، رأى أن «هناك حراكاً كبيراً وواضحاً يتزامن معه إطلاق الاستراتيجيات الثلاث، بالإضافة إلى استراتيجية الهيئة العامة لتنظيم الإعلام من أجل أن تكون قادرة على احتواء هذا الحراك والتحديث، فالمشاريع الإعلامية التي أُطلقت خلال العام الماضي والحالي تهدف إلى رفع كفاءة وجودة المحتوى المحلي إضافةً إلى زيادة نصيب الإعلام المحلي من الوظائف والموظفين».

وطرح الشمري نماذج على ذلك: «نقل بعض القنوات الإقليمية ليكون مقرها في مدينة الرياض، أو إطلاق قنوات وخدمات إعلامية جديدة، ناهيك بالاتفاقيات الإعلامية التي تعقدها الشركات الإعلامية المحلية والهيئات الحكومية مع المؤسسات الإعلامية والتقنية العالمية ومعاهد صناعة الإعلام حول العالم بهدف توسيع الشراكات والاستثمارات وبناء العلاقات، في مجالات كثيرة على غرار إنتاج المحتوى الرقمي وتطوير المنصات الرقمية وخدمات الأبحاث الإعلامية، وتنظيم الفعاليات المتخصصة في مجال الإعلام، تصل في النهاية إلى الهدف الأهم وهو تطوير رأس المال البشري من خلال دعم الابتكار وزيادة فرص التدريب».

 

الشراكة مع شركات التقنية العالمية

وفي جانب الشراكة مع شركات من طراز «غوغل» و«هواوي» و«علي بابا» وغيرها، أجاب حبيب الشمري على سؤال لـ«الشرق الأوسط» بأن «تلك المؤسسات العالمية تستطيع أن تغير من واقع واستراتيجيات الهيئات والمؤسسات الإعلامية المحلية لمساعدتها على مواكبة التغيرات العالمية السريعة في مجال الإعلام، ولتكون أكثر حيوية ومنافسة من خلال احتكاكها بالشركات العالمية والاستفادة من تجاربها في نقل هذه المعرفة التقنية والإعلامية».

من زاوية أخرى، رأى الشمري أن «رؤية السعودية 2030 ركّزت في جزء من مبادراتها وبرامجها على مفهوم التوطين خصوصاً في التقنية والصناعات المختلفة، وبما لا يقل أهمية عن الصناعة هناك أيضاً تركيز على توطين ونقل المعرفة في مجالات مثل الإعلام ورفع كفاءة وتنافسية المحتوى المحلي في كل مجالات الإعلام... وهي شراكات ذات أهمية بالغة، إذ إن مثل هذه الشركات تقود المشهد العالمي إنْ صحَّ التعبير في مجال الابتكار وسوق المنتجات والتطبيقات الإعلامية وحتى في صناعة وتوجيه الرأي العام».

معرض «فومكس»

توطين أمن المحتوى والبيانات

ونتيجة لذلك، يضع حبيب الشمري إصبعاً على جانب ذي أبعاد مختلفة لجهة «أمن المحتوى والبيانات». ذلك أن شركات التقنية العملاقة مثل هذه الشركات، وفقاً لوصفه، «خلقت تحوّلات وتغيرات كبيرة بابتكاراتها التي تضم الذكاء الاصطناعي والحوسبة والتخزين السحابي، الأمر الذي يقودنا إلى قضية حساسة هي أمن المحتوى والبيانات ومسألة مَن لديه القدرة على امتلاك أو حتى الوصول إلى هذه البيانات، فالتوطين في مجال حساس كهذا أصبح أمراً بالغ الأهمية عند صانع القرار».

المهندس بندر المشهدي، الرئيس التنفيذي لشركة التصنيف الإعلامية «MRC»، اتفق هنا مع حبيب عبد الله، لكنه اشترط للتعاون أن يكون «بشكل شفاف ومستدام كي تعود الفوائد على الجميع وتحافظ على سيادة وحماية المعلومات الحساسة». وتابع أن الشراكات مع هذه الشركات المرموقة تُعزِّز بشكل عام قدرات وزارة الإعلام في مجال التكنولوجيا والاتصالات، وتسهم في تحسين الخدمات المقدمة ونطاق وصول المعلومات.

إنَّ جزءاً من المطالبات التي اعتاد قطاع الإعلام السعودي على تلقّيها كان أن يرتقي إلى مستوى الطموحات والإنجازات الجارية ضمن ورشة العمل الكبرى في البلاد، وفي هذه اللحظة الفارقة في تاريخ الإعلام السعودي، تتجه صوب متابعة تفاصيل التحوّل، ومعالجة مسائل الاستثمار واللوائح والتدريب والمحتوى، وغيرها، وعطفاً على تلك الاحتياجات التي يسردها الخبراء والمختصون وأبناء القطاع دائماً، فإن الأرقام والمؤشّرات، ستكون الشاهد الرئيسي، والمعيار الأساسي لقياس مستوى التحول.

وعطفاً على ذلك؛ هل تنجح المصافحة الحارّة بين الإعلام السعودي والمستقبل؟



«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.