الذكاء الاصطناعي في «جيمناي»... إليك أبرز أحداث مؤتمر «غوغل» للمطورين

الرئيس التنفيذي لـ«غوغل» يكشف النقاب عن قدرات الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي في مؤتمر المطورين (غوغل)
الرئيس التنفيذي لـ«غوغل» يكشف النقاب عن قدرات الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي في مؤتمر المطورين (غوغل)
TT

الذكاء الاصطناعي في «جيمناي»... إليك أبرز أحداث مؤتمر «غوغل» للمطورين

الرئيس التنفيذي لـ«غوغل» يكشف النقاب عن قدرات الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي في مؤتمر المطورين (غوغل)
الرئيس التنفيذي لـ«غوغل» يكشف النقاب عن قدرات الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي في مؤتمر المطورين (غوغل)

في مؤتمر «غوغل» للمطورين «Google I-O» الذي عُقد يوم الثلاثاء، قدم ساندر بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل» تطورات رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي تَعِدُ بإعادة تشكيل مشهد التكنولوجيا والتفاعل مع المستخدمين. كان الحدث الأبرز في المؤتمر هو تقديم «جيمناي» بقدرات تشمل التفكير عبر النصوص والصور والفيديو والتعليمات البرمجية. يمثل هذا النهج المبتكر قفزة كبيرة في تحويل أي مدخلات إلى مخرجات، ويمهد الطريق لجيل جديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

حدود جديدة في الذكاء الاصطناعي

قبل عام، شاركت «غوغل» خططها الطموحة لـ«جيمناي» عبر طرح نماذجه الأولى التي أظهرت أداءً مميزاً عبر جميع المعايير متعددة الوسائط. استمر هذا التقدم مع تقديم «Gemini 1.5 Pro» وهو نموذج قادر على معالجة مليون رمز في الإنتاج بشكل متسق، مما يضع معياراً جديداً لنماذج الأساس واسعة النطاق.

واليوم يستخدم أكثر من 1.5 مليون مطور نماذج «Gemini» عبر أدوات مختلفة، مستفيدين من إمكاناتها لتصحيح أخطاء التعليمات البرمجية، واكتساب رؤى جديدة، وبناء الجيل التالي من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويتجلى تأثير «Gemini» عبر مجموعة منتجات «غوغل» بما في ذلك البحث والصور و«Workspace» والبريد الإلكتروني وغير ذلك مما يعرض إمكاناتها التحويلية.

«جيمناي» إلى بحث «غوغل»

أحد أكثر تطبيقات «جيمناي» إثارةً هو دمجه في بحث «غوغل». على مدار العام الماضي، أجابت «غوغل» على مليارات الاستفسارات من خلال تجربة البحث التوليدية، مما سمح للمستخدمين بالبحث بطرق جديدة تماماً، بما في ذلك استخدام استعلامات أطول وأكثر تعقيداً، وحتى البحث بالصور. وكانت النتائج واعدة، مع زيادة استخدام البحث وزيادة رضا المستخدمين، كما تقول الشركة الأميركية.

وخلال مؤتمر المطورين، الثلاثاء، أعلن الرئيس التنفيذي لـ«غوغل» أنه سيتم إطلاق ميزة «AI Overviews» المُجددة بالكامل في الولايات المتحدة هذا الأسبوع، مع خطط للتوسع في مزيد من البلدان قريباً. تعمل هذه التجربة الجديدة على تعزيز قدرات «جيمناي» لإنشاء تجارب بحث أكثر قوة، وتغيير كيفية تفاعل المستخدمين مع المعلومات والعثور عليها على الإنترنت.

اسأل الصور

حصلت «صور غوغل» (Google Photos) على ترقية كبيرة أيضاً مع «جيمناي». تتيح ميزة «اسأل الصور» الجديدة للمستخدمين البحث في مكتبات الصور الخاصة بهم باستخدام استعلامات اللغة الطبيعية. على سبيل المثال، يمكن للمستخدمين أن يطلبوا من «تطبيق الصور» أن يوضح لهم متى تعلَّم أطفالهم السباحة أو كيف تطورت مهاراتهم في السباحة بمرور الوقت. تتجاوز هذه الميزة عمليات البحث البسيطة عن الكلمات الرئيسية، حيث تستخدم «جيمناي» لفهم السياقات المختلفة وتقديم ملخص شامل للذكريات المطلوبة. سيتم طرح تطبيق «Ask Photos» هذا الصيف، مما يوفِّر تجربة بحث أعمق وأكثر سهولة للمستخدمين.

«غوغل» تُحدث نقلة نوعية في البحث والتفاعل مع العملاء عبر قدرات «جيمناي» في الذكاء الاصطناعي (غوغل)

تعدد الوسائط والسياق الطويل

تسمح قدرات «جيمناي» المتعددة الوسائط بمعالجة وربط أنواع مختلفة من المدخلات، مما يؤدي إلى توسيع نطاق الأسئلة التي يمكنه الإجابة عنها بشكل جذري. ويمكّن «Gemini 1.5 Pro» القادر على التعامل مع نافذة سياق مكونة من مليون رمز مميز، المطورين من جلب كميات هائلة من المعلومات، مثل مئات الصفحات النصية، أو ساعات من الصوت أو الفيديو، أو مستودعات التعليمات البرمجية بأكملها. وذكرت «غوغل» أنه جرى طرح هذه الإمكانية للمعاينة على مدار الأشهر القليلة الماضية، مع تحسينات الجودة عبر الترجمة والترميز والاستدلال.

وخلال الحدث صرح بيتشاي أيضاً بأن النسخة المحسنة من «Gemini 1.5 Pro» متاحة الآن لجميع المطورين على مستوى العالم وبشكل مباشر للمستهلكين في «Gemini Advanced» حيث تدعم 35 لغة. وأضاف أنه يتم توسيع نافذة السياق لتشمل مليوني رمز، متاحة في المعاينة الخاصة، مما يدفع حدود ما هو ممكن مع الذكاء الاصطناعي إلى أبعد من ذلك.

تحسين «Google Workspace»

تعمل إمكانات «جيمناي» أيضاً على تحسين «Google Workspace». على سبيل المثال، يمكن لـ«جيمناي» تلخيص جميع رسائل البريد الإلكتروني الأخيرة من المدرسة، وتحديد المعلومات ذات الصلة، وتحليل المرفقات مثل ملفات «PDF». ويمكنه أيضاً تلخيص التسجيلات الطويلة من «Google Meet»، وصياغة الردود على رسائل البريد الإلكتروني. تهدف هذه الميزات، المتوفرة الآن في «Workspace Labs»، إلى جعل الحياة أسهل للمستخدمين من خلال الاستفادة من الذكاء الاصطناعي للتعامل مع المهام المعقدة.

نظرة إلى المستقبل

وبالنظر إلى المستقبل، قدم بيتشاي مفهوم وكلاء الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذكية التي يمكنها التفكير والتخطيط وتنفيذ المهام عبر البرامج والأنظمة تحت إشراف المستخدم. يمكن لهؤلاء الوكلاء التعامل مع المهام المعقدة مثل تنظيم الانتقال إلى مدينة جديدة، والعثور على الخدمات المحلية، وتحديث العناوين عبر مواقع إنترنت متعددة. تمثل هذه الرؤية لوكلاء الذكاء الاصطناعي خطوة مهمة نحو إنشاء أنظمة ذكية يمكنها التفكير في المستقبل ومساعدة المستخدمين بطرق مفيدة.

ولدعم هذه التطورات، تواصل «غوغل» الاستثمار في البنية التحتية المتطورة. وقد أعلن الرئيس التنفيذي لـشركة طرح الجيل السادس من وحدات معالجة Tensor (TPUs)، التي تسمى «Trillium». توفر وحدات (TPU) الجديدة تحسيناً بمقدار 4.7x في أداء الحوسبة لكل شريحة مقارنةً بالجيل السابق، وستكون متاحة لعملاء السحابة في أواخر عام 2024. وإلى جانب وحدات (TPU) ستقدم «غوغل» أيضاً وحدات المعالجة المركزية ووحدات معالجة الرسومات الجديدة، بما في ذلك وحدات معالجة الرسوميات «Blackwell» من «إنفيديا»، لدعم أعباء العمل المختلفة.

«جيمناي» يحتل مركز الصدارة في مؤتمر «Google I/O 2024» (غوغل)

«جيمناي» في «خرائط غوغل»

ولم تنسَ «غوغل» تطبيقها الأشهر على الإطلاق «خرائط غوغل»، إذ ستعمل على إدماج قدرات «جيمناي» فيه وتحديداً في واجهة برمجة التطبيقات الموجَّهة إلى المطورين، إذ سيتمكن المطورون من عرض ملخصات الذكاء الاصطناعي للأماكن والمناطق في تطبيقاتهم ومواقعهم الإلكترونية، وستكون تلك الملخصات مبنية على تحليل التعليقات في مجتمع «خرائط غوغل» الذي يضم أكثر من 300 مليون مساهم.

ومع استمرار «غوغل» في تطوير الذكاء الاصطناعي، فإنها تظل ملتزمة التطوير المسؤول. وتشكل مبادرات مثل «الفريق الأحمر» بمساعدة الذكاء الاصطناعي، و«SynthID»، وهي أداة لوضع العلامات المائية على المحتوى الذي ينشئه الذكاء الاصطناعي، جزءاً من هذا الجهد. وشدد بيتشاي على أهمية مجتمع المطورين في قيادة هذه الابتكارات، ودعا الجميع للانضمام إلى تشكيل المستقبل.

سلَّطت «غوغل» في حدث «Google I-O 2024» الضوء على الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي، خصوصاً خلال «عصر جيمناي». ومع التقدم في الوسائط المتعددة والسياق الطويل ووكلاء الذكاء الاصطناعي، تستعد الشركة لإحداث ثورة في تفاعلات العملاء وتجاربهم عبر مجموعة منتجاتها.


مقالات ذات صلة

«غوغل» تطرح ميزة «الذكاء الشخصي» في العالم العربي عبر «جيميناي»

تكنولوجيا يعكس إطلاق الميزة في العالم العربي توجه «غوغل» إلى توسيع قدرات «جيميناي» الشخصية والمدفوعة خارج أسواق الإطلاق الأولى (غيتي)

«غوغل» تطرح ميزة «الذكاء الشخصي» في العالم العربي عبر «جيميناي»

تطرح «غوغل» ميزة «الذكاء الشخصي» عبر «جيميناي» في العالم العربي مقدمةً إجابات أكثر تخصيصاً مع تركيز على الخصوصية والشفافية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا التحديثات تعكس تحول «كروم» إلى مساحة عمل متكاملة داخل المتصفح (غيتي)

«غوغل» تدعم «كروم» بميزة العرض المقسوم وتبويبات عمودية جديدة

متصفح «كروم» يضيف العرض المقسوم والتبويبات العمودية وأدوات «PDF» لتعزيز الإنتاجية وتنظيم التصفح دون الحاجة إلى تطبيقات خارجية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أداة «غوغل» للذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الدقة

أداة «غوغل» للذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الدقة

أكثر من نصف الإجابات الصحيحة كانت «غير مدعومة بأدلة»

كيد ميتز (نيويورك)
تكنولوجيا «غوغل» تحدّث أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحسين التعامل مع استفسارات الصحة النفسية بشكل أكثر مسؤولية (شاترستوك)

تحديثات جديدة من «غوغل» لتعزيز تعامل الذكاء الاصطناعي مع الصحة النفسية

«غوغل» تحدّث استجابات الذكاء الاصطناعي للصحة النفسية لتوجيه المستخدمين نحو الدعم المناسب مع الحفاظ على السلامة وعدم استبدال المختصين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «غوغل» نموذج «Gemma 4» بترخيص مفتوح يتيح الاستخدام والتعديل والنشر دون قيود كبيرة (رويترز)

«Gemma 4» من «غوغل»: ذكاء اصطناعي مفتوح يعمل على الأجهزة الشخصية

«غوغل» تطلق «Gemma 4» كنموذج مفتوح يعمل محلياً... ما يعزز الخصوصية ويقلل الاعتماد على السحابة ويدعم قدرات متقدمة للمطورين.

نسيم رمضان (لندن)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.