مواجهة التهديدات السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي

خطوات دفاعية بتوظيف نظمه المتطورة

مواجهة التهديدات السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي
TT

مواجهة التهديدات السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي

مواجهة التهديدات السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي

تحمل مشاهد المخاطر المتغيّرة وتطوّر دور الذكاء الاصطناعي في الدفاع السيبراني دروساً مهمّة جداً عن عملية الدفاع في وجه الهجمات الإلكترونية.

مواجهات الذكاء الاصطناعي

يقوم الذكاء الاصطناعي اليوم بأمورٍ مذهلة، مثل مساعدة الأطباء في تشخيص وعلاج الأمراض، ورصد تحويلات خطرة قد تنذر بوجود عملية احتيال، وتحسين جوانب كثيرة في سلاسل التوريد، والسماح لخدمات التدفّق الإنترنتي باقتراح ما قد تودّون مشاهدته. ولكنّ تأثيراته الكبرى تبرز اليوم في الأمن السيبراني؛ وتحديداً في الدفاع السيبراني، كما يرى غاي غودمان، مدير تسويق المنتجات في شركة «بلاكبيري»، في حديث له لموقع «دارك ريدينغ».

هذا الذكاء الاصطناعي قادرٌ على التعلّم، والتكيّف، وتوقّع المخاطر سريعة التنامي، مما يجعله أداةً ضرورية لحماية الأعمال والحكومات. ويعدّ ترشيح الرسائل الإلكترونية المزعجة مهمّة عادية للذكاء الاصطناعي، الذي يملك أيضاً تطبيقاً أكثر تقدّماً، يتمثّل في دفع التحاليل التنبّئية والاستجابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

ولكنّ مستقبل الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني ليس إيجابياً بالكامل، خصوصاً أنّ إشارات عدّة تنذر باستدارته نحو خدمة مصالح المهاجمين، وهذا التحوّل مدفوعٌ بتوفّر تقنية الذكاء الاصطناعي للجميع. تستمرّ هذه التقنية في تقوية المؤسسات لبناء دفاعات قوية، ولكنّها في المقابل، تزوّد العناصر الخطرة بأدوات تتيح لهم هندسة هجمات أكثر تعقيداً وتخفّياً.

تطور الأمن السيبراني

تنطوي مشاهد المخاطر المتغيّرة وتطوّر دور الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني على جوانب مهمّة في الدفاع بوجه هجمات المستقبل.

> الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني:

- المرحلة الأولى (2000 - 2010): أشعلت بداية الألفية الجديدة عصراً جديداً من التحوّل الرقمي أثّر على الجانبين المهني والشخصي من حياة الناس. في ذلك الوقت، عمل معظم الشركات في بيئات تقنية مدارة بإحكام تعتمد على أجهزة الكومبيوتر المكتبية، واللابتوبات، ومراكز البيانات الموجودة داخل الشركة نفسها.

خلال هذه المرحلة، تصدّرت التهديدات السيبرانية الهادفة لافتعال الفوضى وتشويه السمعة المشهد، وتسبّبت البرمجيات الخبيثة الشهيرة مثل «آي لاف يو»، و«ميليسا»، و«ماي دوم»، في اضطرابات عالمية. كما ساهمت الدوافع المالية في تصاعد عمليات التصيّد، واستهدف برنامج «حصان طروادة» المصرفي فئة غير متوقعة من المستخدمين.

حينها؛ دافعت المؤسسات عن نفسها باستخدام إجراءات أمنية عادية، مثل برمجيات مقاومة الفيروسات التي تعتمد على التوقيع وجدران الحماية. وقدّم الأمن الشبكي أنظمة محسّنة لرصد الاختراق، بالإضافة إلى تبنّي المصادقة ثنائية العناصر.

وشهدت هذه المرحلة أيضاً تصاعداً في الرسائل الإلكترونية المزعجة، وبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً فعّالةً للمدافعين. وقد نجحت هذه التقنية، رغم التشكيك، في إثبات مهارة غير مسبوقة في تعريف وعزل الرسائل المثيرة للشبهة، وتقليل المخاطر، واستعادة الإنتاجية، مما سلّط الضوء على قدرة الذكاء الاصطناعي على محاربة التهديدات الآخذة في التطوّر.

> المرحلة الثانية (2010 - 2020): شهد العالم خلال المرحلة الثانية نقلة نوعية في بنية تكنولوجيا المعلومات التحتية، شملت ازدياداً في تطبيقات البرمجيات بوصفها خدمة، والحوسبة السحابية، وسياسات استخدام الجهاز الخاص، وتوسيع تكنولوجيا معلومات الظلّ لمساحة الاعتداء أمام المنفّذين.

وأصبحت التهديدات أيضاً أكثر تعقيداً؛ حيث تصدّر فيروس «ستوكس نت» والاختراقات عالية المستوى التي استهدفت شركات مهمّة مثل «تارغت» و«سوني بيكتشرز» العناوين. وأكّدت نقاط الضعف التي أصابت سلاسل التوريد وتجسّدت في اختراق «سولار ويندوز»، وتصاعد موجات برامج الفدية، وتفريغ أقراص التخزين، أكثر فأكثر، على الحاجة إلى دفاعات دقيقة وقابلة للتطوير.

هنا؛ أصبح الذكاء الاصطناعي أداةً ملحّةً في مواجهة الاعتداءات السيبرانية.

عمدت شركة البرمجيات «سيكلانسي»، التي تأسّست عام 2012، إلى دمج الذكاء الاصطناعي في أمنها السيبراني، مستبدلةً بالبرمجيات المقاومة للفيروسات نماذج تعلّم آلي خفيفة الوزن. تنامت قدرات الذكاء الاصطناعي لتتضمّن رصد العيوب، والتحليل السلوكي، والتحاليل التنبئية، وتعزيز الآليات الدفاعية في وجه الهجمات المعقّدة.

تهديدات ودفاعات الذكاء الاصطناعي

> المرحلة الثالثة (2020 - الوقت الحاضر): اليوم، يمرّ الدور الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني بنقلة نوعية أخرى، حيث تتسبّب القوى التي تعمل من كلّ مكان، وأنظمة تكنولوجيا المعلومات المفرطة الاتصال، في طمس الحدود الأمنية التقليدية وتعظيم مساحة الهجمات.

وأيضاً، بعد مراحل من استخدامه بوصفه أداةً دفاعيةً حصراً، أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم سيفا ذا حدّين، يستخدمه المهاجمون والمدافعون على حدٍ السواء.

تحاول أدوات الذكاء الاصطناعي الشائعة مثل «تشات جي بي تي (ChatGPT)»، تجنّب سوء استخدام الذكاء الاصطناعي، إلّا إنّ أدوات مثل «وورم جي بي تي (WormGPT)» تبرز لمساعدة المهاجمين وتفتح المجال لمزيد من التحديات في الأمن السيبراني.

مع تطوّر الذكاء الاصطناعي، يجب على المؤسسات تبنّي طبيعته المزدوجة، أي احتضان الابتكار للتبحّر في تعقيدات الأمن السيبراني العصري.

وتشمل التهديدات الجديدة المدعمة بالذكاء الاصطناعي:

- حملات التصيّد المصمّمة باستخدام الذكاء الاصطناعي: يساعد الذكاء الاصطناعي التوليدي المهاجمين على إنشاء رسائل تصيّد صعبة الضبط.

- تحديد الهدف بمساعدة الذكاء الاصطناعي: يوظّف المهاجمون خوارزميات التعلّم الآلي لتحديد الأهداف المهمّة بكفاءة.

- تحليل السلوك بمساعدة الذكاء الاصطناعي: تستطيع البرمجيات الخبيثة المدعمة بالذكاء الاصطناعي استنساخ سلوكيات المستخدم للتهرّب من الضبط.

- المسح الآلي لنقاط الضعف: تسهّل الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي عملية المسح الآلي للشبكة بحثاً عن الفجوات ونقاط الضعف أكثر من قبل.

- التخزين الذكي للبيانات: يساعد الذكاء الاصطناعي المهاجمين في انتقاء معلومات قيّمة للترشيح، مما يقلّل احتمالات الضبط.

- الهندسة الاجتماعية بمساعدة الذكاء الاصطناعي: تعزّز صور وفيديوهات التزييف العميق مصداقية هجمات الهندسة الاجتماعية.

الخلاصة

تكشف الثورة المستمرة في الأمن السيبراني عن حالة «الابتكار المتواصل» التي يعيشها المهاجمون، وعن الضرورة الملحة لمحافظة المدافعين على يقظتهم ووعيهم. ينتقل الذكاء الاصطناعي حالياً إلى لعب دورٍ مزدوج، هو الرمح والدرع، مما يعيد سردية الأمن السيبراني إلى نقطة الصفر ويجعلها أكثر تعقيداً.

لحسن الحظ؛ يصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة فعالة في يد المدافعين، فيزوّدهم بعدسة جديدة لترقّب وصدّ تهديدات الغد. ومن هنا، يمكن القول إنّ المستقبل يحمل وعداً عظيماً للأشخاص الجاهزين لاحتضان التركيبة الآخذة في التطوّر للأمن السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي.



7 وظائف مهددة بقوة بسبب الذكاء الاصطناعي

روبوت يقوم بتوصيل طلبات خارج أحد المحال في ولاية فيرجينا الأميركية وقت تفشي «كورونا» (أرشيفية- رويترز)
روبوت يقوم بتوصيل طلبات خارج أحد المحال في ولاية فيرجينا الأميركية وقت تفشي «كورونا» (أرشيفية- رويترز)
TT

7 وظائف مهددة بقوة بسبب الذكاء الاصطناعي

روبوت يقوم بتوصيل طلبات خارج أحد المحال في ولاية فيرجينا الأميركية وقت تفشي «كورونا» (أرشيفية- رويترز)
روبوت يقوم بتوصيل طلبات خارج أحد المحال في ولاية فيرجينا الأميركية وقت تفشي «كورونا» (أرشيفية- رويترز)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهوماً مستقبلياً؛ بل حقيقة تعمل على إعادة تشكيل سوق العمل بوتيرة غير مسبوقة. في حين يقدم الذكاء الاصطناعي فوائد هائلة من حيث الكفاءة والإنتاجية، فإنه يشكل أيضاً تهديداً كبيراً لأنواع معينة من الوظائف.

ووفقاً لمجلة «فوربس» الأميركية، فإن هناك عدداً من الوظائف ستتأثر بشكل أكبر من غيرها بتطورات الذكاء الاصطناعي، إذ من المرجح أن يحل الذكاء الاصطناعي محلها أولاً، مع التركيز على الأدوار التي تتضمن مهام روتينية ومنظمة يسهل تشغيلها بواسطة الأنظمة الذكية.

1- إدخال البيانات والمهام الإدارية:

تعد وظيفة إدخال البيانات والمهام الإدارية إحدى فئات الوظائف الأولى في مرمى الذكاء الاصطناعي؛ إذ يتفوق الذكاء الاصطناعي في معالجة وتنظيم كميات هائلة من البيانات بسرعة وبدقة، مما يجعل الوظائف التي تدور حول إدخال البيانات ومسح المستندات ضوئياً وفرز المعلومات، معرضة للخطر للغاية.

وعدَّ التقرير أن تلك الوظائف -التي تقوم على مهام متكررة وقائمة على القواعد- هي مرشحة مثالية للتشغيل الآلي. يمكن للأنظمة الذكية إدخال البيانات وتنظيمها وإدارتها بكفاءة أكبر من البشر، مما يقلل الأخطاء، ويوفر الوقت للموظفين للتركيز على الأنشطة الأكثر تعقيداً.

2- خطوط التصنيع والتجميع

وفي قطاع التصنيع، أصبح الذكاء الاصطناعي والروبوتات لا غنى عنها، وخصوصاً في المهام الجسدية المتكررة. ويمكن للروبوتات المجهزة بالذكاء الاصطناعي أداء مهام مثل تجميع المنتجات واللحام والتعبئة والتغليف، بدقة وكفاءة أكبر من البشر.

وتعد هذه الأنظمة مفيدة بشكل خاص في إعدادات الإنتاج بكميات كبيرة؛ حيث يمكنها العمل بشكل متواصل دون تعب أو انقطاع، مما يقلل التكاليف ويزيد الإنتاجية. ونتيجة لذلك، يتم استبدال أنظمة آلية بكثير من وظائف خطوط التصنيع والتجميع.

3- البيع بالتجزئة

تعد عمليات الخروج من البيع بالتجزئة مجالاً آخر يحقق فيه الذكاء الاصطناعي نجاحات كبيرة؛ حيث أصبحت عمليات الخروج الآلية وأكشاك الخدمة الذاتية شائعة بشكل متزايد في مَحَال السوبرماركت، ومتاجر البيع بالتجزئة، مما يقلل من الحاجة إلى الصرافين من البشر.

ويمكن للأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التعامل مع المعاملات بشكل مستقل، وإدارة المخزون، وحتى تقديم تجارب تسوق مخصصة، كما أنها توفر سهولة وكفاءة عمليات الدفع الآلية، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تراجع أدوار البشريين الذين يقومون بالدور نفسه.

4- الأدوار التحليلية الأساسية

الوظائف التحليلية الأساسية، مثل التحليل المالي البسيط أو إعداد التقارير، تتجه أيضاً نحو الأتمتة. ويمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي معالجة مجموعات كبيرة من البيانات، وتحديد الاتجاهات، وإنشاء التقارير بسرعة ودقة أكبر من البشر.

وتعد هذه الإمكانات مفيدة بشكل خاص للمهام التي تتضمن تحليل البيانات الروتينية، مثل إنشاء ملخصات مالية، أو تقارير السوق أو مقاييس الأداء. ومع استمرار تحسن الذكاء الاصطناعي، فستتم أتمتة مزيد من الأدوار التحليلية الأساسية، مما يحول الطلب نحو مهام تحليلية أكثر تعقيداً.

5- تصميم الغرافيك للمبتدئين

تصميم الغرافيك ليس محصناً ضد ثورة الذكاء الاصطناعي؛ إذ أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي الآن قادرة على إنتاج عناصر التصميم الأساسية، وأتمتة مهام التصميم الغرافيكي البسيطة التي كانت تتطلب في السابق مصممين بشريين. ويمكن لهذه الأدوات إنشاء الشعارات ومنشورات الوسائط الاجتماعية، وحتى تخطيطات مواقع الويب، مما يوفر حلولاً سريعة وفعالة من حيث التكلفة للشركات.

وحسب «فوربس»: في حين أن التصميمات المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي قد تفتقر إلى الذوق الإبداعي والتفرد الذي يتمتع به المصممون البشريون، فإنها كافية لتلبية كثير من احتياجات التصميم الأساسية، مما يعرض وظائف التصميم الغرافيكي للمبتدئين للخطر.

6- الترجمة:

يتأثر مجال الترجمة بشكل كبير بالذكاء الاصطناعي؛ حيث أصبحت خدمات الترجمة الآلية متطورة بشكل متزايد. يمكن للمترجمين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي التعامل مع لغات متعددة، وتقديم خدمات الترجمة في الوقت الفعلي، مما يجعلهم بديلاً فعالاً من حيث التكلفة للمترجمين البشريين.

وفي حين أن الفهم الدقيق للغة والسياق الثقافي لا يزال يتطلب خبرة بشرية، فإن وظائف الترجمة للمبتدئين التي تتضمن ترجمة نصية مباشرة معرضة بشكل خاص للأتمتة.

7- التصوير الفوتوغرافي الروتيني

يعد التصوير الفوتوغرافي للشركات مجالاً آخر يحقق فيه الذكاء الاصطناعي خطوات كبيرة. يمكن الآن أتمتة مهام التصوير الفوتوغرافي الأساسية، مثل التقاط لقطات مباشرة لمواقع الويب، أو الأحداث الخاصة بالشركة، باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي.

ويمكن لهذه الأنظمة ضبط الإضاءة والتأطير، وحتى التحرير، لإنتاج صور عالية الجودة بأقل قدر من التدخل البشري. في حين أن التصوير الفوتوغرافي المعقد والإبداعي لا يزال يتطلب موهبة بشرية، فإن مهام التصوير الفوتوغرافي الروتينية للشركات يتم التعامل معها بشكل متزايد بواسطة الذكاء الاصطناعي.

التكيف والإبداع

وعدَّت «فوربس» أنه على الرغم من أن تطور الذكاء الاصطناعي يشير إلى تحولات كبيرة في سوق العمل؛ إذ إنه قد يحل محل أدوار معينة؛ فإنه أيضاً يفتح فرصاً جديدة في القطاعات التي تتطلب اتخاذ قرارات معقدة، والذكاء العاطفي، والمهارات الإبداعية، وهي سمات لا يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاتها. ويشير التقرير إلى أن فهم هذه الاتجاهات أمر بالغ الأهمية لإعداد القوى العاملة في المستقبل. وسيحتاج التعليم والتدريب إلى التكيف لمساعدة الأشخاص على الانتقال إلى أدوار تظل فيها الخبرة البشرية غير قابلة للتخلي عنها.

ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، من الضروري تبني التغيير وتطوير المهارات التي تكمل الأنظمة الذكية بدلاً من التنافس معها. ومن خلال التركيز على المجالات التي يكون فيها الإبداع البشري والتعاطف وحل المشكلات المعقدة أمراً بالغ الأهمية، يمكننا ضمان التعايش المتناغم مع الذكاء الاصطناعي، مما يمهد الطريق للمستقبل؛ حيث تعمل التكنولوجيا على تعزيز الإمكانات البشرية بدلاً من أن تحل محلها.