بايدن يكرر دعمه الحاسم لإسرائيل ضد «شر حماس»

 مستشار الأمن القومي: نستعد لكل السيناريوهات ولا نضع خطوطاً حمراء أو جدولاً زمنياً للعمليات 

الرئيس الأميركي جو بايدن، برفقة نائبة الرئيس كامالا هاريس ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، يدلي بتصريحات بعد حديثه الهاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
الرئيس الأميركي جو بايدن، برفقة نائبة الرئيس كامالا هاريس ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، يدلي بتصريحات بعد حديثه الهاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

بايدن يكرر دعمه الحاسم لإسرائيل ضد «شر حماس»

الرئيس الأميركي جو بايدن، برفقة نائبة الرئيس كامالا هاريس ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، يدلي بتصريحات بعد حديثه الهاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
الرئيس الأميركي جو بايدن، برفقة نائبة الرئيس كامالا هاريس ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، يدلي بتصريحات بعد حديثه الهاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

سعى الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تأكيد دعمه الحاسم لإسرائيل واستعداده لإرسال مزيد من التعزيزات العسكرية إلى منطقة الشرق الأوسط، واصفا حركة «حماس» بأنها «الشر المطلق» و«الجماعة الوحشية المتعطشة لإراقة الدماء»، ومنددا بما قام به مقاتلو «حماس» من هجمات وعمليات قتل ألف مدني في إسرائيل، بما في ذلك 14 أميركيا على الأقل. وأعرب عن قلقه إزاء التقارير التي وصفها بالمثيرة للاشمئزاز عن التعذيب الذي مارسه مقاتلو «حماس» ضد المدنيين.

وأكد مرارا وتكرارا أن ما قامت به «حماس» من إرهاب ليس له مبرر، وليس له عذر، مؤكدا أن «حماس» لا تدافع عن حق الشعب الفلسطيني في الكرامة وتقرير المصير وتستخدم المدنيين الفلسطينيين دروعا بشرية، ولا تقدم لهم سوى سفك الدماء دون أي اعتبار للثمن.

وتعهد الرئيس الأميركي بالوقوف إلى جانب إسرائيل والتأكد من أن لديها ما تحتاج إليه للدفاع عن نفسها وقال: «قامت وزارة الدفاع بنقل المجموعة الهجومية لحاملة الطائرات (يو إس إس جيرالد فورد) إلى شرق البحر المتوسط وسننقل أصولاً إضافية حسب الحاجة».

وحذر بايدن أي بلد أو منظمة أو شخص يفكر في الاستفادة من الوضع، وقال: «لدي كلمة واحدة، لا تفعل ذلك، قد تكون القلوب مكسورة لكن عزمنا واضح». وكشف اتخاذ إجراءات لتعزيز الأمن حول المجتمعات اليهودية في الولايات المتحدة، وقال: «لا يوجد مكان للكراهية في أميركا، ليس ضد اليهود وليس ضد المسلمين وليس ضد أحد ونرفض الإرهاب وندين الشر العشوائي».

وأشار إلى أنه تعهد في مكالمته الثالثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن تكون استجابة الولايات المتحدة سريعة وحاسمة وساحقة وفقا لقوانين الحرب، وأعلن بدء تقديم مساعدات عسكرية إضافية لإسرائيل تشمل الذخيرة والصواريخ الاعتراضية وتجديد القبة الحديدية والتأكد من عدم نفاد الأصول لدى إسرائيل.

وأشار بايدن إلى أن إدارته تتشاور بشكل وثيق مع الكونغرس لاتخاذ إجراءات عاجلة لتمويل متطلبات الأمن القومي للشركاء المهمين.

واعترف الرئيس الأميركي بوجود مواطنين أميركيين تحتجزهم «حماس»، مشيرا إلى أن مسؤولي إدارته يتبادلون المعلومات الاستخباراتية ويتشاورون مع نظرائهم الإسرائيليين لتقديم المشورة وتعزيز جهود استرداد الرهائن. وشدد على أنه ليست لديه أولوية أعلى من سلامة الأميركيين في جميع أنحاء العالم.

وكان بايدن ونائبته كامالا هاريس قد أنهيا مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمناقشة الدعم الأميركي لإسرائيل.

عشرات اللقاءات والاتصالات

وقد أجرى الرئيس وكبار مستشاريه خلال عطلة نهاية الأسبوع عشرات المكالمات مع العشرات من القادة والحلفاء الأجانب، وأعدوا الرد في أثناء تلبية طلبات إسرائيل للحصول على المساعدات.

من جانبه، أكد جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأميركي خلال المؤتمر الصحافي للبيت الأبيض عقب خطاب بايدن، أن الإدارة الأميركية بدأت بالفعل تسليم الذخائر والمعدات العسكرية لإسرائيل وسترسل موارد إضافية تحتاج إليها إسرائيل. وقال: «اسمحوا لي أن أكون واضحا، لم ننقل حاملة الطائرات لمواجهة (حماس)، وإنما نرسلها لإرسال رسالة ردع واضحة إلى الدول الأخرى التي قد تسعى إلى توسيع نطاق هذه الحرب».

وأضاف: «كلفنا الرئيس التخطيط للطوارئ ولكل سيناريوهات التصعيد ونحن منخرطون بعمق في هذا، ونتشاور مع الحلفاء والشركاء حول جميع السيناريوهات المحتملة التي قد تتكشف في الأيام المقبلة».

وأشار إلى أن الإدارة الأميركية ليست لديها معلومات موثقة عن عدد الرهائن من الأميركيين لدى «حماس» أو أسمائهم، وتعتقد أن هناك 20 أميركيا أو أكثر في عداد المفقودين وليس بالضرورة رهائن لدى «حماس».

الاجتياح البري

ورفض مستشار الأمن القومي الإفصاح عن فحوى النقاشات بين بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي حول إمكان قيام إسرائيل بعمليات اجتياح بري في قطاع غزة. وقال: «لن أخوض في المناقشات التي أجراها الرئيس مع رئيس الوزراء ومن المهم الحفاظ على القناة السرية بينهما».

ونفى سوليفان أي نية لإرسال قوات أميركية إلى إسرائيل، وشدد على أن الولايات المتحدة سترسل إلى إسرائيل القدرات العسكرية التي تحتاج إليها للحفاظ على أنظمة القبة الحديدية والدفاعية، والبحث عن طرق أخرى لمساعدتها على زيادة قدراتها الدفاعية الجوية.

ورفض وضع نطاق زمني أو خطوط حمراء للحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة وحجم الانتقام الإسرائيلي الذي تقبل به الولايات المتحدة.

وقال: «الأمر لا يتعلق بالانتقام وإنما بتقديم الدعم لإسرائيل في سعيها للدفاع عن أراضيها والتعامل مع التهديد المستمر من إرهابيي (حماس) الذين يتصرفون مثل إرهابيي (داعش) في همجيتهم وقسوتهم». وأضاف: «لا أستطيع وضع جدول زمني ولدينا أهداف: تدمير (حماس)، وضمان عدم قدرتها على شن هجمات، ولا أقف هنا لأرسم الخطوط الحمراء».

وكرر سوليفان ما صرح به مسؤولو الإدارة الأميركية مرارا من عدم وجود دليل على تورط إيران في مساعدة «حماس» للقيام بهذا الهجوم، وقال: «في هذه اللحظة التي أقف فيها على المنصة ليس لدينا دليل ونتحدث مع نظرائنا الإسرائيليين بشكل يومي في هذه المسألة».

الأميركيون مشككون

في غضون ذلك، أشار استطلاع للرأي أجرته وكالة «أسوشييتد برس» ومركز NORC لأبحاث الشؤون العامة، إلى أن الأميركيين لديهم نظرة قاتمة بشأن أداء بايدن في ما يتعلق بالقضية الإسرائيلية الفلسطينية. وأشار الاستطلاع إلى أن ستة من كل 10 أميركيين (61 في المائة)، لا يوافقون على الطريقة التي تعامل بها بايدن مع الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ووافق نحو ثلث (35 في المائة) البالغين في الولايات المتحدة على ذلك، وهو أقل قليلاً من معدل الموافقة السابق لبايدن البالغ 42 في المائة في الاستطلاع نفسه.

وقال أربعة من كل 10 أميركيين (44 في المائة) إن الولايات المتحدة تقدم المقدار المناسب من الدعم لإسرائيل في الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وكان الجمهوريون أكثر ميلاً من الديمقراطيين إلى القول إن الولايات المتحدة يجب أن تقدم المزيد من الدعم لإسرائيل.

وقال أربعة من كل 10 أميركيين (42 في المائة) إن المقدار الصحيح من الدعم يُمنح للفلسطينيين. وكان الديمقراطيون والمستقلون أكثر ميلا من الجمهوريين إلى القول إن الفلسطينيين يجب أن يحصلوا على المزيد من الدعم.

وتؤكد هذه الأرقام المتراجعة أن الأزمة الحالية والصراع المتفاقم في منطقة الشرق الأوسط سيكونان بمثابة اختبار حقيقي لرأي الناخبين الأميركيين في السياسة الخارجية لبايدن في الشرق الأوسط.


مقالات ذات صلة

نتنياهو يتهم إيران بـ«محاولة قتل» أحد ابنيه

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة خلال نزهة برفقة ابنيهما يائير وأفنير (جيروزاليم بوست - المكتب الصحافي الحكومي الإسرائيلي)

نتنياهو يتهم إيران بـ«محاولة قتل» أحد ابنيه

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، إن إيران حاولت اغتيال أحد ابنيه.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تقف خلف حاجز حديدي قرب بلدة الطيبة شرق رام الله في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

إسرائيل تمنع نائبين سويديين في البرلمان الأوروبي من زيارة الضفة الغربية

رفضت إسرائيل دخول نائبين سويديين يساريين في البرلمان الأوروبي كانا يعتزمان زيارة الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية لحظة إغراق السفينة «ألتالينا» (أرشيفية - أ.ف.ب)

إسرائيل تنتشل حطام سفينة لتهريب الأسلحة بعد 78 عاماً من إغراقها

أعلنت إسرائيل، الاثنين، استعادة حطام سفينة لتهريب الأسلحة أدى إغراقها على يد الجيش، بعد وقت قصير من تأسيس الدولة، إلى كشف انقسامات سياسية لا تزال قائمة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي دورية من الشرطة الإسرائيلية في حي سلوان بالقدس (أ.ف.ب)

الشرطة الإسرائيلية تقتل فلسطينيين اثنين خلال شجار عائلي بالقدس الشرقية

قتل ثلاثة فلسطينيين في القدس جراء شجار عائلي، اثنان منهم عند تدخل الشرطة الإسرائيلية، على ما أفادت الشرطة ومصادر محلية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في دمشق (رويترز) p-circle

الشيباني: نتوقع استئناف المفاوضات مع إسرائيل قريباً... وأولويتنا وقف الهجمات

قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن دمشق تتوقع استئناف المفاوضات قريباً مع إسرائيل بشأن اتفاق أمني تأمل ​في أن يؤدي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.