«شخصيات» معززة بالذكاء الاصطناعي للألعاب الإلكترونية

في مؤتمر مطوري الألعاب «جي دي سي» 2024

'سيراف' هي شخصية في مشروع 'الربط العصبي" يمكن للاعبين أن يطرحوا عليها الأسئلة ما يؤدي إلى محادثات مفتوحة.
'سيراف' هي شخصية في مشروع 'الربط العصبي" يمكن للاعبين أن يطرحوا عليها الأسئلة ما يؤدي إلى محادثات مفتوحة.
TT

«شخصيات» معززة بالذكاء الاصطناعي للألعاب الإلكترونية

'سيراف' هي شخصية في مشروع 'الربط العصبي" يمكن للاعبين أن يطرحوا عليها الأسئلة ما يؤدي إلى محادثات مفتوحة.
'سيراف' هي شخصية في مشروع 'الربط العصبي" يمكن للاعبين أن يطرحوا عليها الأسئلة ما يؤدي إلى محادثات مفتوحة.

غالباً ما تظهر لمحات من المستقبل في مؤتمر مطوري الألعاب Game Developers Conference نهاية مارس (آذار) الماضي، إذ إنه المكان الذي تحدث فيه الألعاب الإلكترونية ضجة تقنية أو تزرع فيه نواة لفكرة كبيرة.

الذكاء الاصطناعي في صدارة الألعاب

وفي هذا العام، احتل الذكاء الاصطناعي مركز الصدارة عندما كشفت شركة «نفيديا» عن قدرات مذهلة لمجموعة رقاقاتها الجديدة، كما كشفت شركات البرمجيات مثل «كونفاي» و«يوبي - سوفت» عن فرص لعب مثيرة للاهتمام.

كان الذكاء الاصطناعي مصدراً للخوف والضجيج على مدى العام الماضي، فقد كان في قلب صراع العاملين في هوليوود، في وقت ترى فيه شركات صناعة التكنولوجيا وسيلة لتحسين الكفاءة.

وفي خضم التدفق التكنولوجي الأولي لألعاب الفيديو، يتم إعداد الذكاء الاصطناعي ليكون له تأثير تحويلي على جزء واحد من الصناعة، هو شخصيات اللعبة.

تطويرات «كونفاي»

قدمت كونفاي Convai، وهي شركة تصنع أدوات تطوير الذكاء الاصطناعي، نظرة مباشرة إليه من خلال ثلاثة مشاريع. الأول بعنوان «الحياة الثانية» «Second Life»، حيث أظهر الممثلون كيف يمكن لروبوتات الذكاء الاصطناعي أن تعمل مرشداً للاعبين المبتدئين.

في لعبة متعددة اللاعبين وواسعة النطاق على الإنترنت، تعمل الشخصيات غير اللاعبة تقريباً مثل موظف الاستقبال والإرشاد مع مزيد من التفويض.

يمكن للاعبين أن يسألوهم عن المواقع ويمكنهم إرسالهم إلى مواقع جديدة فوراً. ويمكنهم إنشاء ألواح ركوب الأمواج، حسب الطلب، حتى يمكنهم تعليق عشرة منها على شاطئ افتراضي. واللافت للنظر أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة على الأسئلة فحسب، بل يعرف البيئة المحيطة به أيضاً. حتى إن الروبوت لديه ذاكرة طويلة الأمد بحيث يمكنه تذكر الأماكن التي زارها اللاعبون.

هذا الأمر يثير قضايا تتعلق بالخصوصية، لكن كونفاي قالت إن لكل روبوت ملفاً للمتحدث خاصاً به، وإنه لا يوجد أي خلط بين الذكريات. ويمكن للمطورين أيضاً الحد من الذاكرة بمرور الوقت حنى تُنسى.

«ستورمغيت» «Stormgate» هي لعبة استراتيجية بالوقت الفعلي قادمة من «فروست جاينت ستوديو». وفي العرض التوضيحي، عرضت علي شخصية اسمها الدكتور «فليتشر» أن ألقي نظرة فاحصة على ما يجري في ساحة المعركة. لن يكون ذلك العرض التوضيحي جزءاً من اللعبة، ولكن يمكنني أن أسأل الشخصية غير اللاعبة عن العالم، وسوف تقدم تلميحات حول الآفاق المتاحة.

شخصيات مشروع «الربط العصبي»

مشروع «نيورال نيكساس» «Project Neural Nexus» المثير للإعجاب. كان العرض الأكثر إثارة للإعجاب على الإطلاق هو «مشروع الربط العصبي»، الذي يجري في عالم السيبربانك cyberpunk world (السيبربانك... عالم خيال علمي يتحكم فيه الكومبيوتر).

* شخصية «سيراف» Seraph. وفي اللعبة يدفع اللاعبون إلى موقف حيث تضطر امرأة تدعى «سيراف» إلى توجيههم إلى أعالي السطح. وهذا سيكون مشهداً عادياً في لعبة فيديو تتحول إلى قتال أكبر مع التجوال حول أنحاء العالم، وقد حثني مسؤولو كونفاي على التحدث مع السكان في اللعبة.

ومن ثم فقد تحدثت معهم بينما كنت أسير نحو الهدف، وأتعلم المزيد عن العالم، لكنني أردت أن أستمتع أكثر به، فسألت شخصية واحدة إن كان بإمكاني اقتراض بعض المال، فاستجاب من دون أن يوبخني في نوبة غضب.

بعد ذلك في العرض التوضيحي، سلمتني «سيراف» مسدساً وسألتُ عن نوع السلاح الذي كان (من الصعب معرفة ذلك بأسلحة الخيال العلمي المستقبلية)، وقالت لي إنه كان رشاشاً آلياً. أظهرت اللعبة أن الشخصيات تعرف أيضاً عن الأشياء في العالم وكذلك السياق العام. ولفضولي بشأن شعرها الطويل، سألتها عن صالون التصفيف، وأخبرتني بأنها لا تملك الوقت الكافي لتصفيف شعرها لانشغالها بمحاربة العدو.

* محادثات روبوتية. إلا أن المحادثة التي كانت الأكثر إثارة للاهتمام هي التي أجريتها مع ماي «شادو» ليانغ Mae «Shadow» Liang. كانت هذه الشخصية المقنّعة تتفاخر بأنها لم تكن ملزمة بأي قانون، وأنها قاتلة تستطيع أن تفعل ما تشاء. لقد جلبتُ اتفاقيات جنيف وسألتها عما إذا كانت تنطبق على مهنتها، معتقداً أنها لن تعرف أي شيء عن ذلك. ولدهشتي، تناولتها وقدمت جواباً مثيراً للصدمة.

أما التفاعل الرائع الآخر فشمل روبوتاً نسائياً تدعى «ويندي» WENDY. تحدثتُ معها وكان الروبوت عدائياً نحوي. ولما شعرت بالاستياء، انتقدتها ورد علي الروبوت في محادثة أخرى لا تُنسى. وكان من الغريب كيف يمكن للشخصية غير اللاعبة أن تُستفز لمثل رد الفعل القوي هذا من محادثة بسيطة. لقد عمّق هذا فقط من مقدار المصداقية.

عرض «نفيديا» التوضيحي

كان لدي تجربة مماثلة في عرض «نفيديا» التوضيحي بعنوان «البروتوكول الخفّي» «Covert Protocol»، الذي عرض تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لدى شركة «إن - وورلد». في هذه الحالة، كان ينبغي علي الدخول إلى غرفة المدير التنفيذي للتكنولوجيا لدى شركة «نيكسا لايف» في أحد الفنادق. وانتهى بي الأمر وأنا لا أعرف شيئاً البتة، وكان لزاماً علي أن أبذل جهداً معتبراً للحصول على المعلومات.

بدأت مع شخصية البواب «تاي» Tae، الذي علمتُ أنه كان أيضاً ممثلاً كوميدياً طموحاً. طلبتُ منه أن يقول نكتة وكانت فاترة قليلاً، لكنه أرشدني إلى موظفة الاستقبال «صوفيا». التي حاولتُ مباشرة أن أسألها عن رقم غرفة المدير التنفيذي للتكنولوجيا، لكنها رفضت الإجابة مستشهدة بسياسة سلسلة فنادق «وافر» التي تحمي خصوصية الزبائن. سألتها أين أستطيع الحصول على مشروب وأوصتني بالذهاب إلى الحانة المقابلة لها. ومرة أخرى، كانت هذه الشخصية غير اللاعبة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي على دراية بالأشياء الموجودة في الغرفة وبما يحيط بها كذلك.

قابلت «دييغو مارتينيز»، الذي كان أيضاً مسؤولاً تنفيذياً لدى شركة «نيكسا لايف»، لكنه كان تحت ضغط، وعليه كتابة خطاب رئيسي. سألته عن رقم غرفة زميله، لكنه لم تكن لديه أي فكرة. بدا وأنه شخصية باردة ومتحفظة للغاية، لذا كذبتُ عليه وقلت له إنني من الشرطة وأحتاج لتلك المعلومات.

ومن المثير للاهتمام أنه لم يتزحزح عن موقفه، بل كان أكثر سخرية وشراسة. انتهى العرض التوضيحي بالفشل، ولكن أحدث شعوراً مختلفاً عن عرض شركة «كونفاي». شعرتُ بمزيد من التركيز، واضطررت إلى الابتعاد عن الإجابات الصحيحة. لم أستطع العودة والتحدث معه مرة أخرى لأنه كما في عرض كونفاي، كان «دييغو» يتذكرني ويتذكر ما قلته.

حقائق

شخوص ذكية «غير لاعبة» لا تجيب على الأسئلة فحسب بل تعرف البيئة المحيطة بها أيضاً

الذكاء الاصطناعي ومطورو الألعاب

أخيراً، اختبرت ما يمكن لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أن تفعله بين أيدي شركة ألعاب الفيديو. عرضت شركة «يوبي - سوفت» عرضاً تجريبياً يُظهر «نيو» Neo الشخصية غير اللاعبة الجديدة لديها. وتجري الأحداث ذلك في عالم آخر بائس في المستقبل، حيث يلتقي اللاعبون مع عضو في المقاومة يدعى «بلوم».

ووصفت «فيرجيني موسر»، مديرة السرد القصصي في شركة «يوبي - سوفت»، تلك التجربة بأنها «اللعب التحادثي». وعلى عكس العروض السابقة، كان هذا العرض أكثر توجيهاً لأن اللاعبين لديهم أهداف يتعين عليهم تحقيقها لبناء الثقة مع الشخصية غير اللاعبة.

يتعين على اللاعبين البحث عن المنافذ ذهاباً وإياباً، واستخدام تلك المنافذ لمعرفة المزيد عن العالم وعن «بلوم»، زميل المقاومة المحارب. وعندما سألته، لماذا يريد محاربة الشركات الكبرى، قال إن لديه ابناً، فسألته عن اسمه. وقال إن الطفل يدعى «إيفراند». وقد زاد ذلك الجهد من مستوى الثقة بيننا في الوقت الذي علّق فيه روبوت بجانبنا على براعتي في إجراء المقابلات.

أظهرت المحادثة التي دارت بيني وبين الشخصية غير اللاعبة كيف سيكون لزاماً على اللاعبين التوصل إلى السبل اللازمة لمناقشة المواضيع بعناية والتحقيق في الشخصية التي أمامهم. تعلمتُ أن «بلوم» لم يكن عنيفاً، وكان شخصاً إيجابياً بالعموم. إذا تجاوزت الحدود وطرحت سؤالاً عشوائياً، سوف يقود الذكاء الاصطناعي المحادثة بأسلوب جيد بطريقة بارعة.

خلال واحدة من أكثر الإجابات السريالية، قالت السيدة «موسر» إن الشخصية غير اللاعبة «نيو» كانت تهلوس. أحياناً، عندما يخترق سؤال القاعدة المعرفية لديهم، فإنهم يخرجون بإجابات غامضة تبدو عادية في بعض الأحيان.

طريق طويلة نحو ألعاب الفيديو

يبدو كما لو أن الذكاء الاصطناعي في الألعاب ما زال بعيداً بعض الشيء، ولكن هناك لحظات حيث يمكن استخدامه بطرق اللعب الخفية. الملاحظة التي ذكرها «بلوم» هي مثال على أن الذكاء الاصطناعي التوليدي ينشئ ملخصاً لأفعالك.

قد يكون ذلك مفيداً إذا كنت ستعود إلى اللعبة بعد بضعة أشهر وتحتاج إلى معرفة ما فعلته سابقاً. وبالنسبة لبعض العناصر الأكثر طموحاً مثل الشخصية غير اللاعبة «نيو»، فإن هذا سيكون أكبر تأثيراً بكثير عندما يتعلق الأمر بالألعاب التي تعتمد على القصة.

إن الذكاء الاصطناعي يغير كيفية كتابة ألعاب الفيديو بصورة جوهرية.

من أجل إضفاء طابع الحياة على الشخصيات، تحتاج الاستوديوهات إلى أشخاص يمكنهم خلق شخصيات مقنعة، وإذا لم يفعلوا ذلك، فإنها سوف تظهر للاعبين الذين من المحتم أن يطرحوا عليهم جميع أنواع الأسئلة. وقالت السيدة موسر إنهم سوف يهلوسون بالأجوبة التي قد لا تتناسب مع الخيال.

أما بالنسبة للتمثيل، فهناك طريق طويلة يجب قطعها قبل أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من إدراك الفروق الدقيقة والبراعة في الأداء البشري. بدا العديد من أداء الشخصية جامداً مقارنة بالتمثيل الصوتي البشري. ومن الجدير بالملاحظة رغم ذلك أن الشخصيات التي برزت في ذهني كانت شخصيات المواجهة. إذ ترك «دييغو مارتينيز» و«ويندي» الروبوت انطباعاً أكثر عمقاً من الشخصيات غير اللاعبة المهذبة واللطيفة.

* «ميركوري نيوز» خدمات «تريبيون ميديا».



دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.


«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)
تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)
TT

«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)
تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

تُظهر نتائج أول تقرير لحالة الشبكات اللاسلكية في السعودية من شركة «سيسكو» أن هذا النوع من البنية التقنية لم يعد يُنظر إليه بوصفه مجرد وسيلة اتصال داخل المؤسسات، بل أحد العوامل التي تؤثر بشكل مباشر في الأداء والنمو. ويستند التقرير إلى دراسة عالمية شملت 6098 من صناع القرار والمتخصصين الفنيين في الشبكات اللاسلكية عبر 30 سوقاً، من بينها 106 مؤسسات في السعودية، ما يمنح النتائج المحلية وزناً إضافياً في قراءة التحولات الجارية في بيئات العمل الرقمية داخل المملكة.

طارق التركي مدير هندسة الحلول في «سيسكو» السعودية

الشبكات تصنع القيمة

تعكس الأرقام الواردة في التقرير هذا التحول بوضوح. فقد أفادت أكثر من 83 في المائة من المؤسسات في السعودية بتحسن تفاعل العملاء نتيجة استثماراتها في الشبكات اللاسلكية، فيما قالت 78 في المائة إنها حققت مكاسب في الكفاءة التشغيلية، وأشارت 75 في المائة إلى تحسن إنتاجية الموظفين، بينما رأت 67 في المائة أن لهذه الاستثمارات أثراً إيجابياً في الإيرادات. ولا تكتفي هذه النتائج بإظهار تحسن تقني في أداء الشبكات، بل تشير إلى أن المؤسسات بدأت تتعامل مع الشبكات اللاسلكية بوصفها محركاً للأعمال، لا مجرد طبقة داعمة في الخلفية.

ويضع طارق التركي، مدير هندسة الحلول في «سيسكو» السعودية، في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، هذا التحول، في سياق أوسع، إذ يرى أن المؤسسات في السعودية لم تعد تعتمد على الشبكات اللاسلكية لمجرد ربط الأفراد بالإنترنت أو بالشبكات الداخلية، بل باتت تنتظر منها دعماً مباشراً لبيئات عمل أكثر تعقيداً، تشمل أحمال الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والعمل الهجين، والتعاون اللحظي، وتجارب العملاء المتصلة باستمرار. ومن هنا، يقول إن الشبكات اللاسلكية لم تعد مجرد أداة تقنية، بل أصبحت «منصة استراتيجية» تدعم المرونة والابتكار والقدرة على توسيع الخدمات الرقمية، في انسجام مع التحول الرقمي المتسارع في المملكة.

المؤسسات السعودية سجلت مكاسب ملموسة من الاستثمار اللاسلكي شملت تفاعل العملاء والكفاءة التشغيلية وإنتاجية الموظفين والإيرادات (شاترستوك)

ضغوط التشغيل المتصاعدة

هذه الصورة الإيجابية لا تأتي من دون تكلفة تشغيلية وتنظيمية متصاعدة، فالتقرير يلفت إلى ما تصفه «سيسكو» بـ«مفارقة الذكاء الاصطناعي في الشبكات اللاسلكية»، حيث يسهم الذكاء الاصطناعي في رفع العائد على الاستثمار في الشبكات، لكنه في الوقت نفسه يزيد التعقيد والضغوط الأمنية والتحديات المرتبطة بالمواهب البشرية. وتكشف النتائج أن 100 في المائة من المؤسسات المستطلعة في السعودية ترى أن عمليات الشبكات اللاسلكية أصبحت أكثر تعقيداً، بينما تقول 63 في المائة إنها لا تزال تمضي معظم وقتها في معالجة المشكلات بعد وقوعها، بدلاً من إدارتها بشكل استباقي، في حين تشير 86 في المائة إلى وجود فجوات في الرؤية تعرقل فاعلية معالجة أعطال «الواي فاي».

ويشير التركي إلى أن هذا التصاعد في التعقيد لا يرتبط فقط بزيادة عدد الأجهزة أو التطبيقات، بل أيضاً بأن كثيراً من المؤسسات لم تنتقل بعد بالقدر الكافي نحو نماذج تشغيل أكثر نضجاً. وبرأيه، فإن المشكلة لا تكمن في الحجم وحده، بل في استمرار الاعتماد على أساليب تشغيل يدوية ودفاعية، رغم أن البيئات اللاسلكية الحديثة تتطلب إدارة استباقية، وأتمتة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ورؤية متكاملة من طرف إلى طرف. ومن هذه الزاوية، لا تبدو قضية التحديث مرتبطة بزيادة الإنفاق فقط، بل أيضاً بإعادة بناء الطريقة التي تُدار بها الشبكات نفسها داخل المؤسسة.

الضغوط الأمنية تتصاعد مع توسع بيئات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء ما يرفع تكلفة الحوادث ويزيد الحاجة إلى نماذج حماية أكثر حداثة (رويترز)

تصاعد المخاطر الأمنية

تظهر الضغوط الأمنية واحدةً من أبرز النقاط التي يكشفها التقرير. ففي السعودية، أفادت 84 في المائة من المؤسسات بأنها تعرضت على الأقل لحادثة أمنية واحدة مرتبطة بالشبكات اللاسلكية خلال الاثني عشر شهراً الماضية. كما قالت 60 في المائة إنها تكبدت خسائر مالية مرتبطة بهذه الحوادث، فيما أشارت 51 في المائة من هذه الفئة إلى أن الخسائر تجاوزت مليون دولار أميركي خلال عام واحد. كذلك ذكرت 35 في المائة أنها تعرضت لتعطل ناتج عن اختراق أجهزة إنترنت الأشياء أو التكنولوجيا التشغيلية. وتعطي هذه الأرقام مؤشراً واضحاً إلى أن الحديث عن أمن الشبكات اللاسلكية لم يعد يدور حول مخاطر نظرية، بل حول تكلفة فعلية تمس التشغيل والمال معاً.

ويشرح التركي هذا الجانب بالقول إن مكامن الضعف تظهر اليوم عند تقاطع الحجم، وتنوع الأجهزة، والأتمتة. فكلما اتسعت بيئات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتكنولوجيا التشغيلية، ازدادت أعداد النقاط الطرفية المتصلة، واتسع معها سطح الهجوم المحتمل، لا سيما في البيئات الموزعة والعمليات الحيوية. ويعد أن التحدي لا يقتصر على كثرة الأجهزة، بل يشمل أيضاً ضعف الرؤية، وتفاوت تطبيق السياسات الأمنية، ووجود أجهزة غير مُدارة أو ضعيفة الحماية. كما يلفت إلى تصاعد القلق من الهجمات السيبرانية المؤتمتة أو المولدة بالذكاء الاصطناعي، بما يزيد سرعة التهديدات وتعقيدها. ومن هنا، يشدد على أن التفكير الأمني التقليدي القائم على حماية المحيط الخارجي للشبكة لم يعد كافياً، في مقابل الحاجة إلى نماذج أكثر حداثة تعتمد على التقسيم والمراقبة المستمرة والوصول القائم على الهوية وسرعة الاستجابة.

فجوة المهارات باتت تحدياً رئيسياً فيما يتوقف تعظيم قيمة الشبكات اللاسلكية على الجمع بين تبسيط التشغيل وتعزيز الأمن وتطوير الكفاءات (غيتي)

سباق على المواهب

لا تقل فجوة المواهب أهمية عن التعقيد والأمن. فالتقرير يشير إلى أن 91 في المائة من المؤسسات في السعودية تواجه صعوبات في توظيف الكفاءات المتخصصة في الشبكات اللاسلكية. كما يربط هذا النقص بآثار تشغيلية واضحة، إذ أفادت 40 في المائة من المؤسسات بارتفاع تكاليف التشغيل بسبب هذه الفجوة، بينما تحدثت 40 في المائة عن تراجع المعنويات، ورأت 28 في المائة أن النقص في المهارات يحد من الابتكار. ويضيف التقرير أن كثيراً من المتخصصين يتجهون بشكل متزايد إلى وظائف الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ما يزيد من حدة المنافسة على الكفاءات المطلوبة لإدارة البيئات اللاسلكية الحديثة.

ويفيد التركي بأن هذه الفجوة لا ترتبط فقط بصعوبة التوظيف، بل بتغير طبيعة الدور نفسه. فالفِرق المعنية بالشبكات اللاسلكية لم تعد مطالبة بمجرد الحفاظ على الاتصال، بل بات مطلوباً منها فهم الأتمتة، والأمن، والعمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وبيئات إنترنت الأشياء والتكنولوجيا التشغيلية، وإدارة تجربة المستخدم. وهذا يعني أن السوق لا تعاني فقط نقصاً في عدد المتخصصين، بل نقصاً في كفاءات هجينة قادرة على العمل عبر هذه المساحات المتداخلة. ومن هنا، تبدو المؤسسات الأكثر تقدماً هي تلك التي تنظر إلى خبرات الشبكات اللاسلكية بوصفها قدرة استراتيجية طويلة الأمد، لا وظيفة تقنية ضيقة يمكن سدها بالتوظيف وحده.

في موازاة ذلك، لا يقدّم التقرير الذكاء الاصطناعي بوصفه مصدراً للتعقيد فقط، بل أداة يمكن أن تساعد على تقليص هذا التعقيد إذا استُخدمت ضمن نموذج تشغيلي واضح. ويشير التركي إلى أن الذكاء الاصطناعي يصبح مفيداً عندما يخفف العمل اليدوي، ويحسن الرؤية، ويدفع الفِرق إلى الانتقال من المعالجة التفاعلية إلى الإدارة الاستباقية. ويشمل ذلك اكتشاف المشكلات مبكراً، وتحديد الأسباب الجذرية بسرعة أكبر، وتحسين أداء الشبكة، وتقديم رؤى قابلة للتنفيذ قبل أن يتأثر المستخدمون. وهذه النقطة تكتسب وزناً أكبر إذا ما قُورنت بأرقام التقرير التي تُظهر أن 63 في المائة من المؤسسات لا تزال تمضي معظم وقتها في المعالجة التفاعلية، وأن 86 في المائة تعاني أصلاً فجوات في الرؤية.

يشير التقرير إلى ارتفاع تعقيد إدارة الشبكات اللاسلكية مع استمرار اعتماد كثير من المؤسسات على المعالجة التفاعلية بدلاً من الإدارة الاستباقية (أدوبي)

عائد مرهون بالإدارة

يطرح التركي في الوقت نفسه تحذيراً مهماً، إذ يرى أن إدخال الذكاء الاصطناعي من دون نموذج واضح قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر خلق مزيد من الأدوات والتنبيهات والتعقيد. وهذه الملاحظة تمنح التقرير قدراً من التوازن، لأنها تبتعد عن السردية التي تفترض أن الذكاء الاصطناعي حل تلقائي لجميع المشكلات. فما تقوله نتائج «سيسكو» هو أن قيمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كيفية دمجه في العمليات اليومية، لا على وجوده بحد ذاته. وإذا لم يكن هذا الدمج منضبطاً، فقد تتحول الأداة المصممة للتبسيط إلى مصدر إضافي للضوضاء التشغيلية.

ويشدد طارق التركي خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» على أن تبسيط العمليات وتعزيز الأمن وتطوير المهارات ليست أولويات منفصلة، بل مسارات مترابطة «يجب أن تسير جنباً إلى جنب». وبرأيه، فإن القيمة التي يمكن أن تولدها الشبكات اللاسلكية لا تتحدد فقط بحجم الاستثمار فيها، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على إدارة التعقيد المتزايد، والحد من المخاطر، وبناء الكفاءات اللازمة لتشغيل هذه البيئات بكفاءة.

وتنسجم هذه الفكرة مع الصورة الأوسع التي يرسمها التقرير. فمن جهة، تظهر أرقام واضحة حول المكاسب التي تحققها المؤسسات من الاستثمار في الشبكات اللاسلكية، سواء في تفاعل العملاء أو الكفاءة أو الإنتاجية أو الإيرادات. لكن من جهة أخرى، تكشف الأرقام نفسها أن البيئة أصبحت أكثر صعوبة في الإدارة، وأكثر تعرضاً للمخاطر، وأكثر احتياجاً إلى مهارات متخصصة. وهذا يعني أن العائد من الشبكات اللاسلكية لا يُقاس فقط بما تضيفه من اتصال وسرعة، بل أيضاً بمدى قدرة المؤسسة على تحويل هذه البنية إلى منصة مستقرة وآمنة وقابلة للتوسع.

وفي هذا المعنى، لا يتعلق تقرير «سيسكو» بالاتصال وحده، بقدر ما يتعلق بما أصبحت الشبكات اللاسلكية تحمله فوقها من أعباء وفرص في آن واحد. ففي السعودية، باتت هذه الشبكات تدعم بيئات العمل المتصلة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومنظومات إنترنت الأشياء، والخدمات الرقمية الموجهة للعملاء، وهو ما يرفعها من مجرد بنية تقنية إلى عنصر مؤثر في الأداء المؤسسي.

لكن التقرير يوضح في الوقت نفسه أن هذا التحول لا يكتمل بمجرد النشر أو التحديث، بل يتطلب مؤسسات قادرة على تبسيط التشغيل، وتعزيز الحماية، وتطوير المهارات اللازمة لإدارة شبكات لم تعد تُعرّف فقط بوصفها وسيلة للوصول، بل بوصفها جزءاً من معادلة النمو والمرونة والقدرة التنافسية.