السينما المستقلّة اليوم في أزمة طاحنة

فرسانها ألتمان وكوبولا وآخرون

المخرج شون بيكر في أثناء تسلّمه الأوسكار عن فيلمه «آنورا» (Anora)
المخرج شون بيكر في أثناء تسلّمه الأوسكار عن فيلمه «آنورا» (Anora)
TT
20

السينما المستقلّة اليوم في أزمة طاحنة

المخرج شون بيكر في أثناء تسلّمه الأوسكار عن فيلمه «آنورا» (Anora)
المخرج شون بيكر في أثناء تسلّمه الأوسكار عن فيلمه «آنورا» (Anora)

في الثاني والعشرين من الشهر الماضي وقف المخرج شون بيكر لتسلّم جائزة «إندبندنت سبيرِت» في مناسبتها الأربعين عن فيلمه «آنورا» (Anora) بعد نحو عشرة أيام من تسلّمه الأوسكار عن الفيلم ذاته.

خلال كلمته توجّه بيكر إلى الحاضرين بتصريح لم يسبقه إليه أحد؛ إذ قال: «أنا قادر على العيش لثلاث سنوات دون دخل؛ لأنني بلا زوجة وبلا أولاد. ليس لديّ عائلة».

بدوره ألقى المخرج برادي كوربت في المناسبة ذاتها كلمة قال فيها: «تحدّثت إلى كثير من صانعي الأفلام المستقلّة المتقدمة للمسابقات هذا العام الذين ليس لديهم ما يكفي لدفع إيجارات مساكنهم».

هاتان كلمتان من رجلَيْن استحقا الفوز في محافل موسم الجوائز نهاية العام الماضي ومطلع هذا العام. برادي أنجز «ذا بروتاليست» وبايكر «آنورا» بما يشبه الإعجاز.

علاوة على ذلك، لا تقوم شركات التوزيع بتأمين متطلبات الدعاية الإعلامية وحضور المناسبات الصحافية؛ ما يعني أن مثل هذه التكاليف عليها أن تخرج من جيب مخرجي الأفلام ومنتجيها.

المخرج برادي كوربت (آي إم دي بي)
المخرج برادي كوربت (آي إم دي بي)

الحمل بحد ذاته ثقيل منذ الأساس. ما كان يمكن لفيلم مستقل يقوم على بضعة أسماء معروفة من غير النجوم أن يتكلّفه قبل عشر سنوات لم يعد ممكناً هذه الأيام. فعلى سبيل المثال بلغت ميزانية فيلم «آنورا» ستة ملايين دولار، وهو بلا أي نجم. في حين تكلّف «ذا بروتاليست» عشرة ملايين دولار مع ممثلين معروفين (مثل: أدريان برودي وفيليسيتي جونز وغاي بيرس).

بحسبة واقعية حصد «آنورا» 55 مليون دولار في الأسواق العالمية. هذا الرقم يُعدّ ربحاً بدرجة مقبولة؛ لكن بعد توزيع الحصص ما بين الجهة المموّلة (تستعيد تكاليفها بالإضافة إلى 20 في المائة من الإيراد)، وشركة التوزيع (نسبة مماثلة)، وصالات السينما (30 إلى 40 في المائة لأول أسبوعَيْن ثم ما بين 20 و30 في المائة إذا ما استمرت عروض الفيلم لأكثر من ذلك)، فإن ما يبقى للطاقم الفني (المخرج وفريق الكتابة وباقي الطاقم الأساسي)، وللمنتج (وهو يختلف عن المموّل)، نحو 300 ألف دولار يتم تقسيمها إلى نصفَيْن. الأول يذهب إلى المخرج والآخر للفريق الفني. على هذا الأساس ما يتبقّى للمخرج ما بين 20 و30 ألف دولار هي حصيلة ثلاث سنوات من العمل لإنجاز الفيلم... هذا إذا ما سجل الفيلم إيراداً يتجاوز ثلاثة أضعاف التكلفة.

نهاية نظام

السينما المستقلة تعبير ارتفع شأنه في الستينات على أيدي مخرجين قرروا «الاستقلال» عن نظام «هوليوود» الذي كان انقلب على نفسه في تلك الآونة. النظام الذي ساد حتى ذلك الحين كان نظام الشركة التي تسيطر على الطاقم الفني الأساسي كاملاً عبر عقود تلزم المخرجين والممثلين بالعمل فقط لصالح هذا الاستوديو أو ذاك. في أحيان كان الاستوديو المنافس يرى أن ممثلاً معيناً مرتبطاً باستوديو آخر هو من يصلح لبطولة مشروع قادم. في هذه الحالة يتم استئجار الممثل من مالكه (الشركة) مقابل مبلغ يودع في حساب المالك ولا ينال الممثل منه شيئاً. في هذه الحالة هو أشبه بقطعة ديكور تخدم غايتها ثم تُعاد إلى أصحابها.

هذا النظام انتهى ومعه انتهت العقود طويلة الأمد. السينما المستقلة نشأت في أجواء هذه النقلة، وكان من فرسانها روبرت ألتمان، وجون سايلس، ومارتن سكورسيزي، وجون كازاڤيتز، وحتى فرنسيس فورد كوبولا. هم إما انتقلوا لاحقاً للعمل ضمن الاستوديوهات (سكورسيزي)، وإما بقوا ملتزمين باستقلاليتهم في الكتابة والتفكير وكل أساليب العمل (كازاڤيتز وجون سايلس مثلاً)، وإما تنقلوا ما بين الإنتاج المستقل حيناً والمؤسساتي حيناً آخر (ألتمان، وكوبولا).

في السبعينات بلغت السينما المستقلة ذروة في عدد الأفلام المنتجة وفي نجاحاتها. شقّت طريقها بنجاح كبير داخل أميركا وخارجها، وهذا في الوقت الذي كانت فيه السينما الأوروبية واللاتينية والعربية دخلت في النطاق ذاته.

نجاحات متميّزة

أثبتت السينما المستقلة فاعليّتها ونجاحها. لم يكن عليها أن تلتزم بنوع (جَنر) معيّن بل بأسلوب إخراج متحرر من تعليمات الاستوديوهات المعلّبة. كانت تختلف في أساليبها الفنية التي تنتمي إلى اختيارات المخرج وإلى أفكار تطرحها تحمل اختلافاً عن الحكايات السائدة أو المتوقعة، كما الحال مع فيلم الرعب «The Texas Chain Saw Massacre» («مذبحة منشار تكساس») لتوبي هوبر (1974)، أو فيلم الخيال العلمي «THX-1138» لجورج لوكاس (1971).

سوزانا يورك في «صور» لروبرت ألتمان (آي إم دي بي)
سوزانا يورك في «صور» لروبرت ألتمان (آي إم دي بي)

الحقل كان كبيراً والاختيارات كثيرة. فيلم «كازاڤيتز» (Shadows) («ظلال»، 1959) كان محاولة من المخرج لتوفير معالجة برغماتية في فيلم أميركي. «صور» (Images)، و«3 نساء» (Three Women) كانا من بين أفلام روبرت ألتمان المُمعنة في أسلوب المخرج الفريد. أفلام جون كاربنتر (بما فيها الأجزاء التي أخرجها من«هالووين») كانت بدورها مستقلّة تماماً. فيلم ديڤيد لينش الأول (Eraserhead) المُنتج سنة 1977 كان أول أعماله المستقلة.

واستمر النجاح للعقدَيْن التاليين مع أسماء جديدة، مثل: بول توماس أندرسن «لن يكون هناك دم» (There Will Be No Blood)، ووس أندرسن «فندق بودابست الكبير» (The Great Budapest Hotel)، وجيم جارموش «باترسن»، «فقط العشاق بقوا أحياء»، (Only Lovers Left Alive)، ونيل لابوت «في صحبة رجال» (In the Company of Men) وغيرهم.

فيلم «فندق بودابست الكبير» للمخرج ووس أندرسن (آي إم دي بي)
فيلم «فندق بودابست الكبير» للمخرج ووس أندرسن (آي إم دي بي)

واقع مختلف

لكن الحال ليس على ما يرام بالنسبة إلى معظم مخرجي الأفلام المستقلة منذ مطلع هذه الألفية. في الواقع لولا توجه لينش وجارموش وبول أندرسن ووس أندرسن إلى فرنسا لما استطاعوا الاستمرار إلا لماماً.

ما يحدث الآن هو أن الاهتمام بفيلم مستقل، حتى ولو حمل اسم مخرج من الفئة الأولى، أصبح أقل مما كان عليه سابقاً. ما يدور في أرجاء «هوليوود» هو الاستعداد لتوفير التمويل من قِبل موزعين مستقلّين أو شركات كبيرة مقابل تنازل المخرج أو المنتج عن نصف الميزانية التي يتقدّم بها. ما كان ممكناً تحقيقه بـ5 ملايين دولار قبل سنوات صار بالكاد يكفي في أيامنا الحاضرة؛ لكن هذا لا يمنع المموّلين من الضغط للحصول على تنازلات.

بعض المموّلين يرضى هذه الأيام بترك حرية الاختيارات الفنية للمخرج. بعضهم الآخر بات يريد الاستئثار بالكلمة الأخيرة (أو ما يُعرف بـThe Final Cut).

صانعو الأفلام المستقلة ليسوا وحدهم الذين يعانون من أزمة عاصفة يمرون بها تبعاً لوضع يتطلّب منهم التواري كما حال جون سايلس وجارموش ونيل لا بوت وسواهم، أو التوجه صوب تمويل فرنسي يقدّر أكثر ما هم بصدد إنجازه. إلى جانب هؤلاء هناك صالات السينما التي اختصّت بعرض الأفلام غير «الهوليوودية» نمطياً أو إنتاجياً، سواء في الولايات الأميركية أو في عواصم عالمية أخرى. وما يقع في أميركا، في هذا الصدد، يقع في معظم أرجاء العالم مع جمهور بات لا يعرف من السينما إلا ما توفره له المنصّات وشركات الإنتاج الكبرى.

دور المنصّات في تقليل حجم الهواة والمتابعين لم يتوقف عند حد السينما المستقلة، بل شمل عموم أنواع الرواد وفئاتهم كما عموم أنواع السينما بصرف النظر عن مصادرها وتصنيفاتها. في المقابل لا توفر هذه المنصّات البديل المطلوب للأفلام المستقلة ولا تختلف إنتاجاتها عن معظم ما تقوم «هوليوود» بإنتاجه لصالات السينما.

هي حلقة تدور حول نفسها بسرعة، مع أمل أن تنهار يوماً وتعود الحياة إلى بعض ما كانت عليه.


مقالات ذات صلة

سعاد بشناق لـ«الشرق الأوسط»: متعة العمل في مسلسل رمضاني تحضّني على إعادة التجربة

الوتر السادس بشناق حائزة على جوائز عالمية عدة تشمل هوليوود وكندا (حسابها على {انستغرام})

سعاد بشناق لـ«الشرق الأوسط»: متعة العمل في مسلسل رمضاني تحضّني على إعادة التجربة

طبعك موسيقى مسلسل «البطل» الرمضاني من شارته، مروراً بمقطوعات ترافق أحداثه، وصولاً إلى جنريك النهاية. المؤلفة الموسيقية سعاد بشناق نقلت مشاعر وذكريات خاصة بها،

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مشهد من فيلم «فخر السويدي» - الشركة المنتجة

ليالٍ سينمائية سعودية في الدول الإسكندنافية

بالتزامن مع إقامة النسخة الـ15 من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، تستضيف 3 دول إسكندنافية 5 أفلام سعودية

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «كابينة الدكتور كاليغاري» (دكلا بيوسكوب)

سينما الرعب رموزاً لمراحل سياسية مختلفة

تختلف أفلام الرُّعب في هذا العصر عن تلك التي شهدها هذا النوع من الأفلام منذ عشرينات القرن الماضي وعلى نحو مطرد وحتى سنوات قريبة.

محمد رُضا
سينما كايت بلانشت ومايكل فاسبندر في «حقيبة سوداء» (فوكاس فيلم)

فيلمان جديدان لمخرج واحد أفضلهما رعب ناعم

بينما‬ تتجه معظم أفلام الرُّعب إلى الداكن والمعتم والمظلم، وفي حين توفر نظام المشهد، الصدمة كلما رغبت في تخويف مشاهديها، يُلغي سودربيرغ (وقبله كوبريك في «The Sh

محمد رُضا
يوميات الشرق الفنان حسين فهمي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي (إدارة المهرجان)

«عين حارة» يمثل «القاهرة السينمائي» في «فانتاستيك 7» بمهرجان كان

اختار مهرجان القاهرة السينمائي الدولي مشروع فيلم «عين حارة» للمخرج العراقي ياسر كريم لتمثيل المهرجان في مبادرة «Fantastic 7»، بمهرجان كان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

جائزة مصرية للحفاظ على الطرز المعمارية القديمة وإعادة تأهيلها

ميدان طلعت حرب في القاهرة الخديوية (الشرق الأوسط)
ميدان طلعت حرب في القاهرة الخديوية (الشرق الأوسط)
TT
20

جائزة مصرية للحفاظ على الطرز المعمارية القديمة وإعادة تأهيلها

ميدان طلعت حرب في القاهرة الخديوية (الشرق الأوسط)
ميدان طلعت حرب في القاهرة الخديوية (الشرق الأوسط)

أطلقت مصر جائزة سنوية لأفضل ممارسات الحفاظ المعماري والعمراني في محافظاتها لعام 2025. وأعلن الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، التابع لوزارة الثقافة المصرية، فتح باب التقدم للأفراد والكيانات المعمارية لجائزة أفضل ممارسات الحفاظ المعماري والعمراني، بدءاً من 20 أبريل (نيسان) الحالي، بالتزامن مع «اليوم العالمي للتراث» الذي يوافق 18 أبريل (نيسان) من كل عام.

وتهدف الجائزة إلى «الحفاظ على التراث المعماري والعمراني وحماية الهوية الوطنية والاستفادة من التراث بصفته مورداً أصيلاً من موارد الدولة وثرواتها»، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتستهدف الجائزة تحفيز ودعم الأفراد والكيانات للحفاظ والترميم وإعادة الإحياء والتأهيل للعمارة المميزة، وإعادة التوظيف المتوافق، والبناء الجديد في الوسط التراثي.

وأوضح رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، محمد أبو سعدة، أن «الجائزة سوف تستهدف في نسختها الأولى جميع مشروعات إعادة التوظيف وإعادة الاستخدام للمباني التراثية، عن طريق الترميم والتأهيل وإعادة الإحياء».

كما تستهدف الجائزة تشجيع وتعظيم مشروعات الحفاظ المختلفة، وإلقاء الضوء على الأفضل والجيد منها، بهدف خلق حالة من الحراك في نشر الوعي المجتمعي وروح الانتماء وتعزيز الهوية الوطنية ودفع المبدعين نحو مشروعات الحفاظ على الرصيد المعماري والعمراني بمحافظات مصر، وفق رئيس الجهاز.

إطلاق جائزة للحفاظ على التراث المعماري بمصر (جهاز التنسيق الحضاري)
إطلاق جائزة للحفاظ على التراث المعماري بمصر (جهاز التنسيق الحضاري)

وتضع مصر خطة لإعادة إحياء مناطق القاهرة التاريخية والقاهرة الخديوية والحفاظ على المباني التراثية ذات الطابع المميز في القاهرة وباقي المحافظات، من خلال الترميم والتأهيل وإعادة استخدام بعضها في أنشطة توافق الطابع العمراني والتراثي لها، وكذلك البيئة المحيطة.

وأشار بيان الوزارة إلى أن الجائزة تهدف إلى «تطبيق أسس ومعايير التنسيق الحضاري في الحفاظ على المباني والمناطق التراثية من خلال دمج مفهوم التنمية مع الحفاظ والاستدامة واستخدام مفهوم الابتكار والإبداع، للحفاظ على تراثنا الثقافي المادي واللامادي، وتحقيق تنمية مستدامة اقتصادية واجتماعية وبيئية».

وسيتم منح جائزة للمشروعات التي قامت على هذه المفاهيم من خلال دعوة جميع المهتمين بالتراث إلى التقدم لهذه الجائزة، بمشروعات تمت بالفعل لعمليات حفظ وإعادة توظيف للمباني التراثية.

وتتكون لجنة تحكيم الجائزة، التي تحدد آخر يوم للتقدم إليها في 22 يونيو (حزيران) 2025، من نخبة من المتخصصين؛ هم: الدكتور جلال عبادة أستاذ العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة جامعة عين شمس، والدكتورة سهير زكي حواس أستاذة التصميم العمراني بكلية الهندسة جامعة القاهرة، والدكتور عباس الزعفراني أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة، والدكتور علي حاتم جبر أستاذ العمارة بكلية الهندسة جامعة القاهرة، والدكتور علاء سرحان أستاذ الاقتصاد البيئي بجامعة عين شمس، والمهندس محمد أبو سعدة رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري.