القوة الرقميّة ترسم حدود إمبراطوريات القرن الـ21

العلمان الأميركي والصيني أمام لوحة إلكترونية... يُعدّ السباق على الرقائق الإلكترونية والقدرات الحاسوبية أحد أبرز أوجه المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي (رويترز)
العلمان الأميركي والصيني أمام لوحة إلكترونية... يُعدّ السباق على الرقائق الإلكترونية والقدرات الحاسوبية أحد أبرز أوجه المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

القوة الرقميّة ترسم حدود إمبراطوريات القرن الـ21

العلمان الأميركي والصيني أمام لوحة إلكترونية... يُعدّ السباق على الرقائق الإلكترونية والقدرات الحاسوبية أحد أبرز أوجه المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي (رويترز)
العلمان الأميركي والصيني أمام لوحة إلكترونية... يُعدّ السباق على الرقائق الإلكترونية والقدرات الحاسوبية أحد أبرز أوجه المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي (رويترز)

الإمبراطورية منظومة. لها مركز يُمسك بالأطراف. المركز يُدير، والأطراف تتبع. من الأطراف تُجبى الضرائب، وهي المدى الحيويّ كي يُمارس المركز سلطته. تتشكّل الإمبراطوريّة عادة من الأعراق، والأمم المتعدّدة. يُمسك المركز بالأطراف عبر منظومة أمنيّة، وبنى تحتيّة تؤمن له التدخّل السريع عن حالة العصيان، والتمرّد (Hub and Spoke). هكذا فعلت الإمبراطوريّة الرومانيّة عبر شبكة الطرقات المتشعّبة نحو الأطراف، والتي تؤمّن سرعة التحرّك للقوى العسكريّة كي تقمع التمرّد. وعند الاصطدام بالمتمرّدين، كان العقاب كبيراً، ودمويّاً إلى درجة لا يمكن وصفها، بحيث تُشكّل الحادثة رسالة ردعيّة لمن يهمه الأمر. عندما يتعب المركز ويُستنزف، تتفلّت الأطراف، وتسعى للانفصال. تقوم الإمبراطوريات بالدم، وتسقط بالدم. كما تسقط عند فقدان شرعيّتها، أو إذا توسّعت إلى الحدّ الأقصى بحيث تزيد متطلّبات واجباتها عن الإمكانيات المتوفّرة... وتسقط الإمبراطوريّة عندما تصعد قوّة جديدة منافسة لها.

عندما تصل الإمبراطوريات إلى درجة متقدّمة من الحضارة، والعلم، فقد يؤشر هذا الأمر إلى بروز معالم بدء مسار التراجع، والسقوط. ففي مرحلة الصعود والتوسّع يستخدم العلم لصالح الحملات العسكريّة، ولا مجال للترف حينها. فالقلم يكون حينها في خدمة السيف. فهو أصدق أنباءً من الكتب على غرار ما قاله الشاعر أبو تمّام. لكن وبعد الامتداد الأقصى للتمدّد، ترتدّ الإمبراطوريّة على نفسها داخليّا ليبدأ مسار التراجع، والتنازل عن مرتبة الصدارة. وعلى قول أبي العلم الاجتماعي الحديث ابن خلدون: «تقوم الحضارات بالعصبية، والقوة، وتنهار بالترف، وفساد العمران، وضعف العصبية» ويضيف: «كل حضارة تحمل في أسباب ازدهارها بذور سقوطها عندما تتحول القوة إلى ترف».

الإمبراطورية اليابانية دامت 70 عاماً (أ.ف.ب)

لكل عصر إمبراطوريّته. خلال الثورة الزراعيّة، التي يُقال بدأت في بلاد ما بين النهرين منذ 15 ألف سنة، كانت الأرض مصدر الثروة. فكان من الطبيعي أن تسعى الأمم للسيطرة عليها فتبني بذلك إمبراطوريّة. هكذا فعلت الولايات المتحدة الأميركيّة عندما توسّعت نحو الغرب، لتصل إلى المحيط الهادئ، ولتصبح دولة يحميها محيطان (الأطلسي، والهادئ).

لا تزال الأرض والمساحة مجال الأمان للإنسان، حسب ما يقول المفكّر الأميركي-البريطاني الراحل كولن إس غراي، إذ «لا يمكن الهروب من الأرض». لكن هذا لا يعني أن الأرض فقدت أهميتها في الثورة الصناعيّة. فهي مصدر الثروات الطبيعيّة. وفيها وجد المستعمر الأسواق لبضائعه. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نظّر أبو الجغرافيا السياسيّة، فريدريك راتزل، حول المدى الحيويّ للأمّة (Lebensraum). وعليه فسّرت المدرسة الجيوسياسيّة الألمانيّة أفكار راتزل لتبرير التوسّع. وعلى هذه الأفكار حاول هتلر بناء الرايخ الثالث عبر التوسّع (Third Reich). لم تدم هذه الفكرة أكثر من 12 سنة، بين العام 1933-1945.

أدولف هتلر أقام إمبراطورية دامت 12 عاماً (أرشيفية)

عزّزت الثورة الصناعية الامتداد الإمبرياليّ. فهي بدأت في الغرب الأوروبيّ. وأمّنت الوسيلة للقوى الغربية لبناء إمبراطوريّاتها عبر العالم، خاصة في المجال البحريّ. وعليه بنت بريطانيا أكبر إمبراطوريّة غير مترابطة جغرافيّاً (لم تغب عن أراضيها الشمس). كانت الإمبراطوريّة المغوليّة أكبر إمبراطوريّة مساحة، ومترابطة جغرافيّاً.

ينظّر الكاتب كلوز شواب في كتابه «الثورة الصناعيّة الرابعة»، وبعكس ما كتبه المفكّر الأميركي الراحل ألفن توفلر، بأن العالم يعيش الآن مرحلة اندماج التكنولوجيا، التي أنتجتها الثورة الصناعيّة، مع التكنولوجيا الرقميّة. أما توفلر فقد فصل بين الثورات التي عاشتها البشريّة -زراعيّة، وصناعيّة، وتكنولوجيّة.

ردود فعل المارة على انهيار مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (أرشيفية - رويترز)

لكل إمبراطوريّة «تاريخ انتهاء الصلاحيّة»، (Expiry)، حسب ما قاله المؤرّخ الإنجليزي نيال فيرغسون، في مقال له في مجلة «ألفورين بوليسيّ». عمّرت الإمبراطوريّة البيزنطيّة أكثر من ألف عام. دامت روما الغربيّة نحو 829 عاماً. أما الإمبراطوريّة العثمانيّة فقد استمرت لنحوّ 469 عاماً مقابل الإمبراطورية الفارسيّة، والتي عمّرت ما بين الـ200-300 سنة. ودامت الإمبراطورية الرومانيّة المقدّسة نحو 800 سنة، التي تهكّم عليها الفيلسوف الفرنسي فولتير بالقول: «إنها ليست مقدّسة، ليست رومانيّة، وليست إمبراطوريّة». هذا مع التذكير بأن فولتير كان صديق «المُراسلة» مع القيصرة الروسيّة كاترين الكبرى لمدّة تُقارب الـ15 عاماً. وبعد موته، ابتاعت القيصرة مكتبته الخاصة. استكملت كاترين توسيع حدود الإمبراطوريّة الروسيّة جنوباً نحو القرم، والبحر الأسود، وذلك بعد أن وسّع بطرس الأكبر حدود الإمبراطوريّة نحو الغرب، وأسقط الإمبراطورية السويديّة.

هناك الإمبراطورية القاريّة، كما روسيا. وهناك الإمبراطوريات البحريّة، مثل أثينا، والبرتغال، وإسبانيا، وبريطانيا، وأميركا (مع تحفّظ). كانت أغلب الإمبراطوريات البحريّة استعماريّة بطبيعة تكوينها. فالبحر مجال أسهل للتوسّع من العوائق الجغرافيّة.

تسعى بعض الإمبراطوريات لإضفاء دور إنساني حضاري على مشروعها الإمبريالي. ألم يتحدث الشاعر البريطاني روديارد كيبيلنغ في العام 1899 في قصيدة له عن «عبء الرجل الأبيض» تجاه الأعراق الأخرى؟ ألم يعطِ كيبيلنغ في قصيدته تبريراً للاستعمار مُغلّفاً إيّاه بواجب إنساني حضاريّ؟ ألم تعتمد فرنسا غطاء إنسانياً حضارياً لمشروع الإمبراطوريّة، والذي يقوم على نشر اللغة الفرنسيّة، والثقافة، والقوانين، حتى ولو بالقوّة؟ ألم تضم فرنسا الجزائر رسمياً عام 1848، معتبرة إياها أرضاً فرنسيّة؟

يقول ألفن توفلر (Alvin Toffler) إن من يسيطر على الثروة في كل عصر، يسيطر على القوة، والهيمنة في ذلك العصر. وإذا كانت الأرض هي الثروة في الثورة الزراعيّة، والصناعة الثروة في العصر الصناعي، والمعرفة في عصر المعلومات. فإن الأكيد أن قيام الإمبراطوريات وصعودها -كما سقوطها- يتعلّق مباشرة بمدى سيطرة هذه الإمبراطوريات على مصادر الثروة، خاصة أن الثروة هي المموّل الأساسيّ للقوة لفرض الهيمنة، وتوسيع حدود الإمبراطوريّة. فالثروة تموّل القوّة. والقوّة تحمي الثروة، وهكذا دواليك حتى الوصول إلى التآكل الكليّ للمنظومة (Atrophy). هذا عن الإمبراطوريات القديمة. فماذا عن الإمبراطوريّات في العصر الرقميّ؟

ألم يقل الرئيس دونالد ترمب خلال مقابلة إنه لا يحتاج القانون الدوليّ؟ (د.ب.أ)

يُنظّر المؤرّخ الإنجليزي نيال فيرغسون عن شكل الإمبراطوريات الحديثة ليقول: «إنها قصيرة العمر. إنها إمبراطوريّة-دولة، (Empire-State) وذلك على غرار الدولة-الأمّة (Nation- State). عمّرت الإمبراطورية البولشيفيّة نحو 70 سنة. عمّرت الإمبراطوريّة اليابانيّة 50 عاماً. وكما ورد أعلاه، دام الرايخ الثالث فقط 12 سنة. تغيّر العالم. تغيّرت مصادر صنع الثروة. أصبح العالم شفّافاً جغرافيّاً. بدأ الإنسان بالبحث عن أسرار الكون -«الميكرو». بعد أن انصبّ اهتمامه قديماً على أسرار الكون -«الماكرو». بحث نيوتن في الجاذبيّة، وعلاقة الكواكب ببعضها البعض. أسس العالم الألمانيّ الراحل ماكس بلانك للفيزياء الكميّة (Quantum Physics). في العصر الحديث، اختلطت الثورات الثلاث مع بعضها البعض. الأرض لا تزال مهمّة. لكن الآلة أصبحت أذكى. والداتا أصبحت ثروة. وعليه، لا بد لأية إمبراطوريّة حديثة من أن تسعى للسيطرة على مصدر الثروة. لكن الأكيد أن الجغرافيا، أو التوسّع الجغرافيّ لم يعد الخيار الأهم كما كان قديماً. لكن الدائم والثابت، في العلاقات الدولية، والصراعات، أن مفهوم القوة لا يزال قائماً، كما صراع الإرادات، وأهميّة السيطرة، والتأثير (Control).

في العام 2004، إبّان الحرب على الإرهاب بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ورد في مقال للصحافي رون ساسكيند، ونقلاً عن لسان الرئيس بوش الابن أو أحد مساعديه الكبار، ما يلي: «نحن الآن إمبراطورية، وعندما نتحرك، فإننا نخلق واقعنا الخاص... نحن صُنّاع التاريخ، وأنتم جميعاً لن يبقى أمامكم إلا دراسة ما نقوم به». لم يشذّ الرئيس بوش عبر تصريحه هذا عن تأثير الولايات المتحدّة الأميركيّة كقوّة عظمى على النظام العالمي، منذ الحرب العالميّة الأولى، وحتى الحرب الحالية مع إيران مؤخراً، ومروراً بالحرب العالمية الثانية. ألم يقل الرئيس دونالد ترمب خلال مقابلة إنه لا يحتاج القانون الدوليّ؟ ألا يضرب هذا التصريح كل الأسس التي قام عليها النظام العالميّ بعد الحرب العالمية الثانية؟ فهل القرن الحادي والعشرون يعيش حالياً مرحلة المهيمن (Hegemon)، بدل الإمبراطوريّات. فالمهيمن يقود، ويؤثّر عن بُعد. بينما تقوم الإمبراطوريات على الحكم المُباشر للأمم. يؤثّر المهيمن عبر التحالفات، والمؤسسات الدوليّة، بينما تستعمر الإمبراطوريّة الشعوب عبر الضمّ. يسمح المهيمن بالحكم الذاتيّ، لكن من ضمن قواعد وأسس يضعها هو. لا تسمح الإمبراطوريّة بذلك. هكذا فعلت الثورة البولشيفيّة بعد سقوط الإمبراطوريّة. حافظت على مساحة الإمبراطوريّة، لكن من ضمن آيديولوجيّة جديدة تتجاوز الفروقات العرقيّة-الإثنية كما الدينيّة. المهيمن يسعى إلى التأثير. تسعى الإمبراطوريّة إلى السيطرة على الأرض، والحكم المباشر.

تبدأ الأفكار والابتكارات من المركز، وتنتقل بعدها إلى الأطراف (Proliferation). وكلّما تسارع انتقال الأفكار من المركز إلى الأطراف، بدأت عملية الدمقرطة بين الدول، وعُدّلت موازين القوى. في الثورة الصناعية الرابعة التي يعيشها عالم اليوم أصبحت مصادر الثروة، وبالتالي القوة، تقوم على العوامل التالية: الداتا، وقوة وسرعة الحوسبة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات.

مروحيات وعسكريون أميركيون خلال عملية في بحر العرب لتطبيق الحصار على إيران («سنتكوم» - رويترز)

في القرن الحادي والعشرين لا تحتكر إمبراطوريّة واحدة أو مهيمن واحد مصادر الثروة، أو عناصر القوّة. وعليه يُنظّر الكاتب والمفكّر السنغافوري باراغ كانا، في كتابه «Connectography»، أن شبكات الاتصال أصبحت أهم من الحدود. فالعالم أصبح شبكة مترابطة، ومن يسيطر على البنى التحتيّة لهذا الترابط فسيكون لاعباً أساسيّاً. وحسب الكاتب، لم تختفِ الجغرافيا، لكنها تغيّرت.

في الإطار نفسه، ترى الكاتبة آنو برادفورد، في كتابها «الإمبراطوريات الرقميّة» أن العالم يعيش صراعاً رقمياً بين ثلاث إمبراطوريات رقمية، هي: الصين، وأميركا، وأوروبا. في هذا الحال أصبحت للبيانات قيمة جيوسياسية مهمّة جدّاً. وذلك بالإضافة إلى دخول الشركات الخاصة إلى المسرح الصراع الكونيّ. وتقول إن العام قد يشهد تجزئه رقميّة بسبب الصراع بين القوى الأساسيّة.

في الختام، لا يمكن توقّع شكل وتركيبة الإمبراطوريات المُنتظرة مع التحوّل الرقميّ الذي ضرب كل الأسس القديمة. فكيف سيكون التوسّع؟ هل سيكون رقميّاً مع العمل على السيطرة على البنى التحتيّة للثورة الرقميّة؟ وكيف سيتجسّد الصراع والحروب على أرض الواقع؟ في هذا الإطار يقول المفكّر جورج فريدمان إن التاريخ يصلح فقط لتوقّع المستقبل، وليس لأخذ العبر، والدروس. وإلا لماذا نُكرّر نفس الأخطاء؟ وإذا كان مقدار العظمة للإمبراطوريات القديمة يُقاس بالحيّز الجغرافيّ الذي تسيطر عليه، فإن الإمبراطوريات المُتخيّلة مستقبلاً لا يمكن لها الهروب من التأثير الرقميّ (Digital). وإذا كان لكل ثورة في تاريخ العالم نموذجها الخاص من الإمبراطوريات، فكيف ستكون عليه إمبراطورية القرن الحادي والعشرين في ظلّ الاندماج الكلّي للثورات الثلاث التي تحدّثنا عنها أعلاه؟


مقالات ذات صلة

فيوري سيدعو ترمب لقيادة دخوله إلى الحلبة بمواجهة جوشوا

رياضة عالمية بطل العالم السابق في الوزن الثقيل الإنجليزي تايسون فيوري (أ.ف.ب)

فيوري سيدعو ترمب لقيادة دخوله إلى الحلبة بمواجهة جوشوا

سيوجّه بطل العالم السابق في الوزن الثقيل الانجليزي تايسون فيوري دعوة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب لقيادة دخوله إلى الحلبة بمواجهة مواطنه أنتوني جوشوا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

واشنطن ترسم خياراتها العسكرية تجاه إيران

اجتمع كبار مسؤولي الأمن القومي الأميركي في كامب ديفيد لبحث الخطوات المقبلة، فيما صعّد ترمب لهجته تجاه طهران ملوّحاً باستمرار العمليات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ ميرتس وزيلينسكي في برلين قبل المباحثات بين قادة أوروبا والرئيس ترمب عن بعد يوم 13 أغسطس (رويترز)

من تحويل المساعدات إلى انتقاء الحلفاء... واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها

تتزايد المؤشرات على إعادة ترتيب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب علاقاتها الخارجية، بما يمنح الأولوية لنصف الكرة الغربي ويضع الشراكات الأوروبية أمام الاختبار.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد من المقرر أن تجتمع مجموعة السبع مع وكالة الطاقة الدولية لتنسيق السحب من المخزونات في المرحلة المقبلة (رويترز)

مجموعة السبع تقر سحب 100 مليون برميل من مخزونات الديزل والنفط

اتفقت دول مجموعة السبع، مساء الجمعة، على سحب 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من احتياطات الطوارئ، في خطوة رحب بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد خزانات نفط خام في ولاية تكساس الأميركية (رويترز)

ترمب: أميركا ستملأ قريباً مخزونها الاستراتيجي من النفط

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الجمعة، إن الولايات المتحدة ستقوم قريباً بملء احتياطياتها الاستراتيجية من النفط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».