نظم الذكاء الاصطناعي المولدة للصور تزيّف الحقائق

تعظّم أسوأ الجوانب النمطية للأعراق والأجناس

تظهر هذه الصور عند البحث عن كلمات (////// كلمات مثل) «أشخاص جذابون»
تظهر هذه الصور عند البحث عن كلمات (////// كلمات مثل) «أشخاص جذابون»
TT

نظم الذكاء الاصطناعي المولدة للصور تزيّف الحقائق

تظهر هذه الصور عند البحث عن كلمات (////// كلمات مثل) «أشخاص جذابون»
تظهر هذه الصور عند البحث عن كلمات (////// كلمات مثل) «أشخاص جذابون»

تميل أدوات الذكاء الاصطناعي المخصّصة للصور إلى إبراز الكليشيهات المزعجة: الأفارقة بدائيون، والأوروبيون علمانيون، والقادة رجال، والمساجين سود البشرة.

هذه الصور النمطية لا تعكس العالم الحقيقي؛ بل تنبع من البيانات التي تُمدّ وتدرَّب بها هذه التقنية، والتي تُسحب عادة من شبكة الإنترنت. وتتسم هذه البيانات بالسُميّة، حيث تمتلئ بالمحتوى الإباحي، وكراهية النساء، والعنف، والتعصّب.

هكذا ترى نماذج توليد الصور المدعومة بالذكاء الاصطناعي العالم. وفي موضوع كتبته كل من نتاشا تايكو، وكيفن شول، وتشو يو تشن، في «واشنطن بوست»، درست نماذج مثل «ستيبل ديفيوجن (Stable Diffusion)» و«دال - إي (DALL - E)».

صرّحت شركة «ستابيليتي إي آي» الشهيرة المطوّرة لنموذج توليد الصور «ستيبل ديفيوجن إكس إل» بأنّها نفذت استثمارات كبيرة لتخفيف الانحياز في أحدث نماذجها الذي أطلقته في يوليو (تموز) الماضي. ولكن، على الرغم من التحسينات، ظهر أن الأداة لا تزال تضخّم الصور النمطية الغربية.

ويحاجج كريستوف شوهمان؛ الشريك المؤسس لمنظّمة «لايون» غير الربحية التي تزوّد «ستيبل ديفيوجن» بالبيانات، بأنّ أدوات توليد الصور تعكس عالم السكّان البيض؛ لأنّ المنظّمات غير الربحية التي تزوّد شركات كثيرة بالبيانات لا تركّز في عملها على الصين والهند اللتين تضمّان أكبر شريحة سكانية من مستخدمي الشبكة.

وقال الكتاب إنهم عندما طلبوا من نموذج «ستيبل ديفيوجن إكس إل» توليد صور لمنازل في دولٍ مختلفة، أتت النتائج معبّرة عن النمطية السائدة عن كلّ بلد: منازل بأسقف كلاسيكية منحنية في الصين بدل الشقق العالية في شنغهاي؛ ومنازل مثالية بحدائق خضراء وشرفات عالية في الولايات المتحدة؛ وهياكل طينية مغبرة على طرقات غير نظيفة في الهند التي تحتضن 160 مليارديراً، ومومباي التي تحتلّ المرتبة الـ15 على لائحة أغنى مدن العالم.

ورأى شوهمان أنّ «هذه النتائج تعكس الصور النمطية العادية المحفوظة في رأس شخص عادي في أميركا الشمالية أو أوروبا. لا تحتاج إلى شهادة في علوم البيانات لتفهم هذا الأمر».

لا تنفرد «ستيبل ديفيوجن» في هذا الاتجاه؛ فقد صرّحت شركة «أوبن إي آي» في مستندات حديثة النشر بأنّ مولّد الصور الأخير الذي طوّرته «دال إي3»، «يميل نحو وجهة النظر الغربية بإنتاج صورٍ تظهر غالباً أشخاصاً بيض البشرة، ونساءً، وشباباً».

اليوم، تستطيع الصور الاصطناعية التي تنتشر على شبكة الإنترنت بثّ الحياة من جديد في صورٍ نمطية قديمة مسيئة، وتعيد أفكاراً مثالية منسية مرتبطة بصورة الجسد، والجندر، والعرق، إلى مستقبل صناعة الصورة.

مليارات الصور من الشبكة

وكما هي الحال مع «تشات جي بي تي»، تتعرّف أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد الصور على العالم عبر كميات ضخمة من بيانات التدريب. وبدل معالجة مليارات الكلمات، تقتات هذه النماذج على مليارات الصور والتوصيفات المرفقة بها المسحوبة من الشبكة أيضاً.

تزداد شركات التقنية تكتّماً على محتوى هذه الأنساق البيانية، ويعود هذا التكتّم في جزءٍ منه إلى خضوع هذا المحتوى غالباً لحقوق الملكية، أو افتقاره الدقّة، أو حتّى استعراضه مواد شائنة. ولكن يذكر أنّ شركتي «ستيبل ديفيوجن» و«لايون» تسمحان للجمهور باستكشاف تفاصيل النموذج؛ لأنّهما مشروعان مفتوحا المصدر.

ويقول عماد مشتاق، المدير التنفيذي في «ستابيليتي إي آي»، إنّ شركته ترى في الشفافية شرطاً أساسياً للتدقيق والقضاء على الانحياز، لافتاً إلى أنّها «تؤمن بأنّ النماذج مفتوحة المصدر ضرورية لتطبيق أعلى معايير السلامة، والعدل، والتمثيل».

انحياز لافت

شهد نموذج «ستيبل ديفيوجن إكس إل» تحسينات لافتة، إلا إن الكتاب نجحوا في حثّه على توليد فبركات عن العرق، والطبقة الاجتماعية، والجنس، والثروة، والذكاء، والدين، والثقافات الأخرى، من طلبات لتصوير نشاطات روتينية، وصفات شخصية شائعة، وأسماء بلاد أخرى. وفي أمثلة كثيرة، ظهرت التفاوتات العرقية في الصور أكثر تطرفاً ممّا هي عليه في العالم الحقيقي.

أظهر أحدث بيانات مكتب تعداد الولايات المتحدة من «مسح الدخل والمشاركة في البرامج» أنّ 63 في المائة من الحاصلين على المعونات الغذائية عام 2020 كانوا من بيض البشرة مقابل 27 في المائة من أصحاب البشرة السوداء. ولكن عندما حثّثنا التقنية على توليد صورة لشخص من متلقّي الخدمات الاجتماعية، عرضت النتيجة شخصاً من أصحاب البشرة الداكنة. وعندما طلبنا منها توليد صور «شخص منتج»، ظهر في جميع الصور رجال معظمهم من بيض البشرة، ويرتدون بدلات رسمية في وظائف إدارية.

وكانت براتيوشا كالوري، باحثة الذكاء الاصطناعي في جامعة ستانفورد، وفريقها قد اكتشفوا الخريف الماضي أنّ هذه الأدوات تتحوّل تلقائياً إلى الصور النمطية. فعندما طلبوا من إحداها توليد صورة «لشخص جذّاب»، أنتجت الأداة صوراً لأشخاص أوروبيين ببشرة وعيون فاتحة اللون؛ وعندما طلبوا صوراً «لعائلة سعيدة»، عرضت الأداة صور أشخاص بيض البشرة يضحكون مع أولادهم.

بيانات أنظف لنتائج أنظف

تركّز جهود تنظيف أدوات الذكاء الاصطناعي المخصصة للصور على تدخلات قليلة ولكن مثمرة: ترشيح أنساق البيانات، وترقية آخر مراحل التطوير، ووضع قواعد لحلّ مسائل أضرّت بسمعة الشركة.

ورأت ساشا لوتشيوني، العالمة الباحثة في «هاغينغ فيس»؛ وهي قاعدة مفتوحة المصدر للذكاء الاصطناعي وواحدة من الشركات الراعية لـ«لايون»، أنّ «ترشيح الأشياء السيئة من أنساق البيانات ليس حلاً سهلاً ونهائياً للانحياز».

وتقترح شركة «ستابيليتي إي آي» أن يكون لكلّ بلد مولّد محلّي للصور يعكس القيم الوطنية بأنساق بيانية توفّرها الحكومة والمؤسسات العامّة.

وينقسم خبراء مجال الذكاء الاصطناعي حول كيفية وضع حدٍّ للانحياز؛ فمثلاً ترى كالوري أنّ تخفيف الانحياز في الصور يختلف كلياً عمّا هو عليه في النصوص؛ لأنّ أيّ أمر حثّ لصناعة صورة واقعية لشخصٍ ما يجب أنّ يراعي قرارات تتعلّق بالعمر، والجسم، والعرق، والشعر، والخلفية والصفات المرئية، لافتةٍ إلى أنّ قلّة من هذه التعقيدات قابلة للحلّ بالتقنيات الكومبيوترية.

تعتقد كالوري أنّه من الضروري لأيّ شخص يتفاعل مع هذه التقنية أن يفهم كيف تعمل. وتشرح أنّ «هذه التقنيات هي نماذج تنبئيّة ترسم الأشياء بناءً على لقطة من نسق بياناتها المسحوبة من شبكة الإنترنت».

فشل استخدام أوامر حثّ مفصّلة في تخفيف هذا الانحياز أيضاً. فعندما طلبنا من الأداة فبركة صورة لشخصٍ ثري من دول مختلفة، تابعت «ستيبل ديفيوجن» إنتاج صورٍ مليئة بالنمطية: رجالٌ أفارقة يرتدون معاطف غربية واقفين أمام أكواخ من القش؛ ورجال «شرق أوسطيون» واقفين أمام جوامع قديمة؛ ورجال أوروبيون يرتدون بدلات أنيقة يتجوّلون في شوارع مرصوفة.

توكّد أبيبا بيرهاني، المستشارة البارزة المختصة في محاسبة الذكاء الاصطناعي في «موزيلّا فاونديشن»، أنّ الأدوات قابلة للتحسين إذا عملت الشركات بجدّ لتحسين البيانات، وهو أمرٌ غير متوقّع في رأيها. في الوقت الحالي؛ ترى المستشارة أنّ التأثير الأكبر لهذه الصور النمطية سيقع على المجموعات نفسها التي تأذّت في عصر التواصل الاجتماعي، مشدّدةً على أنّ «النّاس الذين يعيشون على هامش المجتمع سيبقون مستبعدين».

* يذكر أنّ جميع الصور الظاهرة في هذه القصة تعرض أموراً غير موجودة في العالم الحقيقي ووُلّدت باستخدام «ستيبل ديفيوجن»، وهو نموذج ذكاء اصطناعي مصمّم لتحويل النص إلى صورة


مقالات ذات صلة

تقرير: نتنياهو سيؤكد لترمب ضرورة القضاء التام على المشروع النووي الإيراني

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أثناء مؤتمر صحافي بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

تقرير: نتنياهو سيؤكد لترمب ضرورة القضاء التام على المشروع النووي الإيراني

ذكر موقع إسرائيلي أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيؤكد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إصرار إسرائيل على القضاء التام على المشروع النووي الإيراني.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز) p-circle

رئيس وزراء المجر يتلقى دعوة لاجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده ترمب

كشف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان عن أنه تلقى دعوة لحضور اجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده الرئيس الأميركي دونالد ترمب «بعد أسبوعين» في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

أيدت محكمة استئناف اتحادية سياسة إدارة ترمب المتمثلة في وضع مَن قُبض عليهم في حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية في الحبس دون فرصة للإفراج عنهم بكفالة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».