استخدام «ميدجورني» يثير جدلاً في الإعلام الفرنسي

بين مناقشة سلبيات استخدام الذكاء الصناعي واعتباره فرصة يجب استغلالها

 الإعلام الفرنسي ... أمام التحدي
الإعلام الفرنسي ... أمام التحدي
TT

استخدام «ميدجورني» يثير جدلاً في الإعلام الفرنسي

 الإعلام الفرنسي ... أمام التحدي
الإعلام الفرنسي ... أمام التحدي

تقارير نُشرت أخيراً تشير إلى أن استخدامات الذكاء الصناعي في قطاع الإعلام الفرنسي لا تزال في مراحلها التجريبية، وإلى أن العراقيل أمام تعميمها تبدو كثيرة، أهمها أخلاقية وقانونية.

أبرز هذه التقارير دراسة حديثة لمعهد «رويترز» شارك فيها 300 من مسؤولي أكبر المؤسسات الإعلامية بعنوان «تقرير عن أفق الذكاء الصناعي لـ2023»، وهي تبيّن أن 5 في المائة فقط من المسؤولين التنفيذيين يستعملون تطبيقات الذكاء الصناعي في مؤسساتهم مقابل 39 في المائة ممن أعلنوا أنهم يستعملونها في سياق «تجريبي».

بالمناسبة، فإن الاعتماد على برامج الذكاء الصناعي بدأ في فرنسا منذ سنوات، مع صحيفة «لوموند» التي استعملت منذ 2015 برنامج «داتا2 كونتانت» الذي يُولّد الأخبار القصيرة، والذي نتج منه نشر نحو 53 ألف خبر قصير في تغطية فعاليات الانتخابات الجهوية. والبرنامج نفسه اعتمدته بعد ذلك مجموعات إعلامية كبيرة مثل «راديو فرانس» و«وست فرانس». إلا أنه رغم ذلك ظل الحذر الشديد محيطاً بكل ما يتعلق باستعمالات الذكاء الصناعي في وسائل الإعلام، ولا سيما، ما يخصّ نشر الصور التي يولّدها برنامج «ميدجورني» واستنساخ أصوات مقدّمي البرامج.

«ميدجورني» بمواجهة الصحافي المصّور

جدل كبير قسّم الوسط الإعلامي الفرنسي في الفترة الأخيرة بسبب قرار بعض الصحف اللّجوء إلى استعمال «ميدجورني»، الذي هو برنامج ذكاء صناعي يولّد صوراً مطابقة للواقع، ولقد طُوّر هذا البرنامج في مختبر بمدينة سان فرانسيسكو الأميركية. وفي قلب الجدل مشكلة أخلافية مفادها «هل نبقى مكتوفي الأيدي أمام تدمير الوظائف؟».

القضية بدأت مع صحيفة «لو فيغارو» التي لجأت يوم 26 مارس (آذار) المنصرم لإرفاق موضوع حول قضية نصب واحتيال بصورة لمجموعة من الأشخاص، والإشارة إلى أن الصورة ناتجة من استعمال تطبيق الذكاء الصناعي «ميدجورني».

لويس ويتر، وهو مصوّر مستقل لاحظ استعمال الصورة وأبدى استغرابه، فكتب تحت الخبر الذي صدر على حساب الصحيفة في «تويتر» بنبرة ساخرة «علماً بأننا نعاني نقص العمل كمصوّرين صحافيين... يا له من خبر مفرح...». بعدها، سحبت «لو فيغارو» الصورة مثال الإشكال من موقعها بعدما لاقى التعليق تفاعلاً كبيراً من مستخدمي المنصّة، لدرجة أن مدير قسم التصوير أدريان غيوتو تدخّل ليدافع على الصحيفة ويُوضح موقفها، حيث كتب «لقد حذفنا الصورة لأننا أدركنا أن ذلك لا يوافق سياسة الصحيفة». ثم يضيف «هذه الواقعة دليل على أن الذكاء الصناعي يحيط بنا في كل مكان، وعلينا أن نبدأ الآن في مناقشة هذه المواضيع مع كل زملاء المهنة...».

غلاف مجلة "روغار"

الذكاء الصناعي في خدمة المؤسسات الصغيرة

ولكن، بعد مضي أربعة أيام فقط فوجئ الجميع بصورة أخرى ناتجة من تطبيق «ميدجورني»، وهذه المرة منشورة على موقع مجلة «روغار» التابعة لليسار الفرنسي.

في الحالة الثانية كان هجوم المصوّرين على المجلة في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر حدّة، لا سيما وأنها لم توضح مصدر الصورة. وما زاد الطين بلّة أن رئيس تحرير المجلة بابلو بيو فيفيان صرّح لموقع «شاك نيوز» بأنها ليست المرة الأولى التي تستعين فيها المجلة ببرنامج «ميدجورني» لنشر صور ترافق بها مواضيعها. وأردف «نحن مؤسسة إعلامية صغيرة تنقصنا الإمكانات المادية؛ ولذا فإننا لا نستعمل إلا الصور الخالية من حقوق الملكية... أي أننا لا ندفع شيئاً مقابل استخدامها. وحين نعتمد على الصور الناتجة من (ميدجورني) فهذا لا يعني أننا نستعيض عن عمل المصوّرين بالذكاء الصناعي لأننا أصلاً لا نستعمل إلاّ الصور المجانية».

حقائق

جدل كبير قسم الوسط الإعلامي الفرنسي بسبب لجوء بعض الصحف إلى استعمال «ميدجورني»

إصرار رغم الجدل

هذا، وفي قرّرت مجلة «روغار» وقف استعمال «ميدجورني» إثر الهجوم الشديد الذي تعرّضت له، أصّر الموقع الإخباري الرياضي «سو فوت» على تحمّل مسؤولية قراراته باستعماله برنامج الذكاء الصناعي، مواجهاً حملة انتقادات شديدة على وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة في «تويتر». وهنا أيضاً، بيار موتارانا، مدير الموقع، اعترف في حديث صحافي بـ«أنها ليست المرة الأولى... بل نشر الموقع عشرات الصور الناتجة من تطبيق «ميدجورني)»، مُصراً على «أن هذا يبقى هامشياً إذا ما قورن بآلاف المضامين والصور الأخرى التي تنشر على الموقع». وكذريعة «روغار»، برّر موتارانا ما حصل بالوضعية الاقتصادية للموقع الإخباري الرياضي، قائلاً «أحياناً نجد انفسنا أمام خيار صعب... فنحن لا نملك الميزانية الكافية لدفع أجور المصوّرين الذين يغطّون الأحداث... كل تكاليفنا محسوبة بالمليم وأنا لا أعرف أي موقع إخباري مجاني يدفع تكلفة الصور عن كل موضوع»،. ثم أردف مستدركاً «طبعاً أنا أتفهم مشاعر الخوف التي يثيرها الذكاء الصناعي عند البعض، لكن علينا مواجهة ذلك عاجلاً أم آجلاً؛ ولذا فنحن نفضّل التعامل معه على أنه وسيلة مسخّرة لخدمتنا...».

الخطر على بعض المهن

وسط هذا الجو، يرى البعض أن الخطر لن يستهدف كل المهن، فمثلاً، لا خوف على مهنة الصحافي المحرّر الذي يعالج بالتحليل مواضيع مختلفة، وهو ما أكدته دراسة لمكتب «غارتنر» كشفت عن أن الذكاء الصناعي سيقضي على نحو 1.8 مليون وظيفة، أهمها في أقسام التصوير والغرافيك والترجمة وتركيب الفيديو والتسويق.

 

ومع أن نموذج «الصحافي الروبوت» أصبح واقعاً ملموساً مع التجارب التي سبق إطلاقها في الكويت وكوريا الجنوبية والصين، فإن استخدام الذكاء الصناعي في أقسام التحرير يبقى محدوداً. وحول هذا الأمر، وفي حديث لصحيفة «ليبيراسيون» أكدت ستيفاني لوكارن، مديرة رابطة المؤلّفين المحترفين، أن «بعض فروع القطاع الإعلامي ستكون معنية مباشرة بدخول مثل هذه البرامج، وذلك ليس فقط من خلال القضاء على فرض العمل عند المصورين ومُصمّمي الغرافيك، بل لكن أيضاً من خلال خفض الطلبات والمستحقات هذه بسبب منافسة الذكاء الصناعي».

الإشكاليات القانونية

الإشكالية الأخرى التي يطرحها «ميدجورني» تتمثل في كيفية استخدامه. ذلك أنه من المعروف أن «شبكات توليد الصور» تتعلم كيفية إنشاء الصور بناءً على ما سبق وشاهدته من قبل، ما يعني أن هذه البرامج «ستتغذّى» بعمل المُصورين و الرسّامين من دون مكافأتهم ولا حتى تنبيههم إلى ذلك، فكيف سيحسم هذا الجانب قانونياً؟

في المداخلة التالية التي نُشرت في صحيفة «ليبيراسيون» خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقرأ ما يلي «يستعمل الذكاء الصناعي صور المبدعين لتدريب برامجهم من دون أي ترخيص، وكأن الجميع مدعو لمأدبة كبيرة تغيب فيها حقوق الملكية. الكل مدعُو إلى الغرف من القاعدة المعلوماتية الكبيرة التي تسمى (لايون 5 بي)، وهي عبارة عن علبة عملاقة تحتوي على 6 مليارات صورة من مختلف المصادر كـ(غيتي ايمدج) و(غوغل ايمدج) و(بينترست) و(أرت ستيشاين) و(تويتر) وغيرها...». وحقاً، هذه المسألة كانت قد أثارت قلق المجلس الأعلى للإعلام (سي.إس.أ)، وهو الهيئة المسؤولة عن تأطير وتنظيم نشاط وسائل الإعلام في فرنسا، والتي كانت قد نشرت منذ 2017 بياناً على موقعها تعرب فيه عن قلقها وعن «دور الخوارزميات في الحصول على مختلف المضامين».

من تقنية "ميدجورني"

إن استنساخ أصوات الإعلاميين، ومقدمي البرامج يطرح هو الآخر مشكلة قانونية بسبب حقوق الملكية، ولكن أيضاً الاستعمالات المنتظرة منه، حيث تواجه الشركة الفرنسية المتخصّصة في استنساخ الأصوات «لوفويس لاب» مشكلة في تنفيذ مشاريعها مع «فرانس راديو» و«المعهد الوطني للأرشيف»؛ بسبب الغموض القانوني الذي يحيط بمفهوم «الاستعمال لأغراض تدريب الذكاء الصناعي». وبعض التعليقات استحضرت أيضاً المسؤولية القانونية للصحافة المكتوبة في تفاقم الارتباك الناتج من صعوبة التفريق بين الصّور الحقيقية والصور المزيّفة. وهنا يكتب المُصور الصحافي نيلز أكرمان في صحيفة «كورييه انترناسيونال»، معلقاً «في مواجهة صعود الذكاء الصناعي القادر على إنتاج صور مطابقة للواقع، يجب أن تبقى وسائل الإعلام أكثر من أي وقت مضى (أدوات للواقع)... سأشعر بالراحة لوجود (سوق للواقع) في عالم لا تبقى فيه حدود لتوافر المزيّف والمُركب».

وبالفعل، كل هذه الإشكاليات دفعت وسائل الإعلام إلى تنظيم ندوة كبيرة شاركت فيها أكثر من عشرين مؤسسة من بين الأهم في فرنسا كـ«لوموند» و«لوفيغارو» و«ليزيكو» و«ليبيراسيون» و«لوباريزيان»، وهي الندوة الأولى التي تنظم تحت شعار «تنظيم وحماية حقوق المؤسسات الإعلامية في مواجهة الذكاء الصناعي». وضمت الندوة التي انعقدت يوم 5 أبزيل (نيسان) الماضي ورشة عمل للبحث في سبل تأطير استخدامات الذكاء الصناعي واعتماد «ميثاق للمستخدمين».



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».