هل تجيب الانطلاقة المليونية لـ«ثريدز» على سؤال ماسك؟

«مبارزة الملاكمة» بين مالك «تويتر» وزوكربيرغ تتجسد افتراضياً

هل تجيب الانطلاقة المليونية لـ«ثريدز» على سؤال ماسك؟
TT

هل تجيب الانطلاقة المليونية لـ«ثريدز» على سؤال ماسك؟

هل تجيب الانطلاقة المليونية لـ«ثريدز» على سؤال ماسك؟

مارك زوكربيرغ

بعد إطلاق شركة «ميتا» تطبيق «ثريدز»، المنافس المباشر، الذي يمكنه تهديد «تويتر»، سيكون من الصعب على إيلون ماسك، ألّا يلوم سوى نفسه.

قبل سنة، سأل ماسك: «هل تويتر يموت؟». وبعد ذلك قام بخطوة، لم يجد لها محللو وسائل التواصل الاجتماعي وراصدوها، حتى الآن، تفسيراً مقنعاً عن دوافعه للاستحواذ على هذا التطبيق المثير للجدل. إلا أن الانطلاقة الصاروخية لتطبيق «ثريدز»، قد تُقدم إجابة عن سؤال ماسك أعلاه، في أعقاب «الفوضى» التي أحدثها بنفسه على «تويتر».

الجدل المستمر لم ينتهِ بعد عن أهداف ماسك، رائد صناعة السيارات الكهربائية، وصواريخ الفضاء، وكوكبته من الأقمار الاصطناعية؛ لنقل خدمات الإنترنت، عبر امتلاكه «تويتر». ولعل مبلغ الـ44 مليار دولار أميركي، الذي دفعه الرجل، لا يعادله من حيث ضخامة دلالات السطوة، التي باتت تمتلكها وسائل التواصل الاجتماعي، سوى الرقم الخيالي الذي سجله تطبيق «ثريدز» لعدد المشتركين، والذي فاق 30 مليون مشترك خلال أقل من 24 ساعة. ولم تنمُ قاعدة مستخدمي المنصة الجديدة بسرعة فحسب، بل واجتذبت أيضاً نجوم وسائل التواصل الاجتماعي والمشاهير والساسة الذين لديهم القدرة على توليد هذا النوع من الضجيج، الذي لا يمكن إلا أن تحلم به غالبية الشركات الناشئة.

مبارزة حقيقية «افتراضياً»

قلة من الناس كانوا يعلمون أن «مبارزة الملاكمة» التي شاع خبرها بين مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» (مالكة «ثريدز» و«فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»)، وإيلون ماسك ستكون حقيقية... لكن في «العالم الافتراضي».

وفي سياق الجدل الدائر حول دور وسائل التواصل الاجتماعي في الإعلام، وفي التأثير في الانتخابات الأميركية، والقلق من استخدامها لنشر معلومات مضللة والتلاعب بالرأي العام، ادّعى ماسك بشكل مُبهَم، أن استحواذه على «تويتر» هدفُ إلى «الحد من سيطرة الليبراليين» على تلك الوسائل. لكن عديداً من المعلقين يقولون إن هذا الادعاء ليس أكثر من مجرد غطاء لتعزيز أرقام مستخدمي التطبيق. وفي المقابل، فإن زعم زوكربيرغ بأن شركته «مساحة للحرية» ادعاء كاذب هو الآخر في سياق «الحرب التجارية» المندلعة بين عمالقة التكنولوجيا، الذين باتوا يهيمنون على صناعة المحتوى الإعلامي نفسه.

جولة لصالح زوكربيرغ

بالنسبة إلى زوكربيرغ، كان الانطلاق الصاروخي لـ«ثريدز» خبراً ساراً يبحث عنه. إذ إنه كان قد سعى على مدى أشهر، إلى دعم الأعمال التجارية الأساسية للإعلانات الرقمية لشركة «ميتا»، من خلال تسريح الآلاف من الموظفين، ومحاولة اللحاق بشعبية تطبيق «تيك توك» الصيني، عبر رفع المحتوى على شبكاتها الاجتماعية، من منشئي المحتوى على منشورات الأصدقاء والعائلة.

ومع «ثريدز»، يحاول زوكربيرغ استغلال العثرات التي يواجهها «تويتر» تحت قيادة ماسك، لتوسيع البصمة الرقمية بطريقة كبيرة لشبكاته في وسائل التواصل الاجتماعي القائمة على النصوص. وحقاً، قال زوكربيرغ عبر «ثريدز» (الأربعاء): «سيستغرق الأمر بعض الوقت، لكنني أعتقد بأنه يجب أن يكون هناك تطبيق للمحادثات العامة فيه أكثر من مليار شخص (...) لقد أُتيحت الفرصة أمام (تويتر) لفعل ذلك لكنه لم يفلح. لنأمل نحن أن نفعل ذلك».

قاعدة مستخدمي «إنستغرام»

تراهن «ميتا» على أن قاعدة المستخدمين الكبيرة و«الصيغة الثقافية» لـ«إنستغرام»، ستمنحان الموضوعات ميزة تفتقر إليها بدائل «تويتر» الأخرى، التي بدأت من الصفر. إلا أن الخبراء يقولون إن الشركة لا تزال تواجه تحديّات لتجنب الغموض في «ثريدز»، بما في ذلك تطوير الميزات التي اعتاد مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي عليها، والحفاظ على التدفّق المستمر للمحتوى الذي يحافظ على مشاركة الأشخاص كل يوم. وهنا يقول مارك شموليك، الذي يغطي شركات الإنترنت الأميركية لشركة «برنشتاين»: «بالنسبة لي، السؤال الحقيقي بعد الإطلاق هو: هل يمكنك الاحتفاظ بالمستخدمين؟ وما مدى سرعة طرح الميزات التي يريدونها؟».

حتى الآن، يعمل تطبيق «ثريدز» بشكل مشابه لـ«تويتر». وهو ما حمل أليكس سبيرو، محامي «تويتر»، على توجيه خطاب إنذار إلى «ميتا»، يوم الخميس الماضي، اتّهم فيه الشركة بـ«التسلّط غير المشروع» على موظفي «تويتر» الذين طُردوا من التطبيق (أو المنصة) أو غادروه طوعاً من أجل تأسيس تطبيق «مقلَّد» في غضون أشهر.

وفي حين يشارك مستخدمو «ثريدز» المنشورات أو «الموضوعات»، مثل «تويتر»، التي تركّز على المشاركات النصّية، حيث يقتصر كل منها على 500 حرف (280 لدى «تويتر»)، يمكن للمستخدمين أيضاً وضع علامة على بعضهم البعض باستخدام الرمز «@»، وكذلك الرد على سلسلة رسائل و «إعادة نشرها». ولكن مع هذا، لا تزال مجموعة من الميزات والأدوات التي يمنحها «تويتر» غير متوافرة على «ثريدز». ولا تمتلك الموضوعات إمكانات اعتاد عليها عديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، مثل القدرة على إرسال رسائل مباشرة، للبحث عن المحتوى أو استخدام علامات التصنيف للاستفادة من الاتجاهات الفيروسية.

بيد أن مديري «ميتا» لمّحوا (الخميس) إلى أن مثل هذه التغييرات قد تكون في الطريق. إذ أفاد آدم موصيري، رئيس «إنستغرام»، على التطبيق، بأن الشركة تخطّط لتضمين وظيفة «بحث» وإصدار نسخة من تطبيق «ثريدز» على الإنترنت. وقال زوكربيرغ في منشور على التطبيق «يبدو الأمر بداية لشيء مميز، ولكن لدينا كثير من العمل في المستقبل لإنشاء التطبيق».

انطلاقة متدرّجة ذكية

في هذه الأثناء، كثرة من الخبراء يقولون إن اختيار شركة «ميتا» التدرج في تطوير تطبيق «ثريدز» خطة ذكية. فقد علّقت جاسمين إنبرغ، محللة وسائل التواصل الاجتماعي في شركة التحليلات الصناعية «إنسايدر إنتيليجنس»، بالقول إن بساطة تخطيط «ثريدز» قد تَلقى ترحيب مستخدمي «تويتر»، الذين عانوا من أجل التكيّف مع قائمة التغييرات التي فرضها إيلون ماسك. وأردفت: «في الوقت الحاضر، فإن بساطة (ثريدز) وطبيعته الأساسية هما ما تجذبان المستخدمين إليه... وأعتقد بأنه من الذكاء أن نأخذ الأمر ببطء في طرح الميّزات الجديدة».

وبالفعل، في غضون ساعات من إطلاق التطبيق الجديد، كان عديد من الفنانين والشخصيات الإعلامية، مثل كيم كارداشيان وجينيفر لوبيز وجاك بلاك وكايلي مينوغ وأرنولد شوارزنيغر وجوين ستيفاني ونوح بيك وشاكيرا، من بين الذين فتحوا حسابات في «ثريدز». أيضاً لحق بالسرب كل من المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية مايك بنس، ورئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، والنائبة اليسارية النيويوركية ألكساندريا أوكازيو كورتيز - التي انتقدت «تويتر» تحت قيادة ماسك - وكانوا من أوائل السياسيين الذين اشتركوا. وكتبت كورتيز معلّقة: «أتمنى أن تتمتع هذه المنصة بمشاعر جيدة، ومجتمع قوي، وروح دعابة ممتازة، ومضايقات أقل».

بيد أن أحد أبرز التحديات، بالطبع، هو معرفة ما سيكون عليه هذا التطبيق بالضبط. ومن بين الأسئلة الرئيسية، هو ما إذا كان الأمر سينتهي بمستخدمي التطبيق إلى مشاركة النوع نفسه من الانتقادات اللاذعة، والسياسة العدوانية، والتعليقات الحادة حول الأخبار والأحداث العالمية التي غالباً ما تكون شائعة على «تويتر»، بحسب إنبرغ. وتابعت: «أعتقد بأنه من الصعب تخيّل أنه سيكون نسخة طبق الأصل من (تويتر)، ولا أعتقد بأنه يجب أن يكون كذلك بالضرورة».

على أية حال، مع مليون مشترك في الساعة، بحسب أرقام «ميتا»، بدا أن الميزة المبتكرة لـ«ثريدز» هي ربطه بتطبيق «إنستغرام»، ما يمنحه قاعدة مستخدمين محتملة مضمونة يسهل الوصول إليها. لكن من نافل القول، إن إطلاقه تزامن مع نهاية أسبوع سيئة لـ«تويتر»، بعدما أعلن ماسك أن النظام الأساسي، سيحدّ مؤقتاً من عدد التغريدات التي يمكن للمستخدمين قراءتها يومياً. وكشف النقاب عن «إجراء طارئ مؤقت» يمنع المستخدمين الذين لم يسجّلوا الدخول من مشاهدة التغريدات على متصفح الويب الخاص بالتطبيق/ المنصة. وذكر إن هذه الخطوات تهدف إلى منع برامج «الأطراف الثالثة» الخارجية من تصفّح النظام الأساسي للحصول على بيانات المستخدمين.

هذا، وفي حين تتنافس الشركات إبان الأوقات العصيبة اقتصادياً على منصات التواصل الاجتماعي، التي تعتمد أعمالها بشكل كبير على الإعلانات الرقمية، أدى تباطؤ النمو في سوق التجارة الإلكترونية، وقواعد الخصوصية الجديدة من شركات التكنولوجيا الكبرى، وارتفاع التضخم، إلى الإضرار بالشركات التي تقدم خدمات التسويق. ولذا أقدمت «ميتا» و«غوغل» و«تويتر» وغيرها، على تسريح عشرات الآلاف من الموظفين خلال العام الماضي. ومنذ ذلك الحين، عادت ثرواتها إلى الانتعاش، حيث ارتفع سهم «ميتا»، على وجه الخصوص، بأكثر من 126 في المائة خلال ستة أشهر. وحققت في أبريل (نيسان) الماضي، أول زيادة ربع سنوية في إيراداتها خلال سنة تقريباً.


مقالات ذات صلة

تركيا: على «الناتو» إعادة ضبط علاقاته مع ترمب في قمة أنقرة

العالم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة... تركيا 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ) p-circle

تركيا: على «الناتو» إعادة ضبط علاقاته مع ترمب في قمة أنقرة

قالت تركيا، الاثنين، إنه يتعيّن على دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) العمل خلال القمة المقبلة في يوليو (تموز) بأنقرة على إعادة ضبط العلاقات مع الرئيس الأميركي ترمب.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
خاص ماذا يعني «حصار الحصار» في «هرمز»؟

خاص ماذا يعني «حصار الحصار» في «هرمز»؟

إيران فرضت حصاراً على مضيق هرمز في وجه العالم، في حين أبقت المضيق مفتوحاً أمام صادراتها ووارداتها.

محمد أبو حسبو (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد نزوله من طائرة الرئاسة في 12 أبريل 2026 في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية (أ.ف.ب)

ترمب: سندمر أي سفينة إيرانية باستخدام أسلوب التصفية الذي نطبقه ضد تجار المخدرات

حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، من أن أي سفينة إيرانية تقترب من نطاق الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية سيتم «تدميرها فورا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ قارب فلبيني يبحر بالقرب من سفينة تابعة لخفر السواحل الصيني في بحر الصين الجنوبي (أرشيفية - رويترز)

أميركا وأستراليا والفلبين تجري تدريبات مشتركة في بحر الصين الجنوبي

انضمت الولايات المتحدة وأستراليا إلى الفلبين في ثاني تدريبات بحرية مشتركة لهم هذا العام ببحر الصين الجنوبي.

«الشرق الأوسط» (مانيلا )
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف مستقبلاً الوفد الإيراني المفاوض برئاسة محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان (أ.ف.ب)

دعوات دولية لمزيد من التفاوض بين واشنطن وطهران

دعت دول عدة، يوم الأحد، الولايات المتحدة وإيران إلى تمديد الهدنة، وإجراء مباحثات إضافية، سعياً لوضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بعدما أخفقت جولة التفاوض.

«الشرق الأوسط» (لندن - باريس)

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».