كيف انهارت الدبلوماسية الأميركية في عهد ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

كيف انهارت الدبلوماسية الأميركية في عهد ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

عندما حذر دونالد ترمب إيران في السابع من أبريل (نيسان) من أن «حضارة كاملة ستفنى الليلة»، قال دبلوماسي أوروبي في واشنطن إن حكومته تريد إجابة عاجلة ‌عن سؤال مثير للقلق: هل كان الرئيس الأميركي يفكر في استخدام سلاح نووي؟

وفي مختلف أنحاء أوروبا وآسيا، تجاوز القلق مسألة ما إذا كان تهديد ترمب الكارثي جدياً أم مجرد وعيد. وقال الدبلوماسي إن أحد المخاوف كان أن تستغل روسيا الفرصة لتبرير تهديدات مماثلة في أوكرانيا، مما يؤدي إلى أزمة نووية في قارتين.

وسعت الحكومات الأوروبية على الفور للحصول على تطمينات عبر القناة التقليدية: وزارة الخارجية الأميركية. لكن وفقاً للدبلوماسي، قدم المسؤولون هناك رداً مقلقاً: إنهم لا يعرفون ماذا قصد ترمب أو ما الإجراءات التي قد تنذر بها كلماته.

تشير هذه الواقعة، التي لم تُكشف من قبل، إلى انهيار تاريخي للدبلوماسية الأميركية. ففيما يقود الولايات المتحدة رئيس يصعب جداً توقع تصرفاته وقراراته، يهز الأسواق والعواصم بتصريحاته المثيرة، تسعى الحكومات في جميع أنحاء العالم جاهدة للحصول على توضيحات، لتفاجأ بأن قنوات الاتصال المعتادة، سواء في السفارات الأميركية أو داخل واشنطن، غائبة أو صامتة أو لا تملك أي معلومات. وما لا يقل عن نصف مناصب سفراء الولايات المتحدة البالغ عددها 195 منصباً في جميع أنحاء العالم شاغرة حالياً.

قالت مارغريت ماكميلان، أستاذة التاريخ الدولي في جامعة أكسفورد، إن إدارة ترمب تقوض قدرة واشنطن على فهم العالم الذي تعمل فيه، مما يزيد من خطر عدم الاستقرار العالمي. وأردفت قائلة: «لن نتمكن من استخدام الدبلوماسية كما فعلنا في كثير من الأحيان من قبل لبناء العلاقات، والتوصل إلى اتفاقات تعود بالنفع على الجانبين، وتجنب الحروب وإنهائها».

وترفض إدارة ترمب فكرة الانهيار، قائلة إن التغييرات عززت الدبلوماسية الأميركية وبسطت عملية ​صنع القرار. وقال تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية: «للرئيس الحق في تحديد من يمثل الشعب الأميركي ومصالحه في جميع أنحاء العالم».

يستند هذا التقرير عن الاضطرابات في الدبلوماسية الأميركية إلى مقابلات مع ما يربو على 50 من كبار الدبلوماسيين ومسؤولي البيت الأبيض وسفراء تقاعدوا في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى العشرات من المسؤولين الأجانب والدبلوماسيين والمشترعين في مختلف أنحاء أوروبا وآسيا.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

ومع إزاحة الدبلوماسيين الأميركيين المخضرمين أو تهميشهم، يغير حلفاء الولايات المتحدة طريقة تعاملهم مع واشنطن. وبدلاً من الاعتماد على السفارات أو القنوات الرسمية، تقول الحكومات الأجنبية إنها تعيد تنظيم دبلوماسيتها لتتمحور حول دائرة صغيرة من الأشخاص الذين يمكنهم التواصل مباشرة مع الرئيس، مما يترك كثيرين يعتمدون على القنوات الخلفية للتعامل مع قوة عظمى أصبحت مواقفها أقل اتساقاً.

وفي الوقت الراهن، يعتقد بعض حلفاء الولايات المتحدة أن أنجع أسلوب للتعامل مع رئيس متقلب المزاج هو عدم أخذ تصريحاته على مأخذ الجد.

تجلى هذا النهج بعد أن أثار تهديد ترمب بإبادة إيران مخاوف من اندلاع حرب نووية. ورداً على ذلك، صاغ مسؤولون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما وصفه دبلوماسي أوروبي ببيان مشترك «شديد اللهجة» في وقت لاحق من ذاك اليوم. لكنهم اختاروا عدم إصداره، معتبرين أن لغة ترمب هي مجرد تهديدات جوفاء، وأن التوبيخ العلني قد يدفعه إلى مواصلة القصف. وبحلول المساء، أعلن ترمب وقفاً لإطلاق النار لمدة أسبوعين مع إيران.

ولم ترد وزارات الخارجية البريطانية والفرنسية والألمانية على طلبات للحصول على تعقيب.

توضح هذه الواقعة، التي لم تنشر من قبل أيضاً، النهج الذي يتبعه عدد من الحلفاء الآن: ضبط النفس بدلاً من المواجهة. لكن دبلوماسيين قالوا إن الاستخفاف المتكرر بتهديدات ترمب أمر خطير أيضاً؛ لأنه قد يحد من قدرتهم على الاستجابة عند اندلاع أزمة جديدة.

وبعد أكثر من عام على ولاية ترمب الثانية، بات النفوذ والمعلومات حكراً بشكل متزايد على حفنة من المبعوثين، أبرزهم جاريد كوشنر صهر ترمب، والمطور العقاري ستيف ويتكوف وهو صديق الرئيس منذ فترة طويلة. ولا يتولى كوشنر أي منصب حكومي رسمي، ولا يمتلك ويتكوف أي خبرة دبلوماسية سابقة. لكن «رويترز» وجدت أن بعض الحكومات الأجنبية تعطي الآن الأولوية للتواصل معهما على القنوات الرسمية.

ولم يرد كوشنر وويتكوف على طلبات للحصول على تعليق.

جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي وستيف ويتكوف في برلين (د.ب.أ)

وسعت دول أخرى إلى فتح قنوات غير تقليدية للوصول إلى البيت الأبيض؛ فقد تجاوز المسؤولون الكوريون الجنوبيون المفاوضين التجاريين الأميركيين وأقاموا علاقات مباشرة مع كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، التي شعروا بأنها قادرة على تفسير النوايا الحقيقية لترمب في خضم أزمة الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب بنسبة 25 في المائة. ووجدت اليابان وسيطاً غير متوقع في ماسايوشي سون، مؤسس «سوفت بنك»، الذي يلعب الغولف مع ترمب.

كانت وزارة الخارجية هدفاً مبكراً في ولاية ترمب الثانية. ففي أبريل 2025، وصف وزير الخارجية ماركو روبيو الوزارة بأنها بيروقراطية «متضخمة» تسيطر عليها «آيديولوجية سياسية متطرفة»، وأعلن عن «خطة إعادة تنظيم شاملة». وقد تم التلميح إلى هذه الجهود في «مشروع 2025»، وهو مخطط سياسي نشرته في عام 2023 مؤسسة «هيريتيج»، وهي مركز أبحاث يميني في واشنطن. ودعت الخطة إلى وزارة خارجية أكثر كفاءة تضم مزيداً من المعينين الذين يتم اختيارهم بسبب قربهم من الإدارة أو توجهاتهم السياسية، مع استبعاد السفراء المحترفين الذين لا تنسجم مواقفهم مع توجهات الإدارة.

غادر نحو 3000 موظف وزارة الخارجية، العام الماضي، فُصل نصفهم تقريباً وقَبِل الآخرون عروض الاستقالة مقابل تعويضات، وهو ما يقارب 15 في المائة من عدد العاملين داخل الولايات المتحدة. ثم في ديسمبر (كانون الأول)، أمر روبيو باستدعاء لم يسبق له مثيل لنحو 30 سفيراً من جميع أنحاء العالم.

ووعد روبيو، العام الماضي، بأن تسهم إعادة الهيكلة في «تمكين الوزارة من القاعدة إلى القمة، من المكاتب إلى السفارات». لكن اليوم، هناك 109 من أصل 195 منصباً لسفراء الولايات المتحدة شاغرة في جميع أنحاء العالم، بحسب الجمعية الأميركية للخدمة الخارجية، وهي نقابة الدبلوماسيين.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن التغييرات «جعلت حكومتنا أكثر كفاءة وأقل تضخماً وأكثر قدرة على تنفيذ سياسة الرئيس الخارجية بفاعلية».

تترك الهيكلية الجديدة واشنطن بعدد أقل من كبار الدبلوماسيين على الأرض في منطقة حرب رئيسية. ثمة خمس دول من الدول السبع المجاورة لإيران، وأربع ‌دول من دول الخليج الست، بلا سفير أميركي.

ويتم ‌إدارة الكثير من السفارات الأميركية الآن من قبل القائمين بالأعمال، وهم دبلوماسيون يعملون بالإنابة، بدلاً من السفراء المعتمدين من مجلس الشيوخ، وهو ما تعدّه بعض الدول خفضاً لمستوى العلاقات الدبلوماسية. وقال سفراء أميركيون سابقون ومسؤولون في وزارة الخارجية إن تراجع الوجود الدبلوماسي أسهم في حدوث فوضى عارمة لإجلاء الأميركيين من المنطقة عندما بدأ ترمب الحرب مع إيران.

مضيق هرمز موضوع تصريحات متضاربة لترمب (أ.ف.ب)

وقالت باربرا ليف، الدبلوماسية المتقاعدة التي ​شغلت منصب سفيرة الولايات المتحدة ‌لدى الإمارات في عهد ⁠إدارة ​ترمب الأولى ومنصب مساعدة وزير الخارجية ⁠لشؤون الشرق الأدنى في عهد الرئيس السابق جو بايدن: «يجب أن يكون لهذه البعثات سفراء عندما تكون في حالة حرب... في لحظة الأزمة - وهي أزمة بلا نهاية واضحة - تركت هذه الإدارة هذه البعثات في حالة محفوفة بالمخاطر».

وقال بيغوت إن السفارات الأميركية أبلت بلاء حسناً خلال الحرب مع إيران، وإنها «مزودة بعدد كاف من الموظفين».

تطهير دبلوماسي

بالنسبة إلى بريدجيت برينك، كان الانقسام بين إدارة ترمب ودبلوماسييها المنتشرين في أنحاء العالم مسألة حياة أو موت.

كانت برينك سفيرة الولايات المتحدة في كييف عندما عاد ترمب إلى منصبه. في مارس (آذار) 2025، بعد أيام قليلة من لقاء ترمب المثير مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، قطعت الولايات المتحدة المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا. وقالت برينك إن الأسلحة شملت ذخائر الدفاع الجوي التي ساعدت في حماية ليس فقط الأوكرانيين، بل أيضاً موظفي السفارة الأميركية من الطائرات المسيرة والصواريخ الروسية.

قالت برينك في مقابلة: «كان لديّ ألف شخص، جميعهم مدنيون، على الأرض... وكنا تحت حماية الأوكرانيين الذين يستخدمون معدات أميركية ومعدات أخرى».

وقالت إن وقف المساعدات العسكرية جاء دون سابق إنذار. وأضافت: «عندما حاولنا معرفة سبب وقفها، لم نحصل على أي إجابة». وتواصلت برينك مع البنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض وقالت: «كل مكان استطعنا الوصول إليه؛ لأننا كنا قلقين للغاية بشأن ما يعنيه هذا الأمر ليس فقط للأوكرانيين، بل لأمننا أيضاً». ولم يرد البنتاغون على طلب «رويترز» للتعليق على روايتها.

وقالت برينك إن طاقمها عمل خلف الكواليس لإقناع إدارة ترمب باستئناف المساعدات، وهو ما وافقت عليه في 11 مارس. لكنها قالت إنها لم تتلق قط تأكيداً رسمياً عن سبب وقف المساعدات في المقام الأول.

دونالد ترمب وزوجته ميلانيا في إحدى شرفات البيت الأبيض (د.ب.أ)

أدت عمليات التسريح في مجلس الأمن القومي، الذي ينسق تقليدياً السياسة الخارجية والدفاعية في البيت الأبيض، إلى توتر العلاقات بين إدارة ترمب وسفاراتها. وفي عام 2025، خفض ترمب عدد موظفي مجلس الأمن القومي من مئات الأشخاص إلى بضع عشرات فقط.

وعلى مدى أشهر، لم يعقد موظفو مجلس الأمن القومي أي اجتماعات منتظمة، وواجهوا حظراً فعلياً على عقد اجتماعات مشتركة بين الوكالات بشأن الأمن القومي والسياسة الخارجية، وفقاً لثلاثة مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين في واشنطن. وقال المسؤول في البيت الأبيض إن مجلس الأمن القومي لم يوقف الاجتماعات المنتظمة أو المشتركة بين الوكالات، لكنها كانت أصغر حجماً، وتركزت على أولويات ترمب.

خلال تلك الفترة، قال عديد من المسؤولين إن الموظفين تلقوا القليل من التوجيهات الرسمية بشأن الموضوعات الرئيسية مثل الحرب في أوكرانيا أو مستقبل حلف شمال الأطلسي. وبدلاً من ذلك، كانوا يراقبون حساب ترمب على منصة «تروث سوشيال» بحثاً عن إشارات سياسية. وقال المسؤولون إن كثيراً من موظفي مجلس الأمن القومي أبقوا حساب ترمب مفتوحاً على شاشة مخصصة واستجابوا بسرعة عندما وضع منشورات.

في عهد بايدن، كانت برينك تشارك بانتظام في اجتماعات مجلس الأمن القومي لتطوير وتنسيق سياسة معقدة في زمن الحرب بين واشنطن وسفارة كييف. وفي عهد ترمب، توقفت تلك الاجتماعات، حسبما قالت برينك. وبدلاً من ذلك، طُلب منها «مجرد الاتصال بالناس»، وهو نهج وصفته بأنه غير فعال وغير قابل للتطبيق في منطقة صراع حيث كانت الهجمات الروسية روتينية. وقالت: «نحن نسبق بسبع ساعات ونكون في المخبأ كل ليلة تقريباً».

وقالت إن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت سياسة «الاسترضاء» التي انتهجها ترمب بشأن أوكرانيا، متمثلة في السعي إلى توثيق العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع إلقاء اللوم على أوكرانيا في العدوان الروسي. واستقالت احتجاجاً في أبريل 2025. وبعد شهرين، أعلنت ترشحها في انتخابات مجلس النواب الأميركي عن الحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان.

وأفادت وزارة الخارجية الأميركية في 28 أبريل بأن ⁠خليفتها، جولي ديفيس، التي شغلت منصب القائمة بالأعمال، ستستقيل أيضاً وتتقاعد في يونيو (حزيران). وقال المتحدث باسم الوزارة بيغوت إن ديفيس تتقاعد بعد «مسيرة متميزة امتدت 30 عاماً» في السلك الدبلوماسي.

وقد انتهت فترات كثيرين من الدبلوماسيين المحترفين الآخرين بشكل مفاجئ. فقبل أسبوع من عيد الميلاد، طُلب من نحو 30 دبلوماسياً ترك مناصبهم بحلول منتصف يناير (كانون الثاني)، وهو استدعاء جاء في الغالب دون سابق إنذار أو تفسير. وأطلق ‌بعض السفراء المغادرين عليه في جلساتهم الخاصة «مذبحة ليلة السبت»، وهي عبارة عن حقبة ووترجيت تُستخدم الآن لوصف عمليات الفصل الجماعي للمسؤولين.

ينقسم السفراء الأميركيون إلى فئتين: الدبلوماسيون المحترفون والمعينون سياسياً. يرشح الرئيس الفئتين ويصدق على تعيينهم مجلس الشيوخ. ويفخر الدبلوماسيون المحترفون تقليدياً بكونهم غير حزبيين وغالباً ما يتمتعون بخبرة تمتد لعقود. أما المعينون سياسياً فهم عادة من كبار المتبرعين للحملات الانتخابية، أو مشرعون سابقون، أو حلفاء مقربون للرئيس، وقد يكون ‌لديهم خبرة دبلوماسية قليلة أو معدومة.

وفي الإدارات الأميركية على مدى ما يقرب من 50 عاماً، شكل الدبلوماسيون المحترفون عادة ما بين 57 و74 في المائة من السفراء، وفقاً للجمعية الأميركية للخدمة الخارجية. وفي ولاية ترمب الثانية، يمثل الدبلوماسيون المحترفون نحو 9 في المائة من السفراء المعينين، وهو انخفاض كبير في الخبرة المؤسسية التي قادت الدبلوماسية الأميركية تاريخياً.

كان معظم السفراء الذين ​تم استدعاؤهم في ديسمبر من الدبلوماسيين المحترفين الذين تم تعيينهم في مناصبهم الحالية في عهد بايدن، لكنهم خدموا أيضاً في إدارات جمهورية، بما في ذلك إدارة ترمب. على سبيل المثال، عملت برينك، السفيرة لدى أوكرانيا، مع خمسة رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين، بمن فيهم ترمب في ولايته ‌الأولى.

وقالت وزارة الخارجية إن الاستدعاء الجماعي كان «إجراء معتاداً»، وإن البدلاء سيمثلون ترمب ويعملون على تعزيز أجندة «أميركا أولاً»، التي يقول البيت الأبيض إنها «ستدافع عن المصالح الأميركية الأساسية».

لا يزال هناك أكثر من 100 منصب سفير شاغر في جميع أنحاء العالم. قال بريان نيكولز، الذي شغل منصب سفير لرؤساء ديمقراطيين وجمهوريين من 2014 إلى 2021 في بيرو وزيمبابوي: «نحن نمارس دبلوماسيتنا وإحدى ذراعينا مقيدة خلف ظهورنا».

على هذه الخلفية، تظهر مجموعة جديدة من الدبلوماسيين المتوافقين مع أجندة ترمب.

فتسعى منظمة «بن فرانكلين فيلوشيب»، التي أُسست عام 2024، إلى تحديد وتعزيز وجود المحافظين داخل وزارة الخارجية ومواجهة ما يصفه قادتها بالتحيز ‌ضدهم. قال المؤسس المشارك فيليب ليندرمان: «يأتي إلينا الكثير من المسؤولين المعتدلين -رجال، رجال بيض - ويقولون: «أنا مهمش تماماً بسبب برنامج التنوع والإنصاف والاندماج»، الذي كان سائداً في الإدارات السابقة.

إطفائيان أوكرانيان يخمدان النار في مبنى تعرض لقصف روسي في دنيبرو (أ.ب)

تضم المجموعة الآن نحو 95 زميلاً على موقعها الإلكتروني، بمن فيهم نائب وزير الخارجية كريستوفر لانداو. وقال ليندرمان، وهو دبلوماسي سابق، إن 250 عضواً آخرين، معظمهم من الدبلوماسيين النشطين، يخفون هوياتهم لتجنب الانتقام من الإدارات الديمقراطية المستقبلية.

ومن بين أكبر الداعمين الماليين للزمالة مؤسسة «هيريتيج»، التي صممت «مشروع 2025». وفي العام الماضي، قدمت «هيريتيج» للمنظمة منحة بقيمة 100 ألف دولار، مما ساعد فعلياً في المضي قدماً بإحدى التوصيات الرئيسية (لمشروع 2025) ألا وهي إعادة تشكيل القوى العاملة التي تعدّها معادية للإدارات المحافظة. وأبلغت «هيريتيج» «رويترز» أنها تدعم كثيراً من المنظمات الأميركية لكنها لا تمارس أي «سيطرة مباشرة» عليها.

وتهدف المنحة إلى مساعدة ترمب على تجنب تعيين موظفين في وزارة الخارجية قد يعرقلون أجندته، حسبما قال ليندرمان ومات بويس، وهو دبلوماسي سابق آخر ومؤسس مشارك للمنحة وزميل أقدم في معهد هدسون، وهو مركز أبحاث محافظ. تنظم المجموعة ندوات للتواصل، وتجند أعضاء في الجامعات، وتقدم المشورة لإدارة ترمب بشأن الدبلوماسيين المحترفين الذين تعتبرهم نشطاء فكرياً. وقال بويس لـ«رويترز»: «نحن نساعدهم على معرفة، إذا أرادوا ذلك، ما إذا كان شخص ما جزءاً من المقاومة».

وعبّر 18 سفيراً سابقاً عن قلقهم من أن أعضاء زمالة بن فرانكلين يتم ترقيتهم بسرعة إلى مناصب عليا قبل أشخاص أكثر خبرة. وقال بيغوت إن وزارة الخارجية «لا تتخذ قرارات تتعلق بالموظفين بناء على المشاركة في مجموعات خارجية أو حصص ديموغرافية».

صعود دولة المبعوثين

تجاهل ترمب السفارات بشكل متزايد، وعهد بالدبلوماسية الحساسة إلى مبعوثين خاصين، أبرزهم كوشنر وويتكوف، وهما المفاوضان الرئيسيان في حروب أوكرانيا وغزة وإيران.

في الفترة التي سبقت الحرب مع إيران، التقى كوشنر وويتكوف بمسؤولين إيرانيين في جنيف في أواخر فبراير (شباط)، لكنهما لم يصطحبا معهما خبراء نوويين أميركيين، وفقاً لمسؤولين أوروبيين شاركوا في المناقشات. وفي الأشهر التسعة السابقة، طردت إدارة ترمب ما لا يقل عن ستة خبراء نوويين في الشؤون الإيرانية، من بينهم نيت سوانسون، وهو دبلوماسي محترف عمل في قضايا إيران عبر عدة إدارات.

ساعد سوانسون في تنفيذ الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما مع إيران عام 2015. وقد تمت ‌صياغة هذا الاتفاق الفني للغاية، الذي وافقت فيه إيران على تقييد برنامجها النووي بشكل كبير مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المتعلقة بالبرنامج النووي، من قبل فرق كبيرة من الدبلوماسيين والخبراء. وقد انسحب ترمب من الاتفاق في عام 2018. وقال سوانسون إن ويتكوف اتصل به في أبريل من العام الماضي ليطلب منه العودة للانضمام إلى المحادثات المتجددة مع طهران. في ذلك الوقت، كان سوانسون يعمل في مكتب تنسيق العقوبات التابع لوزارة الخارجية.

ومع ذلك، مرت أسابيع دون عقد أي اجتماعات بشأن إيران، بحسب سوانسون. وقال عن ويتكوف، الذي كان يتنقل أيضاً بين المحادثات حول أوكرانيا وغزة: «كان لديه الكثير من المهام... لم يكن لدينا أي مساهمة». وقال سوانسون إنه لم يمض وقتٌ طويل حتى «توقفت الإدارة عن طلب المشورة».

وبعد أقل من شهرين من انضمامه إلى فريق التفاوض التابع لويتكوف، تم فصل سوانسون بعد أن ⁠سخرت منه المؤثرة اليمينية لورا لومر على وسائل التواصل الاجتماعي ووصفته بأنه «من بقايا عهد أوباما». ومنذ ذلك الحين، انضم إلى مركز أبحاث المجلس الأطلسي بصفته كبير باحثين. ولم ⁠ترد لومر على طلب للتعليق من «رويترز».

وقال دبلوماسي أوروبي كبير إن الفريق الأميركي واجه صعوبة في فهم أهمية عتبات تخصيب اليورانيوم المختلفة وعناصر أخرى من برنامج إيران النووي خلال المحادثات الأخيرة في جنيف، مما أجبر المسؤولين الأوروبيين على شرحها. وقال الدبلوماسي: «كيف يمكنك التفاوض وأنت لا تفهم الأساسيات؟».

وفي 28 فبراير، بعد فشل محادثات جنيف، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران. في ذلك اليوم، ومرة أخرى في الثالث من مارس، أطلع ويتكوف الصحافيين على المفاوضات. وأشارت تلك الإحاطات إلى أنه أخطأ في تفسير اقتراح إيران، مبالغاً في التهديد النووي الإيراني من خلال الخلط بين التخصيب المحدود لليورانيوم وتحويله إلى أسلحة في المدى القريب، حسبما قالت كيلسي دافنبورت، من جمعية مراقبة الأسلحة، وهي منظمة مقرها واشنطن تدافع عن سياسات فعالة لمراقبة الأسلحة. وقد راجعت دافنبورت التسجيلات والنصوص التي قدمها المشاركون في الإحاطات.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تعرض لدبلوماسية الغضب من ترمب (أ.ب)

أخطاء

وقالت دافنبورت إن تصريحات ويتكوف احتوت على الكثير من الأخطاء التي تشير إلى «عدم الكفاءة الفنية»؛ فعلى سبيل المثال، أشار إلى جهاز الطرد المركزي الإيراني «أي آر - 6» لتخصيب اليورانيوم باعتباره «ربما أكثر أجهزة الطرد المركزي تقدماً في العالم»، في حين أنه ليس حتى الأكثر تقدماً في إيران. وقالت: «لا يحتاج ويتكوف إلى أن يكون خبيراً نووياً للتفاوض على اتفاق جيد. لكن إذا لم يكن كذلك، فيجب أن يحيط به أشخاص على معرفة».

كما واجه أكبر مبعوثين لترمب تدقيقاً من الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي بشأن تضارب المصالح المحتمل، كوشنر، بسبب مزاعم بتفاوضه على اتفاقات سلام مع دول تربطه بها صفقات تجارية بمليارات الدولارات، وويتكوف بسبب دور عائلته في شركة ترمب للعملات المشفرة التي تسعى إلى التوسع في الشرق الأوسط. وقد نفى كلاهما وجود أي تضارب في المصالح.

ووصفت المسؤولة في البيت الأبيض هذه الادعاءات بأنها «رواية مملة» يروج لها الديمقراطيون، وقالت إن كلا الرجلين «فهم تماماً» مقترحات إيران خلال المفاوضات.

وما يربو على 90 في المائة من السفراء الذين عينهم ترمب في هذه الولاية من الموالين السياسيين، وليسوا دبلوماسيين محترفين، ويتمتعون بسلطة غير عادية بسبب صلاتهم المفترضة بدائرة الرئيس المقربة. وتذكّر مسؤولان أوروبيان كيف أكد والد كوشنر، تشارلز، سفير الولايات المتحدة لدى فرنسا، قربه من السلطة من خلال الاتصال بجاريد مباشرة أمام نظرائه الأجانب في اجتماع عقد العام الماضي.

ورفضت السفارة الأميركية في باريس التعليق.

وعين ترمب سفيراً في بكين، وهو شخص آخر من الموالين، وهو ديفيد بيردو السيناتور السابق عن ولاية جورجيا ورجل الأعمال، وقد ردد ادعاءات ترمب الكاذبة بأن انتخابات عام 2020 تم تزويرها. وقال ثلاثة مسؤولين في الحكومة الأميركية يركزون على الشؤون الصينية إن بيردو اتصل بترمب مباشرة لوضع القرارات ومعالجة القضايا الدبلوماسية العالقة، في حين تم استبعاد حتى كبار الدبلوماسيين الأميركيين من دائرة اتخاذ القرار. وأضافوا أنه عند التخطيط للزيارات رفيعة المستوى، غالباً ما كان موظفو السفارة ينتظرون حتى يتصل بيردو بترمب قبل الالتزام بالترتيبات النهائية، وهو ما يمثل خروجاً عن المعتاد مقارنة بالماضي عندما كانت مثل هذه القرارات تُتخذ على مستويات أدنى.

ورأى فولفغانغ إيشينغر، السفير الألماني السابق في واشنطن، إن النهج الأميركي الحالي يعكس تركيزاً هائلاً للسلطة على السياسة الخارجية الأميركية في شخص واحد ألا وهو ترمب. وقال: «هذا الشخص يتخذ القرارات، أحياناً بين عشية وضحاها، وأحياناً في اجتماع رسمي، وأحياناً لا. هذا مختلف تماماً، ولست متأكداً من أن أسلوب ترمب في اتخاذ القرارات يوفر فعلاً ضمانة لاتخاذ قرارات جيدة».

طرق غير تقليدية

تسعى بعض الدول إلى إيجاد طرق غير تقليدية للوصول إلى البيت الأبيض.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ في بكين (أ.ب)

وفي أبريل 2025، أعلن ترمب فرض رسوم جمركية 25 في المائة على كوريا الجنوبية، مما هدد اقتصادها القائم على الصادرات. وفي المحادثات التجارية اللاحقة، كان المسؤولون الكوريون الجنوبيون يكافحون لتحديد ما إذا كان نظراؤهم الأميركيون ينقلون موقف ترمب بدقة، حسبما قال كانغ هون سيك، رئيس ديوان الرئاسة، في بودكاست كوري جنوبي. وبدلاً من ذلك، تكيف المسؤولون الكوريون الجنوبيون من خلال التواصل المباشر مع ويلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض. كان هذا الترتيب غير معتاد. فكانج ليس النظير الكوري المعتاد الذي يتعامل مع الولايات المتحدة في شؤون السياسة الخارجية أو الأمن أو التجارة، وويلز ليست مفاوضة تجارية.

ولم يرد مكتب الرئيس الكوري الجنوبي ووزارة الخارجية على طلب للتعليق.

لجأت اليابان إلى مؤسس سوفت بنك وصديق ترمب في لعبة الغولف، ماسايوشي سون.

قال شيغيرو إيشيبا، الذي شغل منصب رئيس الوزراء حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لـ«رويترز» إنه في أثناء توليه المنصب، استخدمت اليابان قطب التكنولوجيا كقناة خلفية للوصول إلى ترمب، وهي المرة الأولى التي يتم فيها الاعتراف علناً بدور سون. وقال إيشيبا إن سون كان يتصرف إلى حد كبير لمصلحة أعماله الخاصة، لكنه أكد أن حكومته نقلت رسائل إلى ترمب عبر سون.

وقال إيشيبا إن التواصل المباشر مع ترمب كان أمراً حيوياً؛ لأن «الأشخاص المحيطين به جميعهم من المتملقين».

ورفض مؤسس «سوفت بنك» وسون التعليق. ونفت وزارة الخارجية اليابانية استخدام سون كقناة خلفية، لكنها رفضت التعليق على ما إذا كان إيشيبا قد فعل ذلك.

وقال بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، إنه «يرفض الفرضية القائلة بأن القرارات الرئيسية اتُخذت دون مساهمة ذات مغزى من قبل محترفين ذوي خبرة». ووصف استخدام ترمب للمبعوثين والخطوط المباشرة إلى البيت الأبيض من قبل بعض الدول بأنه فعال. وقال: «المشاركة المباشرة المستمرة من أعلى مستويات هذه الإدارة في جميع أنحاء العالم ميزة»، مضيفاً أن «أي شخص يدعي عكس ذلك لا يعرف ما الذي يتحدث عنه».

العالم يغير طريقته

قلب ترمب المعايير الدبلوماسية رأساً على عقب بسلسلة متواصلة من التهديدات الموجهة إلى أعداء مثل إيران وحلفاء بما في ذلك الدنمارك وكندا وحلف ​شمال الأطلسي. واضطرت الحكومات إلى تقييم ما إذا كان الرد علناً سيهدئ التوترات أم يزيدها سوءاً.

وهذا ما حدث في أوائل أبريل بعد أن حذر ترمب من أن حضارة إيران قد تفنى. وصاغ مسؤولون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما وصفه دبلوماسي أوروبي بأنه بيان ​مشترك «قاس»، ثم قرروا عدم إصداره.

وقال الدبلوماسي، الذي ساعد في صياغة البيان: «اعتقدنا في النهاية أنه كلما نبح هكذا، لا يعض». اعتقد المسؤولون الأوروبيون أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال ممكناً، وخشوا أن يؤدي التوبيخ العلني إلى دفع ترمب إلى مواصلة القصف، فامتنعوا عن الرد. وبحلول نهاية اليوم، أعلن ترمب وقف إطلاق النار.

عززت هذه الواقعة درساً للعديد من حلفاء الولايات المتحدة، ألا وهو أن الصمت قد يكون الرد الأكثر أماناً على تهديدات ترمب الأكثر تطرفاً.

ويطلق بعض الدبلوماسيين الأوروبيين على هذه «طريقة ميركل»، في إشارة إلى رد الفعل الهادئ الذي أبدته المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل خلال ولاية ترمب الأولى: استيعاب الاستفزازات دون رد فعل علني مع الدفاع بحزم عن المصالح الوطنية.

وانتقد عدد من الحلفاء، بما في ذلك أستراليا ونيوزيلندا، تصريحات ترمب بشأن إيران. لكن البعض الآخر، بما في ذلك اليابان، التزم الصمت.

قال تاكيشي إيوايا، النائب في الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان والذي شغل منصب وزير الخارجية حتى أكتوبر 2025: «كانت تصريحات الرئيس ترمب تتغير باستمرار، لذا توقفنا بمرور الوقت عن الرد على كل تصريح منها؛ فالرد قد يؤدي فقط إلى إثارة ردود فعل غير ضرورية».


مقالات ذات صلة

«مثير للاشمئزاز»... هيغسيث يهاجم تقريراً عن خسائر الجيش الأميركي في حرب إيران

الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (إ.ب.أ) p-circle

«مثير للاشمئزاز»... هيغسيث يهاجم تقريراً عن خسائر الجيش الأميركي في حرب إيران

صعَّد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث لهجته تجاه تقرير شكك في دقة الأرقام التي يعلنها «البنتاغون» بشأن الخسائر البشرية في صفوف القوات الأميركية خلال حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

«سي إن إن»: منع وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض اعتداء على حرية الصحافة

ندّدت مؤسسات إعلامية أميركية بقرار الرئيس دونالد ترمب منع 3 وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
آسيا الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

سيول: تصريح الرئيس حول عدم التدخل في الحرب ليس رفضاً لطلب ترمب بشأن هرمز

كشف البيت الأزرق أن تصريحات الرئيس لي جاي ميونغ التي استبعد فيها إرسال قوات قد تورط البلاد في حرب لا تعدّ رفضاً لطلب ترمب من سيول إرسال قواتها إلى مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الولايات المتحدة​ مشاة البحرية الأميركية يجرون تدريبات على سطح السفينة «يو إس إس بورتلاند» (سنتكوم) p-circle

قتلى الجيش الأميركي في حرب إيران... العدد يفوق ما أعلنه البنتاغون

قالت صحيفة «واشنطن بوست» إن عدد قتلى الجيش الأميركي في خضم الحرب على إيران يفوق الإحصاء الرسمي الذي أعلنت عنه وزارة الحرب (البنتاغون).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق دونالد ترمب جونيور وزوجته بيتينا أندرسون (رويترز)

ملياردير روسي موّل جانباً من زفاف نجل ترمب... والرئيس الأميركي يؤكد سداد الأموال

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن نجله الأكبر دونالد ترمب جونيور سيسدد الأموال التي دفعها الملياردير الروسي عمر كريمليف لتمويل جانب من تكاليف حفل زفافه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقرير استخباراتي أعده الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حرباً بين أميركا والصين

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس كارل فينسون» (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس كارل فينسون» (رويترز)
TT

تقرير استخباراتي أعده الذكاء الاصطناعي كاد يشعل حرباً بين أميركا والصين

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس كارل فينسون» (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس كارل فينسون» (رويترز)

كشفت شبكة «سي إن إن» الأميركية عن حادثة لم يسبق الإبلاغ عنها، كادت تشعل مواجهة مسلحة بين الولايات المتحدة والصين في الشرق الأوسط خلال هذا العام، بعدما جرى تعميم تقرير استخباراتي داخل الجيش الأميركي، في خضم الحرب مع إيران، يفيد بأن سفينة صينية في المنطقة تنقل مكونات خاصة ببرنامج أسلحة نووية، ليتضح لاحقاً أن التقرير أُعد بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وأن روبوت محادثة استخدمه أحد المحللين حدّد بصورة خاطئة طبيعة الحمولة التي كانت السفينة تقلها.

وقالت أربعة مصادر مطلعة على الواقعة لـ«سي إن إن»، إن الجيش الأميركي تحرك على الفور ووضع خططاً لاعتراض السفينة. فيما كشف مصدران عن أن أفراداً مسلحين في الجيش الأميركي كانوا يستعدون للصعود إلى متن السفينة، فيما أكد أحد المصدرين ومصدر ثالث مطلع على الحادث أن طائرات عسكرية كانت في الجو.

وحسب الشبكة، فإنه قبل تنفيذ العملية المقررة بقليل، تعمق المسؤولون في مراجعة التقرير، الذي أعده محلل في قيادة العمليات الخاصة، واكتشفوا أنه أُنجز بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وأن روبوت محادثة استخدمه المحلل حدد بشكل خاطئ المواد التي كانت السفينة تنقلها.

وأكد أحد المصادر للشبكة أن التقرير كان «كاذباً بالكامل». لكنه قال أيضاً إن التقرير «كاد يشعل حرباً». وكان من الممكن لأي عملية أميركية ضد سفينة صينية أن تخاطر بالانزلاق إلى نزاع مسلح بين البلدين.

الجيش الأميركي يوسع استخدام الذكاء الاصطناعي

في أنحاء الجيش الأميركي وأجهزة الاستخبارات، يدفع المسؤولون باتجاه دمج الذكاء الاصطناعي في كل جانب تقريباً من جوانب عملهم، بدءاً من تحليل الكميات الهائلة من المعلومات الاستخباراتية الخام التي تجمعها الولايات المتحدة، واختيار أهداف الضربات، وصولاً إلى تطبيقات أكثر اعتيادية مثل إدارة الموازنات والخدمات اللوجيستية وسلاسل الإمداد.

وتوقفت «سي إن إن» عند تفاصيل عمل المحلل، مشيرةً إلى أنه استعلم من روبوت المحادثة عن تقارير استخباراتية تخص بيان شحن السفينة، صادرة أصلاً عن «قيادة العمليات الخاصة الأميركية للمحيط الهادئ»، ومقرها هاواي، من دون أن يتضح ما إذا كان الروبوت المستخدم منتجاً تجارياً متاحاً للعموم أم أداة حكومية أميركية.

لكن هذه الواقعة تسلط الضوء على المخاطر الكبيرة لاستخدام هذه التكنولوجيا القوية والحديثة، التي لا يزال فهمها محدوداً نسبياً، في عمليات تحديد الأهداف وسط الحرب، وفقاً للشبكة.

وقال مسؤول أميركي سابق رفيع المستوى، مطلع على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يستخدمها محللو الجيش وأجهزة الاستخبارات: «الأدوات الداخلية هي في الغالب مجرد نسخ من الأدوات التجارية بعد تجميلها».

الذكاء الاصطناعي جمع معلومات سرية ومفتوحة المصدر

قام الروبوت بدمج معلومات استخباراتية من مصادر مفتوحة مع معلومات استخباراتية سرية تم الحصول عليها عبر إشارات موجودة في حوزة الحكومة، وتوصل إلى استنتاجه الخطير بشأن المواد التي كانت السفينة تنقلها.

ثم استخدم المحلل الذكاء الاصطناعي مرة أخرى لصياغة النتائج في شكل تقرير استخباراتي قياسي، من النوع الذي يحظى بثقة المسؤولين العسكريين، قبل أن يقوم بتوزيعه.

لماذا يتسارع اعتماد الجيش على الذكاء الاصطناعي؟

يستند التوجه نحو التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى قدرته المحتملة على مساعدة الجيش في اتخاذ قرارات ميدانية، مثل تحديد الأهداف التي ينبغي ضربها أو تحديد أماكن نقل الأصول العسكرية، بشكل أسرع.

ويقول مسؤولون لـ«سي إن إن»، إن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل خطر التأخر في دمج الذكاء الاصطناعي، تحسباً لاضطرارها يوماً ما إلى خوض حرب مع الصين أو خصم آخر قد يتمكن من البقاء متقدماً بخطوة على الولايات المتحدة.

وفي يناير (كانون الثاني)، أطلق وزير الدفاع بيت هيغسيث «استراتيجية تسريع الذكاء الاصطناعي» الخاصة بالوزارة، في محاولة لتسريع استخدام الجيش لهذه التكنولوجيا.

وقال هيغسيث في خطاب أعلن فيه الاستراتيجية: «سنطلق العنان للتجارب، ونزيل الحواجز البيروقراطية، ونركز استثماراتنا، ونثبت نهج التنفيذ المطلوب لضمان أن نكون في الصدارة في مجال الذكاء الاصطناعي العسكري».

الخطر الأكبر... البشر الذين يتخذون قرارات خاطئة

على مدى أسابيع، انخرط صانعو السياسات في واشنطن في نقاشات مكثفة بشأن الذكاء الاصطناعي، بعد سلسلة من التحذيرات الخطيرة التي أطلقها مهندسون في سيليكون فالي ومديرو شركات تكنولوجيا كبرى بشأن احتمال خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة البشرية، وما قد يترتب على ذلك من عواقب قد تهدد الحضارة.

لكن واقعة السفينة الصينية تسلط الضوء على خطر مختلف وأكثر إلحاحاً وفق «سي إن إن»، أن يتخذ البشر قرارات كارثية استناداً إلى معلومات غير دقيقة أو مضللة ينتجها الذكاء الاصطناعي أو أنظمة آلية أخرى.

وقالت المصادر إن الجيش يتجه سريعاً إلى استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد الأهداف، وهو مجال ينطوي بوضوح على خطر وقوع أخطاء قاتلة.

وقال مصدر آخر مطلع على السياسات الحالية للجيش: «الذكاء الاصطناعي في مجال تحديد الأهداف يتوسع بالتأكيد، ولا توجد إرشادات حقيقية بشأن كيفية منع وجود إنسان ضمن حلقة اتخاذ القرار وقوع خسائر في صفوف المدنيين أو نيران صديقة».

«هلوسات» الذكاء الاصطناعي داخل أجهزة الاستخبارات

وحسب أحد المصادر، فإن النوع من «الهلوسة» الذي أنتجته الأداة التي استخدمها المحلل في هذه الحالة لم يكن حادثة معزولة داخل مجتمع الاستخبارات منذ بدأت هذه الأدوات بالانتشار في أنحاء الحكومة.

وبالنسبة إلى بعض مسؤولي الاستخبارات المخضرمين، بمن فيهم أولئك الذين يؤيدون على نطاق واسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الجيش، فقد فرضت هذه التكنولوجيا ضغوطاً على المحللين لإنتاج المعلومات الاستخباراتية وتوزيعها بوتيرة أسرع، ما فتح الباب أمام وقوع أخطاء.

وقالت عدة مصادر إن المحللين الشباب، على وجه الخصوص، نشأوا مع هذه الأدوات وأصبحوا أكثر ميلاً إلى الوثوق بها من دون انتقاد أو تدقيق كافٍ.

وقال أحد المصادر: «الذكاء الاصطناعي يسمح لك بالوصول إلى فكرة سيئة بشكل أسرع».


«مثير للاشمئزاز»... هيغسيث يهاجم تقريراً عن خسائر الجيش الأميركي في حرب إيران

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (إ.ب.أ)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (إ.ب.أ)
TT

«مثير للاشمئزاز»... هيغسيث يهاجم تقريراً عن خسائر الجيش الأميركي في حرب إيران

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (إ.ب.أ)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (إ.ب.أ)

صعَّد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث لهجته تجاه تقرير صحافي شكك في دقة الأرقام التي يعلنها «البنتاغون» بشأن الخسائر البشرية في صفوف القوات الأميركية خلال الحرب مع إيران، بعدما أفادت صحيفة «واشنطن بوست» بأن عدد العسكريين الأميركيين الذين لقوا حتفهم في الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب قد يكون أعلى من الحصيلة المسجلة في قاعدة البيانات الرسمية التابعة لوزارة الدفاع.

وشنَّ هيغسيث، الجمعة، هجوماً لاذعاً على التقرير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واصفاً ما ورد فيه بأنه «مثير للاشمئزاز ومُلفَّق»، ومؤكداً أن ما نُشر يمثل، حسب وصفه: «كذبة محضة»، وفقاً لموقع «هافينغتون بوست».

وكتب على منصة «إكس»: «هذا أمر مقزز وزائف. إنها كذبة محضة».

وفي الوقت الذي اختار فيه هيغسيث الرد على التقرير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رفضت وزارة الدفاع الأميركية الإجابة عن أسئلة «واشنطن بوست» المتعلقة بالتباين بين الأرقام التي أوردها التقرير والبيانات المنشورة في قاعدة البيانات الرسمية لـ«البنتاغون».

أرقام أعلى من الحصيلة الرسمية

كشف تقرير «واشنطن بوست» عن مقتل ما لا يقل عن 22 عسكرياً أميركياً، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في 28 فبراير (شباط)، وهو عدد يزيد بأربعة قتلى -على الأقل- عن الحصيلة الظاهرة في «نظام تحليل خسائر الدفاع (DCAS)»، قاعدة البيانات الرسمية التابعة لـ«البنتاغون».

واستندت الصحيفة في تقريرها إلى تصريحات 5 مسؤولين أميركيين، تحدثوا إليها شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، بسبب حساسية المعلومات التي ناقشوها.

وأشار مسؤول أميركي سادس إلى أن حصيلة الوفيات قد تصل إلى 23 عسكرياً. ولفت التقرير في الوقت نفسه إلى أن حالات الوفاة لم تكن جميعها مرتبطة بشكل مباشر بالقتال في الحرب مع إيران، إلا أن جميع الضحايا كانوا من أفراد الجيش الأميركي الموجودين في منطقة الشرق الأوسط خلال فترة الصراع.

وحسب البيانات الرسمية المتاحة حتى الجمعة، كانت قاعدة بيانات «نظام تحليل خسائر الدفاع» التابعة لـ«البنتاغون» تسجل 18 حالة وفاة في صفوف العسكريين الأميركيين منذ بداية الصراع مع إيران، وتشمل هذه الحصيلة الوفيات الناجمة عن أعمال عدائية وأخرى غير عدائية.

ولا يقتصر الجدل حول دقة بيانات الخسائر على هذا التقرير؛ فقد سبق أن أثارت طريقة تسجيل «البنتاغون» للضحايا تساؤلات، بعدما أُزيلت في يوليو (تموز) 4 أسماء لعسكريين قُتلوا خلال تجدد القتال من الحصيلة الخاصة بحرب إيران، قبل أن تعود هذه الوفيات إلى قاعدة البيانات ضمن تصنيف منفصل. وقال «البنتاغون» حينها إن الأمر نجم عن مشكلة مؤقتة في معالجة البيانات.

تدقيق متزايد في إدارة هيغسيث للحرب

ويأتي التقرير في وقت يواجه فيه هيغسيث تدقيقاً متزايداً بشأن إدارة النزاع مع إيران، وطريقة تعامل وزارة الحرب مع المعلومات المتعلقة بالخسائر البشرية.

وفي هذا السياق، تحرك النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي توماس ماسي هذا الأسبوع، لفرض تصويت في مجلس النواب على عزل هيغسيث من منصبه، متهماً وزير الحرب بانتهاك أحكام من «قانون صلاحيات الحرب» لعام 1973، على خلفية استمرار الأعمال العسكرية في إيران من دون موافقة الكونغرس.

وفي مشروع القرار الذي قدمه، اتهم ماسي هيغسيث بارتكاب «جرائم كبرى وجنح» تتعلق بشن إدارة الرئيس دونالد ترمب حرباً على إيران من دون موافقة الكونغرس، إلى جانب توجيه ضربات عسكرية استهدفت قوارب قالت الإدارة الأميركية إنها كانت تُستخدم لتهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي.


«سي إن إن»: منع وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض اعتداء على حرية الصحافة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«سي إن إن»: منع وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض اعتداء على حرية الصحافة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ندّدت مؤسسات إعلامية أميركية بقرار الرئيس دونالد ترمب منع 3 وسائل إعلام من دخول البيت الأبيض، ووصفته بأنه اعتداء على حرية الصحافة ومخالف للدستور، متعهدة بمواجهة أي محاولة لتقييد عمل صحافييها.

ووصفت شبكة «سي إن إن» قرار ترمب بأنه «هجوم غير قانوني» على حرية الصحافة، فيما تعهّد موقع «بوليتيكو» بأن يدافع «بقوة» عن حقوقه المكفولة بموجب التعديل الأول للدستور.

وكان ترمب أعلن، الجمعة، منع مراسلي شبكتي «سي إن إن» و«إم إس ناو» وموقع «بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، متهماً إياها بنشر «أخبار كاذبة» عن إدارته.

غرفة «سي إن إن» في البيت الأبيض (رويترز)

وردّت «سي إن إن» بأن تغطيتها «منصفة ودقيقة» وتحظى بالحماية بموجب الدستور الأميركي، مضيفة أن فرض حظر عليها «سيشكّل هجوماً غير قانوني على هذا الحق الأساسي المحمي دستورياً».

وحذّر الرئيس الجمهوري من أن مؤسسات إعلامية أخرى قد تواجه المصير نفسه، من دون أن يحدّدها.

وقال ترمب عبر منصته «تروث سوشيال»: «يسعدني أن أعلن أنه بدءاً من الآن، سأمنع (سي إن إن) للأخبار الكاذبة، و(إم إس ناو) و(بوليتيكو) من دخول البيت الأبيض بسبب نشرها المستمر للأخبار الكاذبة!».

ولم يوضح ترمب السبب المباشر وراء القرار، لكنه أضاف أنه «ينبغي عدم السماح لوسائل الإعلام بأن تكتب أو تنشر باستمرار روايات مختلقة وأكاذيب عندما تغطي أخبار رئيس الولايات المتحدة».

وظلّ صحافيون من «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» داخل حرم البيت الأبيض بعد إعلان ترمب.

وتعهّد «بوليتيكو» الجمعة، بـ«الدفاع بقوة عن حقوقنا المكفولة بموجب التعديل الأول في مواجهة أي محاولة لتقييدها».

كريستن هولمز كبيرة مراسلي «سي إن إن» في البيت الأبيض (رويترز)

وقالت رابطة مراسلي البيت الأبيض، وهي هيئة مستقلة تمثّل الصحافيين الذين يغطون الرئاسة، إنها «تقف دفاعاً» عن الصحافيين «الذين يجري استهدافهم بسبب قيامهم بعملهم».

وكان ترمب منع خلال ولايته الأولى دخول مراسل «سي إن إن» جيم أكوستا، قبل أن تبطل محكمة القرار لاحقاً.

وفي العام الماضي، منع وكالة «أسوشييتد برس» من حضور بعض الفعاليات بسبب قرارها مواصلة استخدام تسمية «خليج المكسيك» بدلاً من «خليج أميركا» التي أقرّها ترمب.

وقال رئيس «لجنة المراسلين من أجل حرية الصحافة» بروس براون، إن حظر المؤسسات الإعلامية سيكون «غير دستوري بشكل واضح»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».