مكالمات الاحتيال بالذكاء الاصطناعي… تزداد ذكاءً

شركات الاتصالات تطور الخطط للتصدي لها

مكالمات الاحتيال بالذكاء الاصطناعي… تزداد ذكاءً
TT

مكالمات الاحتيال بالذكاء الاصطناعي… تزداد ذكاءً

مكالمات الاحتيال بالذكاء الاصطناعي… تزداد ذكاءً

تُحدث مكالمات الاحتيال ضجةً عالمية. ويُقدّر التحالف العالمي لمكافحة الاحتيال The Global Anti - Scam Alliance أن المحتالين سرقوا مبلغاً هائلاً قدره 1.03 تريليون دولار أميركي عالمياً في عام 2023، بما في ذلك خسائر ناجمة عن الاحتيال عبر الإنترنت، ومكالمات الاحتيال، كما كتب كولاولي صموئيل أديبايو(*).

الذكاء الاصطناعي والاحتيال

لطالما كانت المكالمات الآلية، والاحتيال عبر الهاتف مشكلةً تثير إحباطاً -وغالباً ما تكون خطيرة– للمستخدمين. والآن، يُفاقم الذكاء الاصطناعي من هذا التهديد، ما يجعل عمليات الاحتيال أكثر خداعاً، وفعاليةً، وصعوبةً في الكشف.

إنتاج محتوى مزيّف ومتنوع

يعتقد إريك بريزكالنز، المحلل والمحرر في «كومسيرك»، أن تأثير الذكاء الاصطناعي على مكالمات الاحتيال مبالغ فيه حالياً، إلا أنه يُشير إلى أن استخدام المحتالين للذكاء الاصطناعي يُركز على إنتاج محتوى مُزيف يبدو حقيقياً، أو على تنويع محتوى الرسائل المُصممة لجذب الضحايا المُحتملين إلى محادثات خبيثة. ويُصرح لصحيفة «فاست كومباني»: «إن تنويع المحتوى يُصعّب تحديد عمليات الاحتيال، وحظرها، باستخدام أدوات مكافحة الاحتيال التقليدية».

أصوات أحبائكم مزيفة

من الأصوات المُزيفة المُولّدة بالذكاء الاصطناعي التي تُحاكي أصوات الأحباء، إلى عمليات الاحتيال واسعة النطاق التي تستخدم التعلم الآلي لتجنب الكشف، يستغل المُجرمون الذكاء الاصطناعي لزيادة فعالية مكالمات الاحتيال هذه. السؤال الأهم هو: كيف يُمكن لقطاع الاتصالات مُكافحة هذه المُشكلة مُباشرةً قبل أن يُسبب المحتالون المزيد من الفوضى؟

وحتى وقت قريب، اعتمدت عمليات الاحتيال الهاتفي في الغالب على المكالمات الآلية المُبسطة -وهي رسائل مُسجلة مُسبقاً تُحذر المُتسلمين من مُشكلة مالية مُلحة، أو مُشكلة مُفترضة في رقم الضمان الاجتماعي الخاص بهم. وهذه الأساليب، رغم استمرارها، يمكن التعرف غالباً بسهولة عليها. لكن عمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي اليوم أكثر إقناعاً بكثير.

احتيال مرعب بـ«استنساخ الصوت»

من أكثر التطورات إثارة للقلق استخدام الأصوات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما يجعل عمليات الاحتيال تبدو شخصية بشكل مُقلق. في حالة مُرعبة وقعت في أبريل (نيسان) 2023، تلقت أم في أريزونا مكالمة يائسة من شخص بدا تماماً مثل ابنتها، تبكي وتتوسل طلباً للمساعدة. وطالبها محتال، مُتظاهراً بأنه خاطف، بفدية. في الواقع، كانت الابنة في أمان -فقد استخدم المجرمون الذكاء الاصطناعي لاستنساخ صوتها من فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي.

وازدادت عمليات الاحتيال هذه، المعروفة باسم «احتيال استنساخ الصوت»، في الأشهر الأخيرة. فببضع ثوانٍ فقط من الصوت، يُمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي الآن إنشاء نسخة رقمية واقعية بشكل مُخيف من صوت الشخص، ما يُمكّن المحتالين من انتحال شخصيات الأصدقاء، أو أفراد العائلة، أو حتى المديرين التنفيذيين في عمليات احتيال الشركات.

صياغة مكالمات موجهة شخصياً

يستخدم المحتالون أيضاً الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات هائلة من البيانات، وضبط مخططاتهم بدقة مُرعبة. تستطيع خوارزميات التعلم الآلي غربلة المعلومات العامة -مثل منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، والمنتديات الإلكترونية، واختراقات البيانات- لصياغة مكالمات احتيالية مُخصصة للغاية. فبدلاً من خدعة عامة من مصلحة الضرائب، أو الدعم الفني، يمكن للمحتالين الآن استهداف الضحايا بتفاصيل محددة حول مشترياتهم، أو تاريخ سفرهم، أو حتى حالاتهم الطبية.

كما يُعزز الذكاء الاصطناعي عمليات انتحال هوية المتصل، ما يسمح للمحتالين بالتلاعب بأرقام الهواتف لتبدو كأنها صادرة من شركات محلية، أو وكالات حكومية، أو حتى جهات اتصال الضحية. وهذا يزيد من احتمالية رد الناس على المكالمات، ما يجعل تجاهل مكالمات الاحتيال أكثر صعوبة.

الهجوم المضاد لشركات الاتصالات

الذكاء الاصطناعي في مواجهة الذكاء الاصطناعي، هذه هي خلاصة عملية التصدي للاحتيال الإلكتروني. إذ مع صقل المحتالين لأدوات الذكاء الاصطناعي، تُكافح شركات الاتصالات والهيئات التنظيمية باستخدام الذكاء الاصطناعي الخاص بها -من خلال نشر أنظمة متطورة للكشف عن المكالمات الخبيثة، وتتبعها، وحظرها قبل وصولها إلى المستهلكين.

1.التعرف على صدقية المكالمات وكشف الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي. لمكافحة انتحال الهوية، تستفيد شركات الاتصالات من تقنيات تحليل الصوت، والمصادقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وفي الولايات المتحدة، يستخدم إطار عمل STIR/SHAKEN التوقيعات المشفرة للتحقق من أن المكالمات صادرة من مصادر شرعية. ولكن مع تكيف المحتالين السريع، أصبح كشف الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي ضرورياً.

يمكن لنماذج التعلم الآلي المُدربة على مليارات أنماط المكالمات تحليل البيانات الوصفية في الوقت الفعلي للكشف عن أي شذوذ -مثل الارتفاع المفاجئ في المكالمات من مناطق محددة، أو أرقام مرتبطة بعمليات احتيال معروفة. وتستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه حتى اكتشاف العلامات الصوتية الدقيقة النموذجية للأصوات المُولّدة بتقنية التزييف العميق، ما يُساعد على إيقاف المكالمات الاحتيالية قبل اتصالها.

2.تصفية وترشيح وحظر المكالمات على مستوى شركة الاتصالات. يُدمج كبار مُزودي خدمات الاتصالات تصفية المكالمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مباشرةً في شبكاتهم. مثلاً تستخدم كلٌّ من خدمة Call Protect من شركة «أيه تي أند تي»، وخدمة Scam Shield من شركة «تي - موبايل»، وخدمة Call Filter من «فيريزون» الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأنماط المشبوهة، وحظر المكالمات عالية الخطورة قبل وصولها إلى المستخدمين. كما توفر مرشحات تابعة لشبكة GSMA حماية فورية للمكالمات من خلال التحقق من شرعيتها ومكافحة انتحال هوية خط الاتصال.

1000 خاصية صوتية فريدة للتحقق من الهوية

3. القياسات الحيوية الصوتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للتحقق من هوية المتصل. تُعدّ القياسات الحيوية (البيولوجية) الصوتية خط دفاع واعداً آخر ضد الاحتيال الناتج عن الذكاء الاصطناعي. وتنشر بعض المؤسسات المالية ومقدمو خدمات الاتصالات أنظمة مصادقة صوتية تُحلل أكثر من 1000 خاصية صوتية فريدة للتحقق من هوية المتصل.

وبخلاف تقنية التعرف على الصوت الأساسية، يمكن لهذه الأنظمة المتقدمة اكتشاف وقت استخدام صوت مُولّد بالذكاء الاصطناعي، مما يمنع المحتالين بفعالية من انتحال هوية العملاء الشرعيين.

حملة قانونية صارمة

تشن الهيئات التنظيمية حملة صارمة، ولكن هل هذا كافٍ؟ إن تشديد اللوائح، وتشديد العقوبات أمرٌ واحد، وهو أمرٌ تقوم به بالفعل العديد من الوكالات الحكومية حول العالم، لكن تطبيق هذه اللوائح بفعالية أمرٌ مختلفٌ تماماً. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، شددت لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) العقوبات على المكالمات الآلية غير القانونية، وتحث شركات الاتصالات على اعتماد دفاعات أكثر صرامةً مدعومة بالذكاء الاصطناعي. يمنح قانون TRACED (قانون إنفاذ وردع إساءة استخدام المكالمات الآلية الهاتفية)، الذي تم توقيعه على أنه قانون في عام 2019، الجهات التنظيمية مزيداً من الصلاحيات لتغريم المحتالين، ويفرض تدابير أقوى لمكافحة الانتحال. وعلى الصعيد الدولي، تعمل الجهات التنظيمية في المملكة المتحدة وكندا وأستراليا على أطر عمل مماثلة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لحماية المستهلكين من الاحتيال المتزايد. وقد أصدر الاتحاد الأوروبي قوانين أكثر صرامة بشأن خصوصية البيانات، ما يحد من كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لجمع البيانات الشخصية لعمليات الاحتيال.

ومع ذلك، فإن جهات إنفاذ القانون تكافح لمواكبة سرعة ابتكار الذكاء الاصطناعي. ويعمل المحتالون على مستوى العالم، وغالباً ما يكونون خارج نطاق اختصاص أي جهة تنظيمية واحدة. تتمركز العديد من شبكات الاحتيال في بلدان يصعب فيها اتخاذ إجراءات قانونية، إن لم يكن شبه مستحيل.

لنأخذ، على سبيل المثال، دولاً مثل ميانمار، وكمبوديا، ولاوس، حيث أنشأت جماعات الجريمة المنظمة مراكز احتيال إلكتروني تستخدم تقنيات التزييف العميق المدعومة بالذكاء الاصطناعي لخداع الضحايا حول العالم. وكثيراً ما ينقل مشغلو هذه المراكز مواقعهم، أو يغيرون أساليبهم للبقاء في صدارة جهات إنفاذ القانون. كما أنهم يعملون في مناطق تواجه تحديات قضائية معقدة، ما يزيد من تعقيد عملية إنفاذ القانون.

عوائق تنظيمية

يزدهر المحتالون في ظل التشتت، واستغلال نقاط الضعف، سواءً كان ذلك نقصاً في التنسيق بين القطاعات، أو اختلافاً في النهج التنظيمية عبر الحدود. تُبرز هذه العوائق التنظيمية ضرورة قيام مزودي خدمات الاتصالات بدور أكثر استباقية في مكافحة الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاعتماد فقط على الأطر التقليدية التي -رغم فائدتها- ليست دائماً فعالة. وهنا يأتي دور تقنية GSMA Call Check، التي طورتها شركة «أوكيلوس» Oculeus الألمانية لحلول الاتصالات، في تحقيق هدفها الحيوي. تُوفر خدمات التحقق من المكالمات من GSMA آلية بسيطة، وسريعة، ومنخفضة التكلفة لتبادل المعلومات حول مكالمات الهاتف الاحتيالية فور حدوثها. يقول بريزكالنز من «كوميرسك» إن «هذه التقنية مُتجذرة في السحابة، ما يجعلها مُستقبلية، وعالمية بطريقة لن تكون عليها أبداً الطرق الأخرى التي تُفكر فيها بعض الدول».

معركة طويلة

لا شك أن المعركة ضد عمليات الاحتيال المُدعمة بالذكاء الاصطناعي لم تنتهِ بعد. وكما أشارت جيسيكا روزينورسيل، رئيسة لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) السابقة، العام الماضي: «نعلم أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ستجعل من السهل والرخيص إغراق شبكاتنا بمقاطع فيديو مُزيفة تُستخدم للتضليل، وزعزعة الثقة».

الخبر السار هو أن قطاع الاتصالات لا يتراجع، فبينما يستخدم المحتالون الذكاء الاصطناعي لخداع الأفراد غير المُنتبهين، فإن القطاع يستفيد أيضاً من الذكاء الاصطناعي لحماية العملاء وبياناتهم الحساسة، من خلال فحص المكالمات الآلي، والكشف الفوري عن الاحتيال، وإجراءات المصادقة المُحسّنة.

أمر واحد مؤكد: المحتالون وعمليات الاحتيال لن تختفي في أي وقت قريب. وكما يشير بريزكالنز، سيستمر الناس في الوقوع ضحية عمليات الاحتيال حتى مع التدريب المكثف على التوعية العامة. ولكن مع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، يجب على قطاع الاتصالات أن يكون متقدماً بخطوة، لضمان أن يصبح قوة للحماية، لا للخداع.

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«معركة خفية»... كيف أصبحت الهجمات الإلكترونية سلاحاً أساسياً في حرب إيران؟

شؤون إقليمية إسرائيليون متجمعون في أحد الملاجئ بعد انطلاق صفارات الإنذار في بني براك قرب تل أبيب (أرشيفية - أ.ب)

«معركة خفية»... كيف أصبحت الهجمات الإلكترونية سلاحاً أساسياً في حرب إيران؟

الهجمات الإلكترونية الإيرانية هي أحدث تكتيك في معركتها الخفية ضد أميركا وإسرائيل، وسعيها وحلفاءها إلى استخدام قدراتهم الإلكترونية لتعويض عجزهم العسكري.

«الشرق الأوسط» (طهران)
تكنولوجيا يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

تحديث «iOS 26.4» يقدم تحسينات يومية وميزات ذكاء اصطناعي محدودة بينما تأجل إطلاق النسخة المطورة من «سيري» المنتظرة لاحقاً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)

طائرات تحاكي الطيور… هل تعيد تعريف مستقبل الطائرات دون طيار؟

روبوتات طائرة بأجنحة مرنة تحاكي الطيور وتعتمد مواد ذكية موفرة مرونة أعلى، ما يفتح آفاقاً جديدة للطائرات دون طيار في بيئات معقدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)

البرلمان الأوروبي يحظر أدوات ذكاء اصطناعي «تعرّي» أشخاصاً

أقرّ البرلمان الأوروبي، الخميس، قانوناً يحظّر استخدام الذكاء الاصطناعي لـ«تعرية» الأشخاص من دون موافقتهم.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد أشخاص يسيرون في شارع وول ستريت قرب بورصة نيويورك (رويترز)

رغم تقلبات الأسواق... مكافآت «وول ستريت» في 2025 تصل إلى مستويات قياسية

بلغت مكافآت «وول ستريت» لعام 2025 مستويات غير مسبوقة خلال عام شهد تقلبات حادة في الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)
يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)
TT

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)
يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)

مع كل تحديث جديد لنظام «iOS»، تتجه الأنظار عادةً إلى الميزة الأبرز التي قد تعيد تعريف تجربة الاستخدام. لكن التحديث جاء برسالة مختلفة عبارة عن تحسينات واسعة في النظام، مقابل غياب الميزة الأكثر ترقباً... «سيري».

أطلقت «أبل» تحديث «iOS 26.4» مع مجموعة من التعديلات التي تركز على تحسين التجربة اليومية، دون تغييرات جذرية في الواجهة أو إطلاق تقنيات جديدة بالكامل. وبينما أضاف التحديث وظائف متعددة عبر التطبيقات، بقيت «سيري» دون التحديث المنتظر، في إشارة إلى أن التحول الأكبر لا يزال قيد التطوير.

تحسينات عملية

يركز التحديث الجديد على جعل استخدام الهاتف أكثر سلاسة، بدلاً من تقديم قفزات تقنية كبيرة. ويظهر ذلك بوضوح في التعديلات التي طالت تطبيقات أساسية مثل «أبل ميوزيك» (Apple Music) و«بودكاستس» (Podcasts).

ومن أبرز الإضافات ميزة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنشاء قوائم تشغيل موسيقية بناءً على وصف المستخدم. فبدلاً من اختيار الأغاني يدوياً، يمكن للمستخدم كتابة وصف بسيط مثل مزاج أو نشاط ليقوم النظام ببناء قائمة تشغيل تلقائياً.

كما أضافت الشركة ميزة تساعد على اكتشاف الحفلات الموسيقية القريبة، اعتماداً على تفضيلات الاستماع، إلى جانب تحسينات بصرية مثل عرض الأغلفة الموسيقية بشكل كامل داخل التطبيق. وفي جانب آخر، أصبح بالإمكان التعرف على الموسيقى حتى دون اتصال بالإنترنت، مع عرض النتائج لاحقاً عند عودة الاتصال، وهو ما يعكس توجهاً نحو جعل الوظائف الأساسية أكثر استقلالية.

أضافت «أبل» ميزات تعتمد على الذكاء الاصطناعي مثل إنشاء قوائم تشغيل موسيقية تلقائياً (شاترستوك)

تجربة محتوى أكثر تكاملاً

التحديث لم يقتصر على الموسيقى. فقد حصل تطبيق «Podcasts» على دعم أفضل للفيديو، مع إمكانية التبديل السلس بين المشاهدة والاستماع، وفقاً لجودة الاتصال بالإنترنت. كما شملت التغييرات أدوات إنشاء المحتوى، حيث حصل تطبيق «فري فورم» (Freeform) على ميزات إضافية، مثل مكتبة عناصر بصرية جاهزة يمكن استخدامها داخل المشاريع، ما يعزز من دوره كأداة إنتاج وليس مجرد مساحة ملاحظات.

في الوقت نفسه، ركزت «أبل» على تحسينات صغيرة لكنها مؤثرة، مثل دقة لوحة المفاتيح عند الكتابة السريعة وإدارة التذكيرات بشكل أكثر وضوحاً وتحسينات في إعدادات إمكانية الوصول. هذه التعديلات قد تبدو بسيطة، لكنها تستهدف نقاط احتكاك يومية يعاني منها المستخدمون.

ميزات جديدة... ولكن تدريجية

إلى جانب ذلك، أضاف التحديث مجموعة من الميزات العامة، مثل رموز تعبيرية جديدة، وتحسينات في مشاركة المشتريات داخل العائلة، حيث أصبح بإمكان كل فرد استخدام وسيلة دفع خاصة به. كما تم إدخال تحديثات مرتبطة بالخصوصية، مثل آليات التحقق من العمر في بعض المناطق، في إطار التكيف مع المتطلبات التنظيمية. تعكس هذه الإضافات أن التحديث لا يهدف إلى إعادة تعريف النظام، بل إلى تحسينه تدريجياً من الداخل.

لم يتضمن التحديث النسخة المطوّرة من «سيري» رغم التوقعات المرتفعة حولها (شاترستوك)

أين «سيري»؟

رغم كل هذه التحديثات، يبقى العنصر الأهم هو ما لم يتم إطلاقه. فالتحديث لم يتضمن النسخة الجديدة من «سيري» التي يُفترض أن تكون أكثر ذكاءً وتفاعلاً، مع قدرة أكبر على فهم السياق والتعامل مع البيانات الشخصية للمستخدم. وكانت التوقعات تشير إلى أن هذا التحديث سيشكل خطوة كبيرة في سباق الذكاء الاصطناعي، خاصة مع المنافسة المتزايدة من شركات أخرى تقدم مساعدين أكثر تطوراً. لكن غياب هذه الميزة لا يعني التخلي عنها، بل يبدو أنه يعكس نهجاً أكثر حذراً في تطويرها، مع احتمال إطلاقها في تحديثات لاحقة أو خلال فعاليات قادمة.

تحول تدريجي في فلسفة التحديثات

ما يكشفه «iOS 26.4» هو تحول في طريقة تعامل «أبل» مع التحديثات. فبدلاً من الاعتماد على ميزة واحدة كبيرة، تتجه الشركة نحو تحسينات متراكمة، تجعل النظام أكثر استقراراً وكفاءة بمرور الوقت. هذا النهج قد لا يكون لافتاً على المدى القصير، لكنه يراهن على تحسين التجربة بشكل مستمر. وفي هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من تفاصيل الاستخدام اليومية، وليس مجرد إضافة منفصلة.

يعكس التحديث الحالي مرحلة انتقالية. فبينما يتم إدخال بعض عناصر الذكاء الاصطناعي تدريجياً مثل إنشاء قوائم التشغيل، يبقى التحول الأكبر مؤجلاً.

المعادلة هنا واضحة وهي أن «أبل» تعمل على إدخال الذكاء الاصطناعي إلى النظام، لكن دون التسرع في إطلاق ميزات قد تؤثر على تجربة المستخدم أو الخصوصية. وفي انتظار «سيري» الجديدة، يقدّم «iOS 26.4» تجربة أكثر نضجاً واستقراراً، حتى وإن كانت أقل إثارة من التوقعات.


طائرات تحاكي الطيور… هل تعيد تعريف مستقبل الطائرات دون طيار؟

يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
TT

طائرات تحاكي الطيور… هل تعيد تعريف مستقبل الطائرات دون طيار؟

يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)
يعمل الفريق على تطوير نماذج أولية لروبوت طائر يحاكي الطيور بمواد ذكية تعتمد على الجهد الكهربائي تمهيداً لاختباره في نفق الرياح (مختبر بيلغن)

ظل التصميم التقليدي في عالم الطائرات دون طيار يعتمد على المراوح والمحركات، وهي مقاربة أثبتت فاعليتها لكنها تفرض حدوداً واضحة على الحركة والمرونة. اليوم، يحاول باحثون إعادة التفكير في هذا النموذج من خلال العودة إلى الطيور كمصدر إلهام قديم.

تسلط دراسة حديثة الضوء على جيل جديد من الروبوتات الطائرة، تُعرف باسم «الأورنيثوبتر» (Ornithopters)، وهي طائرات تحاكي طريقة الطيران الطبيعية للطيور عبر أجنحة مرنة تتحرك وتتكيف مع الهواء، بدلاً من الاعتماد على مراوح ثابتة.

تعتمد الطائرات دون طيار التقليدية على أنظمة ميكانيكية معقدة تشمل محركات وتروس وأجزاء متحركة. لكن هذا النموذج الجديد يتجه نحو ما يمكن وصفه بـ«التصميم الصلب» أو (solid-state) حيث يتم الاستغناء عن هذه المكونات بالكامل. بدلاً من ذلك، يستخدم الباحثون مواد ذكية تعتمد على ما يُعرف بالتأثير الكهروضغطي، وهي مواد تتغير أشكالها عند تطبيق جهد كهربائي عليها. وبهذه الطريقة، يمكن تحريك الأجنحة مباشرة من خلال الكهرباء، من دون الحاجة إلى وصلات ميكانيكية. هذا التحول لا يقلل فقط من تعقيد التصميم، بل يفتح الباب أمام حركة أكثر سلاسة وتكيفاً مع البيئة، حيث يمكن للأجنحة أن تنثني وتلتف بشكل مستمر، تماماً كما تفعل الطيور أثناء الطيران.

أدوات محاكاة متقدمة طوّرها باحثون تساعد على تصميم طائرات تحاكي الطيور رقمياً ما يسرّع التطوير ويقلل النماذج التجريبية (مختبر بيلغن)

مرونة أكبر في بيئات معقدة

تكمن أهمية هذا النهج في قدرته على التعامل مع البيئات المعقدة. فالطائرات التقليدية غالباً ما تواجه صعوبة في الأماكن الضيقة أو غير المتوقعة، مثل المناطق الحضرية المزدحمة أو البيئات الطبيعية المليئة بالعوائق. في المقابل، توفر الأجنحة المرنة قدرة أعلى على المناورة والاستجابة السريعة لتغيرات الهواء. وهذا يجعل هذه الروبوتات مناسبة لمجموعة واسعة من التطبيقات مثل عمليات البحث والإنقاذ ومراقبة البيئة وفحص البنية التحتية والتوصيل في المدن. في مثل هذه السيناريوهات، لا يكون التحدي في الطيران فقط، بل في القدرة على التكيف مع بيئة متغيرة بشكل مستمر.

محاكاة الطبيعة... دون نسخها

رغم أن الفكرة مستوحاة من الطيور، فإن الهدف لا يقتصر على تقليد الطبيعة. يشير الباحثون إلى أنهم لا يسعون إلى بناء نسخة ميكانيكية من جناح الطائر، بل إلى فهم المبادئ الأساسية التي تجعل الطيران الطبيعي فعالاً، ثم إعادة تصميمها بطرق أبسط وأكثر كفاءة. في هذا النموذج، تلعب المواد دوراً محورياً ومنها الألياف الكربونية التي تعمل كهيكل يشبه العظام والريش، والمواد الكهروضغطية تقوم بدور العضلات.

وبذلك، يصبح الجناح نفسه نظاماً متكاملاً للحركة، بدلاً من كونه مجرد سطح يتحرك بواسطة أجزاء خارجية.

نموذج رقمي لفهم الطيران

إلى جانب التطوير المادي، ركزت الدراسة على بناء نموذج حاسوبي متكامل يحاكي عملية الطيران. هذا النموذج يدمج عدة عناصر في وقت واحد كحركة الأجنحة والجسم والديناميكيات الهوائية والأنظمة الكهربائية وآليات التحكم. يسمح ذلك للباحثين باختبار التصاميم افتراضياً قبل تصنيعها، ما يسرّع عملية التطوير ويقلل الحاجة إلى تجارب مكلفة ومتكررة.

ورغم التقدم الذي تحققه هذه النماذج، لا تزال هناك تحديات رئيسية، أبرزها أداء المواد المستخدمة. فالمواد الكهروضغطية الحالية لا توفر بعد القوة أو الكفاءة الكافية للوصول إلى الأداء المطلوب في التطبيقات العملية واسعة النطاق. لكن الباحثين يرون أن هذه المشكلة قد تكون مؤقتة؛ إذ يسمح النموذج الحاسوبي بتوقع كيف يمكن أن تتحسن هذه الأنظمة مع تطور المواد في المستقبل.

في هذا التسلسل الحاسوبي تتحرك أجنحة الطائرة دون محركات باستخدام مشغلات كهروضغطية مرنة (مختبر بيلغن)

أكثر من مجرد طائرات

لا تقتصر أهمية هذه الأبحاث على الطائرات دون طيار فقط. فالمبادئ نفسها يمكن تطبيقها في مجالات أخرى، مثل الطاقة المتجددة. على سبيل المثال، يمكن استخدام مواد مرنة لتعديل شكل شفرات توربينات الرياح بشكل مستمر، ما قد يحسن كفاءتها في التقاط الطاقة. وهذا يعكس اتجاهاً أوسع في الهندسة، حيث لم يعد الهدف فقط بناء أنظمة أقوى، بل أنظمة أكثر ذكاءً وتكيفاً.

تشير هذه الدراسة إلى أن مستقبل الطائرات دون طيار قد لا يكون مجرد تحسين للأنظمة الحالية، بل إعادة تعريف كاملة لطريقة الطيران. فبدلاً من الاعتماد على أنظمة ميكانيكية معقدة، قد تتجه الصناعة نحو تصاميم أبسط من حيث المكونات، لكنها أكثر تعقيداً من حيث السلوك والتفاعل مع البيئة. في هذا السياق، تصبح الطائرة أقل شبهاً بآلة صلبة، وأكثر قرباً من كائن حي قادر على التكيف.

ما الذي يتغير فعلاً؟

لا يكمن التغيير في شكل الطائرة فقط، بل في فلسفة التصميم نفسها. الانتقال من المراوح إلى الأجنحة المرنة يعكس تحولاً أعمق من أنظمة تعتمد على القوة والثبات، إلى أنظمة تعتمد على المرونة والاستجابة. وبينما لا تزال هذه التقنيات في مراحل البحث، فإن اتجاه مستقبل الطيران قد يكون أقرب إلى الطبيعة مما كان يُعتقد.


النمسا تعتزم حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت سن 14 عاماً

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

النمسا تعتزم حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت سن 14 عاماً

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

أعلن الائتلاف الحاكم في النمسا، اليوم الجمعة، عن خطط لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال تحت سن 14 عاماً، لتنضم إلى سلسلة من الدول الأخرى في فرض مثل هذه القيود على الصغار.

وقال ألكسندر برول، مسؤول شؤون الرقمنة في مكتب المستشار النمساوي كريستيان شتوكر، إنه سوف يتم طرح مشروع قانون بهذا الشأن بحلول نهاية يونيو (حزيران) المقبل.

وأضاف أن «الأساليب الحديثة تقنياً للتحقق من العمر سوف تطبق للسماح بالتحقق من أعمار المستخدمين مع احترام خصوصيتهم».

ولم يتضح على الفور الموعد الذي ربما تدخل فيه الخطة لتحديد الحد الأدنى للعمر حيز التنفيذ والتي ستحتاج إلى موافقة برلمانية.

العديد من الدول تعتزم حظر وصول الأطفال دون سن الـ16 لوسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

يشار إلى أن أستراليا أخذت بزمام المبادرة في هذا الصدد عام 2024، لتصبح أول دولة تحظر استخدام الأطفال تحت سن 16 عاماً وسائل التواصل الاجتماعي بغرض حمايتهم من المحتوى الضار والإفراط في استخدام الشاشات، ومن المقرر سريان حظر مماثل في إندونيسيا غداً السبت.