دروس الردع في حرب أوكرانيا... «السيف والدرع» بأسلحة المستقبل

أوكرانيون يتفرجون على معدات عسكرية روسية مدمرة في كييف الأحد (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتفرجون على معدات عسكرية روسية مدمرة في كييف الأحد (إ.ب.أ)
TT

دروس الردع في حرب أوكرانيا... «السيف والدرع» بأسلحة المستقبل

أوكرانيون يتفرجون على معدات عسكرية روسية مدمرة في كييف الأحد (إ.ب.أ)
أوكرانيون يتفرجون على معدات عسكرية روسية مدمرة في كييف الأحد (إ.ب.أ)

عندما ابتُكرت المركبات، تبدلّت وظيفة الحصان في الحروب بصفته قوّة صدم. أعطى هذا الابتكار الفارس - المقاتل حريّة الحركة والمناورة أثناء الركوب، والقدرة على استعمال سلاحه بحريّة وليونة. أمّن الحصان لحروب المغول الدمويّة جدّاً، الليونة، المناورة، والقدرة على تنفيذ مبدأ «الحرب الخاطفة»، ليبنوا بذلك أكبر امبراطوريّة مترابطة جغرافياً في التاريخ. بعد الحصان حلّت الدبابة قوّةَ صدم أساسية في الحروب ابتداءً من الحرب العالميّة الأولى.

هكذا هي حال التكنولوجيا والحرب في العلاقة الجدلية. يحتاج المرء إلى تكنولوجيا جديدة للنصر فينتجها. تغير هذه التكنولوجيا شكل وخصائص الحرب المستقبليّة؛ الأمر الذي يستلزم ابتكارات جديدة في الفكر الاستراتيجيّ، العملاني والتكتيكي على حد السواء. وإذا تغيرت الخصائص، لا بد من صنع تكنولوجيا جديدة ترتكز على ما قبلها، لكنها تقفز في الزمن إلى المستقبل. وإذا ابتكرت تكنولوجيا جديدة، فلا بد من تغيير هرميّة وتركيبة الجيوش، كما تعديل التوصيف الوظيفيّ للمقاتل. ألم تُبتكر بسبب التكنولوجيا الحديثة الحالية تسمية «العريف الاستراتيجي»؟ والمقصود بذلك مدى عمق ثقافة المقاتل العاديّ المطلوبة للقتال في العصر الرقميّ. ألا تُصنّف الحروب عبر أجيال متعدّدة؟ جيلاً أول، ثانياً، ثالثاً ورابعاً؟ باختصار، تعدّ التكنولوجيا أنها «مُضاعف لقوّة الإنسان» في الحرب.

جندي أوكراني يحضّر مسيَّرة لإطلاقها باتجاه المواقع الروسية (أرشيفية - رويترز)

حرب أوكرانيا

من المعروف أن سباق التسلّح في الحروب بين الدول المتقاتلة والمتنافسة يتّبع ما يُسمّى مبدأ «السيف والدرع»، وذلك حسب ما قال جنرال فرنسيّ. المقصود بالسيف، هو ذلك الابتكار في السلاح الذي يقلب موازين القوى. أما الدرع، فهو عندما يتمّ ابتكار سلاح مُضاد للسيف؛ الأمر الذي يُعيد التوازن. وعند توازن السيف مع الدرع، تتظهّر معادلة «الردع». وفي كل حالة من الحالات هذه، لا بد من التعديل في العقيدة العسكريّة للجيوش.

عند ابتكار سلاح معيّن، يُعدّ هذا الأمر أنه حاجة ضروريّة ومُلحّة. لكن فكرة الابتكار، وكي تصل إلى الاستعمال في حقل المعركة، فلا بد من أن تمرّ بثلاث مراحل، هي: التصميم، والاختبار ومن ثمّ الدمج في المنظومة العسكريّة. وهذه المراحل الثلاث، تستلزم وقتاً طويلاً (الدورة الزمنيّة). لكن دمج السلاح في المنظومة العسكريّة، لا يعني الاستعمال الفوريّ كي يُختبر هذا السلاح. فهناك الكثير من منظومات الأسلحة التي لم تُختبر إطلاقاً. كما أن هناك الكثير من المنظومات، التي اختُبرت وأثبتت عدم جدواها.

جندي روسي يتولى الحراسة خلال الاحتفال بالذكرى الـ80 لهزيمة ألمانيا النازية الجمعة الماضي (رويترز)

بعض الأمثلة من أوكرانيا

شكَّل صاروخ «هايمارس» الأميركي لأوكرانيا «السيف» الذي قلب الموازين لصالح أوكرانيا. خصوصاً وأن «هايمارس»، بدقته كما بقدرته التدميريّة (راس حربي وزن 90 كلغ) كان قادراً على ضرب العمود الفقري للجيش الروسي: الخطوط اللوجيستيّة وسكك الحديد، كما التجمعات. ردّ «الدرع» الروسيّ على السيف «هايمارس»، عبر الأمور التالية: التشويش؛ كون الصاروخ يستعمل نظام الـ«جي بي إس»، تغيير تكتيك التقدّم، وضع اللوجيستيّة في العمق وعلى مسافات لا يطولها الـ«هايمارس» (نحو 80 كلم).

بعد أن تسيّدت المسيَّرات الأوكرانية العاديّة مسرح الحرب في أوكرانيا، وشكّلت السيف الأوكراني الذي عوّض عن الكثير، وعن مدفعية الميدان بسبب شحّ الذخيرة، عوّضت روسيا «بالدرع» الإيراني عبر استيراد المسيّرات من إيران أولاً. وبدء التصنيع المحلّي ثانياً. كذلك الأمر، حسّنت روسيا «سيف» التشويش (Jamming) على المسيَّرات الأوكرانيّة، مع ابتكار طريقة جديدة للتحكّم بالمسيّرات باستعمال الألياف البصريّة المَادة للتشويش. استعملت روسيا هذا الابتكار الجديد خلال معركة استرداد إقليم كورسك الروسيّ. قلّدت أوكرانيا الابتكار الروسي للمسيرات الجديدة، وبدأت تصنيعها في الداخل الأوكراني. كما ابتكرت أوكرانيا تكتيكاً جديداً يقوم على ما يلي: استعمال المسيَّرة الجديدة غير القابلة للتشويش لتدمير مراكز التشويش الروسيّة. وبعدها، إرسال الكثير من المسيّرات العاديّة (Swarming) لضرب الوحدات العسكريّة الروسيّة، خصوصاً المدرّعات.

شاحنة روسية تحمل مسيَّرات خلال عرض عسكري في الساحة الحمراء بموسكو (أرشيفية - أ.ب)

ولأن أوكرانيا تُعدّ مسرح الاختبار الأساسي لمنظومات الأسلحة في أوروبا والعالم، ولأنه حتى الآن، تم استعمال كل أنواع الأسلحة فيها، وفي كل الأبعاد: جو، بحر، برّ، سيبراني، ومن يدري حول النوويّ... فإنها قدّمت خدمة لصناع الأسلحة، بحيث قصّرت «الدورة الزمنيّة» بين دمج السلاح في المنظومات العسكريّة، وبين التجربة والتعديل إلى حدّها الأدنى.

يقول بعض الخبراء، إن المسرح الأوكراني يعكس خصائص الحرب العالمية الأولى، حيث الخنادق. كما خصائص الحرب الثانية، حيث حرب المناورة، باستثناء النووي. لكن الإضافة تتمثّل بحرب المسيّرات، وتسريع نضجها إلى الحد الأقصى. لذلك؛ يعدّ الكثير من الخبراء أن حرب المسيَّرات ستُغيّر شكل الحرب المستقبليّة وخصائصها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ذكرت «وول ستريت جورنال» أن الجيش الأميركي سيزوّد كل فرقة عسكرية من فرقه في الخدمة الفعليّة (عددها 10) بنحو 1000 مسيَّرة قبل نهاية عام 2026.

بعض الحقائق عن الحرب الأوكرانيّة

إذا كانت كل أشكال الحرب تتظهّر على الأرض الأوكرانيّة حالياً، فإن الثمن بالأرواح البشريّة هو كبير جدّاً. يقول ديفيد آكس، من مجلّة «فوربس»، إنه إذا استمرّت الحرب على هذا المنوال، فلن تستطيع روسيا السيطرة على كل أوكرانيا حتى عام 2256، ومع تكلفة بشرية قد تصل إلى مليون ومائة ألف قتيل. في مكان آخر، ذكرت أولغا أفشينا، من «بي بي سي» أنه في بعض مراحل الحرب الروسيّة على أوكرانيا وصلت تكلفة كل كيلومتر جديد تحتله روسيا إلى 27 قتيلاً.

بالإمكان عدّ أن أوكرانيا هي مسرح التجربة بامتياز للأسلحة والتكتيك على المستوى الاستراتيجي.

والآن يمكن القول إن المناوشات التي حصلت بين الهند وباكستان، وفَّرت مسرحاً جديداً على المستوى التكتيكي، لتجربة الأسلحة، الصينيّة، والأميركيّة، والفرنسيّة والإسرائيليّة، ومنها من هو من صنع محلّي.

كما وقعت الاشتباكات في ظلّ ديناميكيّة جيوسياسيّة جديدة مختلفة عن الديناميكيّة الأوروبيّة، حيث تسعى كل من الصين والهند للتموضع بصفتها لاعباً أساسيّاً في النظام العالميّ المُرتقب، وذلك تحت المظلّة النوويّة الرادعة للبلدين؛ ما سهّل في نهاية المطاف بإقناع البلدين بالتراجع عن حافة الهاوية وإبرام اتفاق لوقف النار.


مقالات ذات صلة

موسكو مستعدة لجولة مفاوضات «قريباً» رغم تبدل «أولويات واشنطن»

أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف الاثنين (أ.ف.ب)

موسكو مستعدة لجولة مفاوضات «قريباً» رغم تبدل «أولويات واشنطن»

قلّل الكرملين من أهمية تأثير انشغال الولايات المتحدة بالحرب ضد إيران على مسار المفاوضات الروسية - الأوكرانية برعاية أميركية رغم تبدل «أولويات واشنطن» حالياً.

رائد جبر (موسكو)
الاقتصاد مصفاة نفط بمدينة أورسك الروسية (رويترز)

الكرملين: ارتفاع النفط يدعم إيرادات الموازنة العامة

صرَّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، يوم الاثنين، بأن ارتفاع أسعار النفط سيُدرّ إيرادات إضافية لشركات النفط الروسية، وبالتالي سيزيد من إيرادات الميزانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا نظام الهجوم بالطائرات المسيّرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

زيلينسكي: ينبغي تشديد قواعد تصدير الطائرات المسيّرة الأوكرانية

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه لا ينبغي للدول الأجنبية الراغبة في شراء طائرات مسيّرة أوكرانية أن تتمكن من التواصل مباشرة مع الشركات المصنعة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

‌قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقناة «سي.إن.إن» في مقتطفات من ​مقابلة بُثت أمس السبت إن روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة.

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يتبادلان التحية خلال اجتماع في طهران - 19 يوليو 2022 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يتفهم تحول انتباه العالم إلى الشرق الأوسط، لكن ذلك «ليس في صالح أوكرانيا». وأضاف زيلينسكي للطلاب في باريس، خلال…

«الشرق الأوسط» (لندن)

كالاس: الاتحاد الأوروبي يطرح نموذج مبادرة البحر الأسود لفتح مضيق هرمز

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)
مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)
TT

كالاس: الاتحاد الأوروبي يطرح نموذج مبادرة البحر الأسود لفتح مضيق هرمز

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)
مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ​كايا كالاس ‌(رويترز)

قالت ​مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم ‌الاثنين، إنها ناقشت مع الأمم المتحدة فكرة تسهيل ​نقل النفط والغاز عبر مضيق هرمز من خلال تطبيق نموذج الاتفاق الذي يسمح بإخراج الحبوب من أوكرانيا في وقت الحرب.

ولدى وصولها إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، قالت كالاس إنها تحدثت مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول فكرة فتح المضيق، الذي يشهد اختناقا حاليا بسبب ‌الحرب مع ‌إيران.

وأضافت: «أجريت محادثات مع أنطونيو ​غوتيريش ‌حول ⁠إمكانية إطلاق مبادرة ​مماثلة ⁠لتلك التي كانت لدينا في البحر الأسود».

وأغلقت إيران فعليا مضيق هرمز، وسط الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها، والتي دخلت الآن أسبوعها الثالث. وهاجمت القوات الإيرانية سفنا في الممر الضيق بين إيران وسلطنة عمان، مما أدى إلى توقف خمس إمدادات النفط العالمية في أكبر ⁠انقطاع على الإطلاق.

وذكرت كالاس أن إغلاق المضيق «خطير ‌للغاية» على إمدادات الطاقة إلى ‌آسيا، لكنه يمثل أيضا مشكلة ​لإنتاج الأسمدة.

وتابعت «وإذا كان ‌هناك نقص في الأسمدة هذا العام، فسيكون هناك أيضا ‌نقص في الغذاء العام المقبل». ولم تقدم أي تفاصيل أخرى.

ومضت قائلة إن الوزراء سيناقشون أيضا إمكانية تعديل مهام البعثة البحرية الصغيرة التابعة للاتحاد الأوروبي في الشرق ‌الأوسط (أسبيدس)، التي تركز حاليا على حماية السفن في البحر الأحمر من جماعة الحوثي ⁠في ⁠اليمن. وأضافت: «من مصلحتنا الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحا، ولهذا السبب نناقش أيضا ما يمكننا القيام به في هذا الشأن من الجانب الأوروبي».

وردا على سؤال حول الشكوك التي عبر عنها وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بشأن مدى فائدة مهمة «أسبيدس» في مضيق هرمز، قالت كالاس: «بالطبع نحتاج أيضا إلى أن تحظى هذه الخطوة بدعم الدول الأعضاء».

وأضافت: «إذا قالت الدول الأعضاء إننا لن نفعل شيئا في هذا الشأن، فمن المؤكد ​أن ذلك قرارها، ​لكن يتعين علينا مناقشة كيفية المساعدة في الإبقاء على مضيق هرمز مفتوحا».


اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

رفض كلٌّ من اليابان وأستراليا إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، بعدما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب دولاً حليفة والصين إلى إرسال سفن للمساعدة في حماية الصادرات النفطية بالمضيق.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن وزير الدفاع، شينجيرو كويزومي، قوله أمام البرلمان، اليوم الاثنين: «في ظل الوضع الحالي بإيران، لا ننوي إطلاق عملية أمنية بحرية».

من ناحيتها، قالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، إن أي عملية أمنية بحرية ستكون «صعبة للغاية من الناحية القانونية».

وستسافر تاكايتشي إلى واشنطن، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع ترمب قالت إنها ستتناول الحرب مع إيران.

ويُعد إرسال قوات الدفاع الذاتي إلى الخارج أمراً حساساً سياسياً في اليابان المسالِمة رسمياً، حيث يدعم عدد من الناخبين دستور عام 1947 الذي فرضته الولايات المتحدة والذي ينبذ الحرب.

وقال تاكايوكي كوباياشي، مسؤول الاستراتيجية السياسية بالحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم الذي تنتمي إليه تاكايتشي، الأحد، إن العقبات «كبيرة للغاية» أمام طوكيو لإرسال سفنها الحربية.

من جهتها، صرحت وزيرة النقل الأسترالية، كاثرين كينغ، اليوم، بأن بلادها لن ترسل سفينة حربية إلى مضيق هرمز.

وقالت كينغ، لهيئة الإذاعة الوطنية «إيه بي سي»: «لن نرسل سفينة إلى مضيق هرمز. نحن نعلم مدى أهمية ذلك، لكن هذا ليس شيئاً طُلب منا القيام به وليس شيئاً نسهم فيه».

بكين: نتواصل مع جميع الأطراف

من ناحيتها، قالت وزارة الخارجية الصينية، اليوم، ​إن بكين على تواصل «مع جميع الأطراف» بشأن الوضع في مضيق هرمز، مجدّدة دعوة البلاد إلى خفض التصعيد ‌في الصراع ‌الدائر بالشرق ‌الأوسط.

وخلال إفادة ​صحافية دورية، سُئلت الوزارة عما إذا كانت الصين قد تلقّت أي طلب من ترمب للمساعدة في توفير أمن ‌المضيق، ‌الذي يمثل ​شرياناً ‌حيوياً لشحنات الطاقة ‌العالمية.

ووفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد قال المتحدث باسم الوزارة لين جيان، للصحافيين: «نحن على تواصل مع جميع ‌الأطراف بشأن الوضع الراهن، ونلتزم بدفع الجهود الرامية لتهدئة الوضع وخفض التوتر».

وأضاف لين أن الصين حثّت مجدداً جميع الأطراف على وقف القتال فوراً لمنع التصعيد وحدوث تداعيات اقتصادية أوسع ​نطاقاً.

ودعا ترمب، مطلع الأسبوع، ‌دولاً حليفة إلى المساعدة في تأمين مضيق هرمز، في وقتٍ تُواصل فيه القوات الإيرانية هجماتها على الممر المائي الحيوي، وسط استمرار الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، للأسبوع الثالث.

وقال ​ترمب إن إدارته تواصلت، بالفعل، مع سبع دول، لكنه لم يكشف عنها.

وفي منشور سابق على وسائل التواصل الاجتماعي، عبَّر عن أمله بأن تشارك الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا ودول أخرى في هذه الجهود.

وأغلقت إيران فعلياً المضيق، وهو ممر مائي ضيق بين إيران وسلطنة عمان، مما أدى إلى تعطل 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية، في أكبر اضطرابٍ من نوعه على الإطلاق.

وأمس الأحد، قال مكتب الرئاسة في كوريا الجنوبية: «سنتواصل، من كثب، مع الولايات المتحدة بشأن هذه المسألة وسنتخذ قراراً بعد مراجعة دقيقة».

وبموجب الدستور في البلاد، يتطلب نشر قوات بالخارج موافقة البرلمان، وقالت شخصيات معارضة إن أي إرسال لسفن حربية إلى المضيق سيتطلب موافقة من السلطة التشريعية.

من جهتها، قالت ‌متحدثة باسم «داونينغ ستريت»، الأحد، إن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ناقش مع ترمب الحاجة إلى إعادة فتح ⁠المضيق لإنهاء الاضطرابات ⁠التي لحقت حركة الملاحة البحرية العالمية.

وأضافت المتحدثة أن ستارمر تواصل أيضاً مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، واتفقا على مواصلة المحادثات بشأن الصراع في الشرق الأوسط، خلال اجتماعٍ يُعقَد اليوم الاثنين.

وقال دبلوماسيون ومسؤولون إن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي سيناقشون، اليوم الاثنين، دعم بعثة بحرية صغيرة في الشرق الأوسط، لكن من غير المتوقع التطرق إلى توسيع مهامّها لتشمل المضيق المغلَق.

وأُنشئت بعثة أسبيدس، التابعة للاتحاد الأوروبي، في عام 2024، لحماية السفن من هجمات الحوثيين اليمنيين بالبحر الأحمر.

من ناحيته، قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، أمس الأحد، إن بعثة أسبيدس، التي سُميت على اسم الكلمة اليونانية التي تعني «دروع»، ​لم تكن فعالة حتى في تنفيذ مهمتها الحالية.

وذكر فاديفول، في مقابلة مع تلفزيون «إيه آر دي» الألماني: «لهذا السبب، أنا متشكك بشدة في أن توسيع مهمة أسبيدس لتشمل مضيق هرمز سيعزز الأمن».


تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة ومتباينة، في وقت تهدد فيه الحرب الدائرة مع إيران باضطراب طويل الأمد لأحد أهم الممرات النفطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن بحريتها ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف سفينة كانت تعبره شهرياً قبل أن تشلّ التهديدات الإيرانية حركة الملاحة فيه، في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة قبل أسبوعين.

ترمب يُحمّل العالم المسؤولية

كتب ترمب على منصة «تروث سوشال»، السبت: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إرسال سفن إلى المنطقة». وأضاف في تغريدة لاحقة: «ستنسق الولايات المتحدة مع تلك الدول لضمان سير الأمور بسلاسة وكفاءة. كان يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً منذ البداية، وهو ما ستكون عليه الحال الآن».

وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي»، أكد ترمب أن دولاً عدة لم تكتفِ بالموافقة، بل رأت في الأمر «فكرة رائعة»، غير أن المواقف الرسمية التي صدرت لاحقاً جاءت في معظمها متردّدة.

وبعد ساعات من الدعوة الأميركية، حثّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي بنظيره الفرنسي جان نويل بارو، دول العالم إلى «الامتناع عن أي إجراء قد يؤدي إلى تصعيد النزاع وتوسيعه». ويرى المراقبون أن هذا التحذير يستهدف تحديداً الدول التي يسعى ترمب إلى استقطابها.

سيول «تدرس بعناية»

أعلنت رئاسة الجمهورية الكورية الجنوبية أنها «تدرس من كثب» الطلب الأميركي. وقال المتحدث باسمها: «نتابع تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس المسألة بعناية في إطار التشاور الوثيق مع واشنطن». وأشار المسؤول إلى أن بلاده تُجري «بحثاً دقيقاً لمختلف التدابير لضمان أمن طرق نقل الطاقة»، مستحضراً أهمية حرية الملاحة الدولية للاقتصاد الكوري الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة العابرة للمضيق. وكانت سيول قد اتخذت في وقت سابق قراراً بتحديد سقف لأسعار الوقود، وهو إجراء استثنائي لم تلجأ إليه منذ عام 1997.

طوكيو تتمسك بـ«الاستقلالية»

لم يصدر عن اليابان أي رد رسمي على الدعوة الأميركية حتى اللحظة. وأبلغت وزارة الخارجية اليابانية وكالة «إن إتش كيه» الإخبارية أن طوكيو «لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترمب»، مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أن «اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص». بينما أوضح تاكايوكي كوباياشي، المسؤول عن السياسات في الحزب الحاكم، أن القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة «شديدة الصعوبة» من الناحية القانونية.

لندن «مستعدّة للتعاون»

أبدى وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، استعداداً للتعاون دون أن يُفصح عن أي التزام ميداني، مؤكداً أن «أفضل السُّبل وأجداها لإعادة فتح المضيق هو وضع حدٍّ لهذا الصراع». وأضاف ميليباند أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية للعالم»، مشيراً إلى أن «كل الخيارات التي قد تسهم في إعادة فتح المضيق يجري النظر فيها».

وأشار إلى أن لندن «تتحدث مع حلفائها بما فيهم الولايات المتحدة» لدراسة ما يمكن تقديمه، مستعرضاً جملةً من الخيارات المطروحة، من بينها تزويد المنطقة بـ«معدات ذاتية لكشف الألغام البحرية». كما أوضح أن بريطانيا أجرت بالفعل محادثات مع حلفائها لإعادة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها. ولفت ميليباند أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر زارت المملكة العربية السعودية، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع دول الخليج بشأن أمن المضيق، مؤكداً أن لندن «تريد العمل مع شركائها» لمعالجة الأزمة.

وأكدت الحكومة البريطانية أن أولويتها الراهنة تبقى «خفض حدة الصراع» لا التصعيد العسكري.

باريس تُبقي أسطولها في «وضع دفاعي»

أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية على منصة «إكس» أن سفنها المنتشرة أصلاً في شرق البحر المتوسط ستبقى في «وضع دفاعي». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أبدى في وقت سابق انفتاحه على إمكانية مرافقة السفن عبر المضيق مستقبلاً، إلا أن المحللين يرون أن الموقف الفرنسي لا يزال «بعيداً جداً عن تشكيل مهمة فعلية».

وذكرت صحيفة «فاينانشال ⁠تايمز» أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين ⁠يعقدون اجتماعاً دورياً، الاثنين، سيناقشون إمكانية توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تحمي الملاحة من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. وقال مسؤولون إن فرنسا تسعى لتشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد استقرار الوضع الأمني هناك.

بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار

جاء الموقف الصيني الأكثر تحفظاً والأبعد عن الاستجابة لمطالب واشنطن؛ إذ اكتفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن بالدعوة إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، مُتجاهلاً الطلب الأميركي بصورة شبه كاملة.

في المقابل، أبدى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت تفاؤلاً حذراً بشأن الدور الصيني، مُعرباً عن أمله في أن تكون بكين «شريكاً بنّاءً» في إعادة فتح المضيق، نظراً لحجم اعتمادها على نفط الخليج.