«تصاعد ناري» لهجمات برامج الفدية

بمقدار 150 % عن العام الماضي

«تصاعد ناري» لهجمات برامج الفدية
TT

«تصاعد ناري» لهجمات برامج الفدية

«تصاعد ناري» لهجمات برامج الفدية

الأخطاء البرمجية، والفيروسات الإلكترونية، وتسرّب البيانات المسروقة، هي التي تدفع إلى التصاعد النّاري لبرمجيات الفدية الذي يجعلها أكثر إيلاماً من أي وقتٍ مضى.

ازدياد هجمات الفدية

تستهدف برمجيات الفدية المزيد والمزيد من الكيانات في عام 2023؛ حيث يعمد المعتدون إلى تطوير هجماتهم بوتيرة سريعة لنشر الفوضى المدمّرة، حتى قبل أن تستطيع الضحية رصد الكارثة.

في يوليو (تموز) الفائت، نُشرت البيانات الخاصّة بما يقارب 502 شركة على مواقع التسريب، مسجّلة زيادة بمعدّل 150 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، حسب تقرير أجرته مجموعة «إن سي سي» الاستشارية الأمنية الذي نُشر في 23 أغسطس (آب). ويشهد العام الجاري نمواً مستمراً في حالات التسريب؛ حيث تشير أرقام الخروقات المنشورة على المواقع -في تكتيكك شائع يُعتمد للابتزاز المزدوج من قبل مجموعات الابتزاز- إلى ارتفاع بنسبة 79 في المائة حتّى اليوم، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2022.

يقول مات هول، رئيس قسم التهديد الاستخباراتي في مجموعة «إن سي سي»، في حديث لمجلة «دارك ريدنغ»، إنّ عناصر مختلفة، أبرزها الثغرات في البرامج الآمنة المنظمة لنقل وتبادل الملفات، مثل برنامج «موف إت»، والخدمات المتزايدة التي تؤمّن وتتيح الدخول الأوّلي، هي التي تؤدّي إلى هذا التنامي في الاعتداءات.

ويضيف: «إذا حصل وانتشر خطأ برمجي آخر هذا العام، أو ما يشبهه، فلا شكّ في أنّنا سنرى مجموعات تسارع إلى استغلاله، مع ارتفاع هائل في نشاطات الابتزاز».

وتُظهر بيانات أخرى أنّ المجرمين الذين يستخدمون برمجيات الفدية باتوا يتحرّكون بسرعة أكبر لضرب الشركات، فور حصولهم على فرصة للاختراق؛ حيث تقلّص متوسط الفترة الزمنية لهجمة الابتزاز إلى 5 من 9 أيّام في 2022، حسب تحليل لـ80 حالة استجابة أجرته شركة «سوفوس» المتخصصة في الأمن السيبراني.

في المقابل، تتحرّك أنواعٌ أخرى من الاعتداءات ببطء؛ حيث تتطلّب الاعتداءات الإلكترونية التي لا تستخدم برامج الفدية وقتاً أطول، نحو 13 يوماً، مقارنة بـ11 في 2022، حسبما جاء في تقرير «أكتيف أدفرساري» النصفي الصادر عن «سوفوس».

من جهته، يعتبر تشيستر وايزنيسكي، مدير التقنية للبحوث التطبيقية في «سوفوس»، أنّ المعتدين يزدادون تحسّناً فيما يفعلونه، عبر صقل عملياتهم في سرقة البيانات وتشفيرها.

ويضيف: «عندما ننظر إلى فترة الخمسة أيّام التي يتطلّبها الاعتداء، نرى أنّ الأمر منطقي؛ لأنّها ببساطة الفترة الزمنية المطلوبة لإتمام اعتداء عصري وكامل باستخدام برنامج للابتزاز. يبدأ الأمر بإيجاد طريقة للدخول، ومن ثمّ اختراق الدليل النشط وترقية نفسك لتصبح مسؤولاً، وعليك أيضاً تعطيل أدوات التحوط... على الأرجح، لن تتراجع هذه الفترة عن 4 أيّام؛ لأنّها ما يحتاجه المعتدي لإتمام كلّ هذه المهام».

استراتيجية الابتزاز المزدوج

تشدّد خلاصتان لتقريرين منفصلين صدرا حديثاً على التهديد المستمرّ الذي ترتّبه برمجيات الابتزاز المشفّرة، على الرغم من أنّ بعض المجموعات المهاجمة، كـ«سي 10 بي»، استغنت عن تشفير البيانات، وباتت تكتفي بالسرقة والابتزاز. في المقابل، تصرُّ معظم المجموعات على الاستمرار في استراتيجية الابتزاز المزدوج التي تعتمد على سرقة وتشفير البيانات لإجبار الشركة على دفع الفدية المطلوبة.

حافظ القطاع الصناعي في شهر يوليو على صدارته للائحة ضحايا التسريب البياني، حسب تقرير «استخبارات التهديد السيبراني» Cyber Threat Intelligence Report الصادر عن مجموعة «إن سي سي». ثم حلّت الدوريات الاستهلاكية والصناعات التقنية في المرتبتين الثانية والثالثة، بالتبليغ عن نصف حالات الاختراق فقط.

يقول هول من مجموعة «إن سي سي»، إنّ «ما رأيناه في المجال الصناعي هو تطبيق قواعد تنظيمية أقلّ، وتخصيص ميزانيات أصغر للأمن السيبراني في السنوات القليلة الماضية. وعند مقارنته بمجال آخر، كالخدمات المالية، الذي كان الهدف الرئيسي لبرمجيات الابتزاز والمجموعات الإجرامية لنحو 5 أو 10 سنوات، نشعر وكأنّ الأخير لم يعد موجوداً في حسابات برمجيات الابتزاز».

يميل المعتدون أيضاً إلى التحرّك «جانبياً» –أو ما يسمّى «الانشقاق»– لاختراق خوادم الدليل النشط Active Directory servers، ما قد يتيح لهم الوصول إلى معظم الموارد في الشبكة الداخلية. ويتطلّب اختراق خادم الدليل النشط 16 ساعة في المتوسط، حسب خلاصة تقرير «سوفوس».

ويشير التقرير إلى أنّ «بلوغ خادم الدليل النشط يعزّز قدرات المعتدي بشكلٍ كبير؛ لأنّه عملياً الجزء الأقوى والأدسم في الشبكة، كونه الطرف الأقدر على السيطرة على هوية وسياسات منظّمة بأكملها. يستطيع المعتدون من خلاله سرقة حسابات قيّمة، وتأسيس أخرى جديدة، أو إقفال حسابات شرعية».

وأخيراً، يشير تقرير «سوفوس» إلى أنّ المعتدين يستغلّون فوارق التوقيت لصالحهم؛ حيث تحصل معظم الهجمات في منتصف الأسبوع، ولكن خارج ساعات العمل.

مجموعة اعتداء ضاربة

تسيطر مجموعة واحدة على الحصّة الأكبر من نموّ اعتداءات برمجيات الفدية، وهي «سي 10 بي» (C10p group) التي تتحرّك بسرعة شديدة لاستغلال نقاط الضعف في منصّتين لنقل الملفّات. فقد عمدت المجموعة إلى مهاجمة «موف إت» في أواخر مايو (أيار)، و«غو أنيوير إم إف تي» (GoAnywhere MFT) في أوائل يناير (كانون الثاني)، ما أدّى إلى ارتفاع عدد الهجمات الناجحة. ولكنّ مجموعة «سي 10 بي» التي تستخدم برمجيات الابتزاز تعتمد على السرقة المباشرة والابتزاز، أي سرقة البيانات ومن ثمّ التهديد بنشرها إذا رفضت الضحية دفع الفدية المطلوبة.

ويقول هول من «إن سي سي»: «نعلم أنّ بعض هذه المجموعات لا تستخدم ما يُسمّى عادة (برنامج ابتزاز) لأنّه لا يوجد تشفير للبيانات. وظهر على بعض المجموعات ما يوصف بالتحوّل العام، إن لم يكن الكامل، عن تشفير البيانات إلى التركيز على استخلاص البيانات ونشرها».

نشرت «سي 10 بي» على مواقع التسريب الخاصة بها ثلاثة أضعاف البيانات المسرّبة، مقارنة بثاني أقوى مجموعة ابتزاز، الشهيرة بـ«لوكبيت 3.0»، حسب بيانات مجموعة «إن سي سي». ويساهم نجاح المجموعة الأولى في زيادة حادة لعدد المنشورات على مواقع تسريب البيانات، الأمر الذي يؤدّي إلى ارتفاع مؤشر متابعة برمجيات الابتزاز الخاص بمجموعة «إن سي سي».

يلفت هول إلى أنّ نشاط برمجيات الابتزاز يشهد ارتفاعاً مطرداً حتّى من دون التدقيق في مناورات مجموعة «سي 10 بي». فقد حقّقت المنشورات على مواقع تسريب البيانات نمواً بنسبة 57 في المائة (من دون احتساب عمليات المجموعة الأولى) في عامٍ واحد.

وكان عام 2022 قد شهد انخفاضاً في مؤشر هجمات برمجيات الفدية، ولكنّ الأمر لم يسرِ على هذا العام؛ لأنّ المعتدين يحاولون -حسب هول- جني مزيد من المال لتعويض خسائرهم الناتجة عن حالة الانكماش العالمية.

وأخيراً، يختم هول بالقول: «مع التراجع الذي أصاب الاقتصاد العالمي العام الماضي، لا بدّ لهذه المجموعات الإجرامية من إيجاد وسيلة لجني المال؛ لأنّها بحاجة لزيادة أرباحها من جديد، ويبدو واضحاً أنّ المحرّك لهذه الغاية موجود».


مقالات ذات صلة

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

تكنولوجيا تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً لوكلاء الذكاء الاصطناعي لتمكين المؤسسات من تشغيل مهامها عبر وكلاء أذكياء بدل البرمجيات التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

تكشف دراسة أن السيارات ذاتية القيادة قد تسهّل التنقل الفردي وتقلل الحاجة للمواقف، لكنها قد تزيد الازدحام وتغيّر سلوك التنقل وتخطيط المدن مستقبلاً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، بدعوى فريدة من نوعها تهدف لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار الخاصة بالأطفال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) والملياردير إيلون ماسك (رويترز)

ترمب يستبعد ماسك من مجلسه الاستشاري الجديد بمجال التكنولوجيا

عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصيات ذات ثقل في مجال التكنولوجيا، من بينهم مؤسس «فيسبوك» مارك زوكربيرغ، والرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا جنسن هوانغ».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم أشخاص يجتمعون خلال عرض لشركة «بي إيه إي سيستمز» البريطانية للصناعات العسكرية في هانتسفيل بولاية ألاباما الأميركية 28 مارس 2023 (رويترز)

شركة بريطانية للصناعات الدفاعية توقّع عقداً ﻟ7 سنوات مع «البنتاغون»

أعلنت شركة الصناعات العسكرية البريطانية «بي إيه إي سيستمز»، الأربعاء، توقيعها اتفاقية إطارية مدتها 7 سنوات مع وزارة الحرب الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البرلمان الأوروبي يحظر أدوات ذكاء اصطناعي «تعرّي» أشخاصاً

شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)
شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)
TT

البرلمان الأوروبي يحظر أدوات ذكاء اصطناعي «تعرّي» أشخاصاً

شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)
شعار روبوت الدردشة «غروك» يظهر على شاشتين (أ.ف.ب)

أقرّ البرلمان الأوروبي، الخميس، قانوناً يحظّر استخدام الذكاء الاصطناعي لـ«تعرية» الأشخاص من دون موافقتهم.

وتمّ تبني القرار في نصّ أُقرّ بأغلبية ساحقة (569 صوتاً مقابل 45 صوتاً معارضاً) خلال جلسة عامة للبرلمان في بروكسل، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بيان صادر عن البرلمان أن الأمر يتعلّق بحظر برامج «التعرية» التي «تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء أو التلاعب بصور ذات إيحاءات جنسية واضحة، أو صور في وضع حميم تشبه شخصاً حقيقياً يمكن التعرّف عليه، من دون موافقة هذا الشخص».

ولا يطبّق النص على أنظمة الذكاء الاصطناعي المزوّدة «بتدابير أمنية فعّالة» تحول دون هذه الممارسات.

وكانت دول الاتحاد الأوروبي أقرّت هذا الشهر إجراء مشابهاً. وسيتعيّن عليها الآن التفاوض مع البرلمان للتوصل إلى صياغة متقاربة، قبل أن يصبح من الممكن تطبيق الإجراء.

وتأتي هذه المبادرات خصوصاً بعد إدخال خاصية قبل بضعة أشهر في تطبيق «غروك» للذكاء الاصطناعي تتيح للمستخدمين أن يطلبوا منه تركيب صور مزيفة قريبة جداً من الواقعية (ديب فيك) لنساء وأطفال عراة، انطلاقاً من صور حقيقية.

وأثارت هذه القضية موجة استنكار في العديد من الدول ودفعت الاتحاد الأوروبي إلى فتح تحقيق.

كما وافق البرلمان في النص ذاته، على إرجاء دخول قوانين أوروبية جديدة حيّز التنفيذ بشأن أنظمة الذكاء الاصطناعي ذات المخاطر العالية، أي تلك العاملة في مجالات حساسة كالأمن أو الصحة أو الحقوق الأساسية.

وكان من المفترض أن تدخل هذه القواعد حيّز التنفيذ في أغسطس (آب) 2026. وعلى غرار الدول الأعضاء، اقترح النواب الأوروبيون تاريخين محدّدين لهذا التأجيل، في حين كانت المفوضية الأوروبية تريد منح الشركات جدولاً زمنياً أكثر مرونة.

والتاريخان هما: الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2027 للأنظمة المستقلة ذات المخاطر العالية، والثاني من أغسطس (آب) 2028 للأنظمة المدمجة في برامج أو منتجات أخرى.


«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)
تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)
TT

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)
تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)

في خطوة تعكس تسارع الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، أعلنت «هيوماين»، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، عن شراكة مع شركة «Turing» المتخصصة في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، بهدف إنشاء سوق عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن منصة «HUMAIN ONE».

وتتمحور الفكرة حول توفير بيئة تمكّن الشركات من اكتشاف هذه الوكلاء وتطبيقها وتوسيع استخدامها عبر وظائف مختلفة، مثل الموارد البشرية والمالية والعمليات، في محاولة لتسريع الانتقال من استخدام أدوات رقمية تقليدية إلى نماذج تشغيل أكثر اعتماداً على الأتمتة الذكية.

يفتح المشروع المجال أمام المطورين لنشر حلولهم وبناء منظومة أوسع لما يُعرف بـ«اقتصاد الوكلاء» (شاترستوك)

منصات التشغيل الذكي

الشراكة تجمع بين ما تطوره «هيوماين» من بنية تحتية ونماذج ذكاء اصطناعي، وبين خبرة «Turing» في تقييم النماذج وضبطها وتطبيقها في بيئات العمل. الهدف المعلن هو الوصول إلى وكلاء ذكاء اصطناعي يمكن استخدامها على نطاق واسع داخل المؤسسات، وليس فقط في التجارب أو النماذج الأولية.

ويُتوقع أن يشكّل هذا السوق طبقة جديدة ضمن ما يُعرف بنماذج التشغيل القائمة على الوكلاء، حيث لا تقتصر البرمجيات على دعم سير العمل، بل تبدأ في تنفيذه بشكل مباشر. وفي هذا السياق، يمكن للمؤسسات الوصول إلى وكلاء متخصصين حسب الوظيفة أو القطاع، ضمن بيئة مصممة لتكون قابلة للتوسع ومراعية لمتطلبات الأمان.

كما يفتح هذا التوجه المجال أمام المطورين وشركات التقنية لنشر حلولهم عبر المنصة، ما قد يساهم في بناء منظومة أوسع لوكلاء الذكاء الاصطناعي، تتجاوز حدود المؤسسات الفردية إلى سوق أكثر تكاملاً.

وتشير «هيوماين» إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية أوسع لإعادة تعريف كيفية بناء البرمجيات واستخدامها داخل المؤسسات، عبر الانتقال من نموذج «البرمجيات كخدمة» إلى بيئات تعتمد على وكلاء قادرين على تنفيذ المهام والتعلم والتفاعل بشكل مستمر.

يعكس هذا التوجه تحولاً نحو نماذج تشغيل جديدة تعتمد على وكلاء أذكياء بدلاً من البرمجيات التقليدية داخل المؤسسات

اقتصاد الوكلاء الناشئ

من جانبه، يرى طارق أمين، الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين»، أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً في طبيعة البرمجيات المستخدمة داخل المؤسسات، قائلاً إن «المؤسسات في المستقبل لن تُبنى حول تطبيقات منفصلة، بل حول وكلاء أذكياء يعملون إلى جانب الإنسان». ويضيف أن هذه الشراكة تسعى إلى تسريع بناء سوق يربط بين قدرات المطورين واحتياجات المؤسسات.

بدوره، أشار جوناثان سيدهارث، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لـ«Turing»، إلى أن تحويل قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى تطبيقات عملية يمثل التحدي الأساسي حالياً، موضحاً أن بناء سوق قائم على الوكلاء قد يسهم في جعل هذه التقنيات أكثر ارتباطاً بالإنتاجية الفعلية داخل المؤسسات.

وتأتي هذه الشراكة أيضاً في سياق أوسع يعكس طموح السعودية لتكون لاعباً في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من حيث الاستخدام، بل كمصدر للمنصات والحلول التقنية.

وبينما لا تزال فكرة «اقتصاد الوكلاء» في مراحل مبكرة، فإن الاتجاه نحو بناء منصات تجمع بين المطورين والمؤسسات يشير إلى تحول محتمل في طريقة تطوير البرمجيات وتبنيها. فبدلاً من شراء أدوات جاهزة، قد تتجه المؤسسات مستقبلاً إلى تشغيل منظومات من الوكلاء القادرين على تنفيذ مهام متكاملة عبر مختلف أقسام العمل.

في هذا الإطار، تبدو «HUMAIN ONE» محاولة لبناء هذه الطبقة التشغيلية الجديدة، حيث لا تقتصر القيمة على التكنولوجيا نفسها، بل على كيفية تنظيمها وتكاملها داخل بيئات العمل.


السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.