قفزات تقنية ثورية مقبلة في عالم الحوسبة الشخصية

وسائط تخزين بسعات ضخمة وبطاقات ذاكرة صغيرة الحجم لتخزين الفيديوهات

سعات تخزين ضخمة مقبلة عبر 290 و430 طبقة
سعات تخزين ضخمة مقبلة عبر 290 و430 طبقة
TT

قفزات تقنية ثورية مقبلة في عالم الحوسبة الشخصية

سعات تخزين ضخمة مقبلة عبر 290 و430 طبقة
سعات تخزين ضخمة مقبلة عبر 290 و430 طبقة

يستمر التطور التقني بإبهارنا بشكل مستمر، ولكن الفترة المقبلة ستقدم قفزة تقنية ثورية في عالم الحوسبة الشخصية؛ إذ يتم العمل على تطوير معايير ووحدات تقدم سرعات غير مسبوقة في نقل البيانات ومعالجتها وتخزينها وحملها. ونذكر في هذا الموضوع مجموعة من التقنيات التي سنشهدها ونستخدمها في أجهزتنا الشخصية والتي من شأنها فتح آفاق تقنيات الذكاء الاصطناعي على تلك الأجهزة بشكل لم يكن ممكناً في السابق.

يقدم معيار PCIe 7 سرعات نقل بيانات غير مسبوقة بين الملحقات والدارات في الكومبيوترات الشخصية

نقل بيانات فائق السرعة

يعد معيار تقنية «توصيل المكونات الطرفية السريع» Peripheral Component Interconnect Express PCIe، التي هي عبارة عن مجموعة من خطوط نقل البيانات بين الملحقات المختلفة والدارات الرئيسية في الكومبيوتر بشكل يشابه الطرق السريعة للمركبات؛ من المسائل التقنية المهمة في رفع مستويات أداء الكومبيوتر الشخصي؛ إذ إن زيادة سرعة نقل البيانات بين بطاقات الذاكرة فائقة الأداء ووحدات التخزين هي عملية أساسية في تسريع معالجة البيانات. ويتم حالياً انتشار وحدات التخزين التي تدعم الإصدار الخامس من هذا المعيار بسرعات تصل إلى 128 غيغابايت في الثانية. ولكن الإصدار السابع من هذا المعيار في طور التجهيز ويعد بتقديم سرعات تصل إلى 4 أضعاف الإصدار الخامس؛ أي 512 غيغابايت في الثانية، وضعف سرعات الإصدار السادس (تبلغ أقصى سرعة لهذا المعيار 256 غيغابايت في الثانية). ويدعم هذا المعيار استخدام الملحقات التي تعمل بجميع المعايير السابقة؛ أي إن المستخدم لن يخسر ملحقاته التي تدعم المعايير السابقة وستعمل بشكل طبيعي لدى استخدامها في لوحة رئيسية تدعم المعيار PCIe 7.

وتجدر الإشارة إلى أن سرعة نقل البيانات البالغة 512 غيغابايت في الثانية هي لجميع الملحقات المتصلة، ولا داعي لأن يستخدمها ملحق واحد فقط، بل يمكن دعم تشغيل عدة ملحقات عالية السرعة في آن واحد من خلال هذه الممرات الرقمية عوضاً عن تنافسها بين بعضها. وللاستفادة من هذا المعيار الجديد، يجب استخدام لوحة رئيسية ومعالج يدعمانها، ولذلك فإن تطوير جهازك المكتبي لها سيكون مكلفاً، في حين ستكون مدمجة داخل الكومبيوترات المحمولة الجديدة، وخصوصاً أنها ذات كفاءة طاقة أفضل من المعايير السابقة. ويعود السبب في ذلك إلى أن بعض مسارات المعيار تتصل مباشرة بالمعالج من دون الحاجة لوجود شريحة وسيطة Controller تحدد كيفية نقل البيانات، وهو ما يرفع من سرعة النقل بشكل كبير، ولكنه يتطلب تصميم اللوحة الرئيسية للكومبيوتر لتدعم وصل تلك المسارات مباشرة بالمعالج.

ولا توجد حالياً أي ملحقات تدعم هذه السرعات الفائقة، ولكن من المتوقع أن تبدأ شركات صناعة بطاقات الرسومات ووحدات التخزين تطوير ملحقات تدعم هذه السرعات لفتح آفاق غير مسبوقة من الحوسبة، إلى جانب طرح ملحقات للشبكات السلكية فائقة السرعة وتقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة والحوسبة الكمية، وغيرها، تدعم هذا المعيار. ومن المتوقع إطلاق هذا المعيار في شهر يناير (كانون الثاني) 2025.

ترفع ذاكرة DDR6 سرعة معالجة ونقل البيانات لفتح آفاق الذكاء الاصطناعي المطور

ذاكرة خارقة

ويتم العمل حالياً على تطوير معيار «معدل البيانات المزدوج 6» Double Data Rate DDR6 الذي يدعم سرعات نقل بيانات فائقة للذاكرة RAM تصل إلى أكثر من 12800 مليون عملية نقل للبيانات في الثانية (أو 12.8 مليار عملية نقل للبيانات في الثانية)، مع القدرة على زيادة هذه السرعات لدى تسريعها بتقديم فولتية أعلى قليلاً Overclocking تسمح لها بالوصول إلى 16800 مليون عملية نقل للبيانات في الثانية (أو 16.8 مليار عملية نقل للبيانات في الثانية). ومن المتوقع أن تستطيع وحدات الذاكرة الجديدة التي تدعم هذا المعيار نقل 134.4 غيغابايت من البيانات في الثانية على الأقل.

وسيحتاج المستخدم إلى ترقية اللوحة الرئيسية لجهازه والمعالج لدعم هذا المعيار بسرعته القصوى، وخصوصاً أن تصميم وحدة الذاكرة قد لا يقبل التركيب في اللوحة الرئيسية بسبب استخدام تصميم مغاير عن تصميم معيار DDR5. وعلى الرغم من أن سرعات النقل العالية هذه ستكون غير مسبوقة، فإنها تتطلب فولتية أقل للعمل مما يخفض من درجات الحرارة المنبعثة منها، إلى جانب دعمها تصحيح البيانات المخزنة فيها بشكل آلي في حال تغير أي معلومة لأي سبب كان. ومن المتوقع إطلاق هذا المعيار قبل نهاية عام 2024 أو خلال عام 2025.

وحدات تخزين ضخمة جداً

وكشفت «سامسونغ» أنها تعمل على تطوير وسائط تخزين بتقنية الحالة الصلبة Solid State Drive SSD تقوم بتخزين البيانات في 290 طبقة فوق بعضها، و430 طبقة خلال عام 2025، مقارنة بـ236 طبقة في وحدات التخزين الحالية. ومن شأن هذا الأمر زيادة كثافة تخزين البيانات وزيادة سرعة وكفاءة قراءة وكتابة البيانات. ومن جهتها، تعمل شركة «إس كيه هانيكس» SK Hynix على تطوير وحدات ذاكرة بـ321 طبقة خلال عام 2025، في حين تعمل شركة «واي إم تي سي» YMTC على تصنيع وحدات تخزين بـ300 طبقة خلال النصف الثاني من العام الحالي. وتجدر الإشارة إلى العديد من الشركات، من بينها الشركات المذكورة، إلى جانب شركات «مايكرون تكنولوجي» Micron Technology و«كيوكسيا» Kioxia (قسم وحدات التخزين في «توشيبا» سابقاً) تتسابق للوصول إلى 1.000 طبقة بحلول عام 2030.

ومن شأن وحدات التخزين هذه تقديم سعات تخزين أضخم مما يوجد في الأسواق اليوم وبسرعات فائقة لنقل البيانات، وهي عوامل مهمة لتسريع استخدام الكومبيوترات الشخصية ووحدات التخزين بشكل كبير يفتح آفاق تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق؛ إذ تحتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى معالجة كميات كبيرة من البيانات بأسرع وقت ممكن لتقديم نتائج فورية. كما يمكن استخدامها في الكومبيوترات لتسريع تحرير الفيديوهات فائقة الدقة بشكل أكبر مما نجده اليوم في أحدث الأجهزة المتخصصة. ويمكن استخدام هذه الذاكرة كذلك في الهواتف الجوالة والأجهزة اللوحية لرفع مستويات أدائها وزيادة سعاتها وتسريع تشغيل والتنقل بين التطبيقات الكبيرة للحصول على تجربة استخدام أكثر سلاسة مما تقدمه تلك الأجهزة اليوم، إلى جانب تقديم وحدات تخزين محمولة ذات سعات ضخمة جداً يمكن وضعها في جيب المستخدم لنقل البيانات بين الأجهزة المختلفة أو للمصورين المحترفين الذين يريدون نقل بيانات الصور والفيديو الضخمة بسهولة. وستطلق «سامسونغ» أولى وحداتها التي تستخدم هذه الطبقات خلال شهر مايو (أيار) المقبل.

تقنية ثورية لتخزين 200 تيرابايت من البيانات على قرص ليزري واحد

أقراص ليزرية ثورية

ومع زيادة سرعات الإنترنت وسعات التخزين في وحدات «يو إس بي» المحمولة، زالت الحاجة لاستخدام الأقراص الليزرية لتخزين البيانات ونقلها؛ إذ إنها تتسع لـ8.5 غيغابايت في أقراص «دي في دي» DVD كحد أقصى (تدعم أقراص DVD-10 تخزين 9.4 غيغابايت ولكنها لم تنتشر تجارياً)، و100 غيغابايت في أقراص «بلوراي» كحد أقصى (تدعم أقراص BDXL 128 غيغابايت ولكنها لم تنتشر تجارياً أيضاً).

واستطاع باحثون في الصين تطوير أقراص ليزرية جديدة بحجم أقراص «دي في دي» ولكنها تتسع لنحو 200 تيرابايت (204.800 غيغابايت)؛ أي 24.094 ضعف سعة أقراص «دي في دي»، أو 2.048 ضعف سعة أقراص «بلوراي». وتستطيع هذه الأقراص الثورية تخزين السعات المهولة من البيانات بسبب استخدام آلية تسجيل مجسمة ثلاثية الأبعاد عوضاً عن تخزينها في بُعدين كما هو الحال في أقراص «دي في دي» و«بلوراي»، وعبر 100 طبقة في القرص الواحد.

ويتم استخدام ليزر بعرض يبلغ 54 نانومتر، وهي تقنية لم تكن ممكنة في السابق بسبب الحجم الكبير لوحدات الليزر اللازمة لتخزين البيانات بهذه الدقة، ولكن التقدم العلمي سمح بتصغير حجم تلك الوحدات وخفض تكلفتها لتكون معقولة. واستخدم المطورون وحدتَي ليزر للقراءة والكتابة بهدف رفع مستويات الأداء، إلى جانب استخدام طبقة خاصة حساسة للضوء على القرص اسمها Aggregation Induced Emission Dye-Doped Photoresist AIE-DDPR، وذلك بعد العمل على تطويرها لنحو 10 سنوات. ويستطيع المطورون حالياً إنتاج قرص في كل 6 دقائق؛ أي 240 قرصاً يومياً، أو 7.200 قرص شهرياً، أو 86.400 قرص في العام عبر كل خط واحد للإنتاج. هذا، ويعمل المطورون حالياً على رفع سرعة الكتابة والقراءة من خلال هذه التقنية لتقديم إصدارات جديدة أعلى أداء.

ومن شأن هذه التقنية رفع جودة عروض الفيديو التي يتم تقديمها سواء للأفلام والمسلسلات أو في الألعاب الإلكترونية المتقدمة بشكل مهول، وخفض المساحة اللازمة في مراكز البيانات لتخزين 122 ألف تيرابايت من مساحة تعادل ملعب كرة قدم إلى مساحة غرفة واحدة. ولم يذكر المطورون التاريخ المتوقع لإطلاق هذه الأقراص ومشغلاتها في الكومبيوترات، ولكن من المتوقع أن يكون خلال عام 2025.

وحدات ذاكرة محمولة صغيرة الحجم بسعة 4 تيرابايت

بطاقات تخزين محمولة فائقة السعة

وبالحديث عن وحدات التخزين، استعرضت «سانديسك» SanDisk التابعة لشركة «ويسترن ديجيتال» Western Digital أول بطاقة ذاكرة Secure Digital SD صغيرة محمولة تستطيع تخزين 4 تيرابايت (4.096 غيغابايت) من البيانات. ويمكن لهذه البطاقة تسجيل البيانات بسرعة 30 ميغابايت في الثانية، وهي سرعة مناسبة لتسجيل الفيديوهات بالدقة الفائقة في الكاميرات المتقدمة. وستطلق الشركة هذه البطاقة خلال عام 2025.


مقالات ذات صلة

أميركا تربط الضمانات الأمنية بتنازل أوكرانيا عن منطقة دونباس لصالح روسيا

أوروبا جنود أوكرانيون يستعدون لإطلاق صواريخ «غراد» باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة تشاسيف يار الواقعة على خط المواجهة في دونيتسك بمنطقة دونباس في أوكرانيا - 15 يناير 2026 (رويترز)

أميركا تربط الضمانات الأمنية بتنازل أوكرانيا عن منطقة دونباس لصالح روسيا

قال الرئيس الأوكراني إن أميركا جعلت عرضها تقديم الضمانات الأمنية اللازمة لاتفاق سلام مشروطا بتنازل كييف عن منطقة دونباس في شرق البلاد بالكامل لروسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
تكنولوجيا مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، بدعوى فريدة من نوعها تهدف لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار الخاصة بالأطفال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) والملياردير إيلون ماسك (رويترز)

ترمب يستبعد ماسك من مجلسه الاستشاري الجديد بمجال التكنولوجيا

عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصيات ذات ثقل في مجال التكنولوجيا، من بينهم مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرغ، والرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا جنسن هوانغ».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم أشخاص يجتمعون خلال عرض لشركة «بي إيه إي سيستمز» البريطانية للصناعات العسكرية في هانتسفيل بولاية ألاباما الأميركية 28 مارس 2023 (رويترز)

شركة بريطانية للصناعات الدفاعية توقّع عقداً ﻟ7 سنوات مع «البنتاغون»

أعلنت شركة الصناعات العسكرية البريطانية «بي إيه إي سيستمز»، الأربعاء، توقيعها اتفاقية إطارية مدتها 7 سنوات مع وزارة الحرب الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي يوم 24 مارس 2026 (إ.ب.أ)

بعد «هدنة الانشغال» بإيران... روسيا تُصعّد في أوكرانيا

الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، شدد على أن الحرب في إيران تشجع روسيا، وأن حجم القصف الروسي يؤكد غياب أي نية حقيقية لإنهاء الحرب.

إيلي يوسف (واشنطن)

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.


من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
TT

من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

شهد القطاع المالي في السعودية تحولاً رقمياً سريعاً خلال فترة زمنية قصيرة. ففي أقل من عقد، انتقل الاقتصاد من الاعتماد الكبير على النقد إلى مرحلة أصبحت فيها نحو 80 في المائة من معاملات التجزئة إلكترونية. لكن هذا الإنجاز لا يمثل نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً.

يرى محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش» أن قطاع التقنية المالية في المملكة دخل نقطة تحول حاسمة. ويشرح خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «إذا قارنَّا السعودية بأسواق كانت تُعدّ رائدة في (الفنتك) أي التكنولوجيا المالية قبل خمس سنوات، نجد أن أجزاءً من المملكة قد لحقت بها، بل وتفوقت عليها في مجال المدفوعات. لكن المرحلة المقبلة لم تعد تتعلق بالتبنّي، بل بالتنفيذ».

محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش»

ازدهار الواجهة الأمامية... وحدوده

التحوُّل الذي تحقق حتى الآن كان واضحاً للمستخدمين كمحافظ رقمية ومدفوعات سلسة وخدمات مالية أكثر سهولة. لكن خلف هذه الواجهة، لا تزال عملية التحول العميق غير مكتملة.

ويبرز الذكاء الاصطناعي مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم الزخم الكبير حوله، فإن استخدامه في المؤسسات المالية لا يزال يتركز في تطبيقات سطحية.

يقول عويضة إنه «في معظم الحالات، لا يزال الذكاء الاصطناعي غير مدمج في الوظائف الأساسية مثل إدارة الاحتيال واتخاذ قرارات الائتمان والاكتتاب أو الأتمتة التشغيلية». وغالباً ما يُستخدم في واجهات المحادثة أو الخدمات البسيطة. ويرجع ذلك ليس إلى نقص الطموح، بل إلى البنية التحتية.

فالأنظمة الأساسية القديمة، إلى جانب تعدد منصات الموردين، تجعل من الصعب دمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات. ومن دون بيانات موحدة وبنية حديثة، تبقى القدرات المتقدمة محدودة. وهذا يخلق مفارقة واضحة، حيث يمكن إطلاق المنتجات بسرعة، لكن يصعب توسيع نطاقها بكفاءة.

التنفيذ... التحدي الحقيقي

مع نضوج السوق، تغيَّر نوع التحدي. فالإطار التنظيمي واضح، والطلب قوي والبنية الرقمية متوفرة، لكن العائق أصبح في التنفيذ اليومي. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 84 في المائة من المؤسسات المالية في السعودية تخطط لتحديث بنيتها التحتية خلال العام المقبل، مما يعكس إدراكاً واسعاً لطبيعة التحدي. ويظهر هذا التحدي بوضوح في مجال التمويل، حيث لا تزال أكثر من 60 في المائة من المؤسسات تعتمد بالكامل على أنظمة قديمة، بينما تتجاوز نسبة الاعتماد على الموردين الخارجيين 87 في المائة. ولا يقتصر أثر ذلك على البطء التشغيلي، بل يمتد إلى النتائج نفسها. ويشير عويضة إلى وجود «فجوة بين سرعة إطلاق المنتجات وسهولة تطويرها أو توسيعها. وفي كثير من الحالات، تفوّت المؤسسات بالفعل فرصاً تجارية لأن أنظمتها الأساسية لا تواكب النمو».

تلعب الأطر التنظيمية الواضحة والكفاءات البشرية دوراً أساسياً في دعم الابتكار وبناء قطاع مالي أكثر كفاءة ونضجاً (شاترستوك)

التجزئة... التكلفة الخفية للنمو

تمثل التجزئة أحد أبرز التحديات في هذه المرحلة. فأكثر من 73 في المائة من المؤسسات تعتمد بشكل كبير على شركاء خارجيين لإطلاق المنتجات وتحديثها. ورغم أن هذا النموذج ساعد على تسريع الابتكار، فإنه أدَّى أيضاً إلى زيادة التعقيد. ويوضح عويضة أن «الاعتماد على عدد كبير من الموردين المتخصصين يزيد من عبء التنسيق، ويبطئ التنفيذ، ويُشتّت المسؤوليات». ولا يقتصر الأمر على الكفاءة، بل يمتد إلى الحوكمة والامتثال والأمن. فعندما تكون الأنظمة مفككة، يصبح تطبيق معايير موحدة أكثر صعوبة، وتتوزع المسؤولية عبر أطراف متعددة، ما يزيد من تعقيد إدارة المخاطر. والنتيجة هي أن الابتكار يحدث في جيوب منفصلة، دون أن يمتد بشكل متكامل داخل المؤسسة.

البيانات... من عائق إلى محرك

في قلب هذه التحديات، تقف البيانات. في كثير من المؤسسات، تكون البيانات موزعة عبر أنظمة متعددة ومكررة وتُعالج يدوياً أو تصل متأخرة. وهذا لا يؤثر فقط على الكفاءة، بل يحد من الإمكانات. ويؤدي ذلك برأي عويضة إلى «تقيد كل شيء». وهذا ينعكس مباشرة على القدرة على تطبيق تقييم المخاطر في الوقت الحقيقي والتسعير الديناميكي والخدمات المالية المخصصة. كما يفسر محدودية استخدام الذكاء الاصطناعي في الوظائف الأساسية.

في المقابل، عندما تُبنى الأنظمة على نماذج بيانات موحدة، يتغير المشهد بالكامل. ويفسر عويضة: «عندما تعمل المؤسسات على نماذج بيانات موحدة وطبقات تحكم مشتركة، يتضاعف الابتكار. يمكن تسعير المنتجات بشكل ديناميكي، وتقييم المخاطر فورياً، وإتاحة خدمات جديدة عبر واجهات برمجية دون زيادة المخاطر التشغيلية». وفي هذا السياق، لم تعد «الخدمات المفتوحة» (Open Banking) مفهوماً مستقبلياً، بل واقعاً ناشئاً، وإن كان لا يزال مقيداً بتجزئة البنية التحتية.

نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على تكامل الأنظمة والكفاءات البشرية وليس على إطلاق منتجات جديدة فقط (شاترستوك)

التنظيم... عامل تمكين لا قيد

من أبرز نقاط القوة في السوق السعودية وضوح الإطار التنظيمي. وينوه عويضة «بتوفير الأطر الواضحة من البنك المركزي السعودي بيئة تمكّن المؤسسات من الابتكار بثقة، بدلاً من العمل بحذر ضمن تجارب معزولة». كما ساهمت مبادرات مثل «البيئات التجريبية التنظيمية» (sandbox) في تسريع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار.

والتحدي في المرحلة المقبلة سيكون الحفاظ على هذا التوازن أي تحقيق السرعة دون التفريط في الضوابط. فمع تطور السوق، يتغير دور الشركاء التقنيين حيث لم يعد المطلوب تقديم أدوات منفصلة، بل دعم شامل يشمل الحوكمة والامتثال والأمن والتشغيل.

وينصح عويضة «بأن يقلل الشركاء التعقيد، لا أن يزيدوه». كما يبرز هنا مفهوم الانضباط المعماري، إذ إن غياب تصميم تقني متماسك يجعل حتى أفضل الأدوات غير قادرة على تحقيق القيمة المرجوة.

الكفاءات البشرية والملكية

يشدد عويضة على أهمية وضوح المسؤوليات إذ لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تقود المرحلة المقبلة. ويضيف خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»: «تفشل التقنيات المتقدمة عندما تكون المسؤولية موزعة بين فرق أو موردين أو وظائف مختلفة». المؤسسات الناجحة هي التي تحقق تكاملاً بين فرق الأعمال والتقنية والتشغيل، مع قدرة على اتخاذ القرار بسرعة. وفي الوقت نفسه، تمثل تنمية الكفاءات في السعودية، ضمن «رؤية 2030»، ميزة استراتيجية، خاصة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي.

ولا يقتصر تأثير التطور المالي على القطاع نفسه بل على «طريقة انتقال الأموال وتوزيع رأس المال وتصميم المنتجات المالية تحدد سرعة تطور الاقتصادات» كما يرى عويضة. ويتابع: «عندما تصبح الأنظمة المالية أكثر كفاءة، يتسارع الابتكار في مختلف القطاعات».

كيف تبدو مرحلة النضج؟

في المرحلة المقبلة، لن يُقاس نجاح القطاع بعدد المنتجات الرقمية، بل بمدى كفاءتها وتكاملها. يتصور عويضة بيئة يمكن فيها إطلاق منتجات مالية متوافقة خلال أسابيع بدلاً من سنوات، دون زيادة المخاطر التنظيمية أو التشغيلية. كما ستلعب الأتمتة دوراً محورياً في تقليل الأعباء التشغيلية. ويصرح: «عندما تُزال القيود، فإن أفضل المنتجات لا تُخطط دائماً... بل تظهر تلقائياً».

لم تعد قصة «الفنتك» في السعودية تتعلق باللحاق بالركب. ففي كثير من المجالات، وصلت بالفعل إلى مستويات عالمية. المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية... تنفيذ فعَّال وتوسع المستدام وبناء أنظمة تدعم الابتكار المستمر.