«مايكروسوفت» ترسم ملامح مستقبل الذكاء الاصطناعي: من الوكلاء إلى التحليل التنبؤي

«الشرق الأوسط» تحاور أبرز خبراء الشركة في الذكاء الاصطناعي

ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت» يستعرض «وكلاء كوبايلوت»
ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت» يستعرض «وكلاء كوبايلوت»
TT

«مايكروسوفت» ترسم ملامح مستقبل الذكاء الاصطناعي: من الوكلاء إلى التحليل التنبؤي

ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت» يستعرض «وكلاء كوبايلوت»
ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت» يستعرض «وكلاء كوبايلوت»

في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي، تخطو «مايكروسوفت» خطوات متسارعة نحو مستقبل يتسم بالتحليل التنبؤي و«وكلاء الذكاء الاصطناعي» الذين يزدادون ذكاء كل 6 أشهر.

وفي هذا السياق، تحدثت «الشرق الأوسط» حصرياً مع اثنين من أبرز خبراء «مايكروسوفت» في الذكاء الاصطناعي: تشارلز لامانا، وجيسيكا هوك، في حوار معمق خلال زيارة لهما إلى المملكة العربية السعودية، يكشف عن آفاق هذه التقنيات الثورية وتطبيقاتها الواسعة في القطاعين العام والخاص؛ خصوصاً في السعودية التي تشهد تحولاً رقمياً غير مسبوق. ونذكر ملخص الحوار.

تشارلز لامانا نائب رئيس قطاع المؤسسات و«كوبايلوت» للأعمال والصناعة

«مساعدون شخصيون» لكل فرد

تحدثت «الشرق الأوسط» مع تشارلز لامانا، Charles Lamanna، نائب رئيس قطاع المؤسسات و«كوبايلوت» للأعمال والصناعة الذي قال بأن «كوبايلوت» Copilot هو نظام ذكاء اصطناعي شخصي خاص، يفهم كيف ومع من يعمل المستخدم وكيف يتواصل، وهو قادر على المساعدة في زيادة وتوسيع ما يفعله المستخدم كل يوم. ويساعد «كوبايلوت» في كتابة رسالة البريد الإلكتروني، وإنشاء المستندات والعروض التقديمية، وإجراء الأبحاث، والتحضير للاجتماعات المختلفة. وهذا هو السبب في أنه طيار «مساعد»، وتبقى مهمة القيادة على عاتق المستخدم، تماماً مثل قبطان الطائرة ومساعده في قمرة القيادة.

«الوكلاء» Agents، نوع من نماذج الذكاء الاصطناعي يعمل من خلال التوجيهات والأهداف والتعليمات، ويتصل بالبيانات، ويمكنه استخدام الأدوات لفتح متصفح أو تشغيل تطبيق أو تحديث سجلات قاعدة البيانات، مثلًا. وهو أشبه بأعضاء فريق الشركة.

رؤية «مايكروسوفت» لاستخدام الوكلاء داخلياً، هي أن لدى الشركة مائتي ألف موظف، وسيكون لكل منهم مساعد شخصي ذكي خاص به، وملايين الوكلاء بعد ذلك. بعضها بسيط جداً للمساعدة في تسجيل الإيصالات بعد رحلة عمل، وبعضها متطور جداً للمساعدة في عمليات البيع، وحتى إبرام الصفقات مع العملاء بأنفسهم.

ويستطيع الوكلاء -مثلًا- تسوية المعاملات، مثل الذهاب إلى حسابك المصرفي، وإلى نظام تخطيط موارد المؤسسات الخاص بك، ولديك جميع أوامر الشراء والأموال التي يتم إيداعها أو سحبها، وعليك مطابقتها. وتتم هذه العملية بتوافق الطلب مع أمر الشراء والفاتورة، وهي أمور يستطيع وكيل التسوية المصرفية الذي أصدرته «مايكروسوفت» أخيراً القيام به كعمل مكتبي كلاسيكي.

أما المجال الذي لم يصبح الوكلاء فيه جيدين بعد، فهو ما يحتاج إلى متطلبات الرياضيات الصعبة. ونظراً لأن الوكلاء نماذج لغوية كبيرة، فإنها تتحسن طوال الوقت، ولكنها لا تملك قدرات حسابات طبيعية مدمجة فيها؛ بل يجب استخدام الأدوات اللازمة أو كتابة التعليمات البرمجية للقيام بالعمل الرياضي المطلوب. والمجال الآخر هو إجراء تحليل للميزانية أو تحليل التباين.

وترى «مايكروسوفت» أن الوكلاء سيصبحون أكثر قدرة كل 6 أشهر على مدى السنوات الخمس إلى العشر القادمة.

وكلاء للمهام لا للوظائف

فيما يتعلق بالمسؤوليات المقدمة للوكلاء، فيتم تقسيم العالم إلى وظائف ومهام. وإذا كانت لديك وظيفة ما، فقد تقوم بنحو 30 مهمة مختلفة. الوكلاء أدوات جيدة في القيام بالمهام وليس الوظيفة في الوقت الحالي. لذا، إن كان لديك 30 مهمة، فربما تنتقل 10 من هذه المهام إلى الوكلاء، وتبقى 20 مهمة للمستخدم.

ولدى سؤال تشارلز حول كيفية عمل وكلاء عدة بعضهم مع بعض لإيجاد شيء أكبر مما يمكن لأحدهم القيام به، قال بأن الوكلاء مثل فريق من الأشخاص؛ حيث يمكن لخمسة أشخاص يعملون معاً بانسجام القيام بأكثر بكثير من شخص واحد يعمل بمفرده. ولكل وكيل تخصص أو هدف مختلف يجعل من الممكن لهم العمل معاً بسهولة وإنتاج نتيجة أفضل. وعلى سبيل المثال، قد يكون لدينا وكيل لإنشاء محتوى، مثل محتوى تسويقي، ثم سيكون لدينا وكيل آخر وظيفته التحقق من عدم الدقة الواقعية أو الأخطاء أو التحقق من الامتثال. هذان وكيلان، أحدهما ينشئ العمل والآخر يتحقق منه، ويؤديان المطلوب بشكل مبهر. يضاف إلى ذلك وكيل يراقب ما يفعله الوكلاء الآخرون للتأكد من أنهم يقومون بالمهام بأمان.

وسألناه حول ما الذي سيحدث في حال وجود اختلاف «وجهات نظر» بين الوكلاء، وكيفية فض النزاع بينها؛ حيث يتم جلب وكيل إضافي للتصويت، أو ليكون فاصلاً بينها. كما يمكن منح أولوية لبعض الوكلاء، بحيث يتم تجاوز رأي الوكيل ذي الأولوية الأقل في حال حدوث اختلاف بينها، وكأنه «مدير الوكلاء» أو حكيمهم. كما يمكن إرسال رسالة إلى الموظف لتقييم حالة الخلاف وتصويب المسار، حسب متطلبات العمل والخبرة الموجودة لديه.

قراءة المستقبل بالذكاء الاصطناعي

وتحدث لـ«الشرق الأوسط» حول تطور طريقة التفاعل مع الكومبيوترات من خلال الوكلاء؛ حيث إنها نقلة نوعية لم نشهدها منذ تطوير الفأرة وواجهات الاستخدام المرئية، نظراً لأن المستخدمين أصبحوا يتحدثون مع الكمبيوتر بلغاتهم ولهجاتهم للقيام بالمهام والوظائف المطولة. وقال تشارلز بأن هذه هي المرحلة الأولى في تطوير آلية التفاعل؛ حيث يستطيع المستخدمون شرح طلبهم للحصول على النتيجة، ولكن سيكون بالإمكان القيام بذلك باستخدام الأوامر الصوتية وباللهجات المحلية المختلفة قريباً.

هذا، وأعلنت الشركة في الخريف الماضي عن دعم اللغة العربية في استوديو «كوبايلوت» لتطوير الوكلاء، بعد كثير من الاختبارات والتحقق من صحة التفاعل الصوتي، كما عملت على مدى العامين الماضيين في اليابان للتأكد من أن اللغة اليابانية تعمل بشكل صحيح داخل «كوبايلوت» بشكل طبيعي، ودعم جميع أشكال النص الياباني المكتوب وحروفه المختلفة.

ذكاء اصطناعي للجوال بلغات عديدة

ولسد الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة وتلك النامية فيما يتعلق بتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، ترى «مايكروسوفت» أن الاعتماد على استخدام هذه التقنيات من خلال الهواتف الجوالة المختلفة المنتشرة بين كثير من الناس حتى في الدول النامية هو أمر حتمي، إلى جانب تخصيص النماذج لتتماشى مع اللغات المختلفة واللهجات المحلية. تضاف إلى ذلك شراكة كبرى شركات التقنية مع الدول لجلب الحوسبة والإنترنت إلى مزيد من المناطق حول العالم. كما يمكن للمبرمجين الذهاب إلى كثير من صفحات «غيت هاب» GitHub للتعرف على منصات الوكلاء المختلفة مفتوحة المصدر، لقراءة نصها البرمجي وتطوير ما يلزم منها ليتناسب مع احتياجات كل مستخدم.

التحليل التنبؤي: عصر جديد لصنع القرار

وتحدثت «الشرق الأوسط» أيضاً مع جيسيكا هوك، Jessica Hawk، نائبة رئيس قطاع المؤسسات وتسويق المنتجات والبرامج الرقمية والذكاء الاصطناعي والبيانات، والتي تُعد مسؤولة عن البيانات والتطبيقات، وهي الطبقة الموجودة أعلى البنية التحتية الأساسية التي تشمل كل شيء من قواعد البيانات إلى حلول التحليل، مثل: Fabric وAzure Databricks ومنصة Azure AI Foundry التي تقدم البنية التحتية اللازمة لبناء تقنيات الذكاء الاصطناعي، اعتماداً على بنية Fabric للبيانات. وقد تغيرت قواعد العمل منذ عقدين؛ حيث كانت البيانات الضخمة هي الأساس، وكان تحليل البيانات هو الذكاء. أما الآن فأصبح التركيز على البيانات التنبؤية لصنع القرار في الشركات، وهو ما تسميه الموسم الأول من عصر الذكاء الاصطناعي (في إشارة إلى المرحلة الأولى).

جيسيكا هوك نائب رئيس قطاع المؤسسات وتسويق المنتجات والبرامج الرقمية والذكاء الاصطناعي والبيانات

وبسبب قدرات التحليل العميق للذكاء الاصطناعي، لم يعد عامل تجانس وتنظيم البيانات أمراً أساسياً؛ حيث يمكن للذكاء الاصطناعي التعرف على الروابط بين البيانات المخزنة في قواعد بيانات مختلفة دون الحاجة لترتيبها بشكل موحد، وهو ما كان يستغرق مدة زمنية كبيرة للإعداد في السابق. كما أصبحت صيغة البيانات غير مهمة لتحليلها؛ حيث يمكن تحليل النصوص والصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية والخروج بمعلومات مهمة وذات معنى، وهو أمر كان بالغ التعقيد قبل 15 عاماً فقط.

وتضيف منصة Fabric القدرة على تحليل المعلومات الضخمة بسهولة، ومنها معلومات إنترنت الأشياء Internet of Things التي تقدم بيانات ضخمة جداً يمكن تخزينها وتحليلها سحابياً، واستخدام أجهزة بسيطة للاتصال بتلك الأجهزة السحابية لعرض النتائج والتفاعل مع البيانات بكل سهولة، الأمر الذي يخفض من تكاليف البنية التحتية للشركات والحكومات بشكل كبير.

وتقدم منصة Fabric قدرات فريدة تسمح للمستخدم بتحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي بسرعة، ودون الحاجة لتطوير حلول برمجية معقدة لإجراء ذلك، ومن ثم استخراج المعلومات المهمة لأداء الأعمال حالياً والتنبؤ بمستقبلها، وذلك بهدف تقديم عملية تحول رقمي متقنة بسهولة بالغة للشركات والحكومات، وتجاوز أعوام من التطوير.

وتستطيع منصة Azure AI Foundry تقديم أدوات تقوم بتحليل البرامج، وتوجد ملخصات نصية غير تقنية لقطاع الأعمال، ولمتخصصي السياسات والحوكمة والأمن الرقمي والقانون في الشركات، لفهم آفاق تلك البرامج وتحليلها حسب احتياجات كل قسم، وبكل سهولة، وذلك لاتخاذ قرار تعديلها أو إطلاقها إلى الجماهير المستهدفة، في حال استوفت جميع الضوابط والشروط اللازمة.

وحول خصوصية البيانات المقدمة للذكاء الاصطناعي، قامت «مايكروسوفت» ببناء مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول (العدل و«الأمان والموثوقية» و«الأمن والخصوصية» والشمولية والشفافية والمسؤولية) التي يتم استخدامها لإحكام تنفيذ الذكاء الاصطناعي في تصميم واستخدام أي برنامج تقدمه الشركة. كما تقوم «مايكروسوفت» بإجراء الحوارات مع الحكومات والهيئات التنظيمية في جميع أنحاء العالم، لطلب المشورة وفهم كيفية سن الضوابط والتنظيمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتقديم التوجيه في بعض الأحيان، مثل قانون تنظيم الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي الذي دخل حيز التنفيذ بداية شهر فبراير (شباط) الماضي. وتقدم الشركة معيار الذكاء الاصطناعي المسؤول للشركات والحكومات حول العالم لاستخدامه مخططاً لممارساتهم الخاصة.

كما تدعم منصات الشركة للذكاء الاصطناعي (مثل Azure OpenAI Service وAzure AI Foundry) أكثر من 1800 نموذج ذكاء اصطناعي، يشمل OpenAi o3-mini وDeepSeek R1.

تعاون مع السعودية لتعزيز فهم اللغة العربية

ولم يقتصر الحوار على استعراض تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة؛ بل تناول أيضاً التعاون المثمر مع المملكة العربية السعودية؛ حيث عملت الشركة مع المركز الوطني للذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية، التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، لدفع قدرات الذكاء الاصطناعي وتطوير نموذج ALLaM-2-7B لتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي، لفهم اللغة العربية باستخدام 7 مليارات معامل مختلف، مستخدماً بنية Azure للذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

تكنولوجيا شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

تعهَّدت شركات تكنولوجية رائدة بتوفير آلية موحَّدة لوسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأخرى لمنع استخراج محتواها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
الاقتصاد متداولو العقود الآجلة والخيارات يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

10 مليارات دولار تتدفق إلى الأسهم العالمية رغم الانسحاب من أميركا

واصلت صناديق الأسهم العالمية استقطاب الاستثمارات للأسبوع السادس على التوالي، رغم تباطؤ وتيرة التدفقات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص تعتمد استراتيجية «احصد الآن وفكّ التشفير لاحقاً» على تخزين البيانات المشفّرة انتظاراً لقدرات حوسبة أقوى مستقبلاً (أدوبي)

خاص خطر مؤجّل: الحوسبة الكمومية قد تفكّ تشفير بيانات مسروقة بعد سنوات

يحذّر خبراء من سرقة بيانات حساسة اليوم والاحتفاظ بها انتظاراً لقدرات كمومية مستقبلية قد تتمكن من فك تشفيرها بعد سنوات.

نسيم رمضان (بالي (إندونيسيا))
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية مع هروب المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

ارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية، الجمعة، لتتجه العوائد نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري لها منذ أواخر عام 2023، مع دفع موجة بيع حادة لأسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تراجع حاد للعقود الآجلة لـ«ناسداك» مع تصاعد مخاوف إنفاق الذكاء الاصطناعي

هوت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك» بأكثر من 2 في المائة، الجمعة، بعدما أشارت «أمازون» إلى أن طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لا تزال بعيدة عن نهايتها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

جيش إلكتروني عابر للحدود... ما سر قوة قراصنة كوريا الشمالية؟

خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
TT

جيش إلكتروني عابر للحدود... ما سر قوة قراصنة كوريا الشمالية؟

خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)

خلصت ثلاث شركات متخصصة في تحليل بيانات سلاسل الكتل (البلوك تشين) إلى أن عملية الاختراق الأخيرة التي استهدفت منصة «باينانس» كانت من تنفيذ قراصنة مدعومين من الدولة الكورية الشمالية، في وقت لا تزال فيه التحقيقات الرسمية في الحادثة جارية، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وشهد يوم الخميس سرقة ما لا يقل عن ملياري دولار أميركي من محافظ منصة «باينانس»، في عملية يُعتقد أنها أكبر هجوم إلكتروني يستهدف منصة لتداول العملات الرقمية في العالم.

ورغم أن منصة «باينانس» والجهات الحكومية لم تستكملا تحقيقاتهما بعد، فإن ثلاث جهات متخصصة في أمن سلاسل الكتل، هي «تي آر إم لابس» (TRM Labs) و«تشيناليسيس» (Chainalysis) و«زاك إكس بي تي» (ZachXBT)، أشارت إلى تورط قراصنة مرتبطين ببيونغ يانغ في تنفيذ الهجوم.

وكشفت التحقيقات الأولية أن أحد المخترقين تمكن من إجراء معاملات غير مصرح بها، بعدما وصل إلى حاسوب محمول تعرض للاختراق، ويعود إلى أحد مهندسي منصة «باينانس» (Binance).

وتأتي هذه الحادثة بعد عملية اختراق استهدفت منصة «باي بيت» (Bybit) عام 2025، وتمكن خلالها قراصنة من كوريا الشمالية من سرقة مبلغ قياسي بلغ 1.5 مليار دولار.

ويرى خبراء أن أحد أبرز أسباب نجاح كوريا الشمالية في تنفيذ هجماتها السيبرانية يتمثل في اعتماد بيونغ يانغ، إلى حد كبير، على عناصر تعمل من خارج البلاد.

وذكرت شركة «تي آر إم لابس» في تقرير أصدرته يوم الجمعة أنه يمكن القول «بدرجة عالية من الثقة» إن الهجوم الأخير على منصة «باينانس» نفذته وحدة القرصنة الكورية الشمالية «تريدر ترايتر» (TraderTraitor)، المرتبطة بمجموعة «لازاروس» (Lazarus Group) المعروفة بهجماتها الإلكترونية.

وأوضحت الشركة أن تقييمها يستند إلى «معلومات استخباراتية قوية»، تشمل بيانات مستمدة من المعاملات المسجلة على سلاسل الكتل (On-chain)، إلى جانب معلومات من مصادر خارج هذه السلاسل (Off-chain).

بدوره، قال جوني ليفين، المسؤول في شركة «تشيناليسيس» المتخصصة في أمن سلاسل الكتل، إن عملية الاختراق «على الأرجح من تنفيذ المجموعة الكورية الشمالية (تريدر ترايتر)».

من الهجمات التخريبية إلى سرقة المليارات

يشير خبراء الأمن السيبراني إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي.

فبعدما كانت عملياتها تركز على التعطيل وإحداث الاضطرابات، كما حدث في الهجوم على شركة «سوني بيكتشرز» عام 2014، تحولت إلى استهداف محافظ العملات المشفرة والبنوك المركزية بهدف سرقة مبالغ مالية ضخمة.

وأظهر القراصنة الكوريون الشماليون قدرات متزايدة على اختراق الأنظمة المالية خارج البلاد، وتحويل الأموال المسروقة لتمويل برنامج بيونغ يانغ للأسلحة النووية.

وحذّرت وزارة الخارجية اليابانية، في تقرير صدر العام الماضي، من أن القدرات السيبرانية لبيونغ يانغ توسعت في ظل حكم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، لتتحول إلى «برنامج وطني متكامل» يتمتع بمستوى عالٍ من التطور، «يقترب من البرامج السيبرانية لكل من الصين وروسيا».

لماذا يعمل قراصنة كوريا الشمالية من الخارج؟

نظراً إلى القيود الشديدة المفروضة على الوصول إلى شبكة الإنترنت العالمية داخل كوريا الشمالية، فإن عمل قراصنتها انطلاقاً من دول مثل الصين وروسيا يتيح لهم الاستفادة من بنية تحتية رقمية أكثر تطوراً.

كما يوفر لهم استخدام عناوين بروتوكول إنترنت (IP) أجنبية غطاءً يساعد على إخفاء مواقعهم الحقيقية، ويجعل تعقب مصدر الهجمات السيبرانية أكثر صعوبة.

وذكرت وزارة الخارجية اليابانية، في أحد تقاريرها، أن عمليات القرصنة التي تنفذها كوريا الشمالية على مستوى العالم غالباً ما تُسهَّل عبر «شبكات تضم مواطنين كوريين شماليين في الخارج ومتواطئين أجانب».

ولا تقتصر أهمية وجود هؤلاء القراصنة خارج البلاد على تسهيل تنفيذ الهجمات وإخفاء مصادرها، بل تمتد إلى تمكينهم من التعاون مع شبكات مالية أجنبية لتحويل العملات المشفرة المسروقة إلى أموال نقدية تقليدية.

شعار منصة «باينانس» (رويترز)

جنوب شرق آسيا... هدف وقاعدة للعمليات السيبرانية

يحذر خبراء من أن منطقة جنوب شرق آسيا أصبحت ركيزة أساسية في الشبكة السيبرانية التابعة لنظام كيم جونغ أون، إذ تؤدي دوراً مزدوجاً، بوصفها هدفاً للهجمات وقاعدة تنطلق منها عمليات بيونغ يانغ الإلكترونية.

ووفقاً لتقرير صادر عن «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، نشرت كوريا الشمالية برمجيات خبيثة وأدوات تتيح الوصول غير المصرح به إلى البنية التحتية الرقمية لدول من بينها كمبوديا وتايلاند وإندونيسيا.

وقد أتاح لها ذلك مواصلة إخفاء عملياتها السيبرانية التي تنفذها على نطاق عالمي.

آلاف العملاء السيبرانيين بهويات زائفة

أشار تقرير صدر عام 2020 عن «مركز الأمن الأميركي الجديد» (Centre for a New American Security)، تناول الشبكة السيبرانية الخارجية لكوريا الشمالية، إلى أن الهند كانت من بين الدول التي ينشط فيها عملاء سيبرانيون كوريون شماليون.

وتفيد تقارير بأن العدد الإجمالي لهؤلاء العملاء المنتشرين حول العالم قد يصل إلى 6 آلاف عميل، يعملون في دول من بينها الصين والهند وروسيا وبيلاروسيا وماليزيا.

ويلجأ هؤلاء الأفراد إلى انتحال هويات مزيفة، مدّعين أنهم مواطنون من دول أخرى، بهدف الحصول على وظائف داخل شركات أجنبية.

ويخضع هؤلاء العملاء لبرامج إعداد وتدريب تبدأ منذ سن مبكرة، بإشراف من بيونغ يانغ، بهدف تأهيلهم للمشاركة في أجندة الحرب السيبرانية التي تتبناها كوريا الشمالية.


عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
TT

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

تعهَّدت شركات «أوبن إيه آي» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«أنثروبيك» أمس (الجمعة)، بتوفير آلية موحَّدة لوسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأخرى لمنع استخراج محتواها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وذلك وسط ازدياد الانتقادات والمعارك القانونية من جانب ناشري المواقع الإخبارية.

ويتعيَّن على الناشرين حالياً تطبيق أوامر حظر متعددة لكل روبوت جمع بيانات ينشط على الإنترنت على حدة، لكن الحلَّ المقترح الجديد سيسمح لهم بإدخال تعليمات موحَّدة معترف بها ومعتمدة من قبل أي شركة ذكاء اصطناعي تتبنى البروتوكول. مع ذلك، لن يدخل الحلُّ حيزَ التنفيذ الكامل إلا بعد أشهر، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وستبدأ «مايكروسوفت» بتطبيقه اعتباراً من 1 فبراير (شباط) 2027، و«غوغل» في وقت ما من عام 2027. وقالت «أوبن إيه آي» مطورة «تشات جي بي تي» إنها ستطرحه «في الأشهر المقبلة»، بينما صرَّحت «أنثروبيك»، مطورة «كلود» بأنها «بدأت بالفعل» في طرحه.

ويأتي هذا الإعلان في وقت يواجه فيه الناشرون طفرةً في الروبوتات التي تنسخ منشوراتهم لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها. وقد لجأت بعض الجهات مثل صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى القضاء في هذا الشأن.

ففي ديسمبر (كانون الأول) عام 2023، رفعت «نيويورك تايمز» دعوى قضائية ضد شركتَي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» بتهمة استخدام ملايين المقالات من دون إذن أو مقابل مادي لتدريب نموذج «تشات جي بي تي».

في غضون ذلك، حظرت شركة «كلاودفلير» المزودة لخدمات الإنترنت، بشكل تلقائي، البرمجيات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي على مواقع عملائها الجدد منذ يوليو (تموز) 2025، كما أنَّ هناك برنامجاً يحمل اسم «ترخيص بسيط للغاية» يسمح للناشرين بفرض رسوم على الروبوتات التي تزوِّر صفحاتهم وتنسخها.

وأوضحت «مايكروسوفت»، في منشور على مدونتها، أنَّ الإعداد الجديد سيُطبَّق فقط على التدريب المستقبلي للنماذج، ولكنه بخلاف ذلك لا يمنع الروبوتات من الزحف على الإنترنت، وسيُسمح باستخراج المحتوى إلى حين تغيير الناشر لهذا الإعداد.

وأعرب المتحدث باسم شركة «ميتا»، آندي ستون، على منصة «إكس» عن دعمه لهذا الجهد، حيث كتب: «نعتقد أن إنشاء إشارة مشتركة تنقل هذه التفضيلات إلى كثير من مزودي الخدمات في آن واحد خطوة مهمة»، مضيفاً: «نتطلع إلى العمل مع شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى على هذه المعايير وتطبيقها في جميع أنحاء القطاع».


اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
TT

اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)

لم يبدأ أخطر ما في حادثة «بينانس» بإعلان سرقة مفتاح خاص لمحفظة عملات مشفرة، بل من مسار أكثر تعقيداً داخل البنية التقنية للمنصة. فالتحقيق الأولي للشركة يشير إلى أن اختراق حاسوب محمول يعود إلى مهندس عمليات التطوير والتشغيل (DevOps) ربما منح المهاجم وصولاً إلى «حاوية خدمة» (Service Container) داخلية، ومن هناك أصبح بالإمكان إرسال معاملات سحب غير مصرح بها. وتؤكد «بينانس» حتى الآن أنها لم تعثر على دليل يثبت تسرب المفاتيح الخاصة بالمحافظ.

وتقدر المنصة حجم الأثر الإجمالي للحادث بنحو 6.3 مليار دولار، فيما قالت الجمعة إنها تمكنت، بالتعاون مع جهات في منظومة البلوك تشين، من تجميد أصول بقيمة تقارب 3 مليارات دولار على الشبكات. كما تعهدت بتغطية الخسائر من صندوق الأصول الآمنة للمستخدمين وأموال الشركة، مؤكدة أن أموال العملاء آمنة.

لكن البيانات المسجلة على شبكات البلوك تشين ترسم صورة أوسع للهجوم؛ إذ تشير إلى أن المشكلة لم تقتصر على محفظة واحدة أو شبكة واحدة، بل امتدت إلى «محافظ ساخنة» (Hot Wallets) تابعة لـ«بينانس» عبر عدد من شبكات العملات المشفرة خلال ساعات قليلة.

امتد الهجوم إلى محافظ ساخنة عبر عدة شبكات ما يرجح أن المشكلة تجاوزت سرقة مفتاح خاص واحد (رويترز)

تواصل التحقيقات

تقول «بينانس» إن التحقيق لا يزال أولياً، وإنها ستنشر تقريراً تقنياً كاملاً بعد التحقق من المسار الكامل للهجوم. وقد أوضح ريتشارد تنغ، الرئيس التنفيذي المشارك للشركة، أن الحادث لم يكن ببساطة نتيجة استخدام صلاحيات مهندس واحد أو عملية «بنقرة واحدة»، بل تضمن مساراً أكثر تعقيداً، مع اكتشاف نقاط اختراق إضافية لا تزال قيد التحقيق.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن المحافظ الساخنة لدى منصات التداول تبقى متصلة بالإنترنت وتستخدم بصورة مستمرة لمعالجة عمليات السحب، ولذلك تحتاج إلى أنظمة داخلية قادرة على إنشاء المعاملات والموافقة عليها وتوقيعها بسرعة.

وتظهر بيانات التحليل أن الأموال خرجت من 17 محفظة ساخنة مرتبطة بـ«بينانس» على تسع شبكات بين الساعة 20:04 و23:56 بالتوقيت العالمي في 29 أكتوبر (تشرين الأول)، في حين توصلت تحليلات أخرى إلى تتبع أصول عبر عشر شبكات، وهو اختلاف يعكس نطاق الرصد والتصنيف بين جهات التحليل في الساعات الأولى للحادث. وتشمل الشبكات التي رُصدت «إيثيريوم» و«بيتكوين» و«ترون» و«دفتر XRP» و«سولانا» و«أربيتروم» و«أفالانش» و«أوبتيميزم» و«بيس» و«بوليغون».

معاملات صحيحة... لكن غير مصرح بها

من الناحية التقنية، تحمل هذه النقطة دلالة مهمة، وهي أن شبكة البلوك تشين لم ترفض المعاملات، لأنها ظهرت على الشبكات بتوقيعات صالحة صادرة من محافظ «بينانس». ويشير أحد التحليلات إلى أن 16 من أصل 17 محفظة أرسلت تحويلات عادية موقعة إلى عناوين المهاجم، رغم أن أنماط بعضها اختلفت عن عمليات السحب المعتادة للمنصة.

وهذا يتوافق مع تقييم تقني بأن المهاجم قد يكون حصل على قدرة تجعل بنية توقيع المحافظ (Wallet Signing Infrastructure) الساخنة في «بينانس» توافق على معاملات يحددها هو، بدلاً من أن تكون المشكلة مجرد الحصول على مفتاح خاص واحد. وتبقى هذه فرضية فنية من جهات تحليل خارجية وليست نتيجة نهائية أعلنتها «بينانس».

وتزداد أهمية هذا الاحتمال لأن المحافظ المتضررة تعمل على شبكات تستخدم أنواع مفاتيح وآليات توقيع مختلفة، ومع ذلك ظهرت معاملات صحيحة عبر عدة شبكات خلال فترة زمنية متقاربة.

بدأت التحضيرات للهجوم قبل التنفيذ الفعلي بساعات مع اختبارات وتحويلات صغيرة سبقت عملية السحب الرئيسية (أ.ف.ب)

طبقة جديدة للهجوم

على شبكة «إيثيريوم»، اتخذ الهجوم مساراً أكثر تعقيداً باستخدام ميزة تعرف باسم اقتراح تحسين إيثيريوم رقم «7702 (EIP-7702)»، أضيفت إلى الشبكة ضمن تحديث «بيكترا». وتسمح هذه الميزة للمحفظة التقليدية بتفويض تنفيذ سلوكها إلى عقد ذكي (Smart Contract) بعد توقيع تفويض مناسب.

وحسب التحليلات، أرسل المهاجم معاملة تضمنت 50 تفويضاً موقعاً مسبقاً، تغطي أرقاماً متتابعة لما يعرف بالرقم التسلسلي للمعاملة (Nonce)، بهدف ضمان أن يكون واحد منها صالحاً عند تنفيذ العملية الفعلية. وقد تطابق أحد هذه التفويضات مع الحالة الحية لمحفظة «بينانس»، ما سمح بتوجيه سلوكها نحو عقد برمجي يتحكم فيه المهاجم.

وبعد ثلاث دقائق و24 ثانية، جرى تحويل 167 ألفاً و464 وحدة من عملة «إيثر» (ETH) إضافة إلى 63 رمزاً آخر من المحفظة في معاملة واحدة، شملت 1.615 مليار وحدة من عملة «تيثر» (USDT) المستقرة.

ولم ينته الخطر مع خروج الرصيد الأول؛ لأن التفويض ظل فعالاً، ما مكّن المهاجم من سحب أموال جديدة وصلت لاحقاً إلى المحفظة في عمليات متكررة خلال الساعات التالية.

وتشير التحليلات الأمنية إلى أن هذه الخاصية تغيّر طبيعة الخطر في المحافظ الساخنة، لأن التفويض الناجح يمكن أن يمنح المهاجم سيطرة برمجية مستمرة على العنوان إلى أن يتم إلغاء التفويض بصورة صريحة.

هجوم تم التحضير له مسبقاً

تشير تحليلات تتبع البلوك تشين إلى أن التحضير بدأ قبل السرقة بنحو 36 ساعة على الأقل، مع تحويلات صغيرة وتجارب على محافظ يسيطر عليها المهاجم قبل تنفيذ العملية ضد «بينانس».

وتفيد هذه التحليلات بأن المهاجم اختبر تسلسل التفويض والسحب أكثر من مرة قبل نشر العقد الذي استُخدم لاحقاً، ثم نفذ الهجوم الرئيسي مساء 29 أكتوبر.

كما تنسب «TRM Labs» العملية، بدرجة ثقة مرتفعة وفق تقييمها، إلى مجموعة «TraderTraitor» المرتبطة بكوريا الشمالية، استناداً إلى مؤشرات على السلسلة وخارجها وتشابهات مع عمليات سابقة. ولم تعلن «Binance» حتى الآن مسؤولية جهة محددة عن الهجوم؛ لذلك يبقى هذا إسناداً من شركة تحليل بلوك تشين وليس استنتاجاً رسمياً من المنصة.

تمكنت جهات في منظومة البلوك تشين من تجميد مليارات الدولارات فيما لا يزال السبب الجذري الكامل قيد التحقيق (د.ب.أ)

سباق لتجميد مليارات الدولارات

بعد بدء التحويلات، تحركت جهات مصدرة للعملات المستقرة وشبكات بلوك تشين لتجميد أجزاء من الأموال المسروقة. وتقول «بينانس» إن القيمة المجمدة على الشبكات وصلت إلى نحو 3 مليارات دولار في أحدث تحديث رسمي، وهو رقم أعلى من بعض التقديرات المبكرة التي تراوحت حول 2.7 مليار دولار.

وتشير بيانات تتبع الأموال إلى أن «تيثر» و«سيركل» ومجلس أمن «أربيتروم» وجهات أخرى تمكنت من منع حركة أجزاء كبيرة من العملات المستقرة والأصول، فيما سارع المهاجم إلى تحويل مئات الملايين من «USDT» إلى أصول أخرى قبل تنفيذ التجميد.

وامتد أثر الحادث إلى بروتوكولات التمويل اللامركزي (DeFi)؛ إذ قالت «LlamaRisk» إن إحدى المحافظ المرتبطة بالمهاجم أودعت 60 مليون «USDT» في الإصدار الثالث من بروتوكول «آفي» (Aave V3) واقترضت مقابلها 19 ألفاً و762 وحدة من «إيثر المغلف» (WETH) بقيمة تقارب 44.6 مليون دولار آنذاك.

وردت منظومة «Aave» بتجميد إمكانية فتح مراكز إيداع واقتراض جديدة في مئات الأسواق على شبكات متعددة كإجراء احترازي، مع إبقاء السداد والسحب والتصفية متاحة.

لماذا تتجاوز الحادثة «سرقة مفتاح»؟

لا تزال «بينانس» تجمع الأدلة؛ ولذلك لا يمكن اعتبار أي تحليل خارجي وصفاً نهائياً للسبب الجذري قبل صدور التقرير التقني الرسمي. لكن البيانات المتاحة حتى الآن تجعل السؤال الأمني أوسع من مجرد حماية المفتاح الخاص للمحفظة.

فإذا تمكن المهاجم من الوصول إلى مسار داخلي يستطيع طلب توقيع معاملات تبدو صحيحة على الشبكة، تصبح الضوابط التي تسبق التوقيع، وعزل أنظمة الموافقة، ومراقبة ما يُطلب من المحافظ توقيعه، عناصر أساسية بقدر أهمية حماية المفتاح نفسه.

وتقول «بينانس» إنها أوقفت عمليات السحب مؤقتاً، وألغت تفويض العنوان المتأثر، وتعمل مع جهات إنفاذ القانون وشركات تحليل البلوك تشين لتتبع الأموال، على أن تنشر تقريراً فنياً كاملاً وإثبات احتياطيات محدثاً بعد انتهاء المعالجة.

وحتى صدور ذلك التقرير، تبقى النقطة التقنية الأهم غير محسومة بالكامل: كيف انتقل المهاجم من اختراق جهاز داخل بيئة العمل إلى القدرة على الحصول على معاملات صالحة وموقعة عبر عدد كبير من المحافظ والشبكات؟

والإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان الحادث سيبقى حالة استثنائية في «بينانس»، أم نموذجاً جديداً لتهديد يستهدف البنية التي تقرر ما الذي يسمح للمحفظة بتوقيعه قبل أن تصل المعاملة أصلاً إلى البلوك تشين.