المعارف التقليدية تساعد على حماية النظم الطبيعية حول العالم

مجموعة واسعة من الخبرات يجري تناقلها من جيل إلى آخر

صياد سمك على مركبته في منطقة الأهوار بمحافظة ذي قار العراقية يسعى لصيد ما أمكن رغم تناقص الأمطار الذي يهدد بجفاف مخزون النهر من المياه (ا ف ب)
صياد سمك على مركبته في منطقة الأهوار بمحافظة ذي قار العراقية يسعى لصيد ما أمكن رغم تناقص الأمطار الذي يهدد بجفاف مخزون النهر من المياه (ا ف ب)
TT

المعارف التقليدية تساعد على حماية النظم الطبيعية حول العالم

صياد سمك على مركبته في منطقة الأهوار بمحافظة ذي قار العراقية يسعى لصيد ما أمكن رغم تناقص الأمطار الذي يهدد بجفاف مخزون النهر من المياه (ا ف ب)
صياد سمك على مركبته في منطقة الأهوار بمحافظة ذي قار العراقية يسعى لصيد ما أمكن رغم تناقص الأمطار الذي يهدد بجفاف مخزون النهر من المياه (ا ف ب)

يزداد اهتمام حماة البيئة بالممارسات المحلية المتوارثة جيلاً بعد جيل، ودورها الذي قد يكون حاسماً في مستقبل كوكب الأرض. وتشير مجموعة جديدة من الأبحاث إلى أن التقنيات التقليدية، التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، في زراعة الغذاء والسيطرة على حرائق الغابات والحفاظ على الأنواع الحيّة المهددة بالانقراض، يمكن أن تساعد في وقف التداعي السريع للنظم الطبيعية حول العالم. ويبقى الاعتراف بأهمية المعارف التقليدية منقوصاً طالما كانت المجتمعات المحليّة بعيدةً عن صنع القرار.

المجتمعات المحلية تحفظ نظمها الطبيعية

تشمل المعارف التقليدية مجموعة واسعة من الخبرات التي يجري تناقلها من جيل إلى آخر في المجتمعات المحلية، وبين شعوب السكان الأصليين. وهي تتضمن رؤيتهم للعالم الطبيعي، بما فيه من نباتات وحيوانات ونظم بيئية، وكيفية استخدام وإدارة الموارد المتاحة على نحو مستدام.

ولا يوجد تعريف محدد لمفهوم «الشعوب الأصلية»، نظراً لتداخله بين ما هو ثقافي وما هو سياسي، ولا سيما المناطق التي تشهد غياباً للاستقرار وتغيُّرات ديموغرافية. وبشكل عام، تشترك الشعوب الأصلية في استمراريتها التاريخية في منطقة ما، وارتباطها بالأرض التي تعيش عليها، ومحاولتها الحفاظ على أنظمتها المعرفية المتميزة. ووفقاً لذلك، تقدّر الأمم المتحدة تعداد السكان الأصليين حول العالم بأكثر من 476 مليون شخص، يعيشون في 90 دولة.

وكان تقرير، صدر عام 2019 عن المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوُّع البيولوجي وخدمات النظم البيئية (IPBES)، قد خلص إلى أن العالم الطبيعي يتراجع بوتيرة غير مسبوقة. ويشير التقرير إلى أن 3 أرباع اليابسة تعرّضت لتغيُّرات كبيرة بفعل الأنشطة البشرية، كما أن نحو مليون نوع حي أصبح مهدداً بالانقراض.

ويشير التقرير إلى تسارع التدهور البيئي في كثير من مجتمعات السكان الأصليين، إلا أن هذا التدهور أقل حدة مما هو عليه في أجزاء أخرى من العالم. ويقول الخبراء إن هذا الأمر يرجع جزئياً إلى قرون من المعارف التقليدية، وإلى إجماع كثير من المجتمعات المحلية على أهمية الطبيعة وقيمتها العالية من منظورها الثقافي.

ويمكن للمعارف التقليدية أن تساهم في حماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية بطرق مختلفة. فعبر تراكم التجارب، نجحت الشعوب الأصلية في تطوير مجموعة واسعة من ممارسات الإدارة السليمة للغابات، بما فيها قطع الأشجار الانتقائي وإدارة الحرائق. وقد ساعدت هذه الممارسات في حماية الغابات من الإزالة، وحفظتها من عوامل التدهور.

كما ساهمت المعارف التقليدية في حماية التنوُّع البيولوجي بالإفادة من فهم المجتمعات المحلية للعلاقات بين الأنواع المختلفة من النباتات والحيوانات، وساعدت في تحديد الموائل المهمة وحمايتها، وإدارة مجموعات الأنواع الحيّة المهددة بالانقراض.

وتحتفظ الشعوب الأصلية بتاريخ طويل من التكيُّف مع الظروف المناخية المتغيّرة، ولذلك تدعم الاستفادة من خبراتها تخفيف آثار الاحترار العالمي، وتطوير استراتيجيات جديدة للتكيُّف مع تغيُّر المناخ. وتشمل هذه الاستراتيجيات، على سبيل المثال، تطوير محاصيل مقاوِمة للجفاف، وبناء حواجز بحرية طبيعية لحماية المجتمعات الساحلية من ارتفاع مستوى سطح البحر.

في غابات الأمازون المطيرة، تستخدم الشعوب الأصلية معارفها التقليدية في حماية الغابات من الإزالة والتدهور من خلال القيام بدوريات مراقبة في أراضيهم، وزرع الأشجار، واستخدام أساليب متوارثة في إدارة الحرائق. وتساعد الحرائق المسيطر عليها، ضمن مناطق السكان الأصليين في أميركا الجنوبية وأستراليا، في إقلال حرائق الغابات الواسعة التي ستكون شائعةً في كثير من الأماكن مع مناخ أكثر سخونة وجفافاً.

وفي صحراء كالاهاري، جنوب القارة الأفريقية، توظّف الشعوب الأصلية معارفها في الحفاظ على المياه عن طريق بناء مستوعبات الماء كالحُفَر التجميعية، وريّ المزروعات بطرق تقليدية مثل الري بالتنقيط. ونظراً لمعرفتهم العميقة بالعالم الطبيعي، يستطيع سكان صحراء كالاهاري تتبع حركة المياه الجوفية وعلى السطح، ما يتيح لهم العثور على مصادر المياه، حتى في المناطق الجافة.

وتُعد حياة قبائل بلوش الشاهديغال في إيران مثالاً على ترابط النظم الاجتماعية والبيئية في الأقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية. وترتحل هذه القبائل موسمياً مع قطعان الإبل ضمن منطقة تبلغ مساحتها نحو 580 ألف هكتار، وتبني دروعاً من الغطاء النباتي للحماية من العواصف الرملية، ما يساعد في الحفاظ على التنوُّع البيولوجي وتأمين رفاهية الإنسان.

وفي القطب الشمالي، تستخدم شعوب «الإنويت» معارفها التقليدية في التكيُّف مع تغيُّر المناخ من خلال تطوير طرق جديدة لصيد الطرائد والأسماك، وبناء منازل جديدة أكثر مقاومة لظروف الطقس القاسية. وكان لشعوب الإنويت في أقصى شمال كندا دور أساسي في استعادة قطعان الوعل التي واجهت أعدادها انخفاضاً حاداً.

تهميش المجتمعات المحلية يهدد التنمية المستدامة

تساهم المعارف التقليدية في حماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية في العالم العربي بأساليب مختلفة، تشمل الحفاظ على المياه، وحماية التنوُّع البيولوجي، والتخفيف من آثار تغيُّر المناخ. ففي المغرب، تُستخدم المعارف التقليدية في حصاد المياه والحفاظ عليها وتنظيم إدارتها بأساليب فعّالة، من بينها «الخطّارة» التي تعتمد على القنوات الجوفية لنقل المياه من الينابيع والأنهار إلى المزارع والقُرى، ويوجد ما يماثلها في المشرق العربي، كالأفلاج في دول الخليج والأقنية الرومانية في بلاد الشام.

وإلى فترة قريبة، كان نظام «الحِمى» قائماً في كثير من الدول العربية، وهو موروث تقليدي للمناطق المحمية يهدف إلى تحقيق الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية على يد المجتمعات الأهلية المحيطة بالحمى ولمصلحتها. ويُعدّ نظام الحمى هاماً لأنه يُشرك المجتمعات المحلية في النظام الحكومي للمحميات الطبيعية، وتنتج عنه فوائد للمجتمعات المحلية التي تعمل على دعمه لجدواه الاقتصادية وقابليته للاستدامة. وتوجد دعوات علمية للعودة إلى نظام الحمى في العالم العربي بعد إدخال بعض التعديلات عليه.

ساهمت المعارف التقليدية في حماية التنوُّع البيولوجي

وفي السنوات الأخيرة، أبدت مصر اهتماماً بالمعارف التقليدية، كطريقة للحفاظ على التنوُّع البيولوجي والتخفيف من آثار تغيُّر المناخ. وأطلقت الحكومة المصرية عدداً من المبادرات لتعزيز الإفادة من خبرات المجتمعات المحلية في ما يتعلق بإدارة الموارد الطبيعية، وآليات تعزيز الوصول إلى الموارد الجينية وتقاسم منافعها، كما في حالة الأعشاب الطبية ومستحضرات التجميل. وتؤكد استراتيجية وخطة العمل المصرية للتنوُّع البيولوجي على أهمية إشراك المجتمعات المحلية والاستفادة من خبراتها وتوسيع نطاق دعمها.

ورغم مصادقة مصر على كثير من الاتفاقيات التي تدعم توظيف المعارف التقليدية في مجالات البيئة والتنوُّع البيولوجي والحفظ والتنمية المستدامة، فإن المعارف التقليدية قلّما تلعب دوراً في التعليم والبحث. وتخلص دراسة، نشرتها دورية «سبرينغر للبيئة والتنمية والاستدامة» عام 2021، إلى محدودية الاستفادة من المعارف التقليدية ضمن المناطق المحمية المصرية، بسبب ضعف خطط إشراك المجتمعات المحلية. وتستثنى من ذلك المناطق ذات المقوّمات السياحية المتميزة، مثل المحميات الواقعة في سيناء وعلى شواطئ البحر الأحمر.

وتُعد الخبرات المحلية حقلاً واعداً لتطوير كثير من الممارسات التي تدعم نظم الاقتصاد الدائري، عبر خفض استهلاك الموارد وتوفير الطاقة وتدوير المخلّفات. ففي مجال الزراعة المستدامة، يمكن الاستفادة من الخبرات المحلية في انتخاب وإكثار المحاصيل المقاومة للجفاف، وإدارة الآفات والأمراض من دون استخدام مواد كيميائية ضارة، وتحسين خصوبة التربة.

وفي مجال الطاقة المتجددة، يمكن تطوير الخبرات المحلية في بناء أفران شمسية، وتسخير طاقة الرياح، واستخدام الكتلة الحيوية كمصدر للطاقة. وفي مجال إدارة النفايات، توجد ممارسات محلية راسخة في تحويل مخلّفات الطعام إلى سماد، وإعادة تدوير المواد، وتقليل استخدام المنتجات التي يمكن التخلص منها.

ولأن حياتهم تقوم على الارتباط الوثيق بالأرض، تُعد المجتمعات المحلية والسكان الأصليون في مقدمة من يواجه تداعيات تغيُّر المناخ. فمن صحراء كالاهاري إلى جبال الهيمالايا وغابات الأمازون المطيرة، تعصف حالات الجفاف والفيضانات والحرائق بالمجتمعات التي تعاني من الفقر وتتعرض لتعديات على أراضيها.

وفي بعض الحالات، تدفع الضغوط المتزايدة الأجيال الشابة إلى التخلي عن موروثها التاريخي وانتهاج أساليب غير مستدامة لتسريع التنمية. وعلى سبيل المثال، تتعرض الغابات الاستوائية الجبلية في مقاطعة شمال كيفو في الكونغو الديمقراطية لتهديدات متزايدة بسبب النزاعات المسلحة والصيد الجائر والتعدين. وفيما كانت الأنشطة التقليدية للمجتمعات المحلية توفّر الحماية لهذه الغابات، بدأت الأجيال الشابة تفقد صبرها وأخذت تأمل بمساهمة سريعة للغابات في تلبية احتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية.

إن العمل مع الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية، والتعلُّم من خبراتها المتوارثة، يساعد في تطوير حلول مستدامة للتحديات البيئية التي يواجهها العالم. ويؤدي تجاهل هذه المجتمعات، وتهميشها في كثير من الحالات، إلى تهديد قدرة النظم الطبيعية على الصمود ووضع الأجيال الشابة أمام خيارات صعبة.


مقالات ذات صلة

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

بيئة ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

قال مركز التنبؤات المناخية الأميركي، الخميس، إن ظاهرة «النينيو» تزداد قوة، مرجحاً بنسبة تزيد ‌على 90 في المائة ‌أن ​تبلغ ‌مستويات ⁠شديدة ​

«الشرق الأوسط»
علوم البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

دراسة أميركية تحذِّر من أضراره البيئية

أديل بيترز (واشنطن)
يوميات الشرق يتّخذ مهرجان الباروك السينمائي الطبيعة حضناً والأفلام البيئية هويةً (الشرق الأوسط)

«مهرجان الباروك السينمائي»... الأفلام البيئية في الصدارة تظلِّلها أكبر غابة أَرز

انطلقت الدورة الأولى من «مهرجان الباروك السينمائي» بمبادرة شبابية، بهدف تشجيع صنّاع الأفلام على خوض السينما البيئية.

كريستين حبيب (بيروت)
أوروبا حرائق غابات (أرشيفية - أ.ف.ب)

حرائق الغابات تنتشر في دول أوروبا وكندا

أفادت السلطات المحلية بأن حريقاً اندلع في مقاطعة هويلفا بالأندلس، جنوب غربي إسبانيا، واصل انتشاره، السبت، بعدما طال نحو 4000 هكتار

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (برشلونة)
بيئة مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت ‌الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
TT

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)

لم تعد موجات الحر البحرية مجرد مشكلة بيئية تهدد الشعاب المرجانية والكائنات التي تعيش في المحيطات؛ إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر لفترات طويلة قد يمتد تأثيره إلى صحة الإنسان والأمن الغذائي وسبل العيش وحتى الصحة النفسية.

وخلص فريق من الباحثين من جامعة أديلايد وجامعة هونغ كونغ، في دراسة نُشرت في دورية «Nature Sustainability»، ونقلها موقع «ذا هيلث سايت»، إلى أن موجات الحر البحرية قد تطلق سلسلة من التأثيرات التي تمتد من النظم البيئية البحرية إلى المجتمعات الساحلية والأشخاص الذين يعتمدون على المحيط في غذائهم وأعمالهم وحياتهم اليومية.

ما هي موجة الحر البحرية؟

تُعرّف موجة الحر البحرية بأنها فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة في مكان وزمان محددين، وتستمر لفترة زمنية ممتدة.

ويحذر العلماء من أن هذه الظواهر يمكن أن تؤثر في أعداد كبيرة من البشر والنظم البيئية البحرية، وقد ارتبطت بظواهر مثل ابيضاض الشعاب المرجانية، والنفوق واسع النطاق للكائنات البحرية، وازدهار الطحالب الضارة، واضطرابات كبيرة في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، يتوقع الخبراء أن تزداد وتيرة موجات الحر البحرية ومدتها وشدتها، ما قد يجعل آثارها تتجاوز البيئة البحرية لتشكل تهديداً للمجتمعات البشرية أيضاً.

كيف يمكن أن تؤثر موجات الحر البحرية على صحة الإنسان؟

رصد الباحثون مجموعة من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لموجات الحر البحرية على البشر.

ووفق نتائج الدراسة، يمكن لارتفاع حرارة المحيطات أن يزيد من قوة العواصف وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة، وهو ما قد يؤدي إلى إصابات ووفيات وتشريد السكان وتدمير المنازل والممتلكات.

وأشار الباحثون، على سبيل المثال، إلى إعصار أوتيس الذي ضرب المكسيك عام 2023، وشهد اشتداداً سريعاً بشكل غير معتاد فوق مياه دافئة، وتسبب في أضرار قُدرت بنحو 15 مليار دولار.

كما أشاروا إلى إعصار دوكسوري الذي ارتبط بمياه بحرية دافئة بصورة استثنائية، وأثر في أكثر من مليونَي شخص في آسيا عام 2023.

هل تصبح المأكولات البحرية أقل أماناً؟

تمثل سلامة المأكولات البحرية وتوافرها أحد أبرز المخاوف المرتبطة بموجات الحر البحرية. ويمكن للمياه الدافئة أن تشجع على ازدهار أنواع من الطحالب التي تنتج سموماً، ما قد يجعل بعض المأكولات البحرية خطرة على صحة الإنسان.

ولا يقتصر التأثير على سلامة الغذاء؛ إذ يمكن لموجات الحر البحرية أن تؤثر أيضاً في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، ما ينعكس على إنتاج المأكولات البحرية وعلى سبل عيش المجتمعات التي تعتمد على المحيط.

ويحذر الباحثون من أن هذه التداعيات قد تتحول إلى مشكلة تتعلق بالأمن الغذائي، خصوصاً في المجتمعات التي تعتمد على المأكولات البحرية مصدراً رئيسياً للغذاء.

هل تمتد آثار موجات الحر البحرية إلى الصحة النفسية؟

من أكثر جوانب الدراسة إثارة للقلق إشارة الباحثين إلى احتمال تأثير موجات الحر البحرية في الصحة النفسية. فالأشخاص الذين ترتبط حياتهم ارتباطاً وثيقاً بالمحيط، سواء من خلال العمل أو الممارسات الثقافية أو الأنشطة الترفيهية، قد يواجهون ضغوطاً عاطفية عندما تتدهور النظم البيئية البحرية التي يعتمدون عليها.

وقد يؤدي تكرار الأضرار البيئية إلى مشاعر مثل القلق والحزن والإحباط والاكتئاب، في إطار ما يُعرف أحياناً بـ«القلق البيئي».

كما ربط الباحثون بين ازدهار الطحالب السامة الذي شهدته جنوب أستراليا عام 2025 وبعض المعاناة النفسية، إلى جانب مشكلات صحية جسدية مثل تهيّج الجهاز التنفسي والربو.

دعوة إلى الاستعداد لتداعيات موجات الحر البحرية

ويرى مؤلفو الدراسة أن على الحكومات ومنظمات الصحة العامة أخذ توقعات موجات الحر البحرية في الاعتبار عند إعداد خطط الاستعداد للطوارئ الصحية.

كما يمكن أن يساعد تعزيز التعاون بين باحثي المحيطات ومسؤولي الصحة ومديري الموارد الساحلية المجتمعات على الاستعداد بشكل أفضل لهذه الظواهر والاستجابة لها بصورة أكثر فاعلية.

وتشير الدراسة في النهاية إلى أن موجات الحر البحرية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أزمة تخص المحيطات وحدها؛ لأن تأثيراتها قد تمتد عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالنظم البيئية البحرية وتنتهي بصحة الإنسان وغذائه وسبل عيشه وصحته النفسية.


مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال مركز التنبؤات المناخية الأميركي، الخميس، إن ظاهرة «النينيو» تزداد قوة، مرجحاً بنسبة تزيد على 90 في المائة أن تبلغ مستويات شديدة خلال خريف وشتاء 2026- 2027 في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

وأضاف المركز أن هناك احتمالاً بنسبة 69 في المائة لأن تتحول الظاهرة بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (أيلول) 2026 واحدةً من أقوى موجات «النينيو» المسجلة منذ بدء السجلات المناخية الحديثة عام 1950، وربما تتجاوز في شدتها جميع الموجات السابقة.


إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
TT

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة مملوءة بالزيت والشمع والهواء، مما يبدو أنها ستدفعها للطفو صعوداً، وهو إنجاز يعتقد العلماء الآن أنه أصبح ممكناً بفضل نفخ الفقاعات.

وحيتان العنبر هي الحيتان الوحيدة المعروفة التي تستريح في الوضع العمودي في الماء ورؤوسها متجهة نحو الأعلى. ويعتقد العلماء أن هذا الوضع يسهم في حمايتها من حركة الأمواج السطحية دون الحاجة إلى الطاقة اللازمة للغوص إلى أعماق أكبر، لكن الطريقة الدقيقة التي تبقى بها مغمورة ظلت غير واضحة. واكتشف الباحثون الآن أن الحيتان تطلق الفقاعات لتنظيم طفوها في أثناء استراحتها في وضع عمودي تحت سطح المحيط مباشرة.

وقال باتريك ميلر، الباحث في الثدييات البحرية بجامعة سانت آندروز في اسكوتلندا، إن الباحثين يشيرون إلى هذا السلوك بـ«الاسترخاء» بدلاً من «النوم»؛ لأن النوم يؤكد عادة بقياس نشاط الدماغ، وهو أمر لم يتسنَّ التحقق منه بعد في حالة حيتان العنبر. وميلر هو المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية (جورنال أوف إكسبيريمينتال بايولوجي) العلمية. ويعتقد العلماء أن هذه الحيوانات نائمة، لكنهم يفضلون استخدام المصطلح الأكثر حذراً لأن الأمر لم يثبت بنحوٍ قاطع.

ولتحري كيفية بقاء الحيتان مغمورة بالمياه في أثناء الاسترخاء، ثبّت الباحثون أجهزة تتبع صغيرة مزودة بكؤوس شفط على حيتان العنبر قبالة سواحل النرويج. وسجلت هذه الأجهزة بيانات الصوت والحركة ثلاثية الأبعاد، مما سمح للعلماء برصد انبعاث الفقاعات ومحاكاة تأثيراتها على وضع هذه الثدييات البحرية في الماء.

ووجد الباحثون أن الفقاعات تقلل من الطفو الإيجابي للحوت؛ أي ميله للاتجاه نحو الأعلى في الماء.

وتميل حيتان العنبر بطبيعتها إلى الطفو بسبب الكميات الكبيرة من زيت العنبر، وهو مادة شمعية موجودة في رؤوسها. ومع انجراف الحيتان ببطء إلى الأعلى في وضع الاسترخاء، تتوسع الغازات الموجودة في رئتيها بسبب انخفاض ضغط الماء قرب السطح. ويساعد إطلاق الفقاعات على مواجهة هذا التأثير، مما يسمح للحيتان بالبقاء شبه معدومة الوزن تحت سطح المياه.

وقال ميلر إن إطلاق الفقاعات يبدو متعمداً. وأضاف أن بعد أكثر من عقدين من تتبع حيتان العنبر باستخدام أجهزة تسجيل الصوت المثبتة عليها «لا نسمع إطلاق الفقاعات إلا في سياق سلوكي محدد للاسترخاء؛ لذا فإن الإطلاق العرضي للغازات هو أمر لا يبدو أن حيتان العنبر تفعله».

ويشتبه العلماء أيضاً في أن هذا السلوك قد يساعد الحيتان على نقل الغازات الزائدة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من الأنسجة إلى الرئتين، مما قد يؤدي دوراً في تبادل الغازات في عملية الأيض.

وحيتان العنبر هي أكبر الحيتان ذات الأسنان في العالم ويمكنها الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائس مثل الحبار العملاق، وتعتمد في التنقل داخل المياه المعتمة على تقنية تحديد الموقع بالصدى؛ إذ تطلق أصوات نقر عالية ثم تستمع إلى الأصداء العائدة لرسم خريطة لمحيطها.

وقال ميلر: «تقضي حيتان العنبر نحو 80 في المائة من وقتها في الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائسها. وبسبب الضغط الشديد في أثناء تلك الغطسات، يميل جسمها إلى مراكمة غازات غير مرغوب فيها مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي قد يستغرق انتقالها من الدم إلى الرئتين وقتاً طويلاً. ونظراً لأنها تستريح على مسافات ضحلة جداً، فإن هذه هي الظروف المثالية لتفريغ تلك الغازات غير المرغوب فيها الناتجة عن بحثها عن الطعام في الأعماق».

وأضاف ميلر أن هذه الفكرة يمكن اختبارها في أبحاث مستقبلية.

وتترك الدراسة الجديدة بعض الأسئلة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الحيتان تطلق الفقاعات عمداً، وماهية الإشارات التي تنبهها إلى الحاجة إلى إجراء تعديل.

ويأمل الباحثون أيضاً في تحديد ما إذا كانت حيتان العنبر تنام بنصف دماغ واحد في كل مرة، كما تفعل الدلافين، أم أن نصفي الدماغ ينامان معاً. ويمكن للدراسات المستقبلية استخدام أجهزة استشعار موجات الدماغ أو مراقبة عيون الحيتان في أثناء الاسترخاء للمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال.

وفي الوقت الحالي، تشير النتائج إلى أن حيتان العنبر، مثل البشر، قد تكون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على قسطٍ جيد من الراحة.