«إس إيه بي» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية أصبحت الآن موطناً لأحد أكبر استثماراتنا عالمياً

أحمد الفيفي: «(شبكة أعمال SAP) في السعودية سجلت 50 مليار دولار في 2023»

أحمد الفيفي: «انتقل 75 % من عملاء (SAP) بالسعودية إلى السحابة ومن المتوقع وصولهم إلى 95 % قريباً» (إس إيه بي)
أحمد الفيفي: «انتقل 75 % من عملاء (SAP) بالسعودية إلى السحابة ومن المتوقع وصولهم إلى 95 % قريباً» (إس إيه بي)
TT

«إس إيه بي» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية أصبحت الآن موطناً لأحد أكبر استثماراتنا عالمياً

أحمد الفيفي: «انتقل 75 % من عملاء (SAP) بالسعودية إلى السحابة ومن المتوقع وصولهم إلى 95 % قريباً» (إس إيه بي)
أحمد الفيفي: «انتقل 75 % من عملاء (SAP) بالسعودية إلى السحابة ومن المتوقع وصولهم إلى 95 % قريباً» (إس إيه بي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهوماً مستقبلياً بل ضرورة، والمملكة العربية السعودية تعمل على تسريع تبنيه عبر مختلف القطاعات، ما يضمن قدرة الشركات على الاستفادة من الرؤى القائمة على البيانات وتحسين الكفاءة وتوسيع نطاق العمليات بمرونة. في مؤتمر «ليب 2025» الذي اختتم فعالياته الأربعاء في الرياض، أكدت «إس إيه بي» (SAP) الشركة العالمية الرائدة في مجال برمجيات المؤسسات، التزامها طويل الأمد بالمملكة العربية السعودية.

وفي مقابلة حصرية ووحيدة له في المؤتمر، ألقى أحمد جابر الفيفي، كبير نواب الرئيس لمنطقة شمال الشرق الأوسط وأفريقيا لدى «إس إيه بي»، الضوء على الاستثمارات الكبيرة للشركة في البنية التحتية السحابية وحلول الأعمال التي تعمل بالذكاء الاصطناعي وتنمية القوى العاملة في المملكة. وقال خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة أخرى لتحسين الكفاءة؛ إنه ثورة ستعيد تعريف الصناعات». وأضاف: «مثلما غيّر الإنترنت العمليات التجارية، من المقرر أن يصبح الذكاء الاصطناعي عنصراً لا غنى عنه في استراتيجية كل منظمة». عادّاً أن «أولئك الذين يفشلون في تبني الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاقه سيصبحون غير مهمين في السنوات الخمس المقبلة».

حمد جابر الفيفي كبير نواب الرئيس لمنطقة شمال الشرق الأوسط وأفريقيا لدى «إس إيه بي» متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» (إس إيه بي)

استثمار بدأ بـ500 مليون دولار

يعود التزام «إس إيه بي» بالمملكة العربية السعودية إلى عام 2012، عندما استثمرت الشركة 500 مليون دولار لإنشاء نظام بيئي قوي لتكنولوجيا المؤسسات في المنطقة. وعلى مر السنين، ركز هذا الاستثمار على منطقتين رئيسيتين. أولاً بناء نظام بيئي قوي للشركاء حيث عملت «SAP» مع أكثر من 100 شريك محلي لتوسيع نطاقها وتقديم حلول محلية مصممة خصيصاً للشركات السعودية. كما قامت الشركة بأكثر من 400 ألف يوم تدريب للطلاب، وتعاونت مع 33 جامعة، وأطلقت برنامج دبلوم مجاني لمدة عامين، مما يضمن تجهيز المهنيين السعوديين بشكل جيد للنجاح في الاقتصاد الرقمي.

وأكد الفيفي أن «تطوير المواهب أمر بالغ الأهمية للتحول الرقمي». وأضاف: «نحن لا نجلب التكنولوجيا إلى المملكة العربية السعودية فحسب، بل نبني المهارات والخبرات اللازمة لدعم هذه الابتكارات وتوسيع نطاقها على المدى الطويل». ساعد هذا الاستثمار شركة «إس إيه بي» في أن تصبح ممكِّناً رئيسياً للاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية، حيث تعمل 75 في المائة من الشركات بالمملكة الآن على البنية التحتية السحابية لشركة «SAP».

تحول الذكاء الاصطناعي

يعد التحول نحو الحوسبة السحابية أحد أكثر الجوانب تحديداً للتحول الرقمي في المملكة العربية السعودية. مع قيام الشركات بشكل متزايد بنقل عملياتها إلى السحابة، كانت «إس إيه بي» في طليعة تمكين هذا التحول. وفي المملكة العربية السعودية وحدها، انتقل 75 في المائة من عملاء «إس إيه بي» بالفعل إلى السحابة، ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 95 في المائة بحلول العام المقبل.

وأوضح الفيفي أن «المملكة تبنت نهج السحابة أولاً بشكل أسرع من معظم الأسواق». ومن خلال مراكز البيانات الخاصة بشركته في الرياض، تضمن «إس إيه بي» بقاء بيانات الأعمال المهمة داخل الدولة مع توفير الأمان على مستوى المؤسسة وقابلية التوسع والأتمتة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

معالجة الحواجز

على الرغم من التبني السريع للذكاء الاصطناعي، تواجه الشركات في السعودية ثلاثة تحديات رئيسية في توسيع نطاق تقنيات الذكاء الاصطناعي والسحابة، بحسب الفيفي. تشكل «هجرة النظام القديم» أولاً حيث تعتمد عدد من المؤسسات على أنظمة قديمة تحتاج إلى التحديث قبل أن تتمكن من الاستفادة الكاملة من تكامل السحابة والذكاء الاصطناعي. كما أن قرارات الأعمال التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تتطلب بيانات نظيفة ومنظمة وعالية الجودة، التي تكافح الكثير من المؤسسات للحفاظ عليها. والعنصر الثالث الأهم هو نقص المواهب حيث يتجاوز الطلب على خبراء الذكاء الاصطناعي والسحابة العرض بكثير، مما يخلق منافسة شرسة على المهنيين المهرة في المملكة.

ويوضح الفيفي أن «الانتقال إلى السحابة لا يتعلق فقط بنقل البيانات بل يتطلب الأمر تحولاً جذرياً في كيفية إدارة المؤسسات وتحليلها وتأمين بياناتها». ويقول: «لا يمكن للذكاء الاصطناعي تقديم قيمة إلا إذا كانت البيانات الأساسية نظيفة ومنظمة».

سد فجوة المواهب في الذكاء الاصطناعي

إدراكاً منها بأن الموهبة هي مفتاح النجاح في مجال الذكاء الاصطناعي، أطلقت «إس إيه بي» مبادرات تدريبية حصرية في المملكة العربية السعودية، بما في ذلك «أكاديمية إس إيه بي الهندسية»، وهو برنامج فريد من نوعه في المملكة. ويشير الفيفي إلى أن هذه الأكاديمية هي الوحيدة في العالم خارج الولايات المتحدة. وقد قامت حتى الآن بتدريب أكثر من 600 محترف سعودي، بما في ذلك المواهب من وزارة الداخلية و«أرامكو». إلا أن مبادرات تطوير المواهب من «إس إيه بي» تمتد إلى ما هو أبعد من التدريب الفني. تركز الشركة أيضاً على تعليم الذكاء الاصطناعي على مستوى المديرين التنفيذيين، وتدريب الرؤساء التنفيذيين والمديرين الماليين وصناع القرار حول كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في استراتيجيات الأعمال. كما أن هناك شراكات مع الجامعات السعودية، وتوفير الخبرة العملية مع أحدث تقنيات «إس إيه بي». وتطلق الشركة أيضاً برامج محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي للمؤسسات لضمان فهم الشركات لكيفية تعظيم الكفاءات التي يقودها الذكاء الاصطناعي واتخاذ القرارات.

ونوه الفيفي خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى أن «40 في المائة من الشركات التي نشرت حلول الذكاء الاصطناعي أفادت بعائد واضح على الاستثمار، في حين أن 40 في المائة أخرى في طور تحسين حالات استخدام الذكاء الاصطناعي الخاصة بها». وذكر أنه ومن المتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي قريباً وظيفة تجارية أساسية، وليس مجرد تقنية تجريبية.

أحمد الفيفي: «السعودية لا تواكب التكنولوجيا فقط بل تقود الابتكار العالمي بالشراكة مع (إس إيه بي)» (شاترستوك)

أكبر شبكة تجارية في العالم

كانت «شبكة أعمال إس إيه بي» إحدى أكبر منصات التداول بين الشركات على مستوى العالم، مستضافة سابقاً في الولايات المتحدة. ومع التسارع السريع للاقتصاد الرقمي في المملكة العربية السعودية، أدركت «إس إيه بي» الحاجة إلى نسخة محلية من المنصة للامتثال للوائح إقامة البيانات السعودية. اليوم، تعمل «شبكة أعمال إس إيه بي» بكامل طاقتها في الرياض، مما يضمن بقاء جميع المعاملات وعمليات الشراء وبيانات سلسلة التوريد ضمن الإطار التنظيمي للمملكة. يعد الفيفي أن لهذا التحول بالفعل تأثيراً اقتصادياً كبيراً، حيث تم تسجيل معاملات بقيمة 50 مليار دولار في عام 2023 وحده، يمثل هذا الرقم 5 في المائة مذهلة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية، مما يسلط الضوء على النطاق الذي تعتمد به الشركات في المملكة على حلول «إس إيه بي».

ويضيف الفيفي أن «شبكة أعمال إس إيه بي» تعمل في الرياض على تعزيز العمليات وتعزيز الكفاءة. كما تضم الشبكة الآن 156 ألف مورد سعودي محلي، مما يوفر للشركات وصولاً أكبر إلى الشركاء المحليين، مما يقلل من الاعتماد على المشتريات الدولية، ويعزز سلاسل التوريد الوطنية.

وفي معرض حديثه عن هذا التحول، شدد أحمد الفيفي على أنه مع المشاريع الضخمة لـ«رؤية السعودية 2030»، رأت الشركة الحاجة إلى شبكة أعمال محلية. تُمكِّن «شبكة أعمال إس إيه بي» في الرياض الشركات السعودية من التجارة بكفاءة أكبر مع ضمان الامتثال للوائح المحلية.

نظرة إلى المستقبل

مع استعداد المملكة العربية السعودية لاستضافة «إكسبو 2030» وكأس العالم لكرة القدم 2034، تستعد المملكة للتقدم التكنولوجي الهائل في البنية التحتية وتخطيط المدن الذكية وإدارة الأحداث. لقد نشرت «إس إيه بي» بالفعل حلولها المؤسسية في الأحداث العالمية السابقة، مثل «إكسبو 2020» في دبي، حيث ساعدت في إدارة العمليات والتذاكر والتحكم في الحشود. ويذكر الفيفي أنه يتم الآن محادثات مع السلطات السعودية لتنفيذ أنظمة مماثلة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي للأحداث الضخمة المقبلة.

من التحكم في الحشود التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى إدارة الخدمات اللوجيستية في الوقت الفعلي، ستلعب حلول «إس إيه بي» دوراً حاسماً في تحسين عمليات الأحداث واسعة النطاق بحسب الفيفي. وتركز الشركة بشكل خاص على منصات التذاكر وأنظمة النقل الذكية وحلول الأمن الرقمي، مما يضمن تجارب سلسة لملايين الزوار المتوقع حضورهم هذه الأحداث. وبعيداً عن الفعاليات، تتعاون «إس إيه بي» بنشاط مع كبرى الشركات السعودية مثل «أرامكو» و«نيوم» و«مشروع البحر الأحمر»، لضمان دمج حلول الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وذكاء الأعمال بسلاسة في أكبر مشاريع التنمية في المملكة.

ويختتم الفيفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «إن المملكة العربية السعودية أصبحت الآن موطناً لأحد أكبر استثمارات (إس إيه بي) على مستوى العالم، وهدفنا هو تمكين المملكة من الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي، وضمان امتلاك الشركات والكيانات الحكومية للقدرات اللازمة للابتكار والتوسع والازدهار في الاقتصاد الرقمي».

مع استمرار استثمارها في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وحلول برامج المؤسسات، تلعب «إس إيه بي» دوراً محورياً في التطور الرقمي في السعودية من خلال تمكين الشركات من الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحقيق التميز التشغيلي، وسد فجوة المواهب، ودعم المشاريع الضخمة بحلول المؤسسات المتطورة.


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.