ثورة «إنتل» الرسومية: بطاقة «آرك بي580» تُحرج المنافسين بسعر غير مسبوق

تصميم متطور ومعمارية ثورية يهدفان إلى تغيير موازين المنافسة

مزايا تقنية متقدمة للاعبين وصناع المحتوى
مزايا تقنية متقدمة للاعبين وصناع المحتوى
TT

ثورة «إنتل» الرسومية: بطاقة «آرك بي580» تُحرج المنافسين بسعر غير مسبوق

مزايا تقنية متقدمة للاعبين وصناع المحتوى
مزايا تقنية متقدمة للاعبين وصناع المحتوى

بعد طول انتظار وترقب، دخلت «إنتل» مجدداً ساحة المنافسة في سوق بطاقات الرسومات المخصصة للألعاب ببطاقة «إنتل آرك بي580» Intel Arc B580. ولا تمثل هذه البطاقة مجرد تحديث روتيني، بل تجسيد للجيل الثاني من معمارية «إكس إي باتلمايج» Xe Battlemage التي تعد بتقديم قفزة هائلة في الأداء. وتقتحم البطاقة فئة سعرية مزدحمة مستهدفة اللاعبين الذين يبحثون عن أقصى أداء ممكن دون إنفاق مبالغ طائلة.

ويمكن القول إن هذه البطاقة ليست مجرد منافس جديد، بل هي تغيير ثوري يهدف إلى تغيير موازين القوى وإجبار المنافسين على إعادة تقييم استراتيجياتهم من خلال بطاقة متكاملة تتفوق على منافسيها الراسخين تعلن عن بداية عهد جديد في عالم الرسومات. واختبرت «الشرق الأوسط» البطاقة، ونذكر ملخص التجربة.

تصميم يركز على التبريد ورفع مستويات الأداء

تصميم متطور ومعمارية ثورية

ويركز تصميم البطاقة على توفير تبريد فعال وهادئ يشتمل على مروحتين وغطاء معدني خلفي لتعزيز التبريد والصلابة. وتتطلب البطاقة موصل طاقة قياسياً واحداً ثماني الأسلاك، ويُقدر استهلاكها الأقصى للطاقة بنحو 190 واط، نظراً للأداء الفائق الذي تقدمه.

وتكمن شريحة «بي إم جي-جي21» BMG-G21 المتطورة في قلب البطاقة، التي تم تصنيعها بدقة 5 نانومتر بهدف زيادة كثافة الترانزستورات وتحسين كفاءة الطاقة. وتتكون هذه الشريحة من 20 نواة «إكس إي2» Xe2، وهي الوحدات الأساسية للمعالجة الرسومية، التي بدورها تحتوي على 128 وحدة تنفيذ و2560 معالج تظليل موحداً. وهذا العدد الكبير من وحدات المعالجة يمنحها قدرة كبيرة جداً على معالجة البيانات الرسومية المعقدة.

ولتعزيز قدراتها في الألعاب الحديثة، تم تزويدها بـ20 وحدة مخصصة لتتبع الأشعة الضوئية من مصدرها Ray Tracing Units، بالإضافة إلى 160 مسرع مصفوفة «إكس إم إكس» Xe Matrix eXtensions XMX لدعم عمليات الذكاء الاصطناعي مثل تقنية «إكس إي إس إس» XeSS. إلا أن الميزة الأبرز تكمن في نظام الذاكرة، حيث تستخدم البطاقة ذاكرة رسومات بتقنية «جي دي دي آر6» GDDR6 بسعة 12 غيغابايت متصلة عبر ناقل ذاكرة Bus بعرض 192-بت. وهذا التصميم يمنحها عرض نطاق ترددي للذاكرة يصل إلى 456 غيغابايت في الثانية، وهو ما يتجاوز منافسيها بنسبة 50 في المائة تقريباً، مما يخفض من اختناقات نقل البيانات ويسمح بأداء أكثر سلاسة في الدقات العالية وبالإعدادات القصوى. وتعمل البطاقة بتقنية «بي سي آي إي 4» PCIe بـ8 مسارات، وتستطيع عرض الصورة بدقة 4320x7680 بكسل بتردد 120 هرتز، ويبلغ وزنها 779 غراماً.

تقنيات المستقبل بين يديك اليوم

البطاقة مزودة بأحدث التقنيات لضمان جاهزيتها للمستقبل، ومنها الدعم الكامل لامتدادات «دايركت إكس 12 ألتيمت» DirectX 12 Ultimate مما يعني أنها قادرة على تشغيل جميع الميزات الرسومية المتقدمة مثل تتبع الأشعة الضوئية من مصدرها والتظليل متغير المعدل Variable Rate Shading VRS وتقنية «تظليل الشبكات الرسومية» Mesh Shaders، وميزة «ملاحظة العينات» Sampler Feedback، وهي تقنيات أساسية في الألعاب الحديثة.

وأصبحت تقنية «إكس إي إس إس 2» XeSS 2 (Xe Super Sampling) أكثر نضجاً وفاعلية، حيث تستخدم الذكاء الاصطناعي لرفع دقة الرسومات العادية بجودة مبهرة. ومع إضافة ميزة «توليد إطارات الرسومات» Frame Generation باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، يمكن للبطاقة مضاعفة معدل الرسومات في الثانية، ما يجعل اللعب بدقة عالية أكثر سلاسة. وعلاوة على ذلك، تُعد البطاقة خياراً ممتازاً لصناع المحتوى بفضل محرك الوسائط المتقدم الذي يوفر تسريعاً كاملاً لتشفير وفك تشفير الفيديو بتقنية AV1، وهو المعيار الجديد لبث الفيديو عالي الجودة. وأخيراً، تدعم البطاقة 3 منافذ DisplayPort 2.1 ومنفذ HDMI 2.1a لضمان توافقها مع أحدث الشاشات ذات معدلات التحديث العالية والدقات الفائقة.

بطاقة متكاملة تتفوق على منافسيها وبداية عهد جديد في عالم الرسومات

تجربة لعب استثنائية تتجاوز التوقعات

وتُترجم هذه المواصفات والمزايا إلى أداء استثنائي في الألعاب، حيث تُظهر الاختبارات أن البطاقة ليست مجرد تطوير للسلسلة، بل هي قفزة ثورية تتجاوز الجيل السابق «إيه580» A580 بأداء يصل إلى 42 في المائة أعلى وبدقة 1080، مما يوضح مدى التطور الذي حققته معمارية «باتلمايج» الجديدة.

وبالنسبة للأداء مقارنة بالمنافسة، تتفوق هذه البطاقة على «إنفيديا جيفورس آر تي إكس 4060» NVIDIA GeForce RTX 4060 بنسبة 5 في المائة، وتوسع الفجوة مع بطاقة «إيه إم دي آر إكس 7600» AMD RX 7600 لتصل إلى 15 في المائة. وهذا الأداء القوي يجعلها مثالية للاستمتاع بأحدث الألعاب بدقة 1080 بإعدادات رسومات فائقة Ultra في الألعاب، مع تحقيق معدل رسومات في الثانية يتجاوز 60 صورة في الثانية بسلاسة، مع قدرتها على تقديم أداء مناسب بدقة 1440، ما يجعلها خياراً مناسباً للاعبين الذين يخططون للترقية إلى شاشات أعلى دقة في المستقبل القريب.

وتجدر الإشارة إلى أنه للحصول على أقصى إمكانات البطاقة، فيجب تفعيل تقنية «ريسايزابل بار» Resizable BAR (أو «سمارت آكسيس ميموري» Smart Access Memory على منصات «إيه إم دي») من خلال إعدادات «بايوس» BIOS في اللوحة الأم.

واقعية مبهرة لتتبع الأشعة الضوئية من مصدرها

ولطالما كان أداء تتبع الأشعة الضوئية من مصدرها هو المعيار الذي يميز بين بطاقات الفئة العليا والمتوسطة، وهو المجال الذي أظهرت فيه «إنتل» منافسة شرسة. وتقدم معمارية «باتلمايج» الجديدة تحسينات جذرية على وحدات تتبع الأشعة الضوئية من مصدرها، حيث تم مضاعفة إنتاجيتها وقدرتها على التعامل مع حسابات الإضاءة والانعكاسات المعقدة.

هذا التطور الجذري يُترجم مباشرة إلى أداء أفضل بكثير في الألعاب التي تعتمد بشكل كبير على هذه التقنية، مثل Cyberpunk 2077 وAlan Wake 2. ونتيجة لذلك، تقدم البطاقة تجربة تتبع للأشعة الضوئية من مصدرها أكثر سلاسة مقارنة بمنافسيها المباشرين، مما يسمح للاعبين بالاستمتاع بمستويات أعلى من واقعية الرسومات دون التضحية بمعدل الصور في الثانية، وهي ميزة كانت حكراً على البطاقات الأعلى سعراً في السابق.

ولدى مقارنة البطاقة مع «إيه إم دي آر إكس 7600 إكس تي» AMD RX 7600 XT، تتضح معالم تفوق «آرك بي580» بشكل واضح. وعلى الرغم من أن بطاقة «إيه إم دي آر إكس 7600 إكس تي» تقدم ذاكرة رسومات تبلغ 16 غيغابايت، فإن هذا التفوق الرقمي لا يُترجم دائماً إلى أداء أفضل على أرض الواقع. فبطاقة «آرك بي580» بذاكرتها البالغة 12 غيغابايت وناقلها الأعرض 192-بت يتفوق في الأداء بنسبة 4 في المائة بالمتوسط، ولكن بسعر أقل. وهذا التفوق لا يقتصر على الأداء في الألعاب التقليدية من خلال تقنية Rasterization، بل يتعمق أكثر في سيناريوهات تتبع الأشعة الضوئية من مصدرها، حيث تتسع الفجوة لصالح «آرك بي580»، وبالتالي فإن الأداء الفعلي وسلاسة التجربة التي تقدمها «آرك بي580» هي عوامل تجعلها الخيار الأكثر فاعلية.

قيمة وأداء استثنائيان يربكان المنافسة

تضع البطاقة معياراً جديداً للقيمة في قطاع بطاقات الرسومات بسعر 933 ريالاً سعودياً (نحو 249 دولاراً أميركياً). وفي بيئة شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعار البطاقات، تأتي «إنتل آرك بي580» لتقدم أداء كان يتطلب في السابق إنفاق ما يزيد على 500 دولار. ولا تقدم البطاقة أداء أعلى من منافسيها المباشرين فحسب، بل تقدم ذلك بتكلفة أقل، ما يمثل قيمة ممتازة بأداء مرتفع. وهذا العامل يجعلها الخيار الأمثل والبديهي للاعبين الذين يقومون بتجميع كمبيوترات جديدة بميزانية محدودة، أو لمن يرغب بترقية بطاقاته القديمة للحصول على دفعة أداء كبيرة دون تجاوز ميزانيته، مما يضع ضغطاً حقيقياً على الشركات الأخرى لتقديم خيارات أكثر تنافسية في هذه الفئة.

«إنتل آرك بي580» ليست مجرد بطاقة جديدة، بل هي منتج استثنائي يعيد تعريف ما هو ممكن في فئته السعرية، مقدمة مزيجاً شبه مثالي من الأداء المتقدم في الألعاب التقليدية وقدرات تتبع الأشعة الضوئية من مصدرها ومجموعة شاملة من المزايا الحديثة مثل «توليد إطارات الرسومات»، وكل ذلك بسعر يضعها في متناول شريحة واسعة من اللاعبين؛ مما يعني أن «إنتل» قد أصبحت منافساً رئيسياً في قطاع بطاقات الرسومات.


مقالات ذات صلة

مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

«أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

«أبل» تغيّر القيادة... تيرنوس يخلف كوك في مرحلة اختبار جديدة

«أبل» تنقل القيادة إلى جون تيرنوس مع احتفاظ تيم كوك بدور رئيس المجلس وسط ضغوط الذكاء الاصطناعي، واختبار المرحلة المقبلة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا تقدّم تعلّماً تفاعلياً للغات قائماً على المواقف اليومية بالذكاء الاصطناعي (مختبرات غوغل)

بعد عام على إطلاقها… كيف تعمل تجربة «غوغل» لتعلّم اللغات؟

بعد نحو عام على طرحها، تواصل شركة «غوغل» اختبار تجربة تعليم اللغات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحت اسم «Little Language Lessons»، ضمن منصتها «مختبرات غوغل».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «أدوبي» تطلق «القص السريع» لاختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو (رويترز)

«القص السريع» من «أدوبي»: اختصار الطريق من الفكرة إلى الفيديو

في سياق تسارع الابتكار داخل أدوات إنتاج المحتوى، تواصل «أدوبي» توسيع قدرات منصتها للذكاء الاصطناعي «فايرفلاي»، عبر تقديم ميزة جديدة تحمل اسم القص السريع (Quick…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
TT

مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)
مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

مع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي عالمياً، لم تعد المشكلة الأساسية دائماً في تصميم الشرائح أو توفر الطلب حتى التمويل، بل في الكهرباء والتبريد وسرعة الربط بالشبكات والحصول على التصاريح. من هنا بدأت تظهر فكرة مراكز البيانات المدارية، لا بوصفها خيالاً علمياً خالصاً، بل باعتبارها محاولة للالتفاف على اختناقات البنية التحتية الأرضية التي باتت تؤخر توسيع قدرات الحوسبة. لكن السؤال الأهم ليس هل الفكرة جذابة نظرياً؟ بل هل هي قادرة فعلاً على التحول إلى جزء عملي من بنية الذكاء الاصطناعي، أم أنها ستبقى حلاً محدوداً في تطبيقات متخصصة؟!

يضع شون ماكديفيت، الشريك في «آرثر دي ليتل»، النقاش في إطاره الأكثر واقعية. ماكديفيت لا يتعامل مع المدار باعتباره بديلاً شاملاً للأرض، بل كطبقة قد تستفيد من مزايا يصعب تكرارها على اليابسة، مثل الطاقة الشمسية المستمرة، والتبريد الإشعاعي السلبي، وبعض حالات المعالجة داخل المدار نفسه. ويقول، خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» بوضوح، إن أقوى حجة اليوم ليست «وضع كل الذكاء الاصطناعي في الفضاء»، بل استخدام الفضاء، حيث يمنح «ميزة هيكلية حقيقية». هذه الصياغة مهمة لأنها تخفف من المبالغة الشائعة في الخطاب المحيط بالبنية الفضائية، وتنقل النقاش من فكرة الاستبدال الكامل إلى فكرة التخصيص الذكي.

شون ماكديفيت الشريك في «آرثر دي ليتل»

حوسبة تصطدم بالطاقة

ما يمنح هذه الفكرة بعض الجدية هو أن عنق الزجاجة في الذكاء الاصطناعي تغيّر فعلاً. فبحسب ماكديفيت: «الرقائق موجودة، ورأس المال متاح، والطلب قوي»، لكن النشر يتباطأ بسبب شراء الطاقة، والتصاريح، وتوصيل البنية التحتية، ما يعني أن الاختناق العملي انتقل من سؤال: «هل يمكننا بناء القدرة الحاسوبية؟» إلى سؤال: «هل يمكننا تشغيلها بسرعة؟».

وهنا يبرز مفهوم «سرعة الوصول إلى الطاقة» كعامل أكثر أهمية من مجرد الوصول إلى الحوسبة نفسها. في سوق تتحرك فيه دورات النماذج بسرعة، قد يعني تأخر منشأة في الوصول إلى طاقتها التشغيلية أن نافذتها الاستراتيجية أغلقت قبل أن تبدأ.

من هذه الزاوية تحديداً، تبدو مراكز البيانات المدارية وكأنها تحاول حلّ مشكلة أرضية من خلال بيئة غير أرضية. فالفكرة الأساسية تقوم على أن المدار قد يخفف بعض القيود المتعلقة بالطاقة والتبريد واستخدام المياه حتى طول دورات الترخيص. إلا أن ذلك لا يجعل التحول الواسع إليها قريباً أو سهلاً. ماكديفيت يحسم هذه النقطة بوضوح حين يقول إن «التحول الواسع في المدى القريب من البنية التحتية الأرضية إلى المدارية غير واقعي». السيناريو الأقرب، برأيه، هو نشر انتقائي لعقد حوسبة مدارية في حالات استخدام ضيقة، خصوصاً عندما تكون البيانات أصلاً مولودة في الفضاء، أو حين تكون المرونة التشغيلية أهم من انخفاض زمن الاستجابة. كما يقدّر أن المنصات التجارية لا تزال على بعد 5 إلى 7 سنوات، وذلك إذا انخفضت تكاليف الإطلاق بشكل حاد فقط، ربما إلى أقل من 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف ثلاثينات هذا القرن.

أعباء تناسب المدار

هنا تبدأ الحدود التقنية والاقتصادية في الظهور بوضوح. فليست كل أعباء العمل متساوية، وليس كل ما يُشغَّل على الأرض قابلاً للنقل إلى الفضاء. الأعمال التي تبدو منطقية في المدار هي المعالجة الطرفية في الفضاء، والمعالجة المسبقة لبيانات مراقبة الأرض والاستشعار، والتحليلات الدفعية المتسامحة مع التأخير، وبعض المحاكاة، والتخزين المصمم للمرونة أو للأرشفة السيادية المقاومة للعبث. أما ما لا يبدو مناسباً بوضوح، فهو السحابة المؤسسية التقليدية، والتطبيقات الاستهلاكية التي تحتاج إلى زمن استجابة منخفض، والاستدلال التفاعلي المكثف، ومعظم أعمال التدريب التي تعتمد على حركة بيانات كثيفة وتجديد سريع للمعدات وسهولة الصيانة. وبكلمات ماكديفيت: «الأعباء الثقيلة من ناحية النطاق الترددي، لكنها متسامحة مع التأخير هي مرشحة أفضل من الأعباء الحساسة للزمن والتعاونية بكثافة».

هذا التمييز مهم، لأنه يعيد ضبط التوقعات. فإذا كان كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التجارية اليوم قائمة على التفاعل السريع مع المستخدمين، فإن المدار لا يقدم بديلاً عملياً لها، على الأقل في المستقبل المنظور. حتى في المدارات الأرضية المنخفضة، التي تعد أفضل من المعماريات الأبعد، تبقى الكمونات الزمنية عاملاً حاسماً يحدّ من القدرة على منافسة البنية الأرضية في التطبيقات اللحظية الموجهة للمستخدم. لذلك، فإن أفضل ما يمكن للمدار أن يقدمه حالياً ليس استضافة «السحابة الذكية» العامة، بل تقليل الحاجة إلى تنزيل كل البيانات الخام إلى الأرض من خلال معالجتها عند المصدر، ثم إرسال الرؤى أو النتائج فقط. وهذه نقطة بالغة الأهمية في عالم تزداد فيه أحجام بيانات الأقمار الصناعية بوتيرة سريعة.

البنية الأرضية ستبقى الخيار الأساسي لأنها أكثر نضجاً وأسهل في الصيانة والتوسع وأوضح من حيث الجدوى الاقتصادية (شاترستوك)

تفوق الأرض اقتصادياً

اقتصادياً، لا تزال الأرض تتفوق بوضوح. فالتوسع في مراكز البيانات الأرضية يبقى الخيار الافتراضي لأنه يستفيد من منظومات قائمة بالفعل كسلاسل توريد، وقابلية إصلاح وصيانة، وتمويل معروف، وبنية تشغيلية ناضجة. لذلك، كما يشير ماكديفيت، تصبح النماذج المدارية مثيرة للاهتمام فقط عندما تكون «التكلفة المتجنبة لتأخير البنية الأرضية مرتفعة جداً»، أو عندما يحل المدار مشكلة لا تستطيع الأرض حلّها «بأناقة». حتى مع الإشارة إلى تحليلات منشورة من «غوغل» تفترض إمكان الوصول إلى نوع من التكافؤ الاقتصادي إذا انخفضت تكاليف الإطلاق إلى أقل من نحو 200 دولار للكيلوغرام بحلول منتصف الثلاثينات، يبقى الاستنتاج الحالي واضحاً؛ نحن أمام نشر مداري محدود وموجّه، لا أمام إحلال واسع.

وإذا كان الجانب الاقتصادي لا يزال حذراً، فإن الجانب التقني أكثر تعقيداً. فالقائمة التي يذكرها ماكديفيت طويلة، تشمل توليد الطاقة وتخزينها في المدار والتحكم الحراري ومقاومة الإشعاع وإدارة الأعطال بشكل ذاتي وشبكات ضوئية عالية السعة وبوابات أرضية قابلة للتوسع وإدارة الحطام الفضائي والتجميع الروبوتي، ثم قبل كل شيء تحديث الأجهزة. وهذه النقطة الأخيرة قد تكون من أكثر العقبات حسماً، لأن اقتصاديات الذكاء الاصطناعي تتحرك بسرعة شديدة، وأي منصة لا يمكن ترقيتها أو صيانتها بكفاءة قد تصبح قديمة قبل أن تسترد رأسمالها. لذلك، فإن التجارب الحديثة، مهما بدت لافتة، يجب أن تُفهم باعتبارها «إثباتات مفهوم»، لا دليلاً على نضج منظومة متكاملة جاهزة للسوق.

التوسع المداري الواسع لا يبدو واقعياً قريباً بسبب تعقيدات الإطلاق والتشغيل والتحديث التقني والتنظيم (شاترستوك)

تنظيم يحدّ التوسع

قد يكون البعد التنظيمي والجيوسياسي بطيئاً لكنه مؤثر. فحين تتحول الحوسبة المدارية إلى جزء من بنية رقمية ذات أهمية استراتيجية، تبدأ أسئلة السيطرة والاختصاص والسيادة في الظهور بقوة؛ من يملك هذه البنية؟ من ينظمها؟ من يضمن أمنها؟ ومن يملك حق تشغيل قدرة حاسوبية قد تصبح حيوية لقطاعات مثل الاستشعار الدفاعي أو النسخ الاحتياطي السيادي أو معالجة بيانات الأقمار الصناعية؟

ماكديفيت يشير إلى طيف واسع من العوائق، من تخصيص الطيف وإدارة الحركة المدارية وقواعد الحطام، إلى ضوابط التصدير، والهواجس الأمنية، وحوكمة الأمن السيبراني. هذه العوائق قد لا تمنع التبني، لكنها قد تبطئه وتجزئ السوق جغرافياً وسياسياً.

لهذا كله، تبدو المبالغة أكبر خطر يواجه هذا التصور اليوم. ماكديفيت يقرّ بأن هناك «خطراً حقيقياً» من أن يبالغ القطاع في تقدير الدور الذي ستلعبه البنية المدارية في الذكاء الاصطناعي إذا انزلق النقاش من الاستخدامات الانتقائية إلى سردية الاستبدال الشامل. لكن هذا التحفظ لا يلغي وجود فرصة فعلية. فربما لا يصبح المدار موطناً للطلب الرئيسي على الذكاء الاصطناعي، لكنه قد ينجح تجارياً في شريحة محددة من التطبيقات التي تتضرر بشدة من اختناقات الأرض أو تملك أفضلية طبيعية حين تتم معالجتها في الفضاء. وبذلك، فإن القضية ليست ما إذا كانت مراكز البيانات المدارية «المستقبل» كله، بل ما إذا كانت ستصبح جزءاً من المستقبل في أماكن بعينها.

يمكن الاستخلاص من حديث ماكديفيت أن المدار قد يصبح جزءاً من البنية الطبيعية لقطاعات مثل مراقبة الأرض والاستشعار المرتبط بالدفاع والنسخ السيادي الاحتياطي وبعض أعباء الذكاء الاصطناعي المتسامحة مع التأخير. أما البنية الأرضية فستبقى القلب الرئيسي للحوسبة العالمية، لأنها أسهل في الصيانة، وأسهل في التوسع التدريجي، وأكثر ملاءمة للجزء الأكبر من الطلب منخفض الكمون. بذلك، لا تبدو مراكز البيانات المدارية حلاً سحرياً لأزمة بنية الذكاء الاصطناعي، لكنها ليست مجرد خيال تقني أيضاً. الأقرب أنها ستظل، في المستقبل القريب والمتوسط على الأقل، طبقة متخصصة ذات قيمة حقيقية، ولكن ضمن حدود واضحة لا ينبغي تجاهله.


بقدرات مُحسَّنة ودعم أوسع للعربية... «أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)
إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)
TT

بقدرات مُحسَّنة ودعم أوسع للعربية... «أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)
إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0»، في خطوة تعكس تسارع وتيرة تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ خصوصاً في مجال إنتاج المحتوى البصري داخل بيئات المحادثة الذكية.

ويأتي هذا التحديث ضمن جهود الشركة لتعزيز تكامل قدرات إنشاء الصور مع الفهم اللغوي والسياقي؛ حيث يقدِّم النموذج الجديد تحسينات ملحوظة في دقة توليد النصوص داخل الصور، وهي من أبرز التحديات التي واجهت النماذج السابقة، إلى جانب تطوير قدرته على التعامل مع أوامر أكثر تعقيداً وتفصيلاً.

فهم أعمق وسياق أكثر دقة

وحسبما أعلنته الشركة، يعتمد النموذج الجديد على آليات متقدمة لفهم التعليمات النصية، ما يتيح له إنتاج صور أقرب إلى المطلوب، سواء من حيث التفاصيل أو التكوين العام. كما يدعم النموذج لغات متعددة بشكل أفضل، مع تحسينات واضحة في دعم اللغة العربية، ما يعزِّز استخدامه في الأسواق الناطقة بها.

وتشير هذه التحسينات إلى توجه متزايد نحو جعل أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر توافقاً مع الاستخدامات اليومية؛ سواء في مجالات الإعلام، أو التسويق، أو صناعة المحتوى الرقمي.

نحو تكامل مع مصادر المعلومات

وفي سياق متصل، لفتت تقارير تقنية إلى أن النموذج الجديد قد يستفيد -في بعض أوضاع التشغيل- من معلومات حديثة لتعزيز دقة النتائج، وهو ما يعكس توجُّهاً أوسع نحو ربط نماذج الذكاء الاصطناعي بمصادر بيانات محدَّثة، بما يرفع من موثوقية المخرجات ويحدُّ من الأخطاء.

ومع ذلك، لم توضح الشركة بشكل تفصيلي آلية هذا التكامل ولا نطاق استخدامه، ما يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التحديثات المستقبلية.

سباق متسارع في سوق الذكاء الاصطناعي

يأتي إطلاق «Images 2.0» في وقت يشهد فيه سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي منافسة محتدمة بين الشركات التقنية الكبرى التي تسعى إلى تقديم أدوات أكثر دقة وسرعة وسهولة في الاستخدام؛ خصوصاً مع تنامي الطلب على المحتوى المرئي عالي الجودة.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثِّل جزءاً من تحول أوسع نحو ما يمكن تسميته «الإنتاج البصري الذكي»؛ حيث تصبح عملية إنشاء الصور أقرب إلى حوار تفاعلي يعتمد على الفهم العميق للسياق، بدلاً من مجرد تنفيذ أوامر نصية مباشرة.

نموذج تم تصميمه عن طريق «إيمجز 2.0» (chatgpt)

تأثيرات متوقعة على صناعة المحتوى

من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على صُنَّاع المحتوى بشكل مباشر؛ إذ يتيح لهم إنتاج مواد بصرية أكثر احترافية خلال وقت أقصر، مع تقليل الحاجة إلى أدوات تصميم تقليدية معقدة.

كما يعزِّز دعم اللغة العربية فرص استخدام هذه التقنيات في المنطقة؛ خصوصاً في ظل النمو المتسارع لاقتصاد المحتوى الرقمي في الشرق الأوسط.

وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن مستقبل إنتاج الصور يتجه نحو مزيد من التكامل بين الذكاء الاصطناعي والبيانات الحية، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الاستخدامات الإبداعية والمهنية على حد سواء.


ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
TT

ابتكار صيني قد يُمهّد لتحليق المسيّرات دون انقطاع

حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024
حاملة طائرات صينية مسيّرة قادرة على إطلاق أسراب من الطائرات المسيّرة الأصغر حجماً عُرضت في معرض تشوهاي الجوي 2024

في ظل التسارع المتواصل في مجالات الطيران والتقنيات اللاسلكية، يسعى العلماء حول العالم إلى تجاوز أحد أبرز التحديات التي تواجه الطائرات المسيّرة، وهو محدودية زمن التحليق الناتجة عن قيود البطاريات. وفي هذا السياق، برزت خطوة بحثية واعدة من الصين قد تُحدث تحولاً نوعياً في طريقة تشغيل هذه الطائرات، عبر تمكينها من البقاء في الجو لفترات أطول، وربما إلى أجل غير مسمى، دون الحاجة إلى الهبوط لإعادة الشحن.

فقد طوّر علماء صينيون منصةً متخصصة لنقل الطاقة لاسلكياً إلى الطائرات المسيّرة أثناء تحليقها، باستخدام الموجات الدقيقة، في تصميم تجريبي قد يفتح آفاقاً جديدة أمام تشغيل هذا النوع من الطائرات بكفاءة أعلى واستمرارية أطول، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

ويتوقع باحثون من جامعة شيان الصينية أن يجري تطوير هذه المنصة مستقبلاً لتتحول إلى مركبة أرضية قادرة على إطلاق الطائرات المسيّرة وتزويدها بالطاقة أثناء الطيران، بما يسهم في زيادة مداها التشغيلي بشكل ملحوظ.

وأظهرت الاختبارات التي أجراها العلماء أن النظام المثبّت على مركبة أرضية تمكّن من إبقاء طائرات مسيّرة ذات أجنحة ثابتة في الجو لأكثر من ثلاث ساعات، وعلى ارتفاع يصل إلى 15 متراً، وهو ما يُعد مؤشراً أولياً على فعالية الفكرة رغم حداثتها.

ويعتمد نظام نقل الطاقة على باعث للموجات الدقيقة يقوم ببث الطاقة نحو مصفوفة من الهوائيات المثبّتة أسفل الطائرة المسيّرة، وذلك أثناء حركة كل من الطائرة ونظام الشحن على حد سواء، ما يعكس تعقيداً تقنياً يتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الطرفين.

ومع ذلك، أشار الباحثون في دراسة نُشرت في مجلة «علوم وتكنولوجيا الطيران» إلى أن الحفاظ على محاذاة دقيقة بين باعث الموجات الدقيقة والطائرة المسيّرة يمثل تحدياً كبيراً، إذ يتطلب الأمر تناغماً عالي الدقة بين أنظمة تحديد المواقع العالمية (GPS) وأنظمة التحكم في الطيران الموجودة على متن الطائرة.

ولفت العلماء إلى أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة، حيث لم تستقبل الطائرة المسيّرة سوى نسبة تتراوح بين 3 و5 في المائة من إجمالي الطاقة المُرسلة، في حين يُهدر الجزء الأكبر من طاقة الموجات الدقيقة. كما أن الطاقة المستقبَلة تتعرض لتذبذبات نتيجة تأثير الرياح وأخطاء تحديد الموقع.

وفي سياق أوسع، شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في مفهوم تحويل الطاقة الكهرومغناطيسية، سواء المحيطة أو الموجّهة، إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام المباشر، حيث انتقل هذا المفهوم من كونه نموذجاً بحثياً أولياً إلى تقنية تقترب من مرحلة التوحيد القياسي.

وفي العام الماضي، سجّلت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة في أميركا إنجازاً لافتاً في هذا المجال، إذ نجحت في نقل طاقة بقدرة 800 واط باستخدام شعاع ليزر لمسافة بلغت 8.6 كيلومتر، ولمدة تزيد على 30 ثانية.