ثورة «كوميت»: كيف يغير متصفح الذكاء الاصطناعي الجديد قواعد التصفح؟

يُدرك محتوى الصفحات، ويقدم مقترحات مرتبطة بالتبويبات المختلفة... ويساعد في كتابة ردود البريد الإلكتروني، وتخطيط الرحلات، والشراء من المتاجر الرقمية.

متصفح «كوميت» مبني على الذكاء الاصطناعي لتطوير تجربة التصفح بشكل ثوري
متصفح «كوميت» مبني على الذكاء الاصطناعي لتطوير تجربة التصفح بشكل ثوري
TT

ثورة «كوميت»: كيف يغير متصفح الذكاء الاصطناعي الجديد قواعد التصفح؟

متصفح «كوميت» مبني على الذكاء الاصطناعي لتطوير تجربة التصفح بشكل ثوري
متصفح «كوميت» مبني على الذكاء الاصطناعي لتطوير تجربة التصفح بشكل ثوري

​يمثل متصفح «كوميت» (Comet) المقبل من «بيربلكستي» (Perplexity) قفزة نوعية في عالم تصفح الإنترنت، ذلك أنه يدمج الذكاء الاصطناعي بشكل جذري في المتصفح، ليحول تجربتنا الرقمية من مجرد تصفح إلى تفاعل معرفي.

ويستهدف المتصفح الجديد المستخدمين الذين يتطلعون إلى مستويات غير مسبوقة من الكفاءة والذكاء في تعاملهم مع المحتوى الرقمي. وبدلاً من الحاجة المستمرة للتنقل بين علامات التبويب (Tabs) المتعددة ومحركات البحث والتطبيقات المتنوعة، يقدم المتصفح واجهة موحدة ومتكاملة تتيح للمستخدمين طرح الأسئلة، وتلخيص المحتوى الطويل، وإتمام المهام المعقدة، ومتعددة الخطوات، كل ذلك دون مغادرة الصفحة التي يتفاعلون معها.

ويبرز المتصفح بكونه الأول الذي يعتمد بشكل كامل على الذكاء الاصطناعي التفاعلي، متجاوزاً بذلك مفهوم المتصفح التقليدي، ليعمل على أنه وكيل ذكي متكامل. هذه القدرة الفريدة تمكنه من أداء مجموعة واسعة ومتنوعة من المهام التي تتجاوز مجرد عرض صفحات الإنترنت، وهو تكامل عميق بين وظائف المتصفح، ومساعد الذكاء الاصطناعي يجعله أداة قوية للغاية، وقادرة على فهم السياق، وتقديم المساعدة الفورية، ما يمهد الطريق لتجربة تصفح أكثر سلاسة، وفعالية.

تصفح ذكي لمستقبل إنترنت أكثر تفاعلاً وسلاسة

مهام «كوميت» المتعددة: من التلخيص إلى الشراء

وتتمحور قوة المتصفح حول مساعده الذكي المدمج الذي يبقى بمتناول اليد في جميع الأوقات. ويمكن للمستخدمين طرح الأسئلة مباشرة حول المحتوى الذي يقرأونه في أي صفحة، ومقارنة المعلومات من مصادر متعددة دون عناء، وأتمتة مهام معقدة تتطلب عادة التنقل بين تطبيقات مختلفة.

ويقدم المتصفح مزايا ثورية للتصفح، تشمل:

- تلخيص عروض «يوتيوب» والمقالات الطويلة، وإنشاء جداول مقارنة مفصلة للمنتجات المرغوبة، أو البحث عن منتج ما عبر المتاجر الإلكترونية، وطلبه نيابة عن المستخدم.

- القدرة على العمل بوصفه خبيراً في تحسين مشاهدة محركات البحث لمحتوى الصفحات «Search Engine Optimization» -أو (SEO)- من خلال تحليل الأوصاف التعريفية (Meta Tags)، والكلمات الرئيسة، ونقاط القوة والضعف للصفحات، ما يوفر رؤى قيمة في الوقت الفعلي.

- تحليل ذكي للخرائط؛ حيث يمكن طلب اختيار أفضل طريق للوصول إلى متجر أو مكان ما وفقاً لموقع المستخدم، أو من موقع ما في أي بلد يرغب فيه، ليحلل المتصفح الطرق المختلفة، ويقترح الأفضل من بينها.

- تنفيذ الإجراءات المعقدة؛ حيث يمكن للمستخدمين أن يطلبوا منه حجز اجتماع مباشرة من صفحة إنترنت، أو صياغة وإرسال بريد إلكتروني بناء على محتوى معين، أو حتى شراء منتج نسوه في أثناء تصفحهم سابقاً. هذه القدرة على تحويل البحث إلى فعل هي السمة المميزة للمتصفح، ما يجعل الإنترنت امتداداً طبيعياً للعقل البشري؛ حيث تتحول الأفكار إلى مهام منجزة بسلاسة.

الارتقاء بتجربة التصفح

ويتميز المتصفح بقدرات متقدمة في كثير من المجالات التي تشمل:

- إدارة علامات التبويب (Tabs) وتنظيمها: بدلاً من الغرق في عشرات علامات التبويب المفتوحة؛ حيث يمكن للمتصفح تجميع علامات التبويب ذات الصلة تلقائياً، وحفظها عبر جلسات التصفح المتعددة. وهذه الميزة مفيدة بشكل خاص للباحثين، أو المتسوقين الذين يفتحون كثيراً من الصفحات في وقت واحد، ما يحررهم للتركيز على المهام الأساسية.

- الوصول إلى المعلومات من علامات التبويب غير النشطة: تسهل هذه القدرة مقارنة المنتجات، أو العثور على مرجع سريع دون الحاجة إلى التبديل بين التبويبات يدوياً.

وتتجاوز وظيفة المتصفح مجرد البحث التقليدي؛ حيث يدمج محرك بحث «بيربلكستي» الخاص به على أنه خيار افتراضي، وهو لا يقدم فقط إجابات سريعة ودقيقة؛ بل يدعمها أيضاً بمصادر موثوقة، ومقتبسة بشكل مباشر. هذه المنهجية تختلف جذرياً عن محركات البحث التقليدية التي غالباً ما تقدم قائمة طويلة من الروابط، ذلك أنه يقدم إجابات مباشرة، ومفصلة مع القدرة الفورية على استكشاف المصادر الأصلية. وتخفض هذه الميزة بشكل كبير من الوقت المستغرق في البحث، وتزيد من فعالية الحصول على المعلومات الموثوقة. هذا، ويمكن التفاعل مع المتصفح نصياً بكتابة رغبة المستخدم، أو من خلال الإملاء الصوتي لتسهيل العملية، وخصوصاً في أثناء القيادة، أو الانشغال بأمر ما.

«كوميت» يتعلم ويتكيف: قدرات وكيلة وتخصيص متقدم

وتُعد خصوصية المستخدم جانباً محورياً في تصميم المتصفح، وهو ما يميزه عن كثير من المتصفحات الأخرى. وتؤكد الشركة المطورة أن المتصفح يخزن بيانات المستخدم محلياً على جهازه الشخصي، وهو لا يستخدم المعلومات الشخصية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة به، ما يوفر طمأنينة كبيرة للمستخدمين المهتمين بحماية بياناتهم. يضاف إلى ذلك أن المتصفح مزود بمانع إعلانات مدمج، ما يضمن تجربة تصفح أكثر تركيزاً، وخالية من التشتيت الإعلاني.

ومن أبرز مزاياه الفريدة هي قدراته الوكيلة (Agentic Capabilities) التي تتجلى في نمطين رئيسين، هما «نمط المراقبة» (Headed Mode)، و«النمط الخالي من المراقبة» (Headless Mode).

- نمط المراقبة: يمكن للمستخدمين في نمط المراقبة مشاهدة المتصفح وهو ينفذ الإجراءات نيابة عنهم بشكل مرئي؛ حيث يعرض المتصفح النقرات، وتعبئة النماذج خطوة بخطوة، ما يبني الثقة في عملية الأتمتة.

- أما النمط الخالي من المراقبة، فهو أكثر قوة للأتمتة في الخلفية؛ حيث يقوم المتصفح بإنشاء وكلاء فرعيين متعددين لتنفيذ المهام بالتوازي، والتنقل في صفحات الإنترنت، وتحليلها، واتخاذ القرارات بشكل مستقل عن واجهة المستخدم، ما يفتح آفاقاً جديدة للأتمتة الذكية.

هذا، ويتكيف المتصفح مع عادات المستخدمين وأنماط تفكيرهم بمرور الوقت، ما يجعله مساعداً شخصياً يتطور باستمرار. ويتعلم المتصفح من سلوكيات التصفح السابقة، ويتذكر الاستعلامات السابقة، ويعدل الاقتراحات بناء على اهتمامات كل مستخدم. هذه القدرة على التخصيص تجعل تجربة التصفح أكثر فعالية، وتلبي الاحتياجات الفردية بدقة، ما يحول المتصفح إلى شريك ذكي يفهم المستخدم، ويسانده في رحلته الرقمية عبر الإنترنت.

تجربة مألوفة بقدرات جديدة

- واجهة استخدام مألوفة: تجدر الإشارة إلى أن المتصفح يعتمد على منصة «كروميوم» من «غوغل»، ما يوفر واجهة مستخدم مألوفة وسهلة الاستخدام تشبه متصفح «كروم». هذا الأمر يضمن توافقاً واسعاً مع جميع الإضافات الموجودة في متصفح «كروم»، ما يخفض بشكل كبير من عوائق الانتقال إلى متصفح جديد للمستخدم.

ويمكن للمستخدم استيراد إعداداته، وإشاراته المرجعية، وإضافاته الحالية بسلاسة، ما يجعل الانتقال إلى المتصفح تجربة خالية من المتاعب مع الاستفادة الفورية من قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

- جيل جديد من المتصفحات الذكية: ويُحدث المتصفح تحولاً جذرياً في كيفية تفاعلنا مع الإنترنت؛ حيث يأخذنا من مجرد «التنقل» بين الصفحات إلى «الإدراك» الفعلي للمحتوى. وبدلاً من البحث اليدوي عن المعلومات وجمعها، يمكن للمستخدم «التفكير بصوت مرتفع» مع المتصفح الذي ينفذ مهام سير العمل الكاملة، مع الحفاظ على السياق المثالي. هذا الأمر يعني أن البحث أصبح محادثة، والتحليل أصبح طبيعياً، مع اختفاء المهام الروتينية، ما يحرر المستخدم للتركيز على الجوانب الأكثر أهمية وإبداعاً في عمله.

ويساهم المتصفح بشكل كبير في زيادة الإنتاجية، والكفاءة الرقمية من خلال تبسيط المهام المعقدة، وتقليل الاحتكاك في سير العمل، ما يسمح للمستخدمين بإنجاز المزيد في وقت أقل. ويعني مفهوم «التصفح السلس» (Vibe Browsing) الذي يقدمه المتصفح، أن المستخدمين يمكنهم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لإدارة الجوانب الروتينية للتصفح، ما يتيح لهم التركيز بشكل أعمق على المحتوى، والتفاعل معه بطرق أكثر إبداعاً، وتحليلية.

- توافر الاستخدام: المتصفح غير متوفر للجميع حالياً؛ بل يجب التسجيل بقائمة الانتظار، أو الاشتراك بالخدمة المدفوعة لـ«بيربلكستي» من خلال الرابط التالي:

comet.perplexity.ai

وتجدر الإشارة إلى أن شركة «أوبين إيه آي» المطورة لخدمة «تشات جي بي تي» تعمل على تطوير متصفح مبني على الذكاء الاصطناعي أيضاً، مع توقعات بعمل «غوغل» على دمج ذكاء «جيميناي» في متصفحها «كروم» بشكل جذري أيضاً، وليس على شكل ميزة إضافية، ووجود شركات أخرى تعمل على الأمر نفسه، مثل متصفح «ديا» (Dia Browser): www.DiaBrowser.com.


مقالات ذات صلة

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
علوم نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

«قمم خبراء» تتحدث عن الأخلاقيات... لكن المعاناة تبقى خارج النقاش

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «سيمنز» في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

«سيمنز» الألمانية: الحرب تفرمل رغبة العملاء في الاستثمار بمشاريع جديدة

قالت شركة «سيمنز» الألمانية يوم الاثنين إن الحرب الإيرانية أدَّت إلى إحجام العملاء عن الاستثمار في مشروعات جديدة نتيجة ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة.

«الشرق الأوسط» (بكين )
تكنولوجيا صورة للرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ وشعار الشركة (أرشيفية - أ.ف.ب)

زوكربيرغ يعمل على تطوير وكيل ذكي لمساعدته في مهامه

يعمل مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» على تطوير مساعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمساعدته في أداء مهامه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سيدة تمر أمام متجر لمجموعة «سوفت بنك» في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

«سوفت بنك» تستثمر 33 مليار دولار لبناء أكبر محطة طاقة في أميركا

أعلنت مجموعة «سوفت بنك» اليابانية، يوم السبت، عن خططها لبناء محطة طاقة جديدة ضخمة تعمل بالغاز الطبيعي في ولاية أوهايو الأميركية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
TT

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

يشير باحثون إلى أن البعوض يُعد من أخطر الكائنات بسبب قدرته على العثور على البشر ونقل الأمراض. وعلى مدى عقود، حاول العلماء فهم العوامل التي تجذب هذه الحشرات. لكن سؤالاً أساسياً ظل دون إجابة واضحة: كيف تتحرك البعوضة فعلياً في الهواء أثناء بحثها عن ضحية؟

دراسة جديدة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالتعاون مع جهات أخرى تقدّم إجابة تفصيلية. فقد طوّر الفريق إطاراً ثلاثي الأبعاد قادراً على التنبؤ بكيفية طيران البعوض استجابةً لإشارات حسية مختلفة.

فهم سلوك الطيران

تعتمد البعوضة على مجموعة من الإشارات البيئية لتحديد موقع الإنسان، تشمل إشارات بصرية مثل شكل الجسم، وإشارات كيميائية مثل ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس. وتُظهر الدراسة أن هذه الإشارات لا تجذب البعوض فقط، بل تؤثر بشكل مباشر في طريقة طيرانه.

ولفهم هذا السلوك، قام العلماء بتتبع حركة البعوض في بيئة تجريبية، حيث جرى تسجيل مسارات الطيران بدقة أثناء استجابة الحشرات لمحفزات مختلفة. وهذا سمح بتحليل كيفية تنقلها في الفضاء، وليس فقط أماكن هبوطها.

سلوك الطيران يتغير حسب نوع الإشارات مع أنماط مختلفة عند توفر إشارات منفردة أو مجتمعة (أ.ف.ب)

أنماط طيران متعددة

حددت الدراسة ثلاثة أنماط رئيسية للطيران تعتمدها البعوضة وفقاً لنوع الإشارات المتاحة. عند توفر الإشارات البصرية فقط، تقترب البعوضة بسرعة قبل أن تنحرف بعيداً، في نمط يُشبه «المرور السريع»، ما يشير إلى أن الرؤية وحدها لا تكفي لتأكيد الهدف.

أما عند توفر الإشارات الكيميائية فقط، مثل ثاني أكسيد الكربون، فإن سلوكها يتغير، حيث تبطئ حركتها وتبدأ بالتحليق ذهاباً وإياباً، محاولةً البقاء قرب مصدر الإشارة. لكن عند الجمع بين الإشارات البصرية والكيميائية، تتبنى البعوضة سلوكاً أكثر تركيزاً، إذ تبدأ بالدوران حول الهدف بشكل منتظم، في حركة تشبه استعداد المفترس للهبوط.

نموذج قائم على البيانات

لبناء هذا النموذج، أجرى الباحثون تجارب باستخدام مجموعات من البعوض داخل بيئة محكومة. وتم استخدام كاميرات لتسجيل حركتها ثلاثية الأبعاد أثناء تعرضها لمحفزات مختلفة. وعبر هذه التجارب، جُمعت عشرات الملايين من نقاط البيانات ومئات الآلاف من مسارات الطيران، ما أتاح بناء نموذج رياضي قادر على التنبؤ بحركة البعوض في ظروف متعددة.

ويتميز النموذج بقدرته على تبسيط سلوك معقد دون فقدان دقته، ما يجعله أداة عملية للأبحاث المستقبلية.

يعتمد البعوض على مزيج من الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان (رويترز)

سلوك غير خطي

من أبرز نتائج الدراسة أن سلوك البعوض لا يمثل مجرد جمع بسيط للاستجابات المختلفة. فعند توفر أكثر من نوع من الإشارات، لا تدمج البعوضة ردود فعلها، بل تعتمد نمطاً جديداً كلياً. وهذا يشير إلى أن الحشرة تعالج المعلومات الحسية بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد، إذ تعدّل سلوكها بشكل ديناميكي بدلاً من اتباع قواعد ثابتة.

تمتد أهمية هذا البحث إلى مجال الصحة العامة. فالبعوض مسؤول عن نقل أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك وفيروس غرب النيل، والتي تتسبب في مئات الآلاف من الوفيات سنوياً.

ومن خلال فهم كيفية حركة البعوض، يمكن تطوير وسائل أكثر فاعلية للحد منه. وتشير الدراسة إلى أن الاعتماد على نوع واحد من الإشارات في المصائد قد لا يكون كافياً، وأن الجمع بين إشارات متعددة قد يعزز فعاليتها.

استراتيجية متعددة الحواس

يؤكد الباحثون أن مكافحة البعوض تتطلب استهداف أكثر من حاسة في الوقت نفسه. فالمصيدة التي تجمع بين الشكل البصري والجاذبية الكيميائية قد تكون أكثر قدرة على جذب البعوض والاحتفاظ به. ويعكس هذا توجهاً أوسع نحو تطوير حلول تعتمد على فهم السلوك، بدلاً من الأساليب التقليدية.

آفاق البحث المستقبلية

يركز النموذج الحالي على الإشارات البصرية وثاني أكسيد الكربون، لكنه قابل للتطوير ليشمل عوامل أخرى مثل الحرارة والرطوبة والروائح المختلفة، التي تلعب أيضاً دوراً في جذب البعوض. ويمكن لهذا النهج أن يساعد في اختبار استراتيجيات جديدة بشكل أسرع وأكثر كفاءة. تمثل هذه الدراسة خطوة نحو إدارة أكثر دقة وفعالية للبعوض. فمن خلال فهم كيفية تحركه، يمكن تقليل فرص احتكاكه بالبشر.

ومع استمرار تطوير هذا النموذج، قد يسهم في ابتكار أدوات جديدة للحد من انتشار الأمراض التي تنقلها هذه الحشرات، ما يجعله ليس مجرد إنجاز علمي، بل خطوة مهمة في مجال الصحة العامة.


«إف بي آي» يحذّر: قراصنة روس يسرقون حسابات على تطبيقات مراسلة شهيرة

الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
TT

«إف بي آي» يحذّر: قراصنة روس يسرقون حسابات على تطبيقات مراسلة شهيرة

الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)

حذَّر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) من حملة قرصنة منظمة تستهدف مستخدمي تطبيقات المراسلة الشهيرة، ويرتبط منفذوها بأجهزة الاستخبارات الروسية. وتأتي هذه التحذيرات في ظلِّ تنامي الهجمات السيبرانية التي تستهدف أفراداً ذوي أهمية استخباراتية عالية حول العالم، بمَن في ذلك مسؤولون حكوميون، وعسكريون، وشخصيات سياسية وصحافيون.

وفي بيان مشترك مع وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA)، أفاد مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم، وفقاً لما نشرته صحيفة «إندبندنت».

وأوضح البيان: «تستهدف هذه الهجمات أفراداً ذوي قيمة استخباراتية عالية، مثل المسؤولين الحاليين والسابقين في الحكومة الأميركية، والعسكريين، والشخصيات السياسية، والصحافيين».

وأضاف البيان: «بعد اختراق الحساب، يمكن للمهاجمين الاطلاع على رسائل الضحايا، وقوائم جهات الاتصال الخاصة بهم، وإرسال رسائل نيابة عنهم، وتنفيذ عمليات تصيّد احتيالي إضافية ضد تطبيقات المراسلة التجارية الأخرى».

وأظهرت التحقيقات أن القراصنة كانوا يركزون بشكل خاص على مستخدمي تطبيق «سيغنال»، مع إمكانية تطبيق أساليبهم نفسها على تطبيقات أخرى شائعة مثل «واتساب» و«تلغرام».

وفي رد رسمي، أكدت شركة «سيغنال» أن الهجمات تمَّت عبر حملات تصيّد احتيالية متطورة تهدف إلى خداع المستخدمين لحملهم على مشاركة معلومات حساسة، مثل رموز التحقُّق أو أرقام التعريف الشخصية (PIN).

تعتمد تقنية القراصنة على انتحال صفة حساب الدعم الرسمي للتطبيق؛ لخداع المستخدمين وحملهم على النقر على روابط ضارة، أو مشاركة رموز التحقق الخاصة بهم، ما قد يمنح المهاجمين وصولاً غير مصرَّح به إلى الحساب.

وفي بعض الحالات، قد تؤدي هذه الهجمات إلى مضاعفات أخرى، مثل إصابة جهاز المستخدم ببرامج خبيثة.

وحذَّر مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية المستخدمين من رسائل غير متوقعة أو مشبوهة من جهات اتصال مجهولة، داعين إلى توخي الحذر الشديد عند التعامل مع أي رسائل أو روابط غير مألوفة على تطبيقات المراسلة.


«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
TT

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

في أبريل (نيسان) عام 1976، تأسست شركة صغيرة داخل مرآب في كاليفورنيا. حدث لم يكن يوحي آنذاك بحجم التأثير الذي ستتركه لاحقاً على العالم. وبعد خمسين عاماً، أصبحت «أبل» واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا نفوذاً وقيمة، في مسيرة لم تُبْنَ على الابتكار فقط، بل على القدرة المتكررة على إعادة ابتكار الذات في اللحظات الحاسمة.

تاريخ «أبل» تَشكّل بقدر كبير من اللحظات التي كادت تغيّر مسارها بالكامل. فإحدى أبرز هذه اللحظات وقعت في الأيام الأولى للتأسيس، حين باع رونالد واين، الشريك الثالث في الشركة، حصته البالغة 10 في المائة مقابل 800 دولار بعد 12 يوماً فقط. اليوم، تُقدّر قيمة تلك الحصة بنحو 382 مليار دولار. ورغم أن هذه القصة تُستَخدم كثيراً كمثال على الفرص الضائعة، فإنها تعكس حقيقة أعمق وهي أن نجاح «أبل» لم يكن حتمياً.

منزل عائلة ستيف جوبز بولاية كاليفورنيا حيث انطلقت شركة «أبل» عام 1976 في بداياتها الأولى داخل هذا المرآب.

جعلُ الحوسبة شخصية

منذ البداية، سعت «أبل» إلى جعل الحوسبة أقرب إلى الأفراد. وقد تجسد هذا الطموح بوضوح في عام 1984 مع إطلاق جهاز «ماكنتوش». الجهاز جاء بذاكرة 128 كيلوبايت وسعر 2495 دولاراً أي ما يعادل نحو 7810 دولارات اليوم، لكنه قدّم واجهة رسومية غيّرت طريقة تفاعل المستخدمين مع الحاسوب، وأصبحت لاحقاً معياراً في الصناعة.

لم يكن «ماكنتوش» مجرد منتج، بل رؤية لطبيعة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. وقد عززت هذه الرؤية حملة «1984» الإعلانية الشهيرة، التي عرضت خلال «السوبر بول»، ورسّخت صورة «أبل» كشركة تتحدى السائد. ومنذ تلك المرحلة، تبنّت «أبل» استراتيجية واضحة: تقديم منتجات متميزة بسعر أعلى، مع التركيز على التجربة الكاملة وليس السعر فقط.

من الإدراج إلى النمو المبكر

طرحت «أبل» أسهمها للاكتتاب العام في ديسمبر (كانون الأول) 1980 بسعر 22 دولاراً للسهم. وبعد احتساب الانقسامات اللاحقة للسهم، بلغ سعره نحو 0.13 دولار في أوائل 1981. هذا الرقم يعكس حجم التحول الذي شهدته الشركة لاحقاً. لكن النمو لم يكن مضموناً. ففي منتصف التسعينات، واجهت «أبل» تحديات كبيرة، مع تراجع موقعها في السوق وازدياد المنافسة.

جهاز «ماكنتوش 128 كيه» الذي أُطلق عام 1984 وهو من أوائل الحواسيب الشخصية التي قدمت واجهة رسومية سهلة الاستخدام

1997... لحظة التحول الحاسمة

بحلول عام 1997، كانت «أبل» على حافة الإفلاس. تعددت منتجاتها دون وضوح في الاستراتيجية، وضعفت قدرتها على المنافسة. ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد إنقاذ، بل إعادة تعريف كاملة. قامت الشركة بتبسيط منتجاتها والتركيز على التصميم وإعادة بناء هويتها حول تجربة المستخدم. هذه المرحلة لم تكن عودة فقط، بل بداية لحقبة جديدة. فقليل من الشركات ينجو من مثل هذه الأزمات، والأقل منها من يتحول بعدها إلى قوة مهيمنة.

إعادة تشكيل الأسواق

انطلاقة «أبل» الجديدة لم تعتمد فقط على طرح منتجات ناجحة، بل على إعادة تعريف أسواق كاملة. جهاز «آي ماك» في 1998 أعاد تقديم «أبل» كشركة تركز على التصميم والبساطة. وفي 2001، غيّر «آي بود» طريقة استهلاك الموسيقى الرقمية، ليس كجهاز فقط، بل كجزء من منظومة متكاملة. هذه المنظومة أو ما يمكن وصفه بـ«النظام البيئي»، أصبحت جوهر استراتيجية «أبل». لم تعد المنتجات مستقلة، بل مترابطة، تعمل معاً لتقديم تجربة موحدة.

جاء «آيفون» في 2007 ليشكل نقطة التحول الأبرز. لم يكن مجرد هاتف، بل منصة جديدة للحوسبة الشخصية، غيّرت شكل الصناعة بالكامل. ثم توسعت «أبل» لاحقاً مع «آيباد» في 2010 و«أبل ووتش» في 2015 و«إيربودز» في 2016. وفي كل مرة، لم تكتفِ الشركة بالمشاركة في السوق، بل أعادت تشكيله.

التصميم كاستراتيجية

أحد الثوابت في مسيرة «أبل» هو اعتبار التصميم جزءاً من الاستراتيجية، وليس مجرد عنصر جمالي. البساطة وسهولة الاستخدام والتكامل أصبحت عناصر أساسية في تميّز الشركة. كما أن بناء نظام بيئي مترابط منح «أبل» ميزة تنافسية قوية. فالقيمة لم تعد في جهاز واحد، بل في كيفية تفاعل الأجهزة والخدمات معاً. بعبارة أخرى، لم يكن الابتكار في المنتج فقط، بل في العلاقة بين المنتجات.

الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك في إحدى المناسبات بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

من الرؤية إلى التنفيذ

ارتبط اسم «أبل» طويلاً بستيف جوبز، الذي قاد العديد من ابتكاراتها. وبعد وفاته في 2011، تولى تيم كوك القيادة. جوبز عُرف برؤيته للمنتجات، بينما ركّز كوك على توسيع العمليات وتعزيز الكفاءة. ورغم اختلاف الأسلوب، حافظت الشركة على مسار النمو والتوسع.

ومع مرور الوقت، أصبحت «أبل» أكثر من شركة تقنية. فشعار «التفاحة المقضومة» أصبح من أكثر الرموز شهرة في العالم، إلى جانب علامات مثل «نايكي» و«ماكدونالدز». ومن اللافت أن الاسم نفسه لم يُختر لأسباب تقنية، بل لأن ستيف جوبز كان يحب التفاح، واسم «ماكنتوش» مستمد من نوع منه. لكن عبر الزمن، تحولت العلامة إلى رمز للابتكار والبساطة ونمط تفكير معين.

أجهزة مختلفة لشركة «أبل» (رويترز)

البقاء عبر عصور متعددة

ما يميز «أبل» هو قدرتها على البقاء ذات صلة عبر تحولات تكنولوجية متتالية، من الحواسيب الشخصية إلى الإنترنت، ثم الهواتف الذكية، فالأجهزة القابلة للارتداء. في حين اختفت شركات كانت رائدة في إحدى هذه المراحل، استطاعت «أبل» أن تعيد تموضعها باستمرار. تعكس رحلة «أبل» نمواً مالياً كبيراً، لكنها في جوهرها قصة قدرة على التغيير. أزمة 1997 تبقى لحظة، ومن دونها ربما لم تظهر العديد من الابتكارات التي أصبحت اليوم جزءاً من الحياة اليومية.

المستقبل.. اختبار جديد

في عامها الخمسين، تقف «أبل» في موقع قوة. لكن التحدي المقبل ليس تكرار الماضي، بل إعادة تعريف نفسها مرة أخرى. خلال خمسة عقود، نجحت الشركة في توقع التحولات التكنولوجية والمساهمة في تشكيلها. والسؤال الآن: هل يمكنها أن تفعل ذلك مجدداً في بيئة أكثر تعقيداً؟

ما تؤكده التجربة هو أن قوة «أبل» لم تكن في منتج واحد، بل في قدرتها على التطور. فمن مرآب صغير إلى شركة عالمية، تبقى قصتها درساً في أن الابتكار وحده لا يكفي بل إن القدرة على إعادة الابتكار هي ما تصنع الفارق.

Your Premium trial has ended