محركات البحث تركب موجة الذكاء الصناعي... عصر جديد لبحث «عبقري»

محركات البحث ستكون أكثر عبقرية (رويترز)
محركات البحث ستكون أكثر عبقرية (رويترز)
TT

محركات البحث تركب موجة الذكاء الصناعي... عصر جديد لبحث «عبقري»

محركات البحث ستكون أكثر عبقرية (رويترز)
محركات البحث ستكون أكثر عبقرية (رويترز)

باتت محركات البحث عبر الإنترنت التي تسيطر عليها «غوغل»، أداة يستخدمها الجميع في يومياتهم، ولم تشهد أي تغييرات مهمة منذ إطلاقها قبل 25 عاماً... إلا أنّ طفرة الذكاء الصناعي التوليدي قد تغيّرها بصورة جذرية.

التطور في هذا المجال سريع لدرجة أن عمليات البحث التقليدية بالكلمات المفاتيح وقوائم الروابط الإلكترونية التي تحيل إليها باتت تبدو قديمة مقارنة مع الأحاديث التي يجريها ملايين الأشخاص مع واجهات للذكاء الصناعي مثل «تشات جي بي تي» (أوبن إيه آي) و«بارد» (غوغل).

وأوضح مدير المنتجات لدى «سوفتوير إيه جي» ستيفان سيغ أن «الناس بدأوا يدركون إلى أي مدى يستخدمون غوغل، ليس للبحث عن مواقع إلكترونية، بل للرد على أسئلة» يطرحونها.

وقد أطلقت «مايكروسوفت» هذا المسار من خلال إدماج روبوت المحادثة (على نموذج تشات جي بي تي) بمحركها البحثي «بينغ». وفي إمكان محرك «بينغ» بنسخته الجديدة التي أتيحت لعامة المستخدمين اعتباراً من الأسبوع الماضي بعد فترة تجريبية استمرت ثلاثة أشهر، الرد مباشرة على أسئلة المستخدمين، مع تقديم ملخص وافٍ عن المعلومات المتوافرة تتبعه روابط وأفكار مقترحة للتحادث مباشرة مع روبوت الدردشة.

ويمكن لهذا الروبوت وضع جداول مقارنة بين منتجين، أو اقتراح مخطط للأنشطة، أو صياغة تقويم أو المساعدة في التحضير لمقابلة عمل، على سبيل المثال.

بحث «مجزّأ»

وأشارت نائبة رئيس «غوغل» لشؤون الهندسة كايثي إدواردز الأربعاء إلى أن المستخدمين لم يعودوا بحاجة لوضع كلمات مفاتيح خلال عمليات البحث، إذ سيتولى محرك البحث «جلّ العمل نيابة عنكم».

وقدمّت إدواردز الشكل الجديد للمنصة المركزية عبر الإنترنت، والشبيهة بتلك العائدة لمنافستها «مايكروسوفت»، إذ تقوم الإجابات المقدمة من النظام الآلي على بضعة مقاطع مكتوبة، مع إمكان تحديد النتائج بدقة أكبر مع أسئلة إضافية.

هذه النسخة من محرك البحث التابع لـ«غوغل»، المدعمة بالذكاء الصناعي التوليدي، ستتاح تدريجياً للمستخدمين في الولايات المتحدة في بادئ الأمر.

وقالت نائبة رئيس «غوغل» المكلفة محرك البحث إليزابيث ريد لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «نحاول جعل العملية طبيعية وفطرية أكثر، لتكون بالسهولة عينها لطرح سؤال على صديق يتمتع بخبرة في المجالات كافة».

وقد بدأت الشركتان العملاقتان في قطاع التكنولوجيا بإضافة أدوات للذكاء الصناعي التوليدي في خدماتهما المختلفة، من الحوسبة السحابية إلى الأدوات المكتبية، لجعل روبوتات الدردشة هذه بمثابة «الملّاح» في سباقات السيارات، وفق التعبير المستخدم من «مايكروسوفت».

وشرح الكاتب جون باتيل، صاحب المشاريع في مجال الإعلام، أن «البحث سيُجزأ إلى مليون جزء وسيُدمج في واجهات عدة بعيداً عن حصره في هذا الموقع المركزي الأحادي الذي بات عليه غوغل».

لكن فيما يتفاعل كل موقع إلكتروني وتطبيق مع المستخدمين والمستهلكين من خلال روبوت دردشة يتمتع بقدرة على الحديث كإنسان محترف ومقنع، ستزداد صعوبة التمييز بين الصالح والطالح من النتائج.

وسأل جون باتيل: «هل ستثقون بعميل في وكالة سفر إلكترونية ليقدّم لكم الخيار الأفضل لكم؟»، وأجاب بكلا. وقال: «من هنا، ثمة حاجة لأن أجد عبقرياً خاصاً بي، يكون مساعدي الشخصي، للتفاوض مع الخدمات. فإذا كانت المواجهة بيني وبين الذكاء الصناعي حصراً، فسأخرج خاسراً».

عبقري شخصي

وتتيح «ريبليكا» و«أنيما» وخدمات أخرى بالفعل أنظمة «مرافقة» قائمة على الذكاء الصناعي، على شكل روبوتات محادثة تعمل كأصدقاء افتراضيين.

لكن جون باتيل يحلم بأن يكون لديه «عبقري»، يجمع معلومات في كل مكان - على هاتفه الذكي، وجهاز الكومبيوتر الخاص به، والتلفزيون، وسيارته - للإجابة عن أسئلته وتنفيذ المهام التي يحتاج إليها. ومن بين هذه المهام مثلاً، شراء أفضل مكنسة كهربائية بناءً على الذوق الشخصي والعادات الاستهلاكية والعروض الترويجية الحالية، بعد محادثة قصيرة، بدلاً من إجراء بحث طويل وشاق عبر الإنترنت.

مثل هذه النماذج اللغوية، المدربة على البيانات الشخصية، ستؤتي ثمارها بالضرورة لضمان سرية هذه المعلومات التي تُستخدم حالياً لاستهداف مستخدمي الإنترنت بالإعلانات.

وبحسب أستاذ التسويق في كلية كيلوغ للإدارة جيم ليسينسكي، فإن «غوغل» لن تختفي في المستقبل القريب، وأوضح في هذا الإطار أنه «قبل أربع سنوات، مع وصول أدوات المساعدة الصوتية، غوغل، وأليكسا (من أمازون)، وسيري (من آبل)، اعتقدنا أن الناس لن يتحدثوا إلا مع الآلات».

ومع ذلك، فإن ظهور الذكاء الصناعي التوليدي قد يدفع لإعادة النظر في النموذج الاقتصادي للإنترنت، لأنه يمكن أن يسمح للمستخدمين بالعثور على المنتج الذي يريدونه «من دون الحاجة إلى النقر فوق إعلان»، بحسب جيم ليسينسكي. لكنه يبدي ثقة بأن الشركات المعنية ستجد حلولاً لذلك.

في النموذج الجديد الذي قدمته «غوغل» الأربعاء، لا تزال الإنترنت موجودة، سواء في طليعة النتائج أو في الأسفل، اعتماداً على السؤال المطروح.

وقالت إليزابيث ريد: «لا يمكننا التنبؤ بالمستقبل، لكنني أعتقد أن الإعلانات ستستمر في لعب دور حيوي».


مقالات ذات صلة

«قوة خارقة نادرة» تزداد أهميتها بزمن الذكاء الاصطناعي... هل تمتلكها؟

يوميات الشرق الأشخاص الذين يتمتعون بذكاء عاطفي عالٍ قادرون على خلق بيئة يشعر فيها الآخرون بالأمان النفسي (بيكسلز)

«قوة خارقة نادرة» تزداد أهميتها بزمن الذكاء الاصطناعي... هل تمتلكها؟

 لا يزال الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن أداء جوانب إنسانية أساسية مثل بناء الثقة وإدارة التوتر وفهم المشاعر وجعل الآخرين يشعرون بالتقدير والاهتمام

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

خاص سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
يوميات الشرق أنجيلا ليبس (قسم شرطة فارغو بولاية داكوتا الشمالية في أميركا)

سجن جدة بالخطأ لمدة 5 أشهر بعد اتهامها عبر الذكاء الاصطناعي

حُكم على جدة بالسجن خمسة أشهر بعد أن استخدمت الشرطة، عن طريق الخطأ، تقنية الذكاء الاصطناعي لربطها بعملية احتيال مصرفي في ولاية أميركية لم تزرها قط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

مواضيع تستحق القراءة تصمد أمام أدوات توليد الكلمات

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس… من بيانات غير كاملة

يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)
يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)
TT

تعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس… من بيانات غير كاملة

يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)
يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)

في مسار تطوير الروبوتات البشرية، ظل التحدي الأكبر يتمثل في تعليم الآلات مهارات حركية معقدة تحاكي الإنسان. فالمهام التي تبدو طبيعية للبشر، مثل الجري أو القفز أو حتى لعب التنس، تتطلب تنسيقاً دقيقاً بين التوازن، والتوقيت، واتخاذ القرار في أجزاء من الثانية. تقليد هذه القدرات آلياً لم يكن ممكناً إلا في بيئات محدودة، وغالباً عبر بيانات مثالية يصعب الحصول عليها في الواقع.

لكن دراسة حديثة تقترح مساراً مختلفاً: ماذا لو لم تعد الحاجة إلى بيانات مثالية شرطاً أساسياً لتعليم الروبوتات؟

يركز البحث على تطوير نموذج لتعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس، باستخدام بيانات حركة بشرية غير مكتملة أو غير دقيقة. وبدلاً من الاعتماد على تسجيلات كاملة ومضبوطة للحركات، يعمل النظام على استغلال مقاطع جزئية من البيانات، ثم إعادة تركيبها لبناء سلوك حركي متكامل.

يعتمد النموذج على تقسيم الحركات إلى مقاطع صغيرة وإعادة تركيبها لتكوين سلوك متكامل (المصدر)

من البيانات المثالية إلى البيانات الواقعية

تقليدياً، تعتمد أنظمة التعلم الحركي للروبوتات على بيانات عالية الجودة، يتم التقاطها باستخدام أنظمة متقدمة لتتبع الحركة. هذه البيانات توفر وصفاً دقيقاً لكل حركة، لكنها مكلفة وصعبة التوسّع، كما أنها لا تعكس دائماً تعقيد العالم الحقيقي. في المقابل، ينطلق هذا البحث من فرضية مختلفة، حيث إن البيانات الواقعية حتى وإن كانت غير كاملة، يمكن أن تكون كافية لتعليم مهارات معقدة، إذا تم التعامل معها بطريقة مناسبة.

وهنا، لا يحاول النموذج «تنقية» البيانات بقدر ما يعمل على فهم الأنماط الكامنة فيها، واستنتاج كيفية تحويلها إلى حركات قابلة للتنفيذ.

نموذج يتعلم من أجزاء متفرقة

يعتمد النظام المقترح على تقسيم البيانات الحركية إلى مقاطع صغيرة، تمثل كل منها جزءاً من حركة أكبر. ثم يقوم بربط هذه الأجزاء معاً داخل بيئة محاكاة، بحيث يتعلم الروبوت كيفية الانتقال من حركة إلى أخرى بسلاسة. هذه المقاربة تشبه إلى حد ما الطريقة التي يتعلم بها الإنسان مهارة جديدة، حيث يتم الجمع بين تجارب جزئية لتشكيل أداء متكامل. والنتيجة هي نموذج قادر على توليد حركات ديناميكية، دون الحاجة إلى مسار واحد محدد مسبقاً.

التنس كنموذج لاختبار التعقيد

اختار الباحثون لعبة التنس كبيئة اختبار، نظراً لما تتطلبه من تنسيق بين الحركة والإدراك. فالتعامل مع كرة متحركة يستدعي تقدير السرعة والاتجاه، واتخاذ قرار فوري بشأن كيفية الرد، ثم تنفيذ الحركة بدقة. في التجارب، تمكّن الروبوت من تعلم ضرب الكرة والتفاعل مع مواقف مختلفة، بما في ذلك الحفاظ على تبادل الكرات في بعض الحالات. ويشير ذلك إلى أن النموذج لا يقتصر على تكرار حركات محفوظة، بل يطوّر استجابة قابلة للتكيف مع السياق.

اختيار التنس كنموذج يبرز قدرة النظام على التنسيق بين الإدراك والحركة في بيئة ديناميكية (المصدر)

فجوة بين المحاكاة والواقع

كما هو الحال في كثير من أبحاث الروبوتات، يعتمد جزء كبير من التدريب على بيئات محاكاة. هذه البيئات تتيح تسريع عملية التعلم وتقليل المخاطر، لكنها لا تعكس دائماً تعقيدات العالم الحقيقي.

لذلك، يمثل نقل المهارات من المحاكاة إلى الواقع أحد التحديات الأساسية. وقد عمل الباحثون على تقليل هذه الفجوة عبر تصميم النموذج بحيث يأخذ في الاعتبار التباين وعدم الدقة في البيانات، وهو ما يجعله أكثر قدرة على التكيف عند التطبيق العملي.

ما الذي يتغير فعلاً؟

لا تكمن أهمية هذا البحث في قدرة الروبوت على لعب التنس بحد ذاتها، بل في ما تشير إليه من تحول أوسع في منهجية التعلم. فإذا كان بالإمكان تدريب الأنظمة على مهارات معقدة باستخدام بيانات غير مثالية، فإن ذلك يفتح الباب أمام استخدام مصادر بيانات أكثر تنوعاً، مثل الفيديوهات العامة أو التسجيلات غير المنظمة. وهذا بدوره قد يسرّع تطوير ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي المجسّد»، حيث تتفاعل الأنظمة مع العالم الفيزيائي بشكل مباشر.

حدود وتحديات قائمة

مع ذلك، لا تزال هذه المقاربة في مراحلها الأولى. فالروبوت لا يصل إلى مستوى الأداء البشري، ولا تزال قدرته على التعامل مع مواقف غير متوقعة محدودة. كما أن الاعتماد على المحاكاة يفرض قيوداً على مدى تعميم النتائج. لكن رغم هذه التحديات، يقدم البحث دليلاً على أن الطريق نحو تعليم الروبوتات قد لا يمر عبر الكمال، بل عبر القدرة على الاستفادة من النقص.

يشير هذا التوجه إلى إعادة التفكير في العلاقة بين البيانات والتعلم. فبدلاً من السعي إلى جمع بيانات مثالية ومكتملة، قد يكون التركيز مستقبلاً على تطوير نماذج قادرة على التعلم من الواقع كما هو بما يحمله من نقص وتباين. وفي هذا السياق، لا يمثل التنس سوى مثال تجريبي. أما الهدف الأوسع، فهو تمكين الروبوتات من اكتساب مهارات حركية متنوعة، تتراوح بين العمل الصناعي والخدمات اليومية.


الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
TT

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

مع تسارع الذكاء الاصطناعي في توليد البيانات واستخدامها، يؤدي تزايد أهمية البنية التحتية إلى تحول أقل وضوحاً، لكنه أكثر عمقاً. فبينما يتركّز جزء كبير من النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي على قوة الحوسبة وأداء النماذج، يشير قادة الصناعة بشكل متزايد إلى كيفية تخزين البيانات والوصول إليها وتوسيعها على نطاق واسع.

في إحاطة إعلامية خاصة حضرتها «الشرق الأوسط»، قدّم مسؤولون في شركة «سي غيت تكنولوجي» (Seagate Technology) هذا التحول بوصفه تغيراً هيكلياً، لا مجرد تحديث تقني. فالتحدي لم يعد يقتصر على إنتاج البيانات أو معالجتها، بل بات يتمحور حول القدرة على الحفاظ عليها وتوسيعها بكفاءة واستدامة وعلى نحو يمكن التنبؤ به. يقول ديف موسلي، الرئيس التنفيذي للشركة إن «ما نعلنه اليوم ليس مجرد إنجاز على مستوى المنتج، بل يعكس كيف يجب أن تتطور البنية التحتية لمواكبة التسارع غير المسبوق في نمو البيانات عالمياً».

ديف موسلي الرئيس التنفيذي لشركة «سي غيت تكنولوجي»

يصعب المبالغة في حجم هذا النمو. فحسب موسلي، انتقل حجم البيانات العالمية من نحو زيتابايت واحد في عام 2005 إلى أكثر من 70 زيتابايت في عام 2020، مع توقع إضافة مئات الزيتابايت في السنوات المقبلة. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يعدّ محركاً رئيسياً لهذا التوسع، فإنه ليس العامل الوحيد؛ إذ تسهم خدمات الحوسبة السحابية والفيديو والأتمتة والمتطلبات التنظيمية في تشكيل منظومة بيانات أكثر تعقيداً واتساعاً.

هذا التداخل يعيد صياغة طريقة تقييم البنية التحتية. ويضيف موسلي أن «القصة لم تعد تتعلق بتقنية واحدة، بل بالبنية التحتية وتخصيص رأس المال». بمعنى آخر، لم يعد السؤال هو ما إذا كان بالإمكان إنتاج البيانات أو معالجتها، بل ما إذا كانت الأنظمة الداعمة قادرة على التوسع بكفاءة لمواكبة هذا النمو.

ما بعد الحوسبة

أحد أبرز الاستنتاجات هو أن مسار الذكاء الاصطناعي لا يمكن فهمه من خلال الحوسبة وحدها. فرغم أهمية المعالجات والمسرّعات، فإنها تعتمد بشكل أساسي على توفر البيانات.

ويشير موسلي إلى أنه «عندما يتحدث الناس عن بنية الذكاء الاصطناعي، يركّزون على الحوسبة التي لا يمكن أن تعمل دون بيانات. ماذا يحدث عندما تنفد البيانات من منصات الحوسبة؟ هذه مشكلة».

هذا الطرح يعيد وضع التخزين في قلب أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالبيانات لا يكفي أن تكون موجودة، بل يجب الاحتفاظ بها وحمايتها وإمكانية استرجاعها على نطاق واسع. وفي بيئات الحوسبة فائقة الحجم، حيث تُتخذ القرارات على مدى خمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، تتحول هذه المتطلبات معادلةً اقتصادية بقدر ما هي تقنية.

تكلفة التخزين لكل تيرابايت واستهلاك الطاقة وكثافة السعة لكل رفّ، كلها أصبحت عوامل حاسمة. وكما أفاد موسلي: «الذكاء الاصطناعي لا يتوسع بالحوسبة فقط، بل يعتمد على اقتصاديات مستدامة، والتخزين هو ما يحدد هذه الاقتصاديات».

الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط... بل يضاعفها عبر النسخ وإعادة التدريب والاستخدام المستمر (غيتي)

من النمو إلى التراكم

جزء من هذا التحول يرتبط بطبيعة البيانات نفسها. فالذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فحسب، بل يضاعفها. ويصرح بي إس تيه، الرئيس التجاري للشركة بأن «الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط، بل يراكمها». عملياً، يعني ذلك أن البيانات تُنسخ وتُوزَّع وتُحفظ ويُعاد استخدامها لتدريب النماذج وإعادة تدريبها. ونتيجة لذلك؛ لم يعد نمو البيانات خطياً، بل أصبح متسارعاً ومتراكماً.

ويظهر هذا الواقع في توسّع مراكز البيانات عالمياً. فهناك اليوم أكثر من 11 ألف مركز بيانات، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 15 ألفاً خلال السنوات المقبلة. لكن الأهم هو حجم هذه المراكز. فما كان يُعدّ مركزاً ضخماً سابقاً بقدرة 10 ميغاواط تحل محله اليوم مراكز «عملاقة» تصل إلى 100 أو حتى 300 ميغاواط.

ويذكر تيه أنه «لا يكاد يمر يوم دون الإعلان عن بناء مركز بيانات جديد في مكان ما من العالم». لكن التحول الحقيقي لا يكمن في العدد فقط، بل في الحجم والضغط المتزايد على البنية التحتية.

التوسع دون اضطراب

مع هذا النمو، لا يتمثل التحدي في زيادة السعة فقط، بل في تحقيق ذلك دون إحداث اضطراب. فمشغلو البنية التحتية الضخمة لا يمكنهم تحمل تغييرات جذرية متكررة. ويلفت موسلي إلى أن بعض العملاء يتخذون قرارات تمتد لخمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، ويحتاجون إلى ثقة بأن كثافة التخزين ستستمر في التوسع دون تغييرات معمارية معطِّلة.هذا التركيز على القابلية للتنبؤ أصبح بحد ذاته ميزة أساسية. فالتطور يجب أن يكون تدريجياً ومستمراً، لا أن يفرض إعادة تصميم مكلفة في كل مرحلة.

من جانبه، يوضح جون موريس، المدير التقني، أن التقنيات التقليدية لزيادة الكثافة وصلت إلى حدودها ويتابع: «تقنية التسجيل المغناطيسي التقليدية اقتربت من حدودها، ونحتاج إلى ابتكارات جديدة لدفع الجيل القادم من التخزين».

ولهذا؛ طوّرت الشركة تقنية التسجيل المغناطيسي بمساعدة الحرارة (HAMR)، التي تستخدم تسخيناً دقيقاً بالليزر لزيادة كثافة البيانات دون تغيير الحجم الفيزيائي للأقراص. ويشرح موريس بأن «الزيادة في السعة تتحقق من خلال الفيزياء الأساسية للتسجيل؛ ما يتيح اقتصاديات أفضل من حيث التكلفة لكل تيرابايت والاستثمار المطلوب». الأهم أن هذه التقنية لم تعد في مرحلة التجارب، بل انتقلت إلى بيئات الإنتاج الفعلية، حيث تم اعتمادها من قِبل عملاء في قطاع الحوسبة السحابية واسعة النطاق.

من الابتكار إلى الإنتاج الصناعي

تحويل الابتكار منتجاً فعلياً يتطلب أكثر من اختراق تقني، بل يحتاج إلى قدرة على التصنيع على نطاق واسع بدقة عالية. وحول ذلك يقول موريس إن «نقل هذه التقنية من البحث إلى الإنتاج تطلب تطوير تقنيات جديدة بالكامل»، مشيراً إلى التقدم في المواد والفوتونيات وعمليات التصنيع الدقيقة. وهذا ما يتيح التوسع التدريجي دون انقطاع. فكل جيل جديد يبني على السابق؛ ما يسمح بزيادة السعة دون الحاجة إلى إعادة تصميم الأنظمة بالكامل.

التحدي الأساسي لم يعد سرعة النماذج... بل قدرة البنية التحتية على التوسع بشكل مستدام وموثوق (غيتي)

اقتصاديات الحجم

على مستوى البنية التحتية الضخمة، حتى التحسينات الصغيرة تُحدِث فرقاً كبيراً. ويفسر موسلي بأنه في بيئة تخزين بحجم إكسابايت واحد، يمكن تحقيق تحسن في كفاءة الطاقة بنحو 47 في المائة مقارنة بالأنظمة السابقة، مع تقليل عدد الأقراص من نحو 50 ألفاً إلى نحو 22 ألفاً؛ ما يؤدي إلى تقليل المساحة والتبريد والتعقيد التشغيلي.

هذه ليست تحسينات هامشية، بل تغييرات تؤثر مباشرة على التكلفة والبنية.

وأشار تيه إلى أن الاستدامة أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء، قائلاً: «لم تعد الاستدامة مسألة ثانوية»، في إشارة إلى أهمية استهلاك الطاقة والبصمة الكربونية. كما أن نظرة المؤسسات إلى البيانات تغيّرت، حيث إنه «في السابق كانت البيانات تُعدّ تكلفة، أما اليوم فهي أصل استراتيجي يتراكم بمرور الوقت».

السؤال الحاسم

تشير هذه التطورات إلى تحول أوسع في تصميم بنية الذكاء الاصطناعي. فالتخزين الذي كان في الخلفية، أصبح اليوم في صميم التخطيط. في السابق، كانت الأولوية للحوسبة والذاكرة والشبكات. أما اليوم، فأصبح التخزين عاملاً حاسماً في قدرة الأنظمة على التوسع. وكما وصفه تيه: «كان التخزين مثل الهواء أو الماء أساسي، لكنه غير مرئي... إلى أن يغيب». اليوم، لم يعد كذلك، بل أصبح محورياً في بناء القدرات الرقمية.

بالنسبة لقيادة الشركة، يتجاوز هذا التحول حدود التقنية ليطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. وباعتقاد موسلي أن «السؤال الأهم لهذا العقد ليس مدى سرعة تدريب النماذج، بل مدى قدرة البنية التحتية للبيانات على التوسع بشكل مستدام».

هذا الطرح يعيد توجيه النقاش، حيث إن مستقبل الذكاء الاصطناعي قد لا يعتمد فقط على تطور النماذج، بل على القدرة على إدارة البيانات على نطاق غير مسبوق بكفاءة واستقرار ودون انقطاع. وبهذا المعنى، قد لا يُقاس تقدم الذكاء الاصطناعي بذكائه فقط، بل بالبنية التحتية التي تجعله ممكناً.


«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
TT

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

تسعى «غوغل» إلى معالجة إحدى أبرز العقبات في عالم تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمستهلكين، وهي «مشكلة البدء من الصفر». فمع تنقُّل المستخدمين بين أكثر من مساعد ذكي، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لإعادة إدخال تفضيلاتهم، وشرح سياقهم الشخصي مراراً، وإعادة بناء سجل محادثاتهم من جديد. ومن خلال مجموعة ميزات جديدة في تطبيق «جيميناي»، تحاول الشركة تقليل هذا الاحتكاك عبر تمكين المستخدم من نقل «ذاكرته الرقمية» بين المنصات.

تعتمد عملية الاستيراد على توليد ملخص من التطبيق الآخر ثم إدخاله إلى «جيميناي»، ليتم تحليله وحفظه (غوغل)

استمرارية التجربة الرقمية

في تحديث بدأ طرحه في العالم العربي، تقدم «غوغل» ميزة «استيراد الذاكرة» (Memory Import) التي تتيح نقل عناصر أساسية من السياق الشخصي -مثل الاهتمامات والعلاقات والتفضيلات- من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى مباشرة إلى «جيميناي».

الفكرة بسيطة، وهي أنه بدلاً من تدريب مساعد جديد من الصفر، يمكن للمستخدم أن ينقل معه طبقة جاهزة من الفهم تعكس طريقة تفاعله السابقة.

ورغم التعقيد التقني الكامن وراء هذه العملية، فإن تنفيذها جاء بشكل مبسَّط. من خلال إعدادات «جيميناي»، يمكن اختيار خيار الاستيراد؛ حيث يتم توليد «طلب» (Prompt) جاهز، ثم يقوم المستخدم بنسخ هذا الطلب إلى تطبيق ذكاء اصطناعي آخر، والذي بدوره يُنتج ملخصاً لتفضيلات المستخدم وسياقه. بعد ذلك، يتم لصق هذا الملخص داخل «جيميناي» الذي يقوم بتحليله وتخزينه ضمن ملف المستخدم. ومن ثمَّ، يصبح «جيميناي» قادراً على استخدام هذه البيانات لتخصيص ردوده، وكأنه يواصل رحلة المستخدم الرقمية بدلاً من البدء من جديد.

تمكِّن الميزة المستخدمين من تجنُّب البدء من الصفر عبر نقل فهم مسبق لطبيعة تفاعلاتهم واهتماماتهم (غيتي)

«الذكاء الشخصي»

تندرج هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لدى «غوغل»، نحو ما تسميه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence)، وهو نموذج يسعى إلى تقديم مساعد ذكي أكثر وعياً بالسياق. فبدلاً من التعامل مع كل طلب بشكل منفصل، يهدف «جيميناي» إلى تقديم إجابات مبنيَّة على فهم أعمق لتاريخ المستخدم وعاداته واهتماماته.

ولا يقتصر الأمر على استيراد الذاكرة فقط. فمع موافقة المستخدم، يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات عبر منظومة «غوغل» الأوسع، بما في ذلك «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث، إضافة إلى المحادثات السابقة داخل التطبيق نفسه. وهذا يتيح مستوى أكثر تطوراً من التفاعل؛ حيث لا تعتمد الإجابة فقط على السؤال الحالي؛ بل على صورة أوسع تتشكل مع الوقت حول المستخدم.

تشتت سجل المحادثات

كما تعالج «غوغل» مشكلة أخرى برزت مع انتشار استخدام أدوات ذكاء اصطناعي متعددة، وهي تشتت سجل المحادثات؛ إذ بات بإمكان المستخدمين الآن تحميل أرشيف محادثاتهم من منصات أخرى بصيغة ملف مضغوط (ZIP) واستيراده إلى «جيميناي». وبذلك يمكنهم البحث داخل محادثاتهم السابقة، واستكمالها دون فقدان السياق.

تعكس هذه الميزة تحولاً مهماً في طريقة النظر إلى المساعدات الذكية. فهي لم تعد مجرد أدوات منفصلة؛ بل بدأت تأخذ شكل «رفيق رقمي» طويل الأمد؛ حيث تلعب الاستمرارية وتراكم السياق دوراً محورياً في قيمتها. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى سجل المحادثات كأرشيف فقط؛ بل كجزء من «ذكاء» النظام نفسه.

بالنسبة للمستخدم، تكمن الفائدة المباشرة في الكفاءة. فالمهام التي كانت تتطلب شرحاً متكرراً، مثل التخطيط للسفر، أو إدارة المشاريع، أو تطوير أفكار إبداعية، يمكن الآن استئنافها بسهولة من حيث توقفت. أما بالنسبة لـ«غوغل»، فالدلالة الاستراتيجية واضحة، فتقليل تكلفة الانتقال بين المنصات يجعل من الأسهل على المستخدم اعتماد «جيميناي» مساعداً أساسياً، حتى لو كانت تجربته السابقة في مكان آخر.

يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات خدمات «غوغل» مثل «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث لتحسين الاستجابات (غوغل)

الخصوصية والمنافسة الجديدة

في المقابل، تظل مسألة الخصوصية والتحكم في البيانات حاضرة. تؤكد «غوغل» أن هذه الميزات تعمل بموافقة المستخدم؛ خصوصاً عند الربط مع خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل». كما أن عملية الاستيراد نفسها تتطلب خطوات واضحة من المستخدم. ومع ذلك، فإن تعمُّق تكامل الذكاء الاصطناعي مع البيانات الشخصية سيبقى موضع نقاش مستمر.

يأتي إطلاق هذه الميزات أولاً عبر «الويب» في العالم العربي، على أن تصل إلى الأجهزة المحمولة خلال الأيام المقبلة، ما يعكس توجهاً نحو تقديم حلول مخصَّصة للأسواق الإقليمية؛ خصوصاً فيما يتعلق باللغة والسياق الثقافي.

بصورة أوسع، يشير هذا التحديث إلى تحول في طبيعة المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التميز يقتصر على قوة النماذج أو عدد الميزات؛ بل بات يرتبط بمدى قدرة المساعد على فهم المستخدم والاستمرار معه عبر الزمن. وفي هذا السياق، تصبح «الذاكرة» عاملاً حاسماً.

فمن خلال تمكين المستخدمين من نقل سياقهم معهم، لا تضيف «غوغل» مجرد ميزة جديدة؛ بل تعيد تعريف نقطة البداية في التفاعل، لتتحول من صفحة بيضاء إلى محادثة مستمرة.