دروس الردع في حرب أوكرانيا... «السيف والدرع» بأسلحة المستقبل

أوكرانيون يتفرجون على معدات عسكرية روسية مدمرة في كييف الأحد (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتفرجون على معدات عسكرية روسية مدمرة في كييف الأحد (إ.ب.أ)
TT

دروس الردع في حرب أوكرانيا... «السيف والدرع» بأسلحة المستقبل

أوكرانيون يتفرجون على معدات عسكرية روسية مدمرة في كييف الأحد (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتفرجون على معدات عسكرية روسية مدمرة في كييف الأحد (إ.ب.أ)

عندما ابتُكرت المركبات، تبدلّت وظيفة الحصان في الحروب بصفته قوّة صدم. أعطى هذا الابتكار الفارس - المقاتل حريّة الحركة والمناورة أثناء الركوب، والقدرة على استعمال سلاحه بحريّة وليونة. أمّن الحصان لحروب المغول الدمويّة جدّاً، الليونة، المناورة، والقدرة على تنفيذ مبدأ «الحرب الخاطفة»، ليبنوا بذلك أكبر امبراطوريّة مترابطة جغرافياً في التاريخ. بعد الحصان حلّت الدبابة قوّةَ صدم أساسية في الحروب ابتداءً من الحرب العالميّة الأولى.

هكذا هي حال التكنولوجيا والحرب في العلاقة الجدلية. يحتاج المرء إلى تكنولوجيا جديدة للنصر فينتجها. تغير هذه التكنولوجيا شكل وخصائص الحرب المستقبليّة؛ الأمر الذي يستلزم ابتكارات جديدة في الفكر الاستراتيجيّ، العملاني والتكتيكي على حد السواء. وإذا تغيرت الخصائص، لا بد من صنع تكنولوجيا جديدة ترتكز على ما قبلها، لكنها تقفز في الزمن إلى المستقبل. وإذا ابتكرت تكنولوجيا جديدة، فلا بد من تغيير هرميّة وتركيبة الجيوش، كما تعديل التوصيف الوظيفيّ للمقاتل. ألم تُبتكر بسبب التكنولوجيا الحديثة الحالية تسمية «العريف الاستراتيجي»؟ والمقصود بذلك مدى عمق ثقافة المقاتل العاديّ المطلوبة للقتال في العصر الرقميّ. ألا تُصنّف الحروب عبر أجيال متعدّدة؟ جيلاً أول، ثانياً، ثالثاً ورابعاً؟ باختصار، تعدّ التكنولوجيا أنها «مُضاعف لقوّة الإنسان» في الحرب.

جندي أوكراني يحضّر مسيَّرة لإطلاقها باتجاه المواقع الروسية (أرشيفية - رويترز)

حرب أوكرانيا

من المعروف أن سباق التسلّح في الحروب بين الدول المتقاتلة والمتنافسة يتّبع ما يُسمّى مبدأ «السيف والدرع»، وذلك حسب ما قال جنرال فرنسيّ. المقصود بالسيف، هو ذلك الابتكار في السلاح الذي يقلب موازين القوى. أما الدرع، فهو عندما يتمّ ابتكار سلاح مُضاد للسيف؛ الأمر الذي يُعيد التوازن. وعند توازن السيف مع الدرع، تتظهّر معادلة «الردع». وفي كل حالة من الحالات هذه، لا بد من التعديل في العقيدة العسكريّة للجيوش.

عند ابتكار سلاح معيّن، يُعدّ هذا الأمر أنه حاجة ضروريّة ومُلحّة. لكن فكرة الابتكار، وكي تصل إلى الاستعمال في حقل المعركة، فلا بد من أن تمرّ بثلاث مراحل، هي: التصميم، والاختبار ومن ثمّ الدمج في المنظومة العسكريّة. وهذه المراحل الثلاث، تستلزم وقتاً طويلاً (الدورة الزمنيّة). لكن دمج السلاح في المنظومة العسكريّة، لا يعني الاستعمال الفوريّ كي يُختبر هذا السلاح. فهناك الكثير من منظومات الأسلحة التي لم تُختبر إطلاقاً. كما أن هناك الكثير من المنظومات، التي اختُبرت وأثبتت عدم جدواها.

جندي روسي يتولى الحراسة خلال الاحتفال بالذكرى الـ80 لهزيمة ألمانيا النازية الجمعة الماضي (رويترز)

بعض الأمثلة من أوكرانيا

شكَّل صاروخ «هايمارس» الأميركي لأوكرانيا «السيف» الذي قلب الموازين لصالح أوكرانيا. خصوصاً وأن «هايمارس»، بدقته كما بقدرته التدميريّة (راس حربي وزن 90 كلغ) كان قادراً على ضرب العمود الفقري للجيش الروسي: الخطوط اللوجيستيّة وسكك الحديد، كما التجمعات. ردّ «الدرع» الروسيّ على السيف «هايمارس»، عبر الأمور التالية: التشويش؛ كون الصاروخ يستعمل نظام الـ«جي بي إس»، تغيير تكتيك التقدّم، وضع اللوجيستيّة في العمق وعلى مسافات لا يطولها الـ«هايمارس» (نحو 80 كلم).

بعد أن تسيّدت المسيَّرات الأوكرانية العاديّة مسرح الحرب في أوكرانيا، وشكّلت السيف الأوكراني الذي عوّض عن الكثير، وعن مدفعية الميدان بسبب شحّ الذخيرة، عوّضت روسيا «بالدرع» الإيراني عبر استيراد المسيّرات من إيران أولاً. وبدء التصنيع المحلّي ثانياً. كذلك الأمر، حسّنت روسيا «سيف» التشويش (Jamming) على المسيَّرات الأوكرانيّة، مع ابتكار طريقة جديدة للتحكّم بالمسيّرات باستعمال الألياف البصريّة المَادة للتشويش. استعملت روسيا هذا الابتكار الجديد خلال معركة استرداد إقليم كورسك الروسيّ. قلّدت أوكرانيا الابتكار الروسي للمسيرات الجديدة، وبدأت تصنيعها في الداخل الأوكراني. كما ابتكرت أوكرانيا تكتيكاً جديداً يقوم على ما يلي: استعمال المسيَّرة الجديدة غير القابلة للتشويش لتدمير مراكز التشويش الروسيّة. وبعدها، إرسال الكثير من المسيّرات العاديّة (Swarming) لضرب الوحدات العسكريّة الروسيّة، خصوصاً المدرّعات.

شاحنة روسية تحمل مسيَّرات خلال عرض عسكري في الساحة الحمراء بموسكو (أرشيفية - أ.ب)

ولأن أوكرانيا تُعدّ مسرح الاختبار الأساسي لمنظومات الأسلحة في أوروبا والعالم، ولأنه حتى الآن، تم استعمال كل أنواع الأسلحة فيها، وفي كل الأبعاد: جو، بحر، برّ، سيبراني، ومن يدري حول النوويّ... فإنها قدّمت خدمة لصناع الأسلحة، بحيث قصّرت «الدورة الزمنيّة» بين دمج السلاح في المنظومات العسكريّة، وبين التجربة والتعديل إلى حدّها الأدنى.

يقول بعض الخبراء، إن المسرح الأوكراني يعكس خصائص الحرب العالمية الأولى، حيث الخنادق. كما خصائص الحرب الثانية، حيث حرب المناورة، باستثناء النووي. لكن الإضافة تتمثّل بحرب المسيّرات، وتسريع نضجها إلى الحد الأقصى. لذلك؛ يعدّ الكثير من الخبراء أن حرب المسيَّرات ستُغيّر شكل الحرب المستقبليّة وخصائصها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ذكرت «وول ستريت جورنال» أن الجيش الأميركي سيزوّد كل فرقة عسكرية من فرقه في الخدمة الفعليّة (عددها 10) بنحو 1000 مسيَّرة قبل نهاية عام 2026.

بعض الحقائق عن الحرب الأوكرانيّة

إذا كانت كل أشكال الحرب تتظهّر على الأرض الأوكرانيّة حالياً، فإن الثمن بالأرواح البشريّة هو كبير جدّاً. يقول ديفيد آكس، من مجلّة «فوربس»، إنه إذا استمرّت الحرب على هذا المنوال، فلن تستطيع روسيا السيطرة على كل أوكرانيا حتى عام 2256، ومع تكلفة بشرية قد تصل إلى مليون ومائة ألف قتيل. في مكان آخر، ذكرت أولغا أفشينا، من «بي بي سي» أنه في بعض مراحل الحرب الروسيّة على أوكرانيا وصلت تكلفة كل كيلومتر جديد تحتله روسيا إلى 27 قتيلاً.

بالإمكان عدّ أن أوكرانيا هي مسرح التجربة بامتياز للأسلحة والتكتيك على المستوى الاستراتيجي.

والآن يمكن القول إن المناوشات التي حصلت بين الهند وباكستان، وفَّرت مسرحاً جديداً على المستوى التكتيكي، لتجربة الأسلحة، الصينيّة، والأميركيّة، والفرنسيّة والإسرائيليّة، ومنها من هو من صنع محلّي.

كما وقعت الاشتباكات في ظلّ ديناميكيّة جيوسياسيّة جديدة مختلفة عن الديناميكيّة الأوروبيّة، حيث تسعى كل من الصين والهند للتموضع بصفتها لاعباً أساسيّاً في النظام العالميّ المُرتقب، وذلك تحت المظلّة النوويّة الرادعة للبلدين؛ ما سهّل في نهاية المطاف بإقناع البلدين بالتراجع عن حافة الهاوية وإبرام اتفاق لوقف النار.


مقالات ذات صلة

5 قتلى بضربة صاروخية أوكرانية استهدفت جنوب غربي روسيا

أوروبا صورة من موقع هجوم روسي على بلدة دروزكيفكا الواقعة على خط المواجهة بمنطقة دونيتسك بأوكرانيا يوم 22 يونيو 2026 (رويترز)

5 قتلى بضربة صاروخية أوكرانية استهدفت جنوب غربي روسيا

أسفر هجوم صاروخي على فورونيج في جنوب غربي روسيا، الاثنين، عن مقتل 5 أشخاص، وفق ما أفاد به حاكم المنطقة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا يتصاعد الدخان من مبنى سكني متضرر عقب غارة صاروخية روسية على كييف (أ.ف.ب)

قادة القوى الأوروبية الكبرى يجتمعون في برلين لمناقشة الحرب الأوكرانية

أعلنت الحكومة الألمانية، الاثنين، أنّ قادة القوى الأوروبية الكبرى سيلتقون في برلين، الأربعاء، لبحث الحرب في أوكرانيا وقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقبلة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا سفينة شحن بضائع ترفع علم بنما في منطقة أوديسا الأوكرانية (أرشيفية - رويترز)

أوكرانيا: حريق وقتيل مصري في سفينة بالبحر الأسود جرَّاء هجوم روسي

قُتل شخص واحد على الأقل إثر اشتعال النيران في سفينة شحن في البحر الأسود جراء هجوم بطائرة مسيَّرة روسية، على ما أعلن نائب رئيس الوزراء الأوكراني أوليكسي كوليبا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

إغلاق مطارات موسكو الأربعة لفترة وجيزة بعد تدمير نحو 60 طائرة مسيرة

أغلقت سلطات الطيران الروسية مطارات موسكو الأربعة لفترة وجيزة، صباح اليوم (الاثنين)، بعد اعتراض عدد كبير من الطائرات المسيرة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا طابور من السيارات بمحطة وقود في سيمفيروبول بشبه جزيرة القرم يوم الجمعة 12 يونيو 2026 (أ.ب)

روسيا: مقتل 5 أشخاص في هجمات أوكرانية... والقرم توقف بيع الوقود للجمهور

قال حاكم عيّنته روسيا إن 4 أشخاص لقوا حتفهم وأصيب 28 آخرون في هجوم أوكراني بطائرات مسيّرة على شبه جزيرة القرم الخاضعة لسيطرة موسكو...

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ثلاثة قتلى في إطلاق نار في كندا من بينهم المشتبه به

أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
TT

ثلاثة قتلى في إطلاق نار في كندا من بينهم المشتبه به

أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)

أسفر إطلاق نار وقع الاثنين في حي يهودي في مونتريال عن مقتل ثلاثة أشخاص بينهم المشتبه بتنفيذ الهجوم، وفق ما أعلنت الشرطة الكندية.

ولم ترد أي معلومات بعد عن دافع الهجوم الذي أودى بشرطي ومواطن وأدى إلى إصابة شرطي آخر بجروح.

وقالت شرطة مونتريال في بيان نشرته على منصة «إكس»: «ببالغ الحزن نؤكد مقتل أحد ضباطنا أثناء تأديته واجبه».

وأعلنت بشكل منفصل عن مقتل المشتبه به وأحد السكان، وحَثّت على تجنب المنطقة.

لم تُعرف هوية القتيل المدني على الفور، لكن من المتوقع أن تتحدث شرطة مونتريال إلى الصحافيين بعد ظهر الاثنين بالتوقيت المحلي.


ثورة الذكاء الاصطناعي... معركة البنية التحتية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية

صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
TT

ثورة الذكاء الاصطناعي... معركة البنية التحتية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية

صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالتطبيقات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، من روبوتات الدردشة إلى الأنظمة القادرة على إنتاج المحتوى وتحليل البيانات، تدور في الخلفية معركة أقل ظهوراً لكنها ذات أهمية بالغة، قد تحدّد موازين القوى الدولية خلال العقود المقبلة.

فبعيداً عن البرمجيات، باتت المنافسة العالمية تتركز على البنية التحتية التي تجعل الذكاء الاصطناعي ممكناً: الرقائق الإلكترونية المتقدمة، ومراكز البيانات العملاقة، وكميات ضخمة من الطاقة اللازمة لتشغيلها. ومع ازدياد اعتماد الاقتصادات الحديثة على هذه التكنولوجيا، بدأت هذه العناصر تتحوّل تدريجياً إلى قضية أمن قومي وجيوسياسية بامتياز.

من سباق البرمجيات إلى سباق البنية التحتية

خلال السنوات الماضية، انصبّ الاهتمام على الشركات التي تطوّر نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً. لكن مع ازدياد تعقيد هذه النماذج، أصبح واضحاً أن التفوّق لا يعتمد على جودة البرمجيات وحدها، بل أيضاً على القدرة على تأمين الموارد المادية اللازمة لتشغيلها.

ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، ومركزه واشنطن، إلى أن المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي انتقلت تدريجياً من سباق على الابتكار البرمجي إلى سباق على البنية التحتية، حيث باتت القدرة الحاسوبية والطاقة الكهربائية وسلاسل توريد الرقائق عناصر أساسية في تحديد من يستطيع تطوير الجيل المقبل من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويعني ذلك أن الدول لم تعد تتنافس على جذب المواهب والشركات التقنية فحسب، بل أيضاً على بناء منشآت ضخمة قادرة على استضافة مراكز البيانات وتأمين احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء.

شريحة إلكترونية من إنتاج شركة «إنفيديا» (Nvidia)... تُعدّ الرقائق المتطورة من أبرز المكونات التي تقوم عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة مما جعلها محوراً رئيسياً في المنافسة التكنولوجية العالمية (رويترز)

الرقائق الإلكترونية في قلب المنافسة

تمثّل الرقائق المتطورة العمود الفقري للذكاء الاصطناعي الحديث. فهذه المكونات الصغيرة توفّر القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج المتقدمة وتشغيلها، مما يجعل إنتاجها والتحكم في سلاسل توريدها مسألة ذات أبعاد استراتيجية متزايدة.

ووفق تحليلات صادرة عن مركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية»، فإن القيود التي فرضتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة على تصدير بعض الرقائق المتقدمة إلى الصين تعكس إدراكاً متزايداً للأهمية الجيوسياسية لهذه التكنولوجيا. فامتلاك الرقائق الأكثر تطوراً لا يمنح فقط مزايا اقتصادية، بل يمكن أن يؤثر في القدرات العلمية والعسكرية والتكنولوجية للدول.

وفي المقابل، ضخّت الصين استثمارات ضخمة لتعزيز قدراتها المحلية وتقليل اعتمادها على الموردين الأجانب، في مؤشر إلى أن المنافسة على الذكاء الاصطناعي باتت مرتبطة أيضاً بمسألة السيادة التكنولوجية.

موظف داخل مركز بيانات تابع لشركة «هيوليت باكارد إنتربرايز» في بنغالورو بالهند... تشكّل القدرة الحاسوبية التي توفرها هذه المنشآت أحد أهم العناصر التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)

مراكز البيانات... البنية التحتية الجديدة للقوة

إلى جانب الرقائق، برزت مراكز البيانات بوصفها أحد أهم الأصول الاستراتيجية في العصر الرقمي. فهذه المنشآت تضم آلاف الحواسيب المتخصصة عالية الأداء التي تقوم بتخزين البيانات وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتدريب النماذج المتقدمة.

ويشير معهد «بروكينغز»، ومركزه واشنطن، إلى أن النمو السريع للذكاء الاصطناعي يدفع إلى توسع غير مسبوق في بناء مراكز البيانات حول العالم، مما يفرض تحديات اقتصادية وتنظيمية وبيئية متزايدة. فهذه المنشآت تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات، كما تتطلب شبكات اتصالات متطورة وأنظمة تبريد متقدمة.

ويضيف المعهد أن التفاوت في امتلاك هذه البنية التحتية قد يؤدي إلى اتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول، إذ تتركز القدرات اللازمة لاستضافة وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة في عدد محدود من الاقتصادات المتقدمة، مقارنةً بالدول النامية.

في هذا السياق، بدأت بعض الحكومات تنظر إلى مراكز البيانات بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى البنى التحتية الحيوية الأخرى، نظراً إلى دورها المتنامي في الاقتصاد والأمن الوطني.

شعار شركة كهرباء فرنسا (EDF) أمام محطة سيفو النووية في فرنسا... يُنظر إلى الطاقة النووية بوصفها أحد الخيارات المطروحة لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء المرتبط بتوسع مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي (رويترز)

تحدّي الكهرباء

إذا كانت الرقائق ومراكز البيانات تمثّلان العمود الفقري للذكاء الاصطناعي، فإن الكهرباء تمثل الوقود الذي يحرّك هذه المنظومة بأكملها.

وتحذّر «وكالة الطاقة الدولية» في تقرير لها، من أن التوسع المتسارع في الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء خلال السنوات المقبلة. فمراكز البيانات الحديثة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة لتشغيل أجهزة حوسبة متقدّمة وأنظمة تبريد، فيما يتطلب تدريب النماذج المتقدمة موارد كهربائية متزايدة.

وتشير الوكالة إلى أن الطلب على الكهرباء المرتبط بمراكز البيانات قد ينمو بوتيرة سريعة خلال العقد المقبل، مما يفرض تحديات جديدة على شبكات الطاقة الوطنية. وفي بعض الدول، بدأت شركات التكنولوجيا بالفعل البحث عن مصادر إضافية للطاقة أو الاستثمار في مشاريع إنتاج كهرباء مخصصة لتلبية احتياجاتها المستقبلية.

وحسب دراسة أخرى لمركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية»، فإن مسألة تأمين الكهرباء باتت جزءاً من المنافسة الدولية على الذكاء الاصطناعي، لأن امتلاك القدرة الحاسوبية يتطلب في نهاية المطاف تأمين الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات وأجهزة الحوسبة.

أبراج وخطوط نقل الكهرباء في منطقة يانكينغ بالعاصمة الصينية بكين... يُنظر إلى شبكات الطاقة القادرة على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء بوصفها أحد المقومات الأساسية لتوسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي (رويترز)

البعد الجيوسياسي للبيانات

لا يقتصر السباق الحالي على الجوانب التقنية والاقتصادية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى قضايا السيادة والأمن القومي. ففي تقرير لمؤسسة «إس آند بي غلوبال S&P Global»، ومركزها نيويورك، برزت مسألة «سيادة البيانات» بوصفها أحد الاتجاهات الرئيسية التي تعيد تشكيل قطاع مراكز البيانات عالمياً.

وتسعى دول عديدة إلى ضمان بقاء البيانات الحساسة داخل حدودها الوطنية، وتقليل اعتمادها على بنى تحتية رقمية تقع تحت نفوذ قوى خارجية. ويعكس هذا التوجه اقتناعاً متزايداً بأن السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية أصبحت جزءاً من عناصر النفوذ الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين.

كما يثير هذا الواقع مخاوف من احتمال انقسام العالم إلى كتل تكنولوجية متنافسة، لكل منها منظوماتها الخاصة في مجالات الرقائق والاتصالات والذكاء الاصطناعي.

العلمان الأميركي والصيني أمام لوحة إلكترونية... يُعدّ السباق على الرقائق الإلكترونية والقدرات الحاسوبية أحد أبرز أوجه المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي (رويترز)

في قلب موازين القوى الجديدة

بات الذكاء الاصطناعي، الذي أحدث ثورة تقنية واسعة النطاق، أحد أبرز العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية. فخلف التطبيقات التي يستخدمها ملايين الأشخاص يومياً، تتشكل منافسة عالمية على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات والطاقة والقدرة الحاسوبية.

وفي عالم تزداد فيه أهمية الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والأمن والدفاع، قد لا تُقاس قوة الدول مستقبلاً فقط بما تنتجه من معرفة أو ابتكار، بل أيضاً بقدرتها على بناء وتشغيل البنية التحتية التي تقوم عليها هذه الثورة التكنولوجية المتسارعة.


كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
TT

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)

عندما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ساد اقتناع بأن العالم يدخل مرحلة جديدة من الاستقرار، وأن حقبة المواجهة -سواء «الباردة» أو العسكرية- بين القوى الكبرى انتهت. وتحدث السياسيون والباحثون آنذاك عن «عائد السلام» الذي سيتيح للدول توجيه الموارد المالية نحو التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، ومكافحة الفقر، والجهل، والأمراض، بدلاً من الإنفاق العسكري. غير أن هذه الآمال لم تعمّر طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت تحديات جيوسياسية جديدة، وصراعات إقليمية متزايدة، ليعود التنافس العسكري إلى الواجهة على نحو أشد تعقيداً مما كان عليه خلال الحرب الباردة.

اليوم لا يشهد العالم مجرد عودة إلى منطق الردع النووي، بل يواجه سباق تسلح يمتد إلى مجالات متعددة تشمل -إضافة إلى الأسلحة النووية- الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحروب السيبرانية، والفضاء الخارجي. ويصف بعض الباحثين هذا التحول بأنه بداية «حرب الخوارزميات» التي تصبح فيها البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من موازين القوة الدولية.

الذكاء الاصطناعي يطوّر القدرات العسكرية (رويترز)

وتؤكد الأرقام حجم هذا التحول، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار عام 2025، بزيادة 2.9 في المائة عن العام 2024، وفق بيانات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري). واستحوذت الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي، الأمر الذي يعكس استمرار تركّز القوة العسكرية في أيدي القوى الكبرى.

*سباقات تسلّح

ورغم تراجع الإنفاق العسكري الأميركي إلى 954 مليار دولار عام 2025 نتيجة توقف إدارة الرئيس دونالد ترمب عن ضخ المساعدات العسكرية الجديدة لأوكرانيا، فإن هذا الانخفاض يبدو مؤقتاً. فقد واصلت واشنطن استثماراتها الضخمة في تحديث قواتها التقليدية، والنووية، بهدف الحفاظ على تفوقها العسكري، ومواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ. وتشير التوقعات إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأميركي مجدداً خلال السنوات المقبلة ليتجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً.

في المقابل، شهدت أوروبا أكبر زيادة في إنفاقها العسكري منذ انتهاء الحرب الباردة، مدفوعة بالحرب المستمرة في أوكرانيا، ومخاوف الدول الأوروبية من التهديدات الأمنية الروسية. وارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 14 في المائة ليصل إلى 864 مليار دولار في 2026، فيما رفعت روسيا إنفاقها إلى 203 مليارات دولار في 2026 وفق «سيبري»، بينما خصصت أوكرانيا نحو 40 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، أي نحو 85 مليار دولار، في مؤشر واضح لحجم الاستنزاف الذي تفرضه الحرب.

مركز عسكري أميركي للرقابة السيبرانية في كولورادو (رويترز)

أما الصين، فقد واصلت برنامجها العسكري الطموح للعام الحادي والثلاثين على التوالي، لترفع إنفاقها الدفاعي إلى 336 مليار دولار. ويعكس هذا المسار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية الصينية، وتحديثها، بما يمكن بكين من فرض حضورها كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة.

ومن أبرز مظاهر سباق التسلح الجديد «التهافت» على تطوير الصواريخ فرط الصوتية. وتمثل هذه الأسلحة نقلة نوعية في موازين القوى العسكرية، إذ تستطيع التحليق بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، مع القدرة على المناورة أثناء الطيران، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ التقليدية. وتتصدر روسيا والصين والولايات المتحدة هذا السباق. فروسيا نشرت أنظمة مثل «أفانغارد»، و«كينجال» (الخنجر)، بينما طورت الصين منظومات مثل «دي إف-17» المصممة لاستهداف القطع البحرية والقواعد العسكرية بسرعة ودقة كبيرتين. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى سد الفجوة التقنية مع غريميها من خلال برامج متقدمة لتطوير أسلحة فرط صوتية، وقدرات دفاعية جديدة قادرة على اكتشاف هذه التهديدات، والتعامل معها.

*الخوارزميات والذكاء الاصطناعي

لكن التحدي الأكبر قد لا يكون في سرعة الصواريخ، بل في سرعة الخوارزميات. فقد صار الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من التطور العسكري، مع دخول أنظمة قتالية قادرة على تحديد الأهداف، ومهاجمتها بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن القرار البشري. وتشمل هذه الأنظمة أسراب الطائرات المسيّرة، والذخائر الجوالة (أسلحة تجول في الجو إلى أن تعثر على هدفها، وتنقضّ عليه)، وأنظمة المراقبة والقتال الذاتية. ويثير هذا التطور أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة تتعلق بالمسؤولية عن القرارات القاتلة، واحتمالات وقوع أخطاء تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة تبلغ أحياناً حد الفاجعة.

جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز)

ويحذر خبراء من أن انتشار الأسلحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد يجعل اللجوء إلى الحرب أكثر سهولة من الناحية السياسية. فكلما تراجع الاعتماد على الجنود في ساحات القتال، انخفضت الكلفة البشرية المباشرة للحروب، وبالتالي الضغط الشعبي على المنظومات الحاكمة، وهذا ما قد يضعف أحد أهم عوامل الردع التقليدية. كما أن تحويل أبحاث الذكاء الاصطناعي المدنية إلى مشاريع عسكرية قد يؤدي إلى تقييد التعاون العلمي الدولي، وفرض قيود على الباحثين، والمؤسسات الأكاديمية، على غرار ما حدث في مجالات الفيزياء النووية والصواريخ خلال الحرب الباردة.

*الميدان السيبراني

إلى جانب ذلك، أصبحت الحروب السيبرانية ساحة مواجهة رئيسة بين الدول. فبدلاً من استخدام الدبابات والطائرات فقط، باتت الدول تعتمد على البرمجيات الخبيثة، والهجمات الإلكترونية لتعطيل البنى التحتية الحيوية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة الطاقة. وأظهر هجوم «ستاكسنت» Stuxnet (استهدفت البرمجية أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية) في العام 2009 أن الشيفرات البرمجية يمكن أن تتسبب في أضرار مادية مباشرة في المنشآت الصناعية. كما أصبحت سرقة البيانات والمعلومات الاستراتيجية من المؤسسات الحكومية والعسكرية والشركات الكبرى جزءاً أساسياً من الصراع الدولي الحديث.

وفي الوقت نفسه، تحوّل الفضاء الخارجي إلى مجال تنافس عسكري متزايد الأهمية. فالجيوش الحديثة تعتمد بشكل كبير على الأقمار الاصطناعية في الملاحة، والاتصالات، والاستطلاع، والإنذار المبكر من الهجمات الصاروخية. ومن دون هذه الأنظمة ستتأثر بشكل كبير قدرة القوات المسلحة على تنفيذ العمليات الدقيقة، وإدارة المعارك. ولهذا السبب تعمل عدة دول على تطوير قدرات هجومية ودفاعية في الفضاء، تشمل أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية، وهجمات إلكترونية، وأنظمة تشويش متقدمة. كما أنشأت بعض القوى الكبرى فروعاً عسكرية متخصصة لإدارة العمليات الفضائية، وحماية الأصول الاستراتيجية الموجودة في المدار.

«ميغ 31» روسية تحمل صاروخ «كينجال» (رويترز)

*لماذا قرقعة السلاح؟

تعود أسباب سباق التسلح الحالي إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، والحرب الروسية-الأوكرانية، والتوترات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ، ومنطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى تراجع فعالية اتفاقات الحد من التسلح التي أدت دوراً مهماً في ضبط التنافس العسكري خلال العقود الماضية.

ويرى كثير من الخبراء أن الوضع الراهن قد يكون أكثر خطورة من مرحلة الحرب الباردة نفسها. ففي تلك الحقبة كان التنافس يدور بشكل أساسي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ما جعل قواعد الردع أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع. أما اليوم، فإن العالم يشهد تنافساً متعدد الأقطاب بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، إلى جانب أدوار متنامية لقوى إقليمية، وجهات غير حكومية تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة.

كما أن انهيار عدد من اتفاقات الحد من الأسلحة، وتآكل منظومة الرقابة الدولية يزيدان أخطار سوء التقدير. ويضاف إلى ذلك دخول تقنيات جديدة -مثل الذكاء الاصطناعي، والأسلحة السيبرانية، والصواريخ فرط الصوتية- إلى المعادلة العسكرية، ما يقلص الوقت المتاح لاتخاذ القرارات في الأزمات، ويزيد احتمالات التصعيد المتسرّع.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«الحرب الخوارزمية»، حيث لن يكون الردع قائماً على التوازن النووي التقليدي فحسب، بل أيضاً على السيطرة المعلوماتية، والقدرة على إدارة الأخطار الناتجة عن الأنظمة الذكية، والشبكات الرقمية. فالصراع المستقبلي لن يُحسم بعدد الرؤوس النووية، أو الدبابات، والطائرات وحدها، بل بقدرة الدول على التحكم بالخوارزميات، والبيانات، والفضاء الإلكتروني، والفضاء الخارجي القريب. وهكذا يعود سباق التسلح إلى الواجهة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً، وأسرع تطوراً مقابل قدرة أضعف على الضبط، والاحتواء.