هل ينجح الذكاء الاصطناعي في توقّع الزلازل؟

دمار ناتج عن زلزال في كاليفورنيا (أرشيف - رويترز)
دمار ناتج عن زلزال في كاليفورنيا (أرشيف - رويترز)
TT

هل ينجح الذكاء الاصطناعي في توقّع الزلازل؟

دمار ناتج عن زلزال في كاليفورنيا (أرشيف - رويترز)
دمار ناتج عن زلزال في كاليفورنيا (أرشيف - رويترز)

عندما ضرب زلزال بقوة 4.4 درجة مدينة لوس أنجليس في الثالث عشر من أغسطس (آب)، لم يكن الأمر مفاجأة للجميع. فقد تلقّى نحو مليون شخص من سكان كاليفورنيا تنبيهاً مبكراً على هواتفهم بأن زلزالاً وشيكاً قد يحدث.

كيف حدث ذلك؟ كان ذلك بفضل تطبيق «MyShake» الذي طُوّر حديثاً، والذي أنشأه باحثون في جامعة «كاليفورنيا بيركلي»، بالشراكة مع «مكتب خدمات الطوارئ» التابع لحاكم ولاية كاليفورنيا.

ويعتمد التطبيق على «بيانات دقيقة جداً عن حركة الهواتف عبر الساحل الغربي؛ من كاليفورنيا إلى ولاية واشنطن»، فحين يستشعر حركة متشابهة للهواتف بمواقع مختلفة في الوقت نفسه فإنه يرسل تنبيهات إلى الهواتف في المواقع المعنية باحتمالية وقوع زلزال فيها.

ونقلت صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية عن مدير «مختبر الزلازل» بجامعة «كاليفورنيا بيركلي» الذي ساعد في تطوير التطبيق، الدكتور ريتشارد ألين، قوله: «يُرسل التحذير قبل وقوع الزلزال بعشرات الثواني. قد يبدو الأمر وكأنه لا شيء، فما الفارق الذي يمكن أن تحدثه هذه الثواني حقاً للأشخاص؟ ولكن في مجال التنبّؤ بالزلازل، قد يكون الأمر مدهشاً مثله مثل اختراع الهاتف على سبيل المثال».

هل يمكن حقاً توقّع الزلازل بدقة؟

لسنوات عديدة، كانت فكرة القدرة على التنبّؤ بالزلزال أمراً مستبعداً. وكما كتبت عالمة الزلازل آلي هاتشيسون في مجلة «إم آي تي ​​تكنولوجي ريفيو»، فإن فكرة التنبؤ بالزلزال «كانت تُعدّ غير جادة حتى عام 2013، وكان يُنظر إليها على أنها ضرب من ضروب الخيال».

ولا يزال عديد من العلماء البارزين يعتقدون أن الأمر شبه مستحيل. ويقول عالم الجيوفيزياء في معهد «كاليفورنيا للتكنولوجيا»، توم هيتون: «لقد درست الزلازل لأكثر من 50 عاماً، ورأيت عديداً من الدراسات التي أجراها علماء أبلغوا عن ظواهر سابقة للزلازل الكبيرة. ووفقاً لخبرتي، لم يطور أحد نظاماً للتنبّؤ بالزلازل. هذا مجال مهم من الفيزياء غير مألوف في الغالب لعلماء الأرض».

وتاريخياً، كان علم التنبّؤ بالزلازل يُنظر إليه على أنه مزيج من الشعوذة والدجل.

وحتى اليابان، التي تُعد واحدة من أكثر مناطق العالم نشاطاً في مجال الزلازل، إلا أنها حذرة من المبالغة في الوعود بشأن توقّع هذه الزلازل.

فعندما ضرب زلزال بقوة 7.1 درجة الجزر الجنوبية للبلاد في وقت سابق من هذا الشهر، أصدرت «وكالة الأرصاد الجوية اليابانية» أول «تحذير من زلزال هائل» على الإطلاق، مشيرة إلى وجود احتمال «أعلى من المعتاد» لحدوث زلزال ثانٍ أقوى. لكن الوكالة أوضحت على موقعها على الإنترنت أن التحذير لا يعني اليقين. وجاء في البيان: «المعلومات التي تتنبّأ بالزلازل من خلال تحديد التاريخ والوقت والمكان هي خدعة».

لكن بعض العلماء يقولون إن هذا الرأي يجب أن يتغيّر مع تطور العلم. ويقول الباحث في علوم الأرض بجامعة «كوت دازور» في نيس بفرنسا، كوينتين بليتري: «كان هناك نقاش لسنوات عديدة في مجتمع علم الزلازل حول ما إذا كانت الزلازل ظاهرة فوضوية أم محددة (غير عشوائية)». وأضاف: «إذا كانت الزلازل ظاهرة فوضوية، فبغض النظر عن التكنولوجيا، فلن نتمكن أبداً من التنبّؤ بها. ولكن إذا كانت الزلازل ظاهرة محددة تسبقها بعض الظواهر الأخرى التي يمكن ملاحظتها، فعندها سيصبح التنبؤ بالزلزال ممكناً».

ويحاول علماء الزلازل القيام بذلك تماماً باستخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، والبحث عن أنماط وبيانات مخفية بطرق لم يتم تجربتها من قبل. وهذا ما يحدث مع تطبيق «MyShake» ومع أدوات أخرى يحاول العلماء بمختلف الدول تطويرها.

تجربة الصين

ويقول عالم الجيولوجيا في جامعة تكساس في أوستن الذي قاد تجربة التنبّؤ بالزلزال لمدة سبعة أشهر في الصين العام الماضي، الدكتور سيرغي فوميل: «ركزت معظم المحاولات السابقة على الفيزياء المعقدة للغاية للزلازل. في نهجنا، يجري الجمع بين الفيزياء وتحليل البيانات الإحصائية باستخدام أدوات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي الجديدة. نستخرج السمات الفيزيائية من البيانات المسجلة لدمجها إحصائياً للحصول على أفضل تنبؤ».

وقد تجاوزت النتائج التي نُشرت في نشرة «جمعية الزلازل الأميركية» في سبتمبر (أيلول) الماضي، توقعاتهم. فقد تنبّأت خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي دُرّبت على اكتشاف بعض البيانات الزلزالية الدقيقة في الوقت الفعلي بشكل صحيح بنسبة 70 في المائة من الزلازل (أربعة عشر في المجموع) قبل أسبوع على الأقل وفي غضون 200 ميل من مراكزها. (أخطأت الخوارزمية زلزالاً واحداً، وتنبّأت بثمانية زلازل لم تحدث قط).

ويقول فوميل: «كانت نسبة النجاح في تجربة الصين مذهلة. ونظراً إلى تعقيد المشكلة والتاريخ الطويل من الإخفاقات السابقة، لم يتوقع أحد مثل هذه النتيجة».

«ريكاست»

وفي جامعة «كاليفورنيا» في بيركلي، يعمل الباحثون على تطوير نموذج جديد، أطلقوا عليه اسم «ريكاست» (RECAST) -وهو اختصار لـ«Recurrent Earthquake foreCAST»- الذي يستخدم التعلم العميق للتنبؤ بالزلازل.

ويعمل هذا النموذج بشكل مشابه لنموذج اللغة، الذي «يستخدم كمّاً كبيراً من النص المكتوب لإنشاء أفضل تخمين لما قد تكون الكلمة التالية»، كما يقول الباحث في جامعة «كاليفورنيا» في بيركلي الذي قاد الدراسة، كيليان داشر كوزينو.

وأضاف كوزينو أن «ريكاست» يستخدم بيانات سابقة وصوراً متعددة للزلازل لإنشاء أفضل تخمين لتوقيت الزلزال التالي.

وقد يكون هذا النهج القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي هو مستقبل علم الزلازل، ويستكشف العلماء حالياً كل الطرق الممكنة التي يمكن أن تتمكّن بها تقنية التعلم الآلي من التنبؤ بالزلازل بشكل صحيح بنسبة 100 في المائة.


مقالات ذات صلة

Joyful Dressing and the Trends that Took Over New York Fashion Week

Fashion Models present the latest creations from the Carolina Herrera SS27 show during New York Fashion Week in Manhattan, New York City, US, September 14, 2026. REUTERS/Caitlin Ochs


Joyful Dressing and the Trends that Took Over New York Fashion Week

Across the runways this New York Fashion Week, designers reimagined spring dressing by shaking up the season’s staples of florals and pastels, opting instead…

Asharq Al Awsat
Business The fourth edition of the Riyadh Global Medical Biotechnology Summit 2026 concluded on Wednesday. (SPA)

Riyadh Global Medical Biotechnology Summit Concludes with Agreements Exceeding SAR5 Billion

The fourth edition of the Riyadh Global Medical Biotechnology Summit 2026 concluded on Wednesday with more than 40 agreements, initiatives and announcements…

Asharq Al Awsat
World FILE PHOTO: People walk on the dry riverbed of the Indus River in Hyderabad, Pakistan April 24, 2025. REUTERS/Yasir Rajput/File Photo

World's Water Cycle Becoming More Unpredictable, UN Warns

The planet's water cycle is becoming increasingly erratic, swinging between too little and too much, the United Nations warned Thursday, with an unprecedented…

Asharq Al Awsat
ARAP DÜNYASI Suriye Halk Meclisi Başkanı Dr. Abdülhamid el-Avvak, Meclis Başkanlık Divanı’nın da katılımıyla Fransa Senatosu’ndan bir heyeti kabul etti.

Suriye Halk Meclisi, “Terör Mahkemesi”nin kaldırılmasını ve kararlarının geçersiz sayılmasını kabul etti

Suriye Halk Meclisi, dün 2012 tarihli ve 22 sayılı “Terör Davaları Mahkemesi Kanunu”nun kaldırılmasını ve bu kanundan doğan tüm hukuki sonuç ve etkilerin…

Şarku'l Avsat (Şam)
Technology The fourth edition of the UNESCO Global Forum on the Ethics of Artificial Intelligence (GFEAI 2026) is being held in Riyadh from September 14 to 17, 2026. (SPA)

From Riyadh, Global Dialogue Advances Toward a Responsible AI Future That Protects Humanity

As artificial intelligence (AI) capabilities expand, so do the questions that technology alone cannot answer: Where does human responsibility begin and end?…

Asharq Al Awsat

تشديد أممي على ضبط تطوير الذكاء الاصطناعي

تستبدل إحدى الموظفات مكوّناً في الحاسوب الفائق «Alps» بالمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة (CSCS) بمدينة لوغانو - جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
تستبدل إحدى الموظفات مكوّناً في الحاسوب الفائق «Alps» بالمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة (CSCS) بمدينة لوغانو - جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
TT

تشديد أممي على ضبط تطوير الذكاء الاصطناعي

تستبدل إحدى الموظفات مكوّناً في الحاسوب الفائق «Alps» بالمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة (CSCS) بمدينة لوغانو - جنوب سويسرا (أ.ف.ب)
تستبدل إحدى الموظفات مكوّناً في الحاسوب الفائق «Alps» بالمركز الوطني السويسري للحوسبة الفائقة (CSCS) بمدينة لوغانو - جنوب سويسرا (أ.ف.ب)

أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمس أهمية التنسيق بشأن الضوابط الناظمة لتطوير الذكاء الاصطناعي.

وقال غوتيريش في مؤتمر صحافي: «على الحكومات أن تتحمل مسؤولياتها. المسؤولية الأولى لأي حكومة هي حماية مواطنيها، بما في ذلك من التهديدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي». ولفت إلى أن «اتخاذ إجراءات على المستوى الوطني أمر أساسي، لكن التنسيق العالمي لا غنى عنه أيضاً»، معتبراً أن «الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند حدود الدول، وكذلك المخاطر التي ينطوي عليها».

وأشار إلى أن هذا الموضوع سيكون «محوراً رئيسياً للنقاش» بين مختلف القادة الذين سيلتقون الأسبوع المقبل في نيويورك في إطار انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وتتزايد الدعوات إلى تشديد ضوابط تطوير الذكاء الاصطناعي. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أمس أن الاتحاد الأوروبي سيجمع أبرز الفاعلين في مجال الذكاء الاصطناعي دعماً لجهود إبطاء وتيرة تطوير النماذج الأكثر خطورة.


«أوبن إيه.آي» تعتزم إصدار تقارير دورية حول السلوك غير المتوقع للذكاء الاصطناعي

شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)
TT

«أوبن إيه.آي» تعتزم إصدار تقارير دورية حول السلوك غير المتوقع للذكاء الاصطناعي

شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

قالت ‌شركة «أوبن إيه.آي» اليوم الأربعاء إنها ستبدأ إصدار تقارير دورية حول السلوكيات غير المتوقعة أو ​غير المصرح بها للذكاء الاصطناعي، محذرة في الوقت نفسه من أن القطاع لم يعالج بعد التحديات الرئيسية المتعلقة بمواءمة النماذج مع الأهداف المرجوة، في ظل تزايد قوة الأنظمة.

وأصدرت الشركة إطار عمل جديدا لتتبع حالات عدم ‌مواءمة نماذج الذكاء ‌الاصطناعي والتحقيق فيها ​والكشف ‌عنها، ⁠إلى ​جانب ستة ⁠تقارير حول سلوكيات غير متوقعة أو مثيرة للقلق لوحظت في النماذج خلال الأشهر الستة الماضية.

وتتضمن التقارير الأولية حالات تتعلق بنماذج تنشئ تعليماتها الخاصة في ملخصات المهام، وتخفي الأخطاء وترفع ملفات على ⁠الإنترنت من أجل الاستشهاد بها، ‌إلى جانب مشاركة ‌ملفات بين وكلاء ذكاء اصطناعي ​متعاونين من ‌دون تصريح.

وقالت «أوبن إيه.آي» إن التقارير ‌تصف حالات فردية وينبغي عدم أخذها دليلا على مدى تكرار حدوث عدم المواءمة عبر نماذجها.

ويأتي هذا القرار في وقت تتزايد فيه ‌المخاوف من أن جهود السلامة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تتخلف عن ⁠الوتيرة ⁠المتسارعة لتطوير أنظمة تزداد قوة وقدرات.

وحذر باحثون من أنه مع ازدياد استقلالية أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي، قد تطور سلوكيات تنحرف عن النوايا التي صممها من أجلها مطوروها ويصبح من الصعب مراقبتها أو التحكم بها.

وسيتضمن الإطار الجديد للشركة عملية تمكن الموظفين من الإبلاغ عن وقائع محتملة لعدم مواءمة ​النماذج والتحقيقات التي ​تجريها فرق السلامة والمواءمة ونظاما لتحديد الحالات التي تستدعي الكشف عنها علنا.


«سناب» لـ«الشرق الأوسط»: نستهدف تمكين أكثر من 20 ألف موهبة سعودية بحلول 2030

تربط الشركة نجاح برامج التدريب بقدرة المشاركين على تطبيق المهارات في وظائف ومشروعات فعلية وإنشاء منتجات أو خدمات وأعمال جديدة (غيتي)
تربط الشركة نجاح برامج التدريب بقدرة المشاركين على تطبيق المهارات في وظائف ومشروعات فعلية وإنشاء منتجات أو خدمات وأعمال جديدة (غيتي)
TT

«سناب» لـ«الشرق الأوسط»: نستهدف تمكين أكثر من 20 ألف موهبة سعودية بحلول 2030

تربط الشركة نجاح برامج التدريب بقدرة المشاركين على تطبيق المهارات في وظائف ومشروعات فعلية وإنشاء منتجات أو خدمات وأعمال جديدة (غيتي)
تربط الشركة نجاح برامج التدريب بقدرة المشاركين على تطبيق المهارات في وظائف ومشروعات فعلية وإنشاء منتجات أو خدمات وأعمال جديدة (غيتي)

لم تعد استراتيجية شركة «سناب» في السعودية تقتصر على توسيع استخدام منصتها أو جذب المعلنين، بل تتجه إلى بناء مسار يربط التدريب بالتطبيق، ثم بالوظائف والمشروعات والشركات الجديدة. وتستهدف الشركة ضمن شراكتها مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، تمكين أكثر من 20 ألف سعودي بحلول 2030 في مجالات تشمل الواقع المعزز والحوسبة المكانية والتسويق الرقمي والسلامة الرقمية.

ولا تقيس «سناب» نجاح هذا الهدف بعدد من يكملون البرامج التدريبية فقط، بل إن المؤشرات التي حددها مسؤولوها تشمل الحصول على الشهادات، وتطبيق المهارات في أماكن العمل، والانتقال إلى أدوار مهنية جديدة، والمشاركة في مشروعات فعلية، وإنشاء منتجات أو خدمات وشركات جديدة.

وتكشف هذه المقاربة عن تحول أوسع في حضور «سناب» داخل السوق السعودية، من منصة يستخدمها جمهور واسع إلى محاولة بناء منظومة تجمع المواهب وصناع المحتوى والمطورين والشركات حول تقنيات مثل الواقع المعزز والحوسبة المكانية.

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول عبد الله الحمادي، المدير العام للشركة في السعودية، إن الهدف هو انتقال المواهب المحلية من استخدام الأدوات الرقمية إلى تطوير منتجات وخدمات وملكية فكرية يمكن أن تنشأ في المملكة وتتوسع خارجها.

ويفيد بأن لدى «سنابشات» أكثر من 26 مليون مستخدم نشط شهرياً في السعودية، يفتح كثير منهم التطبيق أكثر من 50 مرة يومياً، مما يجعل المملكة واحدة من أهم أسواق الشركة عالمياً. لكنه يشدد على أن حجم الاستخدام ليس المعيار الوحيد لقياس النجاح، بل ما إذا كان هذا الحضور يقترن ببناء قدرات محلية يمكن أن تدعم الاقتصاد الرقمي على المدى الطويل.

عبد الله الحمادي المدير العام لـ«سناب» في السعودية (الشركة)

نحو بناء التقنيات

ترى «سناب» أن المرحلة التالية في السعودية يجب أن تنتقل من استخدام التقنيات الرقمية إلى البناء فوقها. ويلفت الحمادي إلى أن صناع المحتوى والشركات الناشئة والمطورون المحليون يمتلكون فهماً قوياً لجمهورهم ومجتمعاتهم، لكن توسيع هذا الدور يتطلب مهارات عملية في الواقع المعزز والحوسبة المكانية وأدوات الإنتاج الرقمي.

وتربط الشركة هذا التوجه بمبادرات بدأت بالفعل داخل المملكة. ومن بينها «Snap Maher Academy»، التي ضمت دفعتها الأولى 50 مشاركاً من جهات شملت الهيئة السعودية للسياحة، و«طيران الرياض»، ومجموعة «stc»، و«زين»، ووزارة الثقافة، ضمن برنامج معتمد استمر أربعة أسابيع ودمج التعلم العملي بالتطبيق على حالات واقعية.

لكن الشراكة مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات توسع هذا النموذج إلى نطاق أكبر، عبر ربط تنمية المهارات باحتياجات المؤسسات السعودية ومسارات العمل الفعلية، بدلاً من الاكتفاء بالتدريب النظري.

20 ألف موهبة

يقول حسين الحجار، رئيس الشراكات لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «سناب»، إن فجوة المهارات في السوق السعودية ترتبط بدرجة أقل بمعرفة التقنيات الناشئة، وبدرجة أكبر بالقدرة على تطبيقها في تحديات فعلية تخص الأعمال والمستهلكين والمحتوى.

ولهذا لا تنوي الشركة قياس أثر البرامج بعدد المسجلين أو من أكملوا التدريب فقط، بل ستشمل المؤشرات التي تخطط لمتابعتها الحصول على شهادات، واستخدام المهارات في بيئة العمل، والانتقال إلى أدوار جديدة، والمشاركة في مشروعات حية، وإنشاء شركات أو منتجات أو خدمات جديدة.

ويتابع الحمادي أن الوصول إلى أكثر من 20 ألف موهبة سعودية بحلول 2030 يمثل محطة مهمة، لكن المعيار الأهم سيكون ما الذي ستنتجه هذه المواهب بعد ذلك، سواء عبر أعمال جديدة، أو ابتكارات محلية في الواقع المعزز، أو توسع في اقتصاد صناع المحتوى، أو مشاركة رقمية أكثر أماناً وثقة.

حسين الحجار رئيس الشراكات لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «سناب» (الشركة)

ثلاثة مسارات ضمن الشراكة

لا تقتصر الشراكة مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات على التدريب. فمذكرة التفاهم تتضمن ثلاثة مكونات رئيسية هي مركز تميز لتنمية المواهب، ومركز ابتكار لدعم التجريب والتقنيات الناشئة، ومبادرة للاستدامة الرقمية تركز على السلامة والرفاه والمشاركة المسؤولة.

ويضيف الحجار خلال لقائه مع «الشرق الأوسط» أنه يمكن لمركز التميز أن يوفر مسارات منظمة للتعلم والتطوير المهني للطلاب والخريجين والعاملين، في حين يتيح مركز الابتكار لصناع المحتوى ورواد الأعمال والشركات اختبار أفكار جديدة وتطوير تجارب رقمية ناشئة. أما مبادرة الاستدامة الرقمية فتستهدف رفع الوعي بالسلامة والرفاه في البيئة الرقمية. وتسعى الشركة من خلال هذا الهيكل إلى بناء مسار أكثر ترابطاً من التعلم إلى التطبيق، ثم إلى فرص العمل وريادة الأعمال والمشروعات التجارية.

الواقع المعزز يتجاوز الإعلان

يحتل الواقع المعزز والحوسبة المكانية موقعاً محورياً في استراتيجية الشركة، لكن «سناب» لا تحصر الفرصة في الإعلانات. ففي قطاع التجزئة، يمكن استخدام الواقع المعزز لتمكين المستهلكين من تجربة المنتجات افتراضياً قبل الشراء. وفي السياحة، يمكن تحويل المواقع والتجارب الثقافية إلى بيئات أكثر تفاعلية. أما في الرياضة والترفيه، فيمكن للتقنيات الغامرة أن تنقل الجمهور من المشاهدة إلى المشاركة.

ويرى الحمادي أن سرعة توسع السعودية في قطاعات الوجهات والترفيه والتجارة والتقنية تفتح مجالاً أوسع لاستخدام هذه التقنيات، لكن تحقيق ذلك محلياً يتطلب مواهب قادرة على تطوير التجارب بدلاً من الاكتفاء باستهلاكها.

جمانا الراشد الرئيس التنفيذي للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام تختبر تقنيات «سناب» للواقع المعزز خلال افتتاح مكتب الشركة في نوفمبر الماضي (الشرق الأوسط)

كأس العالم للرياضات الإلكترونية نموذجاً

تستشهد الشركة بتجربتها في كأس العالم للرياضات الإلكترونية بوصفها مثالاً على كيفية دمج التقنيات الرقمية بالتجربة المادية. فقد جمعت «سناب» بين «CamKit» وتجارب مخصصة للواقع المعزز و«Snap Map» ومحتوى صناع المحتوى، لتوفير طرق متعددة لاكتشاف الحدث والمشاركة فيه ومشاركته مع الآخرين. كما سمح دمج «CamKit»، وفق الشركة، بعرض عدسات «سنابشات» مباشرة على شاشات داخل موقع الفعالية، بما جعل التجربة الرقمية جزءاً من الحدث نفسه، وليس مجرد طبقة منفصلة عنه. وتعد الشركة أن هذا النموذج قابل للامتداد إلى جدول الفعاليات المتنامي في المملكة عبر الألعاب والرياضة والترفيه والسياحة والثقافة، مع إمكانية ربط المواقع الفعلية بالمحتوى وصناع التجارب والتقنيات التفاعلية.

وظائف جديدة بين التقنية والإبداع

يؤدي هذا التوسع إلى إعادة رسم بعض المسارات المهنية حيث يرى الحجار أن الحدود بين الوظائف التقنية والإبداعية والتجارية أصبحت أقل وضوحاً. فمطور تجربة واقع معزز، على سبيل المثال، لا يعمل فقط على التقنية، بل يحتاج أيضاً إلى فهم السرد والتصميم وسلوك الجمهور والطريقة التي يمكن أن تحل بها التجربة مشكلة تجارية أو استهلاكية.

وتضع الشركة ضمن المسارات الواعدة تطوير التجارب الغامرة والمحتوى الرقمي والتسويق والتقنيات الإبداعية، إلى جانب فرص العمل الحر وريادة الأعمال. وتشير «سناب» إلى مجتمع متنامٍ من صناع العدسات السعوديين، وتذكر إبراهيم بونا ومها الدوسري مثالين على مواهب محلية طورت قدرات متقدمة في الواقع المعزز وظهرت في مسابقات «Lens Fest»، مع تحول هذه المهارات إلى فرص مهنية عبر وظائف أو عمل حر أو مشروعات إبداعية خاصة.

السلامة الرقمية ضمن الاستراتيجية

لا تفصل الشركة بناء القدرات الرقمية عن حماية المستخدمين الأصغر سناً. وبحسب الحمادي، يحصل المستخدمون بين 13 و15 عاماً على مستوى أعلى من الحماية، إذ تقتصر قصصهم ومحتوى «Spotlight» على الأصدقاء الذين تم قبولهم بصورة متبادلة بدلاً من توزيعها على جمهور عام أوسع، إلى جانب تشديد إعدادات الخصوصية والتواصل. كما يوفر «Family Centre» للوالدين ومقدمي الرعاية أدوات إضافية لمتابعة تجربة المراهقين، بينما تضع الشراكة مع وزارة الاتصالات السلامة والرفاه الرقمي ضمن أحد محاورها الأساسية.

وتنوه «سناب» بأن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تمنحها القدرة على نقل المبادرات الفردية إلى إطار أوسع. فالشركة تستطيع تقديم المنصات والخبرة وفهم السلوك الرقمي، بينما تستطيع الجهات الحكومية ربط ذلك بالأولويات الوطنية والمؤسسات المحلية.

ويذكر الحجار أن الهدف النهائي هو بناء طريق أوضح من التعلم إلى التطبيق، ومن التدريب والتجريب إلى مشروعات فعلية ووظائف وشركات وتجارب رقمية مصممة للاحتياجات المحلية.

وبحلول 2030، سيكون الاختبار بالنسبة إلى «سناب» أقل ارتباطاً بعدد من دخلوا قاعات التدريب، وأكثر ارتباطاً بما إذا كانت هذه المهارات ستنتج وظائف وشركات ومنتجات وتجارب واقع معزز وملكية فكرية تنشأ في السعودية وتتمكن لاحقاً من التوسع خارج السوق المحلية.