توجُّهات عالمية لمعالجة مياه الصرف وتدويرها لامركزياً

الأبنية المحايدة مائياً

محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي على نهر التيمس في لندن (أ.ف.ب)
محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي على نهر التيمس في لندن (أ.ف.ب)
TT

توجُّهات عالمية لمعالجة مياه الصرف وتدويرها لامركزياً

محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي على نهر التيمس في لندن (أ.ف.ب)
محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي على نهر التيمس في لندن (أ.ف.ب)

تُعد معالجة المنصرفات وإعادة استخدام المياه المعالَجة ممارسة تقليدية في العديد من الأماكن حول العالم، لا سيما في المناطق التي تعاني من ندرة الموارد المائية أو في البلدان التي تضع شروطاً صارمة على طرح المياه العادمة إلى الأنهار والمسطحات المائية.

ومع تواتر الجفاف واتساع نطاقه نتيجة تغيُّر المناخ، يزداد الاتجاه عالمياً نحو الحلول التي تعتمد اللامركزية في معالجة الصرف الصحي وتوفير المياه لإعادة استخدامها من جديد. وتُعرف هذه الحلول أيضاً بأنظمة المياه الموزّعة، أو أساليب إعادة تدوير المياه في الموقع، ويجري تطويرها كاستراتيجية رائدة في إطار الجهود المبذولة لجعل المياه أكثر استدامة.

الجفاف يفرض إعادة استعمال المياه

بينما كانت تطبيقات معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها تجري عادةً في الأماكن الريفية والنائية عبر ممارسات تقليدية، تشمل على سبيل المثال الحُفَر التعفنية ومعالجة المنصرفات بواسطة نباتات الأراضي الرطبة، ظهرت نظم جديدة تتيح معالجة المياه الرمادية (منصرفات الحمّامات والغسّالات) والمياه السوداء (منصرفات دورات المياه والمطابخ) في المباني التجارية والسكنية، والمرافق الخدمية والتعليمية، وغيرها.

وتساعد هذه النظم في توفير المياه، لغير أغراض الشرب، بسعر أقل من شراء المياه الصالحة للشرب من الشبكة العامة. ومع خفض الطلب على المياه الصالحة للشرب، التي تُعدّ ذات تكلفة مرتفعة في معالجتها وتوزيعها، تزداد كفاءة إدارة المياه. ويعتقد علماء أن مستقبل المياه سيقوم على جعل المباني مكتفية ذاتياً، بحيث تصبح «محايدة مائياً» نتيجة استخدام المياه ذاتها مراراً وتكراراً في حلقة مغلقة.

ولا تبدو هذه الرؤية المستقبلية حلماً بعيد المنال، فمدينة سان فرانسيسكو لا تسمح منذ عام 2015 بترخيص الأبنية الجديدة التي تزيد مساحتها على 100 ألف قدم مربع (نحو 9290 مترا مربعا) دون وجود أنظمة معالجة وتدوير للمياه في الموقع. ومن بين النظم المستخدمة حالياً معالجة الصرف الصحي في أراضٍ رطبة موزّعة حول كتل الأبنية، واستخدام المياه المعالجة في دورات المياه. وتقلل هذه العملية من إمدادات المياه المطلوبة من الشبكة العامة بنسبة 40 في المائة.

وتوجد ضغوطات كبيرة على إمدادات المياه العذبة في جميع أنحاء العالم، حيث تتوقع الأمم المتحدة أن 5 مليارات شخص قد يعانون من نقص المياه بحلول 2050. وستكون أنظمة معالجة المياه اللامركزية خيار المجتمعات لتحقيق التنمية الاقتصادية مع ضمان الأمن المائي، وقد أخذ يشقّ طريقه في مناطق تعاني حالياً من الجفاف وأزمات المياه، كما في ولايات كولورادو وتكساس وواشنطن في الغرب الأميركي، وكذلك في الهند وأستراليا واليابان.

وتقوم إحدى المبادرات، التي رُشِّحت هذه السنة لجائزة زايد للاستدامة، على تطوير محطة متنقلة لمعالجة مياه الصرف الصحي يمكن تخصيصها وفقاً للحاجة، ونشرها متى وكيفما دعت الضرورة. وتسمح المحطة المتنقلة، التي صمّمتها شركة «سيسوي» اليابانية، بمعالجة مياه الصرف الصحي في الموقع، وتخليصها من المواد الصلبة والزيوت والمعادن الثقيلة، ما يسمح بإعادة استخدام المياه. وتُقدِّر هيئة المرافق العامة في سان فرانسيسكو، التي تزوّد المدينة بالمياه العذبة، أن هناك ما مجموعه 48 نظاماً قيد التشغيل حالياً لمعالجة مياه الصرف موضعياً وإعادة استخدامها، إلى جانب 29 مشروعاً آخر يجري التخطيط لها في المدينة.

وتتيح التقنيات الحالية جمع جميع المنصرفات ومعالجتها، بحيث تصبح مياهاً صالحةً للشرب. لكن سلامة الاستخدام المباشر لمياه الصرف الصحي المعالجة لا تزال قيد الدراسة، إذ تحول التشريعات الأميركية الحالية دون استخدام المياه المعالجة لأغراض الشرب. ويرى خبراء أن النظام الدائري الكامل، الذي تتم فيه إعادة استخدام المياه في الموقع لجميع الأغراض بما فيها الشرب، سيكون متاحاً في غضون 5 إلى 10 سنوات في الولايات المتحدة.

وفي مدينة دبي، يستفيد «برج خليفة» من مجموعة الإجراءات التي يجري اتباعها للحدّ من هدر موارد الطاقة والمياه، حيث يتم تجميع الماء المتكثّف من أنظمة التكييف لتبريد مياه الشرب التي تؤمّنها هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا). وتُضَخ مياه التكاثف إلى خزان كبير لاستخدامها في عمليات ري الحدائق والمسطحات الخضراء المحيطة بالبرج، ما يتيح توفير نحو 57 ألف متر مكعب من المياه سنوياً.

وفي مقابل الحلول الناشئة لتدوير المياه في الموقع، تستمر الأنظمة المركزية لمعالجة المياه وتدويرها في التطوّر والنمو منذ عقود لحل مشكلة نقص المياه المتسارعة. وتعالج منشأة كبيرة لإعادة تدوير المياه في مقاطعة أورانج في كاليفورنيا نحو 500 ألف متر مكعب من مياه الصرف يومياً، في عملية إعادة استخدام غير مباشرة لمياه الشرب. والبداية من خلال عملية تشمل ثلاث مراحل هي الترشيح الدقيق، والتناضح العكسي، والتطهير بالأشعة فوق البنفسجية وبيروكسيد الهيدروجين، بعدها تُحقن المياه المعالجة في المياه الجوفية، ثم يتم ضخها ومعالجتها في المرافق المحلية لتصبح مواصفاتها مطابقة لمعايير مياه الشرب. وهي أكبر محطة في العالم تعتمد هذا الأسلوب.

وفي سنغافورة، التي تعاني من نقص المياه، تقوم محطة شانغي الضخمة لمعالجة المياه بتنظيف وتنقية نحو 900 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يومياً لتتوافق مع معايير مياه الشرب. أما في العالم العربي، فتنتشر محطات معالجة مياه الصرف الصحي على نطاق واسع لمعالجة المنصرفات إلى الحدّ الذي يسمح بطرحها في المسطحات المائية بشكل آمن. كما توجد العديد من المشاريع، كما في دول الخليج والأردن وفلسطين، لمعالجة مياه الصرف الصحي واستخدامها في الزراعة بهدف توفير الموارد المائية الثمينة وتخفيف فاتورة تحلية مياه البحر.

وكانت وزارة الموارد المائية المصرية أعلنت مؤخراً أنها تقوم بإعادة استخدام كميات من المياه، تصل إلى 20 مليون متر مكعب سنوياً، بفضل شبكة واسعة من محطات معالجة مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي. وتتوقع الوزارة أن تصبح مصر ضمن أكثر الدول تدويراً لمياه الصرف المعالجة عند انتهاء مشروعات محطات المعالجة في مناطق بحر البقر والحمام والمحمسة.

المعالجة في الموقع أرخص وأسهل

وتواجه الحلول المركزية لمعالجة مياه الصرف مصاعب كبيرة، لا سيما في ما يخص تأمين النفقات التأسيسية والتشغيلية. وفي المقابل، تسمح نظم تدوير المياه في الموقع بتوفير كلفة ضخ المياه لمسافات طويلة، وما يرتبط بها من نفقات حفر الشوارع لمد قساطل الصرف الصحي وأنابيب مياه الشرب. وهي من ناحية أخرى أكثر تكيُّفاً مع أحوال الطقس المتطرفة التي تتسبب في كثير من الأحيان بتعطيل محطات معالجة الصرف الصحي التقليدية.

ومما يساعد في تحسين جدوى الحلول اللامركزية لمعالجة المنصرفات أنها تتجاوب بشكل مرن مع طبيعة المنصرفات وغاية الاستخدام النهائية، مما يخفّض كلفة تشغيلها. فعلى سبيل المثال، لا توجد ضرورة لاستخدام تقنيات مكلفة في الموقع لمعالجة المياه الرمادية لاستخدامها في دورات المياه، في حين تصل مياه الصرف إلى محطات المعالجة المركزية مختلطة وتتطلب استخدام أساليب معالجة مكثّفة ومكلفة.

يزداد الاتجاه عالمياً نحو الحلول التي تعتمد اللامركزية في معالجة الصرف الصحي

وتشير دراسة حول اقتصاديات المعالجة اللامركزية لمياه الصرف وتدويرها، نُشرت العام الماضي في دورية «ووتر ريسيرتش»، إلى أن النفقات التأسيسية والتشغيلية لأنظمة حصاد المياه وإعادة التدوير في الموقع ستزيد من التكلفة الإجمالية لتشييد الأبنية الطابقية المتعددة المساكن بنحو 6 في المائة، وستصل هذه الزيادة إلى 12 في المائة للمنازل المستقلة.

وتقدّر هذه الدراسة أن السعر الإجمالي لتأمين المياه في الموقع، بما فيها كلفة حصاد مياه الأمطار وعمليات المعالجة والتدوير والمراقبة، ستتراوح ما بين 1.5 و2.7 دولار للمتر المكعب، وهو سعر أقل بكثير من التعرفة الوسطية للمياه في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وعلى سبيل المثال، تصل تعرفة مياه الصنبور في ولاية سان فرانسيسكو إلى 6 دولارات للمتر المكعب.

وتتوافر في الأسواق حالياً مجموعة من أجهزة معالجة وتدوير المياه الصغيرة المخصصة للاستخدام في المنزل. ومن بينها جهاز «هيدرالوب»، الذي تنتجه شركة هولندية، ويأتي في حجم غسّالة لتنظيف المنصرفات ومعالجتها. ويسمح هذا الجهاز بتدوير ما يصل إلى 95 في المائة من المنصرفات المنزلية لاستخدامها في غسل الملابس وري الحدائق ولدورات المياه. كما تصنع شركة كندية جهاز «رين ستيك»، الذي يعيد تدوير مياه «الدوش» مراراً وتكراراً أثناء الاستحمام.

ويمثّل القبول الاجتماعي لإعادة استخدام المياه المعالجة حجر عثرة أمام انتشار نظم معالجة المنصرفات وتدويرها في الموقع، ما يجعل المطوّرين والمعماريين يغضّون النظر عن لحظ هذه النظم ضمن المشاريع العمرانية الحديثة، وإن كانت في تصميمها تحاكي دورة المياه في الطبيعة.

لكن المتوقَّع أن تسير أنظمة معالجة المنصرفات وتدوير المياه اللامركزية في النهاية على الخطى ذاتها التي اتبعتها نظم العزل الحراري وخفض الانبعاثات في الأبنية خلال العقود القليلة الماضية، حيث أُهملت قبل أن تصبح جزءاً ثابتاً في مواصفات البناء. ففي عالم يعاني من إجهاد مائي متزايد سيكون توفير كل قطرة ماء واجباً وليس خياراً.


مقالات ذات صلة

العسل يحلي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف أسرار الشهد الأصفر

يوميات الشرق مستعمرات النحل داخل منحل واحة الرياض (تركي العقيلي) p-circle 02:10

العسل يحلي «واحة الرياض»... تجارب حية تكشف أسرار الشهد الأصفر

نظمت «واحة الرياض» في شارع التحلية فعالية «تعرف على النحل»، وذلك ضمن برامجها الأسبوعية الثابتة التي تهدف إلى تعزيز الوعي البيئي، والتعرف على أهمية النحل.

فاطمة القحطاني (الرياض)
بيئة غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي ‌لمسات مميزة على المناظر الطبيعية المألوفة يحتمل أن تختفي بحلول نهاية القرن.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
يوميات الشرق طيور مهاجرة في مساراتها بسيناء (الشرق الأوسط)

مصر لحماية مسارات الطيور المهاجرة بالمحميات الطبيعية

أعلنت مصر جهوداً متعددة لإنقاذ وحماية مسارات لطيور المهاجرة بمحمياتها الطبيعية، ضمن مشاركتها في الاحتفال بـ«اليوم العالمي للطيور المهاجرة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مدينة مكسيكو تُعدّ موطناً لأكثر من 22 مليون نسمة وتمتد على مساحة تُقدّر بنحو 3 آلاف ميل مربع (أ.ب)

واحدة من أكبر مدن العالم تغرق... وملايين السكان مهددون

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطراً بيئياً متصاعداً قد يعيد رسم ملامحها الديموغرافية والعمرانية، ويهدد بنزوح ملايين السكان إذا استمر الوضع.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
يوميات الشرق بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».


فرنسا تسمح بإعدام نحو 200 ذئب لحماية الماشية

مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
TT

فرنسا تسمح بإعدام نحو 200 ذئب لحماية الماشية

مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)
مزارعون في ليون يسيرون قطعاناً من الأغنام احتجاجاً على اتجاه الحكومة الفرنسية لحماية الذئاب 9 أكتوبر 2017 (رويترز)

قالت وزيرة الزراعة الفرنسية، آني جونفار، الجمعة، إن السلطات الفرنسية سمحت بإعدام نحو ​200 ذئب، إذ تنتشر قطعان الذئاب في الأراضي الزراعية، وتتجول بالقرب من المدن الكبرى.

وأضافت أن هناك ما يزيد قليلاً على ألف ذئب في فرنسا، وأن الأجهزة التابعة للوزارة رفعت الحد الأقصى لعدد الذئاب ‌المسموح بإعدامها من ‌19 في المائة إلى ​21 ‌في المائة، أي ​ما يزيد قليلاً على 200 ذئب، ومن الممكن رفعه مرة أخرى إلى 23 في المائة.

وقالت وزيرة الزراعة لمحطة إذاعية فرنسية: «تتسبب الذئاب في أضرار متزايدة لمزارع الماشية لدينا، ما يضع المزارعين في حالة من التوتر والأذى الشديد».

وفي العام ‌الماضي، انتهى نقاش ‌حاد بين المزارعين وجماعات ​حماية الحيوانات بشأن ‌الذئاب التي يتزايد عددها وهجماتها على ‌الماشية، بتصويت في البرلمان الأوروبي أيد رأي المزارعين.

واتفق المشرعون الأوروبيون، في مايو (أيار) الماضي، على تخفيض تصنيف الذئب من «محمي بشكل صارم» إلى «محمي»، ما يعني أن دول الاتحاد الأوروبي يمكنها السماح بصيد الذئاب، شرط اتخاذ إجراءات تمنع تعرض هذه الحيوانات للانقراض.

وقالت المفوضية الأوروبية، التي اقترحت التغيير، إنه يستند إلى دراسة وتحليل معمقين، مع الأخذ في الاعتبار أن أعداد الذئاب تتزايد في أنحاء الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ عددها نحو 20300 ذئب في 2023، ما أدى إلى زيادة الأضرار التي تلحق بالماشية.