رئيس معهد «بوينتر» الأميركي: «تشات جي بي تي» ليس بديلاً للصحافيين

نيل براون دعا إلى وضع قواعد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام

معهد «بوينتر» للدراسات الإعلامية
معهد «بوينتر» للدراسات الإعلامية
TT

رئيس معهد «بوينتر» الأميركي: «تشات جي بي تي» ليس بديلاً للصحافيين

معهد «بوينتر» للدراسات الإعلامية
معهد «بوينتر» للدراسات الإعلامية

أضاف ظهور روبوت «تشات جي بي تي» تحدياً جديداً لصناعة الإعلام، وسط مخاوف من زيادة الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإعلامي، وخسارة الصحافيين وظائفهم، وتزايد أعباء المؤسسات الإعلامية التقليدية التي تكافح على طريق التحول الرقمي، لا سيما مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» حاورت نيل براون، رئيس معهد «بوينتر» الأميركي، وهو مؤسسة غير ربحية متخصصة في الدراسات الإعلامية، حول «تشات جي بي تي»، والتحديات المختلفة التي تواجه الإعلام التقليدي، وأيضاً دور المعهد في محاربة «الأخبار الزائفة». ولقد وصف براون «تشات جي بي تي» بأنه «أداة جديدة قوية يجب استكشافها بأمانة وبعقل متفتح»، مضيفاً «لا يزال من السابق لأوانه تحديد آثاره على صناعة الإعلام، فإنه مبدئياً يمكن أن يساهم في توفير وقت جمع المعلومات».

من جهة ثانية، لا يعتقد براون أن «تشات جي بي تي» سيكون بديلاً للصحافيين البشر، لا سيما أن «المحتوى الصحافي الجيد لا يزال يعتمد على التقارير الأصلية وجمع الأخبار، وليس فقط البحث على الإنترنت»، على حد تعبيره. ثم يقول إن «الصحافة الجيدة تكمن في اكتساب المصادر، وإجراء المقابلات، ووضع الملاحظات المباشرة... ولو كانت الصحافة تتعلق فقط بالبحث عن المصادر والمعلومات الموجودة على الإنترنت، فإنها تخطئ الهدف منها». ومن ثم، يشدد الخبير الأميركي على «ضرورة أن تكون وسائل الإعلام منفتحة وواضحة مع جمهورها عند استخدامها لتقنيات الذكاء الاصطناعي»، داعياً إلى «إجراء مناقشات واسعة لوضع قواعد وحدود لاستخدام الذكاء الاصطناعي... إذ لا بد من اكتشاف الطريقة التي تجعل تقنيات الذكاء الاصطناعي وسائل مساعدة بدلاً من الخوف منها»، قبل أن يخاطب الصحافي ناصحاً «كن حذرا، لكن مع الانفتاح على كل الاحتمالات».

في الواقع يفرض عصر التحوّل الرقمي جملة من التحديات على المؤسسات الإعلامية، وبالأخص وسائل الإعلام التقليدية. وهذه التحديات يلخصها براون في ثلاثة تحديات:

- الأول، هو الحفاظ على الجمهور، والسعي إلى زيادة عدد المتابعين في وقت يشهد السوق الإعلامي تجزئة شديدة.

- الثاني، مرتبط بالأول، ألا يكتفي بجذب الجمهور، بل لا بد - وفق براون - من أن يضمن الإعلام تحويل هذا الجمهور إلى عائدات مالية ثابتة تدعم استمرار الوسيلة الإعلامية، سواءً من خلال الاشتراكات أو التبرّعات أو الإعلانات.

- الثالث، الاستمرار في أن تكون الوسيلة الإعلامية - أيا كان شكلها - مصدراً أساسيا للمعلومات يحظى بالمصداقية لدى الجمهور. وهنا يضيف موضحاً أن «فقدان المصداقية يستتبعه بالضرورة خسارة ولاء الجمهور، وبالتالي العجز عن جني الإيرادات... وفي المحصلة فإن جميع التحديات مترابطة بعضها ببعض».

اقتراحات براون

لمواجهة التحديات المذكورة هذه، يقترح نيل براون أن «تظل المؤسسات الصحافية أو الإعلامية على اتصال مع جماهيرها، كي تتمكن من تكييف المحتوى بحسب الاحتياجات المتغيرة للجماهير» ويستطرد «لا يوجد شيء ثابت، ولذا يتوجب التكيّف مع التغيرات المتلاحقة، وتقديم المحتوى الإعلامي بطرق جديدة، تحمل قيمة مضافة للجمهور».

إن تحقيق الاستقرار المادي من أبرز المهام التي تواجه وسائل الإعلام حالياً، ولا سيما مع ميل بعضها إلى الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر دخل. وفي هذا الشأن يرى رئيس معهد «بوينتر» أن «الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي مصدر دخل كبير لوسائل الإعلام»، لكن في الوقت نفسه يقول إن «المحتوى الإعلامي يتطلب وجود وسائط متعددة لتوزيعه... إذ ما عاد من الممكن الاعتماد على مصدر أو وسيط واحد. إن إنتاج محتوى جيد ودقيق ومثير لاهتمام القراء أمر مكلف، ولهذا تحتاج وسائل الإعلام إلى تنويع مصادر الدخل، بحيث تشمل الاشتراكات والتبرّعات، وإن ظلت عائدات الإعلان جزءاً من المعادلة».

على صعيد آخر، عن دور معهد «بوينتر» في دعم صناعة الإعلام والصحافيين. يشرح براون أن مهمة المعهد الأساسية هي «مساعدة الصحافيين على التفوق في مهنتهم، وفهم التحديات والأسئلة الأخلاقية، والاستجابة لها من أجل الحفاظ على ثقة الجمهور». ويضيف أن «المعهد يعمل عن كثب مع الأفراد على جميع المستويات في المؤسسات الإعلامية لتطوير مهارات القيادة، والإدارة، وتكوين جيل جديد قادر على إدارة المؤسسات الإعلامية بشكل يراعي التكيف مع احتياجات ورغبات الجمهور المتغيرة».

ثم يواصل كلامه قائلاً «إن العاملين في المعهد يمضون الكثير من الوقت في العمل على تحسين العملية الصحافية، وطرق سرد القصص، وشرح المبادئ الأخلاقية، بهدف ضمان مواصلة الصحافة دورها في خدمة الجمهور، وتقديم قيمة مضافة، وخاصة أن المعهد يؤمن إيماناً مطلقاً بأن الصحافة مكوِّن أساسي للديمقراطية». ومن أجل تحقيق هذه الغاية، يقدم المعهد تدريبات متعددة في إدارة التغيير، وتكوين فرق عمل متنوّعة قادرة على إنتاج محتوىً متنوع ودقيق، إلى جانب «مساعدة المؤسسات على التحوّل الرقمي، ومحاربة المعلومات الزائفة عبر فرق تدقيق الحقائق... وبالفعل، يدعم المعهد مدقّقي الحقائق في جميع أنحاء العالم، كما أنه أسس برامج مبتكرة في محو الأمية الإعلامية، بهدف تمكين الجمهور من الحكم على سلامة المعلومات وجودتها».

شراكة مع برنامج «تيك توك» التعليمي

وفي إطار محاربة «المعلومات المضللة»، عقد المعهد أخيراً شراكة مع برنامج «تيك توك» التعليمي. ويفيد نيل براون في هذا الصدد بأنه «من خلال مبادرات التحقق من المعلومات، ومحو الأمية الإعلامية، يوفّر المعهد للصحافة والجمهور وسائل للتحقق من المعلومات، مع محاولة مساعدة وسائل التواصل الاجتماعي على تحسين جودة ودقة المحتوى على منصاتهم». ويضيف أنه «في المقابل، لا يستطيع المعهد التحكّم فيما تقدّمه هذه المنصات، وإن كان يرفض الشراكة في أي مبادرة ما لم تكن لديه سيطرة تحريرية كاملة». ثم يفصّل أنه فيما يتعلق بالشراكة مع «تيك توك» في المحتوى التعليمي، فإن «منصة تيك توك تواصلت مع المعهد للتحقق من دقة المواد المنشورة على قناتها التعليمية، وهو ما وافق المعهد عليه» معتبرا أن «المساعدة في تحسين جودة المعلومات على تيك توك أمر جيد».

أيضاً يشير براون إلى أن «الشراكة مع تيك توك إنما هي مكوّن صغير في جهود المعهد لمكافحة المعلومات المضللة... ذلك أن أهم الجهود في هذا السياق هو موقع بوليتيفاكت (PolitiFact)، الحائز على جائزة بوليتزر المرموقة، والذي يتحقق من المعلومات عن السياسيين والمحللين الأميركيين والمحتوى على المنصات الاجتماعية مثل فيسبوك... هذا الموقع ينشط في محاربة المعلومات الزائفة».

وإضافة إلى ما سبق، يذكر براون أن «المعهد هو موطن الشبكة الدولية لتقصي الحقائق التي تدعم مدققي الحقائق في أكثر من 60 دولة حول العالم، من خلال توفير الموارد ومشاركة أفضل الممارسات وكتابة مدوّنة مبادئ تحدد معايير جودة التحقق من المعلومات، بالإضافة إلى منح مالية لمدققي الحقائق في دول الجنوب». وفي هذا السياق أيضا، أسس المعهد برنامج «ميديا وايز». وعنه يقول إن «البرنامج يعمل على تدريب طلبة المدارس الابتدائية والجامعات على فرز المعلومات، والتحقّق مما ينشر على شبكة الإنترنت، ثم إن المعهد يساعد أيضا في تنظيم حملات وفعاليات عالمية للتحقق من المعلومات، مثل الأسبوع العالمي للتحقق من المعلومات الذي عقد في بداية أبريل (نيسان) الماضي لتعزيز مكافحة المعلومات المضللة».

أما على الصعيد الأخلاقي، فإن الخبير الإعلامي الأميركي يشدد على القول بأن «الصراع بين السرعة والدقة يظل أحد أكبر التحديات الأخلاقية في مجال الإعلام الرقمي، وكذلك على منصات التواصل الاجتماعي» ويضيف «المنصات الرقمية تتيح نشر المعلومة بسرعة كبيرة، وهذه ميزة لكنها تؤدي في بعض الأحيان إلى التضحية بمبدأ الدقة». وهنا يعتبر براون التضحية بالدقة من أجل السرعة مشكلة جدية، لأن «المعلومات الخاطئة أو غير الدقيقة تلوّث نظام المعلومات، ما يؤدي إلى خسارة الجمهور، وبالتالي الإيرادات».

ومن ثم يوضح براون أن «التكنولوجيا تسمح لبعض الجهات الفاعلة السيئة بالربح من خلال نشر معلومات غير صحيحة في شكل يجعلها تبدو دقيقة وموثوقة، وهذا هو ما دفع معهد بوينتر إلى العمل مع المؤسسات على تعزيز الثقة في الصحافة من خلال التأكيد على المهارات وعلى أخلاقيات المهنة». ويتابع أن «السير على هذا النهج والتركيز على السرعة قبل الدقة لن يؤثر فقط على المصداقية، بل سيؤدي في النهاية إلى القضاء على الصحافة الجيدة».

على الوجه الآخر للمعادلة، لا يعني هذا أن تركن الصحافة إلى الوسائل القديمة، وهنا يحرص براون على القول بأن «العصر الرقمي يتطلب الحرص على التطور باستمرار، والانفتاح على تجربة أشكال جديدة... الإعلام الرقمي قويٌ ورائع، ولكن لا بد من التمسك بالقيم الأساسية للدقة والشفافية والصدق».

ويختتم براون كلامه بالإشارة إلى أن «هناك فجوة بين تدريس الإعلام والممارسة العملية... بيد أن برامج محو الأمية الإعلامية، والجمع بين الصحافيين والمواطنين في مقدمة العملية، ومساعدة المستهلك على فهم ما نقوم به ولماذا؟ عناصر ستضيّق بل تعمل على ردم الفجوة... إن من الأهمية بمكان الانفتاح على الجمهور، ومتابعة رد فعله على ما يقدَّم له من محتوى، والعمل على تلبية احتياجاته المتغيرة، جنباً إلى جنب مع الحفاظ على مبادئ وأخلاقيات الإعلام».

 



هل يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية؟

الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
TT

هل يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية؟

الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)

مع ازدياد الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مهام عدة، يزداد الجدل بشأن إمكانية استخدامه في كتابة القصص الصحافية. وبينما اعتبر خبراء أن هذا الاستخدام «مفيد»؛ لا سيما في تحديد القصص الصحافية وصياغة العناوين، فإنهم أكدوا أن «المراجعة البشرية تظل ضرورية».

وأشار تقرير نشرته مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» التي تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا، الأسبوع الماضي، إلى ما وصفه بـ«نصائح متضاربة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص والعناوين الصحافية».

ووفقاً للتقرير الذي أعدته الأستاذة في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا، أنيكا كولير نفارولي، فإن «كتابة العناوين واحدة من الأدوار التي يمكن أن تؤديها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع تطوير نماذجها اللغوية لتصبح مؤهلة لاقتراح العنوان الأنسب».

لكن في الوقت ذاته، فإن «الأمر لا يخلو من مخاطر»، حسبما يوضح التقرير الذي يشير إلى أن «إرسال مواد غير منشورة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغتها وتدقيقها، يُثير تساؤلات بشأن حقوق الملكية الفكرية، وما إذا كانت هذه التطبيقات ستعيد استخدام المحتوى، ما يُعرِّض الصحافي لمخاطر قانونية وأمنية».

وقال التقرير إن «صناعة الذكاء الاصطناعي التي تقدَّر قيمتها بنحو 3 تريليونات دولار، اعتمدت على أعمال صحافيين تم تدريب الروبوتات عليها، من دون موافقة من صُناع المحتوى أو تعويضهم عن ذلك»، لافتاً إلى تحقيق أجرته «واشنطن بوست» أثبت أن «نصف المواقع العشرة الأولى التي استُخدمت في تدريب الذكاء الاصطناعي كانت مواقع إخبارية».

وحسب تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو» فإنه «بعد نفاد البيانات المتاحة، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي في الاعتماد على البيانات الاصطناعية لتدريب الذكاء الاصطناعي، أي الاعتماد على ما ينتجه الذكاء الاصطناعي نفسه، ما يثير مخاوف بشأن ترسيخ تحيُّزات وهلوسات الذكاء الاصطناعي».

وفي رأي الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، فإن الذكاء الاصطناعي «يمكن أن يكون أداة مفيدة في تحرير القصص الصحافية؛ بل وحتى في صياغة العناوين». ولكنه أوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن «العنصر البشري يظل ضرورياً في مرحلة المراجعة النهائية للقصص الصحافية».

وقال إن «الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يحلَّ بالكامل محل الذكاء البشري، فهو مجرد أداة تقنية مساعدة لن تغني عن دور البشر»، لافتاً إلى أنه «في كثير من الحالات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد أيضاً في اختيار الكلمات، مثل اقتراح المرادفات، وتحسين جودة الصياغة، وتوضيح المعاني».

وأكد إكو «ضرورة وضع قواعد لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ووضع محددات بشأن مدى ملاءمة مشاركة معلومات سرية عبر هذه التطبيقات». وقال إن «التطورات التكنولوجية المتسارعة تتطلب إعادة مناقشة الأخلاقيات الإعلامية والمعايير المهنية، لا سيما مع انحيازات تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعروفة».

ويوصي رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، بضرورة «تدقيق المعلومات التي يتم استقاؤها من الذكاء الاصطناعي، وعدم الاعتماد بشكل كلي عليها». كما يلفت إلى أن «الصحافي قد يرى في هذه التطبيقات أدوات تُسهِّل عمله؛ لكن استمرار الاعتماد عليها سيفقده مهارته، ويقضي على التنوع في القصص والقوالب؛ لا سيما أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي باتت تكرر القصص والعناوين وزوايا المعالجة ذاتها».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

وأشار تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو» إلى «اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي على مسودات المستخدمين والأوامر المكتوبة بأيدي البشر لتدريب نماذجها»، ولفت إلى دراسة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد في سبتمبر (أيلول) الماضي، وجاء فيها أن «شركات مثل (أمازون)، و(أنثروبيك)، و(غوغل)، و(ميتا)، و(مايكروسوفت)، و(أوبن إيه آي) تستخدم بيانات محادثات مستخدميهم، لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتحسينها».

وخلص التقرير إلى «التحذير من مخاطر إدخال مسودات أو معلومات سرية إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، نظراً لعدم معرفة الطريقة التي سيتم بها استخدام هذه المعلومات أو البيانات».

من جهتها، أكدت الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، أستاذة الإعلام والتواصل، الدكتورة سالي حمود: «إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية»؛ لكنها قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن «الذكاء الاصطناعي يفتقد العمق والتحليل البشري في تحرير القصص، وصياغة العناوين أو تحسينها، واختيار الكلمات والحفاظ على الموضوعية».

وحول ما يتعلق بالعناوين، أفادت الدكتورة سالي حمود بأن «العناوين مهمة جداً؛ كونها دلالات مرتبطة بالسياق والثقافة الشعبية، ويجب أن تكون جذابة، وهو ما يفتقده الذكاء الاصطناعي»، موضحة أن «الذكاء الاصطناعي له تحيزاته التي تؤثر في العمل الصحافي وفي زوايا الكتابة الصحافية، ما يتسبب في تكرار معالجة القضايا والزوايا نفسها باستمرار».

وترى الباحثة الإعلامية اللبنانية «ضرورة العمل على وضع أطر مؤسسية ممنهجة، بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في صالات التحرير وغرف الأخبار، ليصبح جزءاً من العملية التحريرية، ما يعزز فوائده ويقلل أضراره».

وبينما ينصح خبراء بـ«عدم إدخال البيانات السرية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لحين معرفة الآلية التي سيتم بها إعادة استخدامها»، تبقى الخيارات أمام الصحافي محدودة، في ظل التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، وسط مطالبات بحوكمتها، ووضع قواعد لاستخدامها لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى صيغة واضحة، في الوقت الذي يستمر فيه الصراع بشأن الملكية الفكرية للمعلومات بين المؤسسات الإعلامية الكبرى وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتحدَّث تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، عن اتجاه أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة إلى «حظر أو تقييد الوصول لأرشيفهم على الإنترنت؛ إثر تصاعد استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي، دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى».

ووفق تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، نهاية يونيو (حزيران) الجاري، فإن «الخيار الأقل خطراً فيما يتعلق بمسودات الصحافيين غير المنشورة، هو استخدام نموذج لغوي كبير محلي». وأوضح أن «هذا نوع من نماذج اللغة الكبيرة يُمكن تشغيله على جهاز الحاسب الآلي، تمتلكه غرفة الأخبار أو الصحافي نفسه».

ولفت التقرير إلى أن «هذا النوع من النماذج يتيح للمؤسسة أو الصحافي، القدرة على تحديد كيفية استخدام النماذج للبيانات». ولكنه أشار إلى أن «هذا النوع من النماذج المحلية ليس شائعاً». واقترح «تحالف أدوات غرف الأخبار» وهي فكرة اقترحها باحثون العام الماضي كبديل «أكثر أماناً للتعامل مع المسودات غير المنشورة».

وحسب «كولومبيا جورناليزم ريفيو» فإنه «حتى تصبح هذه الحلول أكثر انتشاراً، يجب على الصحافيين التدقيق في سياسات الخصوصية الخاصة بالنماذج المتاحة للجمهور، والتفاوض مع شركات الذكاء الاصطناعي، أو رفض السماح باستخدام مدخلات الدردشة في عمليات تدريب جديدة، والمضي قُدماً بحذر في أفضل الأحوال».

«الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة لن تغني عن دور البشر»


بريطانيا تتجه لتنظيم «أولوية ظهور الأخبار» على المنصات لضبط المحتوى

شعار "ميتا"  (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

بريطانيا تتجه لتنظيم «أولوية ظهور الأخبار» على المنصات لضبط المحتوى

شعار "ميتا"  (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

تتجه الحكومة البريطانية نحو تنظيم أولوية ظهور المحتوى الإخباري على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الفيديوهات بـ«هدف التصدي للفوضى الرقمية وضمان وصول الجمهور إلى مصادر موثوقة». ورغم أن معايير تحديد «المؤسسات الموثوقة» لا تزال قيد النقاش، فإن خبراء أبدوا تفاؤلاً حذراً تجاه هذه الخطوة، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أنها «قد تساهم في حماية المحتوى الجاد وتعزيز التنافسية بشرط وضع معايير موضوعية وشفافة».

وبحسب وزيرة الثقافة والإعلام والرياضة، ليزا ناندي، فإن «الحكومة البريطانية تخطط حالياً لدعوة شركات التكنولوجيا الكبرى مثل (يوتيوب) و(ميتا) لإجراء هذه التغييرات بشكل طوعي، مع الاحتفاظ بحقها في اللجوء إلى التنظيم التشريعي والقانوني في حال عدم استجابة تلك الشركات». وأضافت في تصريحات قبل نهاية يونيو (حزيران) الحالي أن «أكثر جزأين عرضة للخطر في الوقت الحالي هما هيئات البث العام والمؤسسات الإخبارية؛ لذا نحتاج إلى إيجاد آلية تدمج القديم بالجديد لضمان حصول الجمهور على أفضل محتوى إخباري وترفيهي ممكن».

وفي مسعى لتعزيز المصداقية، حددت الحكومة مجموعة من المؤسسات الإعلامية كجهات مرشحة للاستفادة من سياسات «أولوية الظهور»، شملت «هيئة الإذاعة البريطانية»، وشبكة «آي تي في»، وهيئة البث الاسكوتلندية، والقناة الرابعة، وقناة «إس فور سي» الويلزية، والقناة الخامسة، إلى جانب فئات أخرى من مقدمي الخدمات الموثوقين. ومع ذلك تجنبت الورقة الحكومية تقديم تعريف دقيق لمفهوم «الإعلام الخدمي العام»، مؤكدة أن هذا المصطلح سيخضع لنقاشات موسعة خلال فترة الاستشارة العامة.

وفي رد فعل سريع، حثت «رابطة الأخبار» - التي تمثل الناشرين الوطنيين والإقليميين في بريطانيا - الحكومة على توسيع نطاق هذه المقترحات لتتجاوز هيئات البث العام؛ إذ أكدت الرابطة أن الأمر لا يقتصر على هيئات البث العام، مشددة على «ضرورة ضمان شمولية المعايير لتشمل كافة الناشرين المستقلين، لضمان دعم البيئة الإعلامية المتنوعة وحماية الأصوات الموثوقة التي تشكل ركيزة أساسية في الإطار الديمقراطي للبلاد».

المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، حاتم الشولي، يرى أن «المقترح فرصة لفتح ساحات النقاش»، وقال: «أتوقع أن تكون مؤسسات الإعلام ذات الخدمة العامة هي القاعدة الأساسية التي ستُبنى عليها التجربة بشكل عام».

ورغم عدم رفع سقف التوقعات، فإن الشولي عدّها خطوة مُبشّرة، لكن في الوقت عينه أشار إلى بُعد «الاستقلالية المهددة». وأوضح: «مثل هذه الخطوات ستحد بشكل كبير من حرية المنصات في ترتيب المحتوى؛ لأن أفضلية الخوارزميات ستحدد ذلك، لكن في نفس الوقت لا يوجد أي إشارة إلى أنه سيتم حذف المحتوى أو منعه من باقي المنصات، وهنا تظهر زاوية مختلفة، وهي إعادة ترتيب نشر المحتوى، مما يعني أن بعض المنصات الإخبارية المستقلة يجب أن يكون لها منصات خاصة تتحكم بها بعيداً عن منصات التواصل بشكل رئيسي».

كما أشار الشولي إلى خطر «تهميش المنابر الإعلامية الناشئة»، وقال: «أعتقد أن هذا أكبر تحدٍّ سيواجه التجربة؛ ولذلك لاحظت أن (جمعية الأخبار البريطانية) طلبت أن يكون هناك قائمة واسعة وشاملة للناشرين المعترف بهم، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح، ولو كانت القائمة واسعة وتشمل الجميع ربما هذا سيصب في صالح المنصات الناشئة لتدخل ملعب الكبار».

وتجدر الإشارة إلى أن «قانون السلامة عبر الإنترنت» الصادر عام 2023 يضع تعريفاً محدداً لـ«الناشر الإخباري المعترف به»، ليشمل كل من حصل على ترخيص بث من هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم)، أو الكيانات التي تخضع لرقابة تحريرية وتمارس نشاطها من خلال مقر عمل مسجل داخل المملكة المتحدة، وهو التعريف الذي يُرجح اعتماده كركيزة أساسية لهذه المقترحات الجديدة.

المختص في التسويق الرقمي بمصر، عبد الله جمعة، أشار إلى أن معيار الموثوقية «فضفاض». وقال: «لا يمكن رهن مصداقية العمل الإعلامي بالوضع التنظيمي، أو الحصول على تراخيص البث فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مدى التقيد بأخلاقيات المهنة، من حيث دقة المعلومات، وتعدد المصادر، والشفافية في تصحيح الأخطاء حال حدوثها».

واقترح جمعة «في حال اتجهت الحكومات لوضع إطار تنظيمي، فمن الأفضل أن يكون بمشاركة الجهات التنظيمية والمؤسسات الإعلامية ونقابات المهنة وخبراء الإعلام الرقمي». وشدد على ضمان الآليات التي تمكّن الحكومات من تحقيق المستهدف، وعدّدها بالقول: «يجب التحقق من هوية المؤسسات الإعلامية، والاستعانة بجهات مستقلة لتقصي الحقائق، وقياس مدى الالتزام بالمعايير المهنية، إلى جانب أدوات تقنية لرصد المحتوى المضلل».

وأضاف: «في هذه الحالة لا بد أن تكون المعايير معلنة وشفافة وتطبق على الجميع، حتى لا تتحول إلى معايير تقديرية أو تثير مخاوف بشأن العدالة والمنافسة بين المؤسسات الإعلامية».

وأشار إلى أن «نجاح التجربة في دفع الأخبار الموثوقة على واجهة منصات التواصل الاجتماعي لن يتصدى لأزمة فوضى المعلومات فحسب، وإنما سيعزز التنافسية أيضاً».

كما أوضح المختص في التسويق الرقمي أنه «إذا وضعت الدولة معايير معلنة وواضحة راعت مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المؤسسات الإعلامية، بغض النظر عن حجمها، فسيكون ذلك داعماً للتنافسية والتعددية. أما إذا حدث العكس، فأعتقد أن هناك تخوفاً مشروعاً في حال لم تُصمم هذه السياسات بعناية». وتابع قائلاً إن «مبدأ التعددية الإعلامية يقوم على إتاحة الفرصة لمختلف الأصوات للوصول إلى الجمهور، وليس فقط للمؤسسات الكبرى».


الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات