إدارة ترمب تلوّح مجدداً بخفض حضورها العسكري في أوروبا

هيغسيث أكد مراجعة تموضع القوات ووجه انتقادات حادة للحلفاء

هيغسيث يتحدث خلال اجتماع لوزراء دفاع حلف الناتو في بروكسل يوم 18 يونيو (إ.ب.أ)
هيغسيث يتحدث خلال اجتماع لوزراء دفاع حلف الناتو في بروكسل يوم 18 يونيو (إ.ب.أ)
TT

إدارة ترمب تلوّح مجدداً بخفض حضورها العسكري في أوروبا

هيغسيث يتحدث خلال اجتماع لوزراء دفاع حلف الناتو في بروكسل يوم 18 يونيو (إ.ب.أ)
هيغسيث يتحدث خلال اجتماع لوزراء دفاع حلف الناتو في بروكسل يوم 18 يونيو (إ.ب.أ)

صعّد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، الخميس، الضغوط على كندا والحلفاء الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، مُعلناً عن مراجعة واشنطن انتشارها العسكري في أوروبا في غضون ستة أشهر. ويعكس هذا التصعيد اتجاهاً ثابتاً في سياسات إدارة الرئيس دونالد ترمب تجاه الحلف، يقوم على دفع الأوروبيين إلى تحمّل المسؤولية الأساسية عن أمنهم، وربط المساهمات الأميركية بحجم التزاماتهم الدفاعية.

وكان وزير الحرب الأميركي قد اعتمد نبرة توفيقية بُعيد وصوله إلى مقرّ الحلف في بروكسل. لكنه سرعان ما جنح إلى التصعيد، مع انتقاد لاذع لبعض الحلفاء الأوروبيين. وقال هيغسيث خلال اجتماع لوزراء الدفاع لدول حلف شمال الأطلسي: «أعلن اليوم مراجعة لمدة ستة أشهر... ستبحث وجود القوات الأميركية وتمركزها في أوروبا». وأشار إلى أن مدة هذه المراجعة «قد تكون أقل» من الأشهر الستة، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وقال إن هذه ستكون «مراجعة حقيقية» هدفها ضمان أن يتحرك الحلف «بسرعة وبشكل لا رجعة فيه» نحو قيادة أوروبية أكبر للمشهد، وتولّي أوروبا المسؤولية الأساسية عن الدفاع عن القارة.

وشدّد الوزير على أن الخطوة هدفها أيضاً ضمان أن يكون «الوصول والتمركز والتحليق في الأجواء... محدداً بوضوح ومضموناً» للقوات الأميركية، بعدما فرضت دول أوروبية قيوداً على استخدام واشنطن قواعد عسكرية على أراضيها خلال الحرب ضد إيران. واعتبر هيغسيث أن هذا الأمر «كان مخزياً. هؤلاء الحلفاء عرّضوا أبناء وبنات أميركا... للخطر. لا عذر لذلك». وأضاف أن حرمان القوات الأميركية من «إمكانية الوصول المضمونة واستخدام القواعد وحقوق التحليق الجوي» أمور «لم يكن ينبغي أن تكون محل شك أو نقاش من الأساس».

وانتقد هيغسيث أيضاً سياسات الهجرة والإنفاق الاجتماعي في أوروبا، في تصريحات أعادت إلى الأذهان انتقادات مشابهة وجّهها نائب الرئيس جي دي فانس للحلفاء الأوروبيين في فبراير (شباط) الماضي، وأثارت غضب عدد من العواصم الأوروبية. وقال إن التركيز في أوروبا انصرف، بدلاً من «الدبابات والطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي»، إلى «المساواة بين الجنسين وتغير المناخ وسياسات التقشف الدفاعي»، مضيفاً أن «حدود أوروبا فُتحت على مصراعيها، وتوسعت دول الرفاه الاجتماعي، وانهارت ميزانيات الدفاع؛ ومعها انهارت ثقة أوروبا بنفسها وبحضارتها».

مساهمات مشروطة

وذكّر وزير الحرب الأميركي الحلفاء الأوروبيين بامتعاض ترمب من عدم مساهمتهم في إعادة فتح مضيق هرمز الذي عطّلت إيران الملاحة فيه خلال الحرب. وأوضح: «كما قال الرئيس ترمب، وبحق، لقد اختبرنا حلفاءنا لدعم أميركا عندما طلبنا مساعدتهم، والكثيرون منهم أخفقوا» في الاختبار.

وشدّد هيغسيث على أن عصر «الركاب بالمجان» داخل الحلف، كما يصفهم ترمب، قد انتهى، قائلاً إن بعض الدول لا تزال تتصرف كما لو أن هذا العصر قائم، وإن هذا الوضع لم يعد مقبولاً.

ومنذ زمن، تطالب الولايات المتحدة الدول الأوروبية بـ«تقاسم العبء» على نحو أفضل فيما يخصّ الدفاع عن أوروبا، غير أن هذا المطلب ازداد إلحاحاً منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي.

وهدّد هيغسيث أيضاً دول الحلف بخفض مساهمة الولايات المتحدة في ميزانية الناتو، إذا لم تفِ بعض البلدان بالالتزامات التي قطعتها العام الماضي خلال قمّة لاهاي. وصرّح بأنه من الآن فصاعداً، سيكون دفع واشنطن لمستحقاتها في إطار التكاليف التشغيلية للحلف، والبالغة 790 مليون دولار خلال سنة 2026، «مشروطاً» ببلوغ الحلفاء أهداف الإنفاق في المجال الدفاعي. وأوضح: «حيثما لا ينفق الحلفاء الآخرون بقدر من الإلحاح، ستنخفض مساهماتنا في الرسوم».

وخلال قمّة الناتو التي عقدت العام الماضي في لاهاي، تعهّد الحلفاء بتخصيص 5 في المائة على الأقلّ من إجمالي الناتج المحلي في دولهم للنفقات الأمنية بحلول 2035، من بينها 3.5 في المائة للنفقات العسكرية حصراً.

الوفاء بالالتزامات

وكان هيغسيث قد أقرّ، في وقت سابق الخميس، بأن «دولاً كثيرة وفت بالالتزامات»، لكن «لا بدّ للبعض منها أن يبذل مزيداً من الجهود. وسنتكلّم عن الأمر بصراحة، أكان ذلك في الدوائر الخاصة أو تلك العامة». وصرّح: «أظنّ أنه من المهمّ أن يتحلّى الأصدقاء بالصدق فيما بينهم».

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث والأمين العام لحلف الناتو مارك روته يتصافحان خلال انعقاد اجتماع وزراء دفاع الحلف ببروكسل في 18 يونيو (رويترز)

وأعلن هيغسيث، في تصريحات للصحافيين، أن الولايات المتحدة ستستثمر 1.5 تريليون دولار في قدراتها الدفاعية خلال عام 2027، في رسالة قال إن مفادها أن أميركا تبني «ترسانة للحرية». وأضاف أن هذه الترسانة «تحمي أميركا والمصالح الأميركية في المقام الأول، لكنها تدعم أيضاً قوة الناتو وحلفائنا».

ولفت الأمين العام للناتو مارك روته من جهته إلى «الأموال الطائلة» التي بات ينفقها الحلفاء في هذا المجال. والعام الماضي، أنفقت كندا والدول الأوروبية العضو في التحالف 90 مليار دولار أكثر من العام السابق، بزيادة نسبتها 20 في المائة تقريباً، بحسب روته. ودافع روته عن جهود الدول الأوروبية في زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع قدراتها العسكرية، مشيراً أيضاً إلى أن معظم الدول شدّدت إجراءاتها الحدودية.

كما بلغت كلّ دول الناتو الهدف المحدّد في 2014 بواقع 2 في المائة من النفقات العسكرية نسبة إلى إجمالي الناتج المحلي. غير أن مسؤولين في الناتو أشاروا إلى أن ثلاث دول أوروبية، من بينها الجمهورية التشيكية وسلوفينيا، تراجعت إلى ما دون نسبة 2 في المائة هذه السنة، في حين أن دولاً كثيرة أخرى، من بينها فرنسا، بالكاد تتخطّى هذا المعدّل.

ومن المرتقب أن يكون مدى الإيفاء بهذه الالتزامات التي قطعت في لاهاي من أبرز محاور القمّة المقبلة للحلف في أنقرة في 7 و8 يوليو (تموز). ويصف مسؤولون في البيت الأبيض القمة المرتقبة بأنها ستكون من أهم اجتماعات الحلف، مع جعل الإنفاق العسكري للحلفاء محوراً رئيسياً لها. ويسعى الأوروبيون إلى تحسين صورتهم في هذه القمّة التي من المتوقّع أن تشهد إبرام عدّة صفقات تسلّح، لا سيّما مع شركات أميركية، وفق ما أفاد مسؤول في الناتو. ومن المتوقع أن يواجه القادة الأوروبيون ضغوطاً أميركية قوية لتقديم التزامات ملموسة بزيادة الإنفاق وتعزيز الإنتاج الدفاعي المشترك، وربما تقديم دعم لوجستي أكبر في الشرق الأوسط.

وقال مسؤول كبير لـ«الشرق الأوسط» إن واشنطن لا تزال ملتزمة بالحلف، ولا توجد خطط للانسحاب منه، لكنها ستواصل حث حلفائها على زيادة الإنفاق الدفاعي وتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم الخاص، متوقعاً أن تستجيب الدول الأوروبية بصورة متزايدة لهذه المطالب الأميركية.

تموضع القوات

بدأت الولايات المتحدة تعيد موضعة قوّاتها في القارة العجوز وخفض عديدها في ألمانيا. وكانت واشنطن قد أعلنت في مطلع يونيو (حزيران) عن نيّتها خفض مساهمتها في «نموذج القوّات» المعتمد في حلف شمال الأطلسي، الذي يسمح للناتو بمعرفة على أيّ وسائل عسكرية يمكنه التعويل في الدول الأعضاء الـ32، إن دعت الحاجة.

وقد أدّى هذا الإعلان إلى تجدّد المخاوف، على الرغم من تطمينات الأوروبيين الذين يؤكّدون أن في وسعهم التعامل مع الوضع. وصرّح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس: «في الإجمال، سيتسنّى لنا التعويض عن مسائل كثيرة. لكننا بحاجة إلى مزيد من الوقت. والرسالة واضحة». وأكد بيستوريوس أن الأوروبيين سيكونون قادرين على سد أي ثغرات أمنية قد تنجم عن انسحاب أميركي، لكنه شدد على أن الشركاء لن يتمكنوا من تغيير وضعهم الدفاعي بين عشية وضحاها.

وأشار روته من جانبه إلى أن «ما نشهده حالياً هو أن الأوروبيين باتوا يعوّضون هذا التراجع». ولم يُبدِ الأمين العام للناتو قلقاً من احتمال خفض الوجود الأميركي، قائلاً إن الحلف في وضع جيد جداً، وإن الدول الأعضاء تجري بالفعل تعديلات للتعامل مع هذا التوجه الأميركي الجديد، مشدداً على أن أي تقليص للقوات الأميركية لن يترك أثراً سلبياً مباشراً على الدفاعات الأوروبية.

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته يعقد مؤتمراً صحافياً خلال اجتماع لوزراء دفاع الحلف في مقره ببروكسل يوم 18 يونيو 2026 (رويترز)

وبعض الدول الأوروبية لم تفصح بعد عن كامل قدراتها للناتو، وقد يتسنّى لها سدّ الثغرات سريعاً، بحسب ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مسؤول من الناتو طلب عدم الكشف عن هويّته. وأوضح الأمين العام للناتو من جهته: «هي عموماً قدرات متاحة عند حلفاء آخرين، أو ستصبح كذلك في المستقبل المنظور».

وبحسب وسائل إعلام أميركية وألمانية، تشمل التخفيضات الأميركية ثلث الطائرات المقاتلة من طراز «إف - 16» و«إف - 15» البالغ عددها 150 المخصّصة للناتو، فضلاً عن طائرات تزويد بالوقود واستطلاع وقاذفات ومسيّرات. وسحبت واشنطن أيضاً من الترسانة غوّاصة قادرة على إطلاق صواريخ كروز، فضلاً عن إحدى مجموعتي حاملات الطائرات، بحسب تقارير لم يؤكّدها الناتو.

ويقول مراقبون إن الولايات المتحدة تعمل على تقليص حجم المساعدة التي تقدمها لدول الحلف في حال تفعيل أحد الحلفاء للمادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي تعدّ أي هجوم على دولة عضو هجوماً على جميع الدول الأعضاء. غير أن الإدارة الأميركية تؤكد أن هذا البند لا يلزم واشنطن تلقائياً بتقديم دعم عسكري مباشر.

وتبقى الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر داخل الحلف بفارق واسع، كما تسهم حالياً بنسبة 14.9 في المائة من ميزانيته السنوية البالغة 5.75 مليار دولار.


مقالات ذات صلة

حملة دبلوماسية لمنع واشنطن من قطع علاقاتها مع مفوضية اللاجئين

العالم طفلة سودانية لاجئة من إقليم دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مخيم تولوم للاجئين بشرق تشاد (رويترز)

حملة دبلوماسية لمنع واشنطن من قطع علاقاتها مع مفوضية اللاجئين

قالت مصادر مطلعة لوكالة «رويترز» إن الإدارة الأميركية درست في الأسابيع القليلة الماضية قطع علاقاتها مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن ‌)
العالم رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام (إ.ب.أ)

ترمب يجري مكالمة «جيدة جداً» مع رئيس الوزراء البريطاني الجديد

قال الرئيس الأميركي، الاثنين، إنه أجرى «محادثة جيدة جداً» مع رئيس الوزراء البريطاني الجديد، مشيداً بـ«العلاقة المتميزة» التي تربط بين واشنطن ولندن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يأمر بفرض رسوم جمركية بنسبة 50 % على سلع كندية

وقّع الرئيس الأميركي، الاثنين، أوامر تقضي بفرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 50 % على بعض السلع الكندية، بسبب «المعاملة التمييزية» في بعض القطاعات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية قبعة فيران توريس تحمل عبارة ترمب الشهيرة (حساب إنستغرام)

بشعار ترمب... فيران توريس يخطف الأضواء في احتفالات إسبانيا باللقب

خطف فيران توريس مهاجم منتخب إسبانيا الأضواء خلال الاحتفالات في شوارع بلاده بالفوز بلقب كأس العالم لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم وزيرة الاستعداد للطوارئ في مقاطعة أونتاريو الكندية جيل دنلوب تقف محاطة بوزير الموارد الطبيعية بالمقاطعة مايك هاريس (يساراً) ورئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد (يميناً) أمام خريطة حية لحركة دخان الحرائق خلال مؤتمر صحافي في تورونتو بكندا 17 يوليو 2026 (أ.ب)

رئيس وزراء أونتاريو الكندية مستاء من تصريحات ترمب بشأن حرائق الغابات

أعرب رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو الكندية عن استيائه الشديد من التهديدات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية على كندا بسبب حرائق الغابات.

«الشرق الأوسط» (تورونتو)