خاص لـ«الشرق الأوسط»: «كاسبرسكي» تكشف مبكراً عن توقعاتها حول التهديدات السيبرانية لعام 2024

«كاسبرسكي»: ستبسط أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج رسائل التصيد الاحتيالي وتمكن المجرمين السيبرانيين من تقليد شخصيات معينة (شاترستوك)
«كاسبرسكي»: ستبسط أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج رسائل التصيد الاحتيالي وتمكن المجرمين السيبرانيين من تقليد شخصيات معينة (شاترستوك)
TT

خاص لـ«الشرق الأوسط»: «كاسبرسكي» تكشف مبكراً عن توقعاتها حول التهديدات السيبرانية لعام 2024

«كاسبرسكي»: ستبسط أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج رسائل التصيد الاحتيالي وتمكن المجرمين السيبرانيين من تقليد شخصيات معينة (شاترستوك)
«كاسبرسكي»: ستبسط أدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج رسائل التصيد الاحتيالي وتمكن المجرمين السيبرانيين من تقليد شخصيات معينة (شاترستوك)

كما هي حال 2022، كان عام 2023 أيضاً حافلاً بحوادث الأمن السيبراني التي احتلت عناوين الأخبار في وسائل الإعلام. لقد تفاجأنا بتحولات ومنعطفات غير متوقعة، ومنها على سبيل المثال الهجمات المتطورة على القطاعات الصناعية، واستغلال تقنيات الهندسة الاجتماعية المتقدمة لاستهداف الناس والتحايل عليهم. ولكن الجانب الذي يبعث على الطمأنينة أننا لم نلاحظ أي تغييرات كان من الصعب التعامل معها.

وإذا أردنا أن نبني توقعات لعام 2024، يبدو لنا ذلك كأنه أكثر تعقيداً، حيث شارك خبراء «كاسبرسكي» بعض التوقعات أدناه حول عمليات الاستغلال الجديدة على الهواتف المحمولة والأجهزة القابلة للارتداء والأجهزة الذكية، وطرق الهجوم على سلسلة التوريد والذكاء الاصطناعي، ودورها في تكثيف الهجمات ذات الدوافع السياسية والجرائم الإلكترونية في عام 2024.

عماد الحفار رئيس الخبراء التقنيين لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا لدى «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

توظيف الذكاء الاصطناعي لانتحال الشخصيات

ستساعد أدوات الذكاء الاصطناعي الناشئة على تبسيط إنتاج رسائل التصيّد الاحتيالي، وتمكين المجرمين السيبرانيين من تقليد شخصيات معينة. وقد يبتكر هؤلاء أساليب أتمتة إبداعية من خلال جمع البيانات عبر الإنترنت، وتقديمها لنماذج اللغات الكبيرة لصياغة رسائل تحاكي أسلوب الشخص المتصل من أجل الإيقاع بالضحية.

وتمثل «استراتيجية التثليث للتجسس» عاماً رائداً لثغرات الأجهزة المحمولة، وقد تلهم كثيرين لإجراء مزيد من الأبحاث حول التهديدات المستمرة المتقدمة التي تهاجم الهواتف المحمولة والأجهزة القابلة للارتداء والأجهزة الذكية. وربما نشهد أيضاً قيام جهات التهديد بتوسيع جهودها الرقابية، واستهداف أجهزة المستهلك المختلفة من خلال نقاط الضعف وطرق الاستغلال «الصامتة»، بما في ذلك هجمات «النقرة الصفرية» عبر برامج المراسلة، والهجمات بنقرة واحدة عبر الرسائل القصيرة أو تطبيقات المراسلة، واعتراض حركة مرور الشبكة. ومما لا شك فيه أن حماية الأجهزة الشخصية وأجهزة الشركات قد أصبحت من الأمور الحيوية التي تزداد أهميتها بشكل متزايد.

لقد أصبح من الشائع استغلال نقاط الضعف في البرامج والأجهزة، الأمر الذي يحتّم علينا التعامل معها بحرص. وفي بعض الأحيان، لا يحظى اكتشاف الثغرات الأمنية عالية الخطورة بالقدر الكافي من الأبحاث، كما تظهر طرق الإصلاح في وقت متأخر، وهذا يعني تمهيد الطريق لشبكات الروبوتات الجديدة وواسعة النطاق والخفيّة لشنّ هجمات مستهدفة.

ازدياد الهجمات السيبرانية من كيانات ترعاها دول

نعتقد بأنه بات من المحتمل أيضاً ارتفاع أعداد الهجمات الإلكترونية التي ترعاها دول، في عام 2024، ويعزى ذلك إلى ازدياد التوترات الجيوسياسية. وسيركز المتسللون في المقام الأول على سرقة البيانات وتدمير البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والتجسس طويل المدى. وقد ترتفع أيضاً حملات التخريب السيبراني، وفي هذه الحالات لن يقوم المهاجمون بتشفير البيانات فحسب، بل سيعمدون إلى تدميرها، مما يشكّل تهديداً كبيراً للجهات المعرّضة للهجمات ذات الدوافع السياسية. وسيشمل ذلك أيضاً هجمات مستهدفة محددة ضد الأفراد أو الجماعات. وقد تتضمن هذه الهجمات اختراق أجهزة الأفراد؛ للوصول إلى المؤسسات التي يعملون بها، واستخدام الطائرات المسيّرة لتحديد أهداف محددة، واستخدام البرامج الضارة للتنصت، وغيرها الكثير.

ويُلاحظ أن القرصنة الإلكترونية قد أصبحت أكثر شيوعاً ضمن الصراعات الجيوسياسية. ومن المتوقع أن تسهم هذه التوترات في زيادة أنشطة القرصنة الإلكترونية، سواء كانت تهدف إلى التدمير أو إلى نشر معلومات كاذبة. وتفرض هذه الأنشطة إجراء تحقيقات مكلفة، فضلاً عن الإجهاد الذي يلحق بمحللي مركز العمليات والباحثين في مجال الأمن السيبراني.

«كاسبرسكي»: من المحتمل ارتفاع أعداد الهجمات الإلكترونية التي ترعاها دول في عام 2024 (شاترستوك)

هجمات سلسلة التوريد كخدمة

تسلط الخروقات التي كشفت عنها «أوكتا» في عامي 2022 و2023 الضوء على حجم التهديدات، وتبيّن أن دوافع مثل هذه الهجمات قد تتراوح من المكاسب المالية إلى التجسس. ومن المتوقع أن يشهد عام 2024 تطورات جديدة في الأنشطة المتصلة بسوق الوصول إلى الويب المظلم، المتعلقة بسلاسل التوريد، الأمر الذي يتيح هجمات أعلى كفاءة وأوسع انتشاراً.

وبما أن هجمات سلسلة التوريد أصبحت أكثر شيوعاً بين الجهات المسؤولة عن التهديدات، يتوقع أن يمثل عام 2024 بداية مرحلة جديدة لهذا النوع من الأنشطة. وتشير التوقعات إلى أن هذا الاتجاه قد يتطور بطرق مختلفة. أولاً، يمكن استخدام البرمجيات مفتوحة المصدر الشائعة لاستهداف فئة محددة من المطورين المؤسسين. ويمكن أن تقدم السوق السوداء عروضاً جديدة، بما في ذلك حزم الوصول التي تستهدف مختلف موردي البرامج وخدمات تكنولوجيا المعلومات. لذا، فإن أولئك المهتمين بشنّ الهجمات على سلسلة التوريد، والمسلحين بسبل الوصول إلى مجموعة واسعة من الضحايا المحتملين، يمكنهم اختيار أهدافهم المفضلة بعناية لشنّ هجمات واسعة النطاق. وبالتالي، يمكن للجهات القائمة بأنشطة التهديد أن ترتقي بكفاءة هجمات سلسلة التوريد والوصول بها إلى مستوى جديد.

بناء شبكات الروبوت الجديدة عبر الأجهزة الاستهلاكية والمؤسسية

من بين الحقائق المعروفة لكثيرين أنه لا تزال هناك ثغرات أمنية في البرامج والأجهزة شائعة الاستخدام على المستويين التجاري أو الشخصي. ولا تعدّ شبكات الروبوت في حد ذاتها أداة هجوم جديدة. على سبيل المثال، تم قبل بضع سنوات استخدام شبكة روبوتية تضم أكثر من 65000 جهاز توجيه منزلي لتوكيل حركة المرور الضارة لشبكات الروبوتات والتهديدات المتقدمة الأخرى. وهناك مثال آخر ظهر في أعقاب انتشار ظاهرة العمل عن بُعد، ويتعلق بحملات التهديدات المستمرة المتقدمة التي تستهدف الموظفين العاملين عن بُعد عبر أجهزة توجيه المكاتب الصغيرة/ المكاتب المنزلية المصابة بفيروس من فئة «أحصنة طروادة» للوصول عن بعد، والذي يشبه الروبوتات. ونظراً لوجود عدد كبير من نقاط الضعف التي تم الكشف عنها أخيراً، نتوقع أن نرى هجمات جديدة من هذا النوع في عام 2024.

ولن تقتصر الهجمات، التي تعتمد على الروبوتات، على مجموعات التهديدات المستمرة المتقدمة، بل يمكن أيضاً أن يتبناها المجرمون السيبرانيون. وتمثل الطبيعة السرية لهذه الهجمات التحديات المتعلقة بالكشف عنها، كما أنها تتيح للمهاجمين في الوقت نفسه فرصاً كبيرة للتسلل وتسجيل وجودهم داخل البنية التحتية للشركة أو المؤسسة.

«كاسبرسكي»: لا يحظى اكتشاف الثغرات الأمنية عالية الخطورة بالقدر الكافي من الأبحاث كما تظهر طرق الإصلاح في وقت متأخر (شاترستوك)

خدمات الاختراق عن طريق الاستئجار

تتخصص مجموعات القرصنة مقابل الاستئجار (أو الاختراق مقابل الاستئجار) في أنظمة التسلل، كما تقدم خدمات سرقة البيانات. وتشمل قائمة عملائها جهات التحقيق الخاصة، وتطول القائمة لتشمل شركات المحاماة والمنافسين التجاريين، وحتى أولئك الذين يفتقرون إلى المهارات التقنية اللازمة لمثل هذه الهجمات. ويعلن هؤلاء المرتزقة السيبرانيون خدماتهم علناً، ويستهدفون الكيانات المهتمة بهذه الأنواع من الأنشطة.

ومن بين هذه المجموعات التي يتتبعها فريقنا العالمي للبحث والتحليل، مجموعة تحمل اسم «ديث ستوركر (DeathStalker)»، التي تركز على شركات المحاماة والشركات المالية حصرياً، وتقدم لها خدمات القرصنة، كما تعمل وسيطاً معلوماتياً بدلاً من العمل بوصفها جهةً للتهديدات المستمرة المتقدمة من النوع التقليدي. وتستخدم هذه المجموعات رسائل البريد الإلكتروني للتصيّد الاحتيالي، مع مرفقات ملفات ضارة للتحكم في أجهزة الضحايا وسرقة البيانات الحساسة.

ويلاحظ الآن أن هذا النهج يكتسب زخماً عالمياً، ونتوقع أن يتطور في عام 2024. ومن الممكن أن تلجأ بعض مجموعات التهديدات المستمرة المتقدمة إلى توسيع نطاق عملياتها؛ بسبب الطلب المتزايد على هذه الخدمات، على ضوء حاجتها إلى توليد الدخل للحفاظ على أنشطتها والدفع لمحترفيها.

تنامي أنشطة التزييف الصوتي العميق

بالإضافة إلى الصور المزيفة العميقة التي باتت مألوفة في هذا الوقت، يمثل استنساخ الصوت أحد مسارات التطور الرئيسية. وكما ظهر من خلال العرض التقديمي الأخير الذي قدمته «OpenAI» حول المساعدين الصوتيين، فإن التطورات التي طرحتها الشركة في مجال المحتوى الصوتي الاصطناعي يمكن أن تسهم في تحقيق مزيد من التقدم. ومع ذلك، يمكن استغلال هذه التكنولوجيا من قبل المحتالين. ليس هذا فحسب، بل قد يؤدي الاستغلال المحتمل إلى إنشاء محتوى خادع يمكن الوصول إليه على نطاق أوسع. ومن المتوقع حدوث طفرة في تطوير التزييف الصوتي، وقد يتواصل هذا التطور في تقنية التزييف العميق.


مقالات ذات صلة

«HP» لـ«الشرق الأوسط» : مصنع الرياض ومركز الظهران يمهدان لتصدير التقنية من السعودية

خاص تعمل الشركة على تحويل بعض الحلول المطورة في السعودية إلى منتجات قابلة للاستخدام في أسواق خارج المملكة ضمن طموح أوسع للتصدير (أدوبي)

«HP» لـ«الشرق الأوسط» : مصنع الرياض ومركز الظهران يمهدان لتصدير التقنية من السعودية

تربط «HP» في السعودية التصنيع المحلي والذكاء الاصطناعي والمهارات، لدعم حلول تقنية قابلة للتوسع والتصدير إلى أسواق عالمية.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تطلق «أمازون ويب سيرفيسز» أول منطقة سحابية لها بالسعودية في ديسمبر 2026 ضمن استثمار يتجاوز 5.3 مليار دولار (أدوبي)

خاص «أمازون ويب سيرفيسز» لـ«الشرق الأوسط»: منطقة الرياض السحابية تنطلق في ديسمبر بقدرات تدعم الذكاء الاصطناعي

توسّع «أمازون ويب سيرفيسز» استثماراتها في السعودية عبر منطقة سحابية وذكاء اصطناعي مع التركيز على المهارات وتصدير التقنيات المحلية عالمياً.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا جانب من مراسم توقيع مذكرة التفاهم (واس)

السعودية وباكستان تعززان التعاون في الأمن السيبراني

عزَّزت السعودية وباكستان تعاونهما في مجال الأمن السيبراني بمذكرة تفاهم تهدف إلى حماية الفضاء السيبراني والمصالح الحيوية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص افتتحت «نوكيا» أول مركز للبحث والتطوير في السعودية لتطوير برمجيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لأتمتة شبكات الاتصالات (أدوبي)

خاص «نوكيا» لـ«الشرق الأوسط»: مركز جديد للبحث والتطوير في الرياض لتقنيات شبكات «مصنوعة في السعودية»

توسع «نوكيا» حضورها في السعودية بمركز بحث وتطوير للذكاء الاصطناعي وأتمتة الشبكات مستهدفة ابتكار تقنيات محلية قابلة للتصدير عالمياً مستقبلاً.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا تخطط «لينوفو» لجعل منشأة الرياض قاعدة تصنيع تشمل الحواسيب والهواتف الذكية والخوادم ضمن شبكتها العالمية للإنتاج وسلاسل الإمداد (الشركة)

«لينوفو» تكشف في «ليب 26» عن أول حاسوب محمول تصنعه في السعودية

كشفت «لينوفو» عن أول حاسوب محمول مصنع في السعودية ضمن شراكتها مع «آلات» لتوطين التصنيع، والتقنية، وبناء قدرات هندسية محلية متقدمة.

نسيم رمضان (لندن)

«HP» لـ«الشرق الأوسط» : مصنع الرياض ومركز الظهران يمهدان لتصدير التقنية من السعودية

تعمل الشركة على تحويل بعض الحلول المطورة في السعودية إلى منتجات قابلة للاستخدام في أسواق خارج المملكة ضمن طموح أوسع للتصدير (أدوبي)
تعمل الشركة على تحويل بعض الحلول المطورة في السعودية إلى منتجات قابلة للاستخدام في أسواق خارج المملكة ضمن طموح أوسع للتصدير (أدوبي)
TT

«HP» لـ«الشرق الأوسط» : مصنع الرياض ومركز الظهران يمهدان لتصدير التقنية من السعودية

تعمل الشركة على تحويل بعض الحلول المطورة في السعودية إلى منتجات قابلة للاستخدام في أسواق خارج المملكة ضمن طموح أوسع للتصدير (أدوبي)
تعمل الشركة على تحويل بعض الحلول المطورة في السعودية إلى منتجات قابلة للاستخدام في أسواق خارج المملكة ضمن طموح أوسع للتصدير (أدوبي)

تجمع شركة «HP» في السعودية حالياً بين 3 مسارات تتحرك بالتوازي، هي تصنيع أجهزة محلياً في الرياض، وتطوير حلول للذكاء الاصطناعي من مركزها في الظهران، وإطلاق حاضنة جديدة للشركات الناشئة، في محاولة لربط الإنتاج والبحث والتطوير والمهارات ضمن منظومة واحدة.

ويأتي هذا التوسع بعد انتقال مصنع الشركة في الرياض إلى مرحلة الإنتاج التجاري، بالتزامن مع تطوير حلول ذكاء اصطناعي موجهة لاحتياجات مؤسسات سعودية، وإطلاق «HP Garage 2.0» خلال مؤتمر «ليب 2026» لدعم الشركات الناشئة وتحويل الأفكار إلى منتجات قابلة للتطبيق.

يقول فضل سعد، المدير العام للمقر الإقليمي لشركة «HP» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن الشركة انتقلت خلال السنوات الأخيرة من تعزيز وجودها التجاري إلى بناء قدرات محلية تشمل التصنيع والبحث والتطوير والتعليم.

وأوضح في لقاء على هامش مؤتمر «ليب 2026» إن عدد موظفي «HP» في المملكة تضاعف بأكثر من مرتين خلال هذه المرحلة، بالتوازي مع بناء فرق في المبيعات والخدمات والعمليات، قبل الانتقال إلى مشاريع ذات طابع أعمق، من بينها مصنع الرياض ومركز البحث والتطوير للذكاء الاصطناعي في الظهران. وذكر أن شركته رأت مبكراً أن موقع السعودية وسياساتها الاقتصادية وبرامج «رؤية 2030» توفر أساساً يسمح بالانتقال من استيراد التقنية إلى تطوير أجزاء منها وتصنيعها محلياً، مضيفاً أن ما كان التزاماً معلناً قبل عام أصبح اليوم عمليات قائمة بالفعل.

فضل سعد المدير العام للمقر الإقليمي لشركة «HP» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الشرق الأوسط)

مصنع الرياض يدخل الإنتاج التجاري

أحد أبرز الأمثلة هو مصنع «HP» في الرياض، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وانتقل الآن إلى مرحلة الإنتاج التجاري المستمر. وأكد سعد أن الشركة تنتج حالياً أجهزة «HP» محلياً وتشحنها إلى العملاء والشركاء داخل المملكة، مشيراً بصورة خاصة إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصية المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي كانت الشركة قد أعلنت عن خطط تصنيعها محلياً قبل عام. وقال: «نحن اليوم في الإنتاج التجاري الكامل».

وبحسب الشركة، من المخطط مواصلة توسيع الإنتاج طوال 2026، بالتوازي مع تطوير علاقاتها مع الموردين السعوديين وبناء مهارات محلية في قطاع التصنيع والعمل مع الجهات الحكومية وشركاء القطاع لدعم مستهدفات التوطين. ولا ينظر سعد إلى المصنع باعتباره مشروعاً يخدم السوق السعودية فقط. وقال إن طموح الشركة هو أن يصبح ما تبنيه في المملكة جزءاً من سلسلة الإمداد العالمية لـ«HP»، مع إمكانية التوسع مستقبلاً في الإنتاج الموجه إلى الخارج. وأوضح أن البنية التحتية التي تطورها المملكة، بما في ذلك الموانئ والمطارات، تمثل عنصراً مهماً في هذا الاتجاه لأنها تهيئ القدرة اللوجيستية اللازمة للتصدير.

الذكاء الاصطناعي يبدأ من مشكلات العملاء

في الظهران، تعمل «HP» على مسار مختلف لكنه مرتبط بالاستراتيجية نفسها عبر مركز التميز للبحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي، الذي أُعلن عنه للمرة الأولى خلال «ليب 2025».

وأوضح سعد أن الشركة تتعمد التشديد على كلمتي «البحث» و«التطوير» في تعريف المركز، لأنه لا يعمل على نماذج نظرية بمعزل عن السوق، بل يبدأ من مشكلات فعلية تواجه المؤسسات السعودية.

وتابع أن فرق المركز تعقد ورش عمل تفصيلية مع العملاء لتحديد التحديات التشغيلية، ثم تحول هذه المشكلات إلى حالات استخدام يمكن معالجتها باستخدام الذكاء الاصطناعي وحلول الحوسبة الطرفية.

وأضاف: «نحن لا نطور المنتجات بمعزل عن الجامعات أو الأبحاث أو العملاء»، مشيراً إلى أن بعض الحلول التي خرجت من المركز بدأت أصلاً من مشكلات حددتها مؤسسات سعودية كبيرة.

ومن بين أبرز هذه الحلول «HP Agent One»، وهو نظام ذكاء اصطناعي قائم على الوكلاء لإدارة طلبات خدمات تقنية المعلومات والحوادث من البداية إلى النهاية.

ويستطيع النظام فهم الطلب وإنشاء التذاكر وتوجيهها ومحاولة حل المشكلات وتصعيد الحالات إلى العنصر البشري عند الحاجة، كما يدعم اللغة العربية ويمكن تشغيله داخل البنية التحتية للمؤسسة، وهو ما يسمح بإبقاء البيانات الحساسة محلياً.

ويطور المركز أيضاً «FlowMaster»، الذي يجمع بين تقنيات التعرف الضوئي على الحروف والذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط لتحليل الوثائق وأتمتة العمليات الإدارية المعقدة. ويمكن للحل التحقق من صحة المعلومات ومدى الامتثال، ورصد أوجه عدم الاتساق واقتراح إجراءات، ما يفتح حالات استخدام في الجهات الحكومية والقطاع العام والمؤسسات الخاضعة لرقابة تنظيمية، خصوصاً في معالجة التصاريح وطلبات المواطنين.

تراهن «HP» على نموذج يجمع الذكاء الاصطناعي السحابي والحوسبة الطرفية بالتوازي مع تطوير المهارات (أدوبي)

حلول مطورة في السعودية تتجه إلى الخارج

لا تريد «HP» أن تبقى التطبيقات التي يطورها مركز الظهران محصورة في السوق المحلية. ولفت سعد أن المشكلات التي تواجهها المؤسسات السعودية غالباً ما تتكرر في أسواق أخرى، ما يجعل الحلول المطورة لها قابلة للتوسع إقليمياً وعالمياً. وأضاف أن اثنين من المنتجات التي خرجت من مركز البحث والتطوير السعودي يجري العمل على تقديمهما خارج المملكة، موضحاً أن الشركة بدأت بالفعل استكشاف استخدامها في أسواق إقليمية ودولية، ومن بينها إسبانيا.

وقال: «المشكلات اليوم عالمية بالطريقة نفسها التي أصبحت فيها الحلول عالمية»، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي هو أسرع المجالات التي يمكن من خلالها تحويل السعودية إلى قاعدة لإنتاج حلول يتم استخدامها خارجها.

كما يربط سعد هذا المسار أيضاً بالشركات الناشئة التي ستخرج من برنامج «HP Garage 2.0»، إذ يمكن للشركات الصغيرة استخدام شبكة «HP» للوصول إلى علاقات وأسواق لا تستطيع الوصول إليها بسهولة بمفردها.

«Garage 2.0» ليس برنامجاً تدريبياً

أعلنت «HP» في «ليب 2026» إطلاق «HP Garage 2.0» في السعودية، وهو برنامج يستلهم اسم المرآب الأصلي في بالو ألتو الذي تأسست فيه الشركة على يد بيل هيوليت وديف باكارد، لكنه يأتي هذه المرة بصيغة حاضنة تستهدف الشركات الناشئة السعودية. وشدد سعد على أن البرنامج «ليس تدريباً»، بل حاضنة يفترض أن يقاس نجاحها بعدد الشركات الفعلية التي تخرج منها. وقال: «نجاح هذه الحاضنة هو أن نكون قادرين على تخريج شركات ناشئة منها»، موضحاً أن البرنامج سيعتمد على شراكات مع الجامعات والجهات الحكومية وحاضنات ومسرعات أخرى.

وبحسب إعلان الشركة، ستجمع الحاضنة الشركات الناشئة والجامعات وقطاع الأعمال وخبرات «HP»، بهدف مساعدة المؤسسين على تطوير أفكار مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل وتحويلها إلى حلول قابلة للتطبيق. وقال سعد إن وجود المصنع ومركز الذكاء الاصطناعي والبرامج التعليمية يوفر للحاضنة بيئة تختلف عن نموذج التدريب المنفصل، إذ يمكن ربط الشركات الناشئة بحاجات المصنع أو فرق البحث والتطوير أو المحتوى التعليمي الذي توفره الشركة.

العربية واللهجات تحدٍ للذكاء الاصطناعي

يشكل تطوير الذكاء الاصطناعي العربي محوراً آخر في عمل مركز الظهران، خصوصاً أن الكثير من النماذج العالمية لا تزال تواجه صعوبات في التعامل بالدقة نفسها مع خصائص اللغة العربية واختلاف اللهجات. وصرح سعد بأن العربية كانت تاريخياً «لغة صعبة» بالنسبة إلى أنظمة التعرف والنماذج اللغوية بسبب بنيتها وتنوع اللهجات المستخدمة عبر المنطقة.

وأوضح أن النظام المستخدم في مركز اتصال أو لإدارة تذاكر الخدمات لا يمكن أن يعمل بصورة صحيحة «في معظم الأوقات» فقط، بل يجب أن يكون قادراً على فهم الاختلافات المحلية بدرجة عالية من الدقة حتى يصبح حلاً قابلاً للاستخدام التجاري.

وأضاف أن «HP» رأت فجوة في النماذج اللغوية العربية الكبيرة، وأن سدها يحتاج إلى منظومة أوسع من شركة واحدة، مشيراً إلى تعدد الإعلانات المتعلقة بالنماذج العربية في «ليب 2026».

ويعمل مركز الظهران مع مؤسسات أكاديمية على تطوير قدرات نماذج اللغة العربية، مع أبحاث تركز على اللهجة النجدية والاستفادة من مجموعات بيانات سعودية لتطوير حالات استخدام مرتبطة بالسوق المحلية، من بينها منصة للتنبؤ باحتمالات التسرب الدراسي.

أطلقت «HP Garage 2.0» كحاضنة للشركات الناشئة ويُقاس نجاحها بقدرتها على تخريج شركات جديدة وليس بعدد المتدربين (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي ينتقل من السحابة إلى الجهاز

فيما تستثمر السعودية بصورة واسعة في مراكز البيانات والبنية السحابية، يعتقد سعد أن المرحلة المقبلة لن تعتمد على الحوسبة السحابية وحدها، بل على نموذج هجين يجمع الذكاء الاصطناعي في السحابة مع القدرة الموجودة مباشرة داخل الأجهزة. ويرى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطرفي، أو «Edge AI»، لا تزال في بداية توسعها مقارنة بالتطبيقات السحابية.

وضرب مثالاً بجهاز كمبيوتر يدخل به المستخدم إلى غرفة اجتماعات جديدة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي الموجود على الجهاز أن يفهم البيئة المحيطة ويضبط الكاميرا والصوت والاتصال وإعدادات الاجتماع تلقائياً، من دون إرسال كل عملية إلى السحابة.

ويضيف هذا النموذج ميزة أخرى مرتبطة بزمن الاستجابة، إذ يمكن تنفيذ بعض المهام محلياً بدلاً من انتظار إرسال البيانات إلى مراكز الحوسبة وإعادتها. وقال سعد إنه لا يرى أن الشركات تتردد في تبني أجهزة الكمبيوتر المدعومة بالذكاء الاصطناعي بقدر ما يرى انتقالاً طبيعياً من مرحلة تركزت فيها التطبيقات في السحابة إلى نموذج يجمع «التطبيقات في السحابة والذكاء على الطرف» في الوقت نفسه.

هل يصبح الكمبيوتر بلا ذكاء اصطناعي استثناء؟

يتوقع المدير العام للمقر الإقليمي لشركة «HP» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن يتحول الذكاء الاصطناعي تدريجياً إلى جزء أساسي من تجربة الكمبيوتر، وليس ميزة إضافية في فئة محددة من الأجهزة. ولفت أن الذكاء الاصطناعي سيصبح «جزءاً لا يتجزأ» من طريقة العمل، سواء في تحسين العمليات أو رفع الكفاءة أو تطوير تجربة الموظفين. ويربط ذلك بما تسميه الشركة «مستقبل العمل»، الذي لم يعد في نظرها متعلقاً بالإنتاجية فقط، بل أيضاً بمدى رضا الموظف عن الأدوات والتقنيات التي يستخدمها يومياً.

وأشار سعد إلى دراسات تقول إن مستويات ارتباط الموظفين بالعمل تقل عن 50 في المائة في كثير من البيئات، معتبراً أن الأدوات التقنية التي يستخدمونها تؤثر بصورة مباشرة في هذه التجربة.

وفي السعودية، قال إن تبني الذكاء الاصطناعي يتسارع بصورة لافتة، مستشهداً بتقرير للهيئة السعودية للاتصالات والفضاء والتقنية يشير، وفق قوله، إلى أن نحو 45 في المائة من الأشخاص في المملكة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، وهو مستوى يقارب ضعف العام السابق. وأضاف أن بيانات لدى «HP» تظهر تفاوتاً في الاستخدام بين الفئات، إذ يتجاوز التبني 50 في المائة لدى متخذي القرار في تقنية المعلومات، مقابل مستوى يبدأ من نحو 35 في المائة لدى المستخدمين العاديين.

وصلت برامج «HP» التعليمية في السعودية إلى 1.5 مليون مستفيد (رويترز)

1.5 مليون مستفيد من برامج التعليم

تضع «HP» تطوير المهارات إلى جانب التصنيع والبحث والتطوير، وليس كمبادرة منفصلة عنهما. وأعلنت الشركة «HP AI Academy» باعتبارها منصة تجمع برامجها لتعليم الذكاء الاصطناعي وبناء القدرات، تحت 3 محاور هي: «تعلم الذكاء الاصطناعي، قد بالذكاء الاصطناعي، أسهم في تشكيل الذكاء الاصطناعي».

ويعد «HP AI Foundry» أحد البرامج الرئيسية ضمن الأكاديمية. وأُطلق في مايو (أيار) 2026 عبر منصة «edX»، ويضم في مرحلته الأولى 3 دورات تحتوي على 20 وحدة تعليمية تغطي أساسيات الذكاء الاصطناعي واستخدامه عملياً وعلاقته بالمجتمع، من دون اشتراط خلفية تقنية مسبقة.

وستضيف المرحلة الثانية 3 دورات أخرى حول الذكاء الاصطناعي في العمل، واستراتيجية الذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي المستدام، ليصل البرنامج إلى 6 دورات و48 وحدة تعليمية.

وتقول الشركة إن برامجها التعليمية في السعودية وصلت حتى الآن إلى 1.5 مليون مستفيد عبر مجموعة من المبادرات، من بينها «HP Gaming Garage» و«HP Cambridge EdTech Fellowship».

كما قدمت بالتعاون مع أكاديمية طويق 9 برامج تدريبية حصل من خلالها أكثر من 180 متعلماً على شهادات مرتبطة بتطوير الألعاب والتقنيات الناشئة.

من استهلاك التقنية إلى إنتاجها

بالنسبة إلى سعد، لم يعد افتراضاً للمستقبل السؤال حول موعد انتقال السعودية من شراء التقنية العالمية إلى إنتاجها، بل يرى أن هذا الانتقال بدأ بالفعل. وقال: «الإنتاج في السعودية أصبح واقعاً»، مستشهداً بالمصنع والبحث والتطوير المحلي والتوسع في البرامج التي تربط الجامعات والشركات الناشئة والقطاع الخاص.

ويرى أن الجمع بين السياسات الحكومية والبنية التحتية والموانئ والمطارات والاستثمارات المحلية أعطى شركات عالمية مثل «HP» ثقة أكبر لتوسيع عملياتها في المملكة. وأضاف أن التقدم في هذا المجال قد يصبح أكثر وضوحاً قبل 2030، خصوصاً إذا تطورت القدرة على تصدير المنتجات والحلول التي يتم تطويرها وتصنيعها محلياً.

وتقوم استراتيجية الشركة بذلك على 4 حلقات مترابطة، هي مصنع ينتج فعلياً في الرياض، ومركز بحث وتطوير في الظهران يحول مشكلات المؤسسات إلى تطبيقات ذكاء اصطناعي، وأكاديمية تعمل على بناء المهارات، وحاضنة يفترض أن تحول بعض هذه القدرات والأفكار إلى شركات ناشئة.

وبالنسبة إلى «HP»، ستكون المرحلة التالية مرتبطة بمدى قدرة هذه المنظومة على إنتاج شركات ومنتجات وحلول تتجاوز الاحتياجات المحلية. فكما بدأت بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي المطورة في السعودية في الوصول إلى أسواق خارجها، يقول سعد إن الطموح طويل الأمد هو أن يصبح التصنيع في المملكة أيضاً جزءاً من سلسلة الإمداد العالمية للشركة.


«أمازون ويب سيرفيسز» لـ«الشرق الأوسط»: منطقة الرياض السحابية تنطلق في ديسمبر بقدرات تدعم الذكاء الاصطناعي

تطلق «أمازون ويب سيرفيسز» أول منطقة سحابية لها بالسعودية في ديسمبر 2026 ضمن استثمار يتجاوز 5.3 مليار دولار (أدوبي)
تطلق «أمازون ويب سيرفيسز» أول منطقة سحابية لها بالسعودية في ديسمبر 2026 ضمن استثمار يتجاوز 5.3 مليار دولار (أدوبي)
TT

«أمازون ويب سيرفيسز» لـ«الشرق الأوسط»: منطقة الرياض السحابية تنطلق في ديسمبر بقدرات تدعم الذكاء الاصطناعي

تطلق «أمازون ويب سيرفيسز» أول منطقة سحابية لها بالسعودية في ديسمبر 2026 ضمن استثمار يتجاوز 5.3 مليار دولار (أدوبي)
تطلق «أمازون ويب سيرفيسز» أول منطقة سحابية لها بالسعودية في ديسمبر 2026 ضمن استثمار يتجاوز 5.3 مليار دولار (أدوبي)

تستعد «أمازون ويب سيرفيسز» لتحويل السعودية إلى إحدى أهم نقاط ارتكاز بنيتها السحابية والذكاء الاصطناعي في المنطقة، مع إطلاق أول منطقة سحابية لها في المملكة في ديسمبر (كانون الأول) 2026، بالتوازي مع بناء منطقة متخصصة للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع «هيوماين» تصل قدرتها إلى 50 ميغاواط بحلول 2028.

ولا تقتصر الخطة على إضافة مراكز بيانات جديدة، بل تمتد إلى بناء منظومة تجمع الحوسبة السحابية، ومسرّعات الذكاء الاصطناعي، والنماذج العربية، وتطوير المهارات المحلية، مع فتح مسار أمام المنتجات التقنية السعودية للوصول إلى أسواق خارج المملكة.

في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، قالت مادهافي ريدي، المديرة الإدارية لـ«أمازون ويب سيرفيسز» (AWS) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، إن الشركة تنظر إلى استثماراتها في المملكة باعتبارها طبقات متكاملة من البنية التحتية والذكاء الاصطناعي والمهارات، وليست مشروعات منفصلة.

وأوضحت أن منطقة الرياض ستضم ثلاث مناطق توافر، فيما تخطط الشركة لإطلاق نحو 70 خدمة وجلب نحو 150 شريكاً إلى المنظومة المحلية، بالتوازي مع بناء قدرات حوسبة عالية الكثافة مع «هيوماين» لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها على نطاق واسع.

وتبلغ قيمة الاستثمار المخطط لمنطقة «أمازون ويب سيرفيسز» في المملكة أكثر من 5.3 مليار دولار، أو نحو 19.88 مليار ريال، فيما أضافت الشركة إلى ذلك استثمارات كبيرة مرتبطة بمنطقة الذكاء الاصطناعي التي تطورها مع «هيوماين»، ما يرفع حجم الالتزامات المرتبطة بالبنية السحابية والذكاء الاصطناعي إلى أكثر من 10 مليارات دولار.

مادهافي ريدي المديرة الإدارية لـ«أمازون ويب سيرفيسز» (AWS) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا (الشرق الأوسط)

منطقتان بوظيفتين مختلفتين

تقوم استراتيجية «AWS» على مسارين يعملان معاً. فالأول هو منطقة البنية التحتية السحابية المقرر إطلاقها في ديسمبر، والثاني منطقة متخصصة للذكاء الاصطناعي يجري بناؤها بالتعاون مع «هيوماين».

وحسب ريدي، فإن المشروعين يؤديان وظيفتين مختلفتين، لكنهما صمما ليشكلا معاً طبقة تقنية واحدة. فالمنطقة السحابية ستوفر خدمات الحوسبة والتخزين والشبكات وقواعد البيانات وتحليلات البيانات وإنترنت الأشياء وغيرها، فيما تضيف منطقة الذكاء الاصطناعي القدرة الحاسوبية الكبيرة اللازمة لتدريب النماذج وتشغيل عمليات الاستدلال.

وذكرت ريدي أن «أمازون ويب سيرفيسز» توفر عالمياً أكثر من 240 خدمة، وإن الجمع بين خدمات المنطقة السحابية وقدرات الذكاء الاصطناعي يسمح للعملاء باستخدام «مجموعة موحدة من الحلول»، بدلاً من بناء كل جزء من بنيتهم بصورة منفصلة. وستصل القدرة المتاحة في منطقة الذكاء الاصطناعي إلى ما يصل إلى 50 ميغاواط بحلول 2028، مع استخدام رقائق «ترانيوم» (Trainium) التي تطورها «AWS» إلى جانب أحدث بنية «إنفيديا» للذكاء الاصطناعي.

وترى ريدي أن هذه السعة لا ترتبط فقط بالاحتياجات الحالية، بل بتوقع نمو كبير في التطبيقات التي ستنتقل من التجارب المحدودة إلى التشغيل التجاري واسع النطاق. وأشارت إلى أن منظومة الذكاء الاصطناعي في السعودية «تنمو بصورة كبيرة»، وأن التخطيط للقدرة المستقبلية يجب أن يسبق وصول الطلب حتى لا تتحول البنية الحاسوبية إلى عامل يحد من نمو الشركات والتطبيقات.

نماذج عربية ووكلاء ذكاء اصطناعي

من بين الأحمال التي تتوقع «AWS» أن تدفع الطلب على هذه القدرة، نماذج الأساس باللغة العربية والتطبيقات المحلية وحلول الذكاء الاصطناعي الوكيلة التي تستطيع تنفيذ مهام أو التفاعل مع العملاء بصورة متواصلة. كما تتوقع أن تستخدم الشركات السعودية هذه القدرة لتطوير ملكيتها الفكرية ونشرها عبر منصات «AWS» إلى أسواق أخرى، في حين تستطيع الشركات العالمية تشغيل منتجاتها داخل المملكة وفق متطلبات إقامة البيانات والامتثال المحلي.

«علّام» من السعودية إلى 440 مليون ناطق بالعربية

يمثل نموذج «علّام» العربي الذي تطوره «هيوماين» أحد أبرز الأمثلة التي تستخدمها «أمازون ويب سيرفيسز» لتوضيح كيف يمكن للبنية العالمية أن تتحول إلى منصة لتصدير ملكية فكرية سعودية.

وقالت ريدي إن إتاحة النموذج عبر «أمازون بد روك» (Amazon Bedrock) تعني أن المطورين والعملاء يمكنهم استخدامه ودمجه داخل تطبيقاتهم من دون الحاجة إلى بناء البنية الحاسوبية الخاصة بهم من الصفر. وأضافت أن النموذج «يركز على العربية أولاً»، ويمكن أن يساعد في الوصول إلى سوق تضم نحو 440 مليون ناطق بالعربية حول العالم. وقالت: «نحن نأخذ ملكية فكرية سعودية، بُنيت في السعودية، إلى السوق العالمية»، معتبرة أن القيمة لا تكمن فقط في استخدام التقنية داخل المملكة، بل في إمكانية تحويل النماذج والمنصات المحلية إلى منتجات ذات سوق أوسع.

وباعتقادها يكتسب هذا الجانب أهمية إضافية لأن التفاعل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبح يعتمد بصورة متزايدة على اللغة الطبيعية والمحادثة. وأوضحت أن السوق السعودية تحتاج إلى حلول تراعي اللغة والسياق المحلي ومتطلبات الخصوصية والسرية والتنظيم؛ ولذلك فإن تطوير نماذج عربية فوق بنية عالمية يمثل مكوناً أساسياً من قدرة الشركات على التوسع. وصرحت عن «علّام»: «إنه عربي أولاً، وهو ذكاء اصطناعي سيادي، وبُني في المملكة»، لكنه في الوقت نفسه متاح لمستخدمين خارج السعودية يحتاجون إلى تطبيقات تتعامل مع اللغة العربية.

ستضم منطقة الرياض 3 مناطق توافر مع نحو 70 خدمة و150 شريكاً ضمن المنظومة المحلية الجديدة

«HUMAIN Fabric» ومسار آخر للتصدير

لا يقتصر هذا المسار على النماذج اللغوية. فالتعاون بين الشركتين يشمل أيضاً إتاحة «هيوماين فابرك» (HUMAIN Fabric)، وهي منصة بيانات وبنية تحتية للذكاء الاصطناعي تابعة لـ«هيوماين»، من خلال سوق «AWS Marketplace». ويرتبط ذلك بالفكرة نفسها التي تحدثت عنها ريدي حول بناء منتجات محلية فوق بنية عالمية ثم توسيع استخدامها إلى خارج المملكة. وقالت إن تجميع البيانات وإدارتها بصورة موحدة وآمنة أصبح عاملاً مهماً مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً عندما تكون هناك متطلبات تتعلق بالسرية والخصوصية وإقامة البيانات. وبهذه الطريقة، لا تظل المنصات السعودية مرتبطة بسوق محلية واحدة، وإنما يمكن توزيعها من خلال قنوات عالمية والوصول بها إلى مستخدمين جدد.

السيادة الرقمية تتجاوز مكان البيانات

مع انتقال المزيد من الأنظمة الحكومية والمالية والصحية إلى السحابة، أصبحت السيادة الرقمية عاملاً أساسياً في قرارات المؤسسات. وبالنسبة إلى ريدي، فإن إبقاء البيانات داخل السعودية يمثل جزءاً واحداً فقط من هذه المسألة. ولفتت إلى أن السيادة الرقمية تبدأ بإقامة البيانات، لكنها تشمل كذلك الامتثال للمتطلبات التنظيمية المحلية، والتحكم في كيفية الوصول إلى المعلومات، وتطبيق مستويات عالية من الأمن وفق نموذج «الثقة الصفرية». وتابعت أن المؤسسات تحتاج إلى أن تكون قادرة على التحكم في بياناتها وإدارتها من داخل المملكة، مع تحديد من يستطيع الوصول إليها وكيف يتم ذلك. وترتبط هذه المتطلبات أيضاً بطبيعة أحمال العمل التي بدأت تنتقل إلى السحابة، خصوصاً في قطاعات الرعاية الصحية والحكومة والخدمات المالية واللوجستيات. وفي هذه المجالات، لا يكفي أن تكون البيانات موجودة محلياً، بل يجب أن تتمتع الأنظمة بزمن استجابة منخفض، وتوافر مرتفع، وقدرة على مواصلة العمل في الظروف المختلفة.

682 ألف متدرب... والهدف مليونا شخص

إلى جانب الاستثمار في مراكز البيانات والمسرّعات، تركز «أمازون ويب سيرفيسز» على بناء المهارات التي تحتاج إليها المؤسسات لاستخدام هذه القدرة. وقالت ريدي إن الشركة دربت حتى الآن نحو 682 ألف شخص على مهارات السحابة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا، فيما تستهدف الوصول إلى مليوني شخص بحلول 2030. وفي السعودية، تستهدف البرامج تدريب أكثر من 100 ألف مواطن ومقيم على مجالات ترتبط بالسحابة والذكاء الاصطناعي، مع تخصيص برامج لتدريب ما يصل إلى 10 آلاف امرأة. كما تعمل الشركة مع 11 مؤسسة للتعليم العالي في المملكة لإدخال مهارات السحابة والذكاء الاصطناعي والأمن في المناهج التعليمية. وأشارت ريدي إلى أن بعض المبرمجين السعوديين سيحصلون أيضاً على فرص للالتحاق ببرامج تدريب أكثر تقدماً من خلال «AWS Builder Accelerator»، بما في ذلك الوصول إلى خبرات وبرامج مرتبطة بمقار «أمازون». وتشمل المنظومة كذلك مركزين للابتكار في السعودية، يستهدفان توفير التدريب والإرشاد التقني للمطورين والشركات الناشئة ورواد الأعمال الراغبين في بناء منتجات باستخدام خدمات «AWS».

تراهن الشركة على تحويل البنية الجديدة إلى منصة لتطوير ملكية فكرية ومنتجات سعودية قابلة للتصدير إلى الأسواق العالمية

قياس النجاح بالقيمة الاقتصادية

لا تريد المديرة الإدارية لـ«أمازون ويب سيرفيسز» (AWS) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا أن يقاس أثر هذه الاستثمارات بعدد مراكز البيانات أو المشاركين في برامج التدريب فقط. وقالت إن المعيار الأهم هو ما إذا كانت القطاعات السعودية تستطيع تحويل السحابة والذكاء الاصطناعي إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ووفق أرقام تستند إليها «AWS»، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم بما يقدر بنحو 130 مليار دولار في الاقتصاد السعودي بحلول 2030. وأشارت ريدي خلال المقابلة كذلك إلى دراسة حول القيمة الاقتصادية الأوسع التي يمكن أن تطلقها زيادة تبني الحوسبة السحابية في المملكة، مؤكدة أن نجاح البرامج التدريبية والاستثمارية يجب أن يقاس بقدرة المؤسسات على تحقيق هذه القيمة، لا بمجرد عدد الأشخاص الذين يحصلون على شهادات أو دورات. وتضع الشركة الرعاية الصحية والخدمات المالية والحكومة واللوجستيات والطاقة بين القطاعات التي يمكن أن تستفيد من تحديث الأنظمة التقليدية وبناء تطبيقات ذكاء اصطناعي فوق البنية السحابية.

ونوهت ريدي بأن أحد مؤشرات النجاح حتى 2030 سيكون مقدار القيمة التي تستطيع «AWS» المشاركة في تمكينها داخل الاقتصاد السعودي، إلى جانب مدى مساهمة الشركة في مبادرات «رؤية 2030» المرتبطة بالمهارات وتنويع الاقتصاد وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة في القطاعات الرئيسية.

الشركات الناشئة

تضع «AWS» الشركات الناشئة في موقع أساسي ضمن هذه الاستراتيجية. وقالت ريدي إن هذه الشركات لا تلعب دوراً في الابتكار المحلي فقط، بل تستطيع بناء ملكية فكرية داخل السعودية ثم بيع منتجاتها في أسواق أخرى، بما يسمح لها بتحقيق إيرادات بالعملات الأجنبية. وأضافت أن نجاح شركات تقنية سعودية في الوصول إلى الخارج يمكن أن يسهم كذلك في جذب استثمارات أجنبية مباشرة إلى المملكة.

ولهذا أطلقت الشركة برامج مخصصة للمؤسسين والشركات الناشئة، إلى جانب مركزي الابتكار، لتوفير البيئة التقنية والتدريبية اللازمة لتطوير المنتجات. ويظهر هذا التوجه في العلاقة مع «هيوماين»، حيث تحاول «AWS» تحويل البنية السحابية العالمية إلى قناة ثنائية الاتجاه، تدخل عبرها التقنيات والخدمات العالمية إلى المملكة، وفي المقابل تخرج من خلالها نماذج ومنصات وملكية فكرية تم تطويرها في السعودية.

من بناء البنية إلى بناء المنتجات

عندما تبدأ منطقة «AWS» السعودية العمل في ديسمبر، ستتمكن الشركات والجهات الحكومية والمطورون من تشغيل أحمالهم من مراكز بيانات داخل المملكة، بينما ستوفر منطقة الذكاء الاصطناعي طبقة حوسبية أكثر تخصصاً خلال المرحلة اللاحقة. لكن بالنسبة إلى ريدي، لا يشكل إطلاق المنطقة نهاية المشروع. واعتبرت أن الهدف هو تمكين الشركات من استخدام هذه البنية لبناء منتجات تتجاوز السوق السعودية، مضيفة أن القدرة الجديدة يجب أن تساعد العملاء على «عدم البناء للسوق المحلية فقط، وإنما أخذ الملكية الفكرية السعودية إلى بقية العالم».


السعودية وباكستان تعززان التعاون في الأمن السيبراني

جانب من مراسم توقيع مذكرة التفاهم (واس)
جانب من مراسم توقيع مذكرة التفاهم (واس)
TT

السعودية وباكستان تعززان التعاون في الأمن السيبراني

جانب من مراسم توقيع مذكرة التفاهم (واس)
جانب من مراسم توقيع مذكرة التفاهم (واس)

عزَّزت السعودية وباكستان تعاونهما في مجال الأمن السيبراني بمذكرة تفاهم تهدف إلى حماية الفضاء السيبراني والمصالح الحيوية بين البلدين.

ووقَّع المذكرة المهندس ماجد المزيد محافظ الهيئة الوطنية للأمن السيبراني السعودي وشذى خواجة وزيرة الدولة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في باكستان.

وتضمنت المذكرة مجالات عدة؛ أبرزها تبادل الخبرات وأفضل الممارسات في مجال الأمن السيبراني لمواجهة التحديات والتهديدات السيبرانية.

وتأتي المذكرة ضمن جهود الهيئة الرامية إلى تعزيز موقع السعودية الرائد دولياً في القطاع، عبر توطيد التكامل مع الجهات المماثلة خارج البلاد؛ لتبادل الخبرات، وتأسيس آليات للتعاون وصناعة الشراكات الدولية في مجالات الأمن السيبراني.