كيف انهارت الدبلوماسية الأميركية في عهد ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

كيف انهارت الدبلوماسية الأميركية في عهد ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

عندما حذر دونالد ترمب إيران في السابع من أبريل (نيسان) من أن «حضارة كاملة ستفنى الليلة»، قال دبلوماسي أوروبي في واشنطن إن حكومته تريد إجابة عاجلة ‌عن سؤال مثير للقلق: هل كان الرئيس الأميركي يفكر في استخدام سلاح نووي؟

وفي مختلف أنحاء أوروبا وآسيا، تجاوز القلق مسألة ما إذا كان تهديد ترمب الكارثي جدياً أم مجرد وعيد. وقال الدبلوماسي إن أحد المخاوف كان أن تستغل روسيا الفرصة لتبرير تهديدات مماثلة في أوكرانيا، مما يؤدي إلى أزمة نووية في قارتين.

وسعت الحكومات الأوروبية على الفور للحصول على تطمينات عبر القناة التقليدية: وزارة الخارجية الأميركية. لكن وفقاً للدبلوماسي، قدم المسؤولون هناك رداً مقلقاً: إنهم لا يعرفون ماذا قصد ترمب أو ما الإجراءات التي قد تنذر بها كلماته.

تشير هذه الواقعة، التي لم تُكشف من قبل، إلى انهيار تاريخي للدبلوماسية الأميركية. ففيما يقود الولايات المتحدة رئيس يصعب جداً توقع تصرفاته وقراراته، يهز الأسواق والعواصم بتصريحاته المثيرة، تسعى الحكومات في جميع أنحاء العالم جاهدة للحصول على توضيحات، لتفاجأ بأن قنوات الاتصال المعتادة، سواء في السفارات الأميركية أو داخل واشنطن، غائبة أو صامتة أو لا تملك أي معلومات. وما لا يقل عن نصف مناصب سفراء الولايات المتحدة البالغ عددها 195 منصباً في جميع أنحاء العالم شاغرة حالياً.

قالت مارغريت ماكميلان، أستاذة التاريخ الدولي في جامعة أكسفورد، إن إدارة ترمب تقوض قدرة واشنطن على فهم العالم الذي تعمل فيه، مما يزيد من خطر عدم الاستقرار العالمي. وأردفت قائلة: «لن نتمكن من استخدام الدبلوماسية كما فعلنا في كثير من الأحيان من قبل لبناء العلاقات، والتوصل إلى اتفاقات تعود بالنفع على الجانبين، وتجنب الحروب وإنهائها».

وترفض إدارة ترمب فكرة الانهيار، قائلة إن التغييرات عززت الدبلوماسية الأميركية وبسطت عملية ​صنع القرار. وقال تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية: «للرئيس الحق في تحديد من يمثل الشعب الأميركي ومصالحه في جميع أنحاء العالم».

يستند هذا التقرير عن الاضطرابات في الدبلوماسية الأميركية إلى مقابلات مع ما يربو على 50 من كبار الدبلوماسيين ومسؤولي البيت الأبيض وسفراء تقاعدوا في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى العشرات من المسؤولين الأجانب والدبلوماسيين والمشترعين في مختلف أنحاء أوروبا وآسيا.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

ومع إزاحة الدبلوماسيين الأميركيين المخضرمين أو تهميشهم، يغير حلفاء الولايات المتحدة طريقة تعاملهم مع واشنطن. وبدلاً من الاعتماد على السفارات أو القنوات الرسمية، تقول الحكومات الأجنبية إنها تعيد تنظيم دبلوماسيتها لتتمحور حول دائرة صغيرة من الأشخاص الذين يمكنهم التواصل مباشرة مع الرئيس، مما يترك كثيرين يعتمدون على القنوات الخلفية للتعامل مع قوة عظمى أصبحت مواقفها أقل اتساقاً.

وفي الوقت الراهن، يعتقد بعض حلفاء الولايات المتحدة أن أنجع أسلوب للتعامل مع رئيس متقلب المزاج هو عدم أخذ تصريحاته على مأخذ الجد.

تجلى هذا النهج بعد أن أثار تهديد ترمب بإبادة إيران مخاوف من اندلاع حرب نووية. ورداً على ذلك، صاغ مسؤولون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما وصفه دبلوماسي أوروبي ببيان مشترك «شديد اللهجة» في وقت لاحق من ذاك اليوم. لكنهم اختاروا عدم إصداره، معتبرين أن لغة ترمب هي مجرد تهديدات جوفاء، وأن التوبيخ العلني قد يدفعه إلى مواصلة القصف. وبحلول المساء، أعلن ترمب وقفاً لإطلاق النار لمدة أسبوعين مع إيران.

ولم ترد وزارات الخارجية البريطانية والفرنسية والألمانية على طلبات للحصول على تعقيب.

توضح هذه الواقعة، التي لم تنشر من قبل أيضاً، النهج الذي يتبعه عدد من الحلفاء الآن: ضبط النفس بدلاً من المواجهة. لكن دبلوماسيين قالوا إن الاستخفاف المتكرر بتهديدات ترمب أمر خطير أيضاً؛ لأنه قد يحد من قدرتهم على الاستجابة عند اندلاع أزمة جديدة.

وبعد أكثر من عام على ولاية ترمب الثانية، بات النفوذ والمعلومات حكراً بشكل متزايد على حفنة من المبعوثين، أبرزهم جاريد كوشنر صهر ترمب، والمطور العقاري ستيف ويتكوف وهو صديق الرئيس منذ فترة طويلة. ولا يتولى كوشنر أي منصب حكومي رسمي، ولا يمتلك ويتكوف أي خبرة دبلوماسية سابقة. لكن «رويترز» وجدت أن بعض الحكومات الأجنبية تعطي الآن الأولوية للتواصل معهما على القنوات الرسمية.

ولم يرد كوشنر وويتكوف على طلبات للحصول على تعليق.

جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي وستيف ويتكوف في برلين (د.ب.أ)

وسعت دول أخرى إلى فتح قنوات غير تقليدية للوصول إلى البيت الأبيض؛ فقد تجاوز المسؤولون الكوريون الجنوبيون المفاوضين التجاريين الأميركيين وأقاموا علاقات مباشرة مع كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، التي شعروا بأنها قادرة على تفسير النوايا الحقيقية لترمب في خضم أزمة الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب بنسبة 25 في المائة. ووجدت اليابان وسيطاً غير متوقع في ماسايوشي سون، مؤسس «سوفت بنك»، الذي يلعب الغولف مع ترمب.

كانت وزارة الخارجية هدفاً مبكراً في ولاية ترمب الثانية. ففي أبريل 2025، وصف وزير الخارجية ماركو روبيو الوزارة بأنها بيروقراطية «متضخمة» تسيطر عليها «آيديولوجية سياسية متطرفة»، وأعلن عن «خطة إعادة تنظيم شاملة». وقد تم التلميح إلى هذه الجهود في «مشروع 2025»، وهو مخطط سياسي نشرته في عام 2023 مؤسسة «هيريتيج»، وهي مركز أبحاث يميني في واشنطن. ودعت الخطة إلى وزارة خارجية أكثر كفاءة تضم مزيداً من المعينين الذين يتم اختيارهم بسبب قربهم من الإدارة أو توجهاتهم السياسية، مع استبعاد السفراء المحترفين الذين لا تنسجم مواقفهم مع توجهات الإدارة.

غادر نحو 3000 موظف وزارة الخارجية، العام الماضي، فُصل نصفهم تقريباً وقَبِل الآخرون عروض الاستقالة مقابل تعويضات، وهو ما يقارب 15 في المائة من عدد العاملين داخل الولايات المتحدة. ثم في ديسمبر (كانون الأول)، أمر روبيو باستدعاء لم يسبق له مثيل لنحو 30 سفيراً من جميع أنحاء العالم.

ووعد روبيو، العام الماضي، بأن تسهم إعادة الهيكلة في «تمكين الوزارة من القاعدة إلى القمة، من المكاتب إلى السفارات». لكن اليوم، هناك 109 من أصل 195 منصباً لسفراء الولايات المتحدة شاغرة في جميع أنحاء العالم، بحسب الجمعية الأميركية للخدمة الخارجية، وهي نقابة الدبلوماسيين.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن التغييرات «جعلت حكومتنا أكثر كفاءة وأقل تضخماً وأكثر قدرة على تنفيذ سياسة الرئيس الخارجية بفاعلية».

تترك الهيكلية الجديدة واشنطن بعدد أقل من كبار الدبلوماسيين على الأرض في منطقة حرب رئيسية. ثمة خمس دول من الدول السبع المجاورة لإيران، وأربع ‌دول من دول الخليج الست، بلا سفير أميركي.

ويتم ‌إدارة الكثير من السفارات الأميركية الآن من قبل القائمين بالأعمال، وهم دبلوماسيون يعملون بالإنابة، بدلاً من السفراء المعتمدين من مجلس الشيوخ، وهو ما تعدّه بعض الدول خفضاً لمستوى العلاقات الدبلوماسية. وقال سفراء أميركيون سابقون ومسؤولون في وزارة الخارجية إن تراجع الوجود الدبلوماسي أسهم في حدوث فوضى عارمة لإجلاء الأميركيين من المنطقة عندما بدأ ترمب الحرب مع إيران.

مضيق هرمز موضوع تصريحات متضاربة لترمب (أ.ف.ب)

وقالت باربرا ليف، الدبلوماسية المتقاعدة التي ​شغلت منصب سفيرة الولايات المتحدة ‌لدى الإمارات في عهد ⁠إدارة ​ترمب الأولى ومنصب مساعدة وزير الخارجية ⁠لشؤون الشرق الأدنى في عهد الرئيس السابق جو بايدن: «يجب أن يكون لهذه البعثات سفراء عندما تكون في حالة حرب... في لحظة الأزمة - وهي أزمة بلا نهاية واضحة - تركت هذه الإدارة هذه البعثات في حالة محفوفة بالمخاطر».

وقال بيغوت إن السفارات الأميركية أبلت بلاء حسناً خلال الحرب مع إيران، وإنها «مزودة بعدد كاف من الموظفين».

تطهير دبلوماسي

بالنسبة إلى بريدجيت برينك، كان الانقسام بين إدارة ترمب ودبلوماسييها المنتشرين في أنحاء العالم مسألة حياة أو موت.

كانت برينك سفيرة الولايات المتحدة في كييف عندما عاد ترمب إلى منصبه. في مارس (آذار) 2025، بعد أيام قليلة من لقاء ترمب المثير مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، قطعت الولايات المتحدة المساعدات العسكرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا. وقالت برينك إن الأسلحة شملت ذخائر الدفاع الجوي التي ساعدت في حماية ليس فقط الأوكرانيين، بل أيضاً موظفي السفارة الأميركية من الطائرات المسيرة والصواريخ الروسية.

قالت برينك في مقابلة: «كان لديّ ألف شخص، جميعهم مدنيون، على الأرض... وكنا تحت حماية الأوكرانيين الذين يستخدمون معدات أميركية ومعدات أخرى».

وقالت إن وقف المساعدات العسكرية جاء دون سابق إنذار. وأضافت: «عندما حاولنا معرفة سبب وقفها، لم نحصل على أي إجابة». وتواصلت برينك مع البنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض وقالت: «كل مكان استطعنا الوصول إليه؛ لأننا كنا قلقين للغاية بشأن ما يعنيه هذا الأمر ليس فقط للأوكرانيين، بل لأمننا أيضاً». ولم يرد البنتاغون على طلب «رويترز» للتعليق على روايتها.

وقالت برينك إن طاقمها عمل خلف الكواليس لإقناع إدارة ترمب باستئناف المساعدات، وهو ما وافقت عليه في 11 مارس. لكنها قالت إنها لم تتلق قط تأكيداً رسمياً عن سبب وقف المساعدات في المقام الأول.

دونالد ترمب وزوجته ميلانيا في إحدى شرفات البيت الأبيض (د.ب.أ)

أدت عمليات التسريح في مجلس الأمن القومي، الذي ينسق تقليدياً السياسة الخارجية والدفاعية في البيت الأبيض، إلى توتر العلاقات بين إدارة ترمب وسفاراتها. وفي عام 2025، خفض ترمب عدد موظفي مجلس الأمن القومي من مئات الأشخاص إلى بضع عشرات فقط.

وعلى مدى أشهر، لم يعقد موظفو مجلس الأمن القومي أي اجتماعات منتظمة، وواجهوا حظراً فعلياً على عقد اجتماعات مشتركة بين الوكالات بشأن الأمن القومي والسياسة الخارجية، وفقاً لثلاثة مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين في واشنطن. وقال المسؤول في البيت الأبيض إن مجلس الأمن القومي لم يوقف الاجتماعات المنتظمة أو المشتركة بين الوكالات، لكنها كانت أصغر حجماً، وتركزت على أولويات ترمب.

خلال تلك الفترة، قال عديد من المسؤولين إن الموظفين تلقوا القليل من التوجيهات الرسمية بشأن الموضوعات الرئيسية مثل الحرب في أوكرانيا أو مستقبل حلف شمال الأطلسي. وبدلاً من ذلك، كانوا يراقبون حساب ترمب على منصة «تروث سوشيال» بحثاً عن إشارات سياسية. وقال المسؤولون إن كثيراً من موظفي مجلس الأمن القومي أبقوا حساب ترمب مفتوحاً على شاشة مخصصة واستجابوا بسرعة عندما وضع منشورات.

في عهد بايدن، كانت برينك تشارك بانتظام في اجتماعات مجلس الأمن القومي لتطوير وتنسيق سياسة معقدة في زمن الحرب بين واشنطن وسفارة كييف. وفي عهد ترمب، توقفت تلك الاجتماعات، حسبما قالت برينك. وبدلاً من ذلك، طُلب منها «مجرد الاتصال بالناس»، وهو نهج وصفته بأنه غير فعال وغير قابل للتطبيق في منطقة صراع حيث كانت الهجمات الروسية روتينية. وقالت: «نحن نسبق بسبع ساعات ونكون في المخبأ كل ليلة تقريباً».

وقالت إن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت سياسة «الاسترضاء» التي انتهجها ترمب بشأن أوكرانيا، متمثلة في السعي إلى توثيق العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع إلقاء اللوم على أوكرانيا في العدوان الروسي. واستقالت احتجاجاً في أبريل 2025. وبعد شهرين، أعلنت ترشحها في انتخابات مجلس النواب الأميركي عن الحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان.

وأفادت وزارة الخارجية الأميركية في 28 أبريل بأن ⁠خليفتها، جولي ديفيس، التي شغلت منصب القائمة بالأعمال، ستستقيل أيضاً وتتقاعد في يونيو (حزيران). وقال المتحدث باسم الوزارة بيغوت إن ديفيس تتقاعد بعد «مسيرة متميزة امتدت 30 عاماً» في السلك الدبلوماسي.

وقد انتهت فترات كثيرين من الدبلوماسيين المحترفين الآخرين بشكل مفاجئ. فقبل أسبوع من عيد الميلاد، طُلب من نحو 30 دبلوماسياً ترك مناصبهم بحلول منتصف يناير (كانون الثاني)، وهو استدعاء جاء في الغالب دون سابق إنذار أو تفسير. وأطلق ‌بعض السفراء المغادرين عليه في جلساتهم الخاصة «مذبحة ليلة السبت»، وهي عبارة عن حقبة ووترجيت تُستخدم الآن لوصف عمليات الفصل الجماعي للمسؤولين.

ينقسم السفراء الأميركيون إلى فئتين: الدبلوماسيون المحترفون والمعينون سياسياً. يرشح الرئيس الفئتين ويصدق على تعيينهم مجلس الشيوخ. ويفخر الدبلوماسيون المحترفون تقليدياً بكونهم غير حزبيين وغالباً ما يتمتعون بخبرة تمتد لعقود. أما المعينون سياسياً فهم عادة من كبار المتبرعين للحملات الانتخابية، أو مشرعون سابقون، أو حلفاء مقربون للرئيس، وقد يكون ‌لديهم خبرة دبلوماسية قليلة أو معدومة.

وفي الإدارات الأميركية على مدى ما يقرب من 50 عاماً، شكل الدبلوماسيون المحترفون عادة ما بين 57 و74 في المائة من السفراء، وفقاً للجمعية الأميركية للخدمة الخارجية. وفي ولاية ترمب الثانية، يمثل الدبلوماسيون المحترفون نحو 9 في المائة من السفراء المعينين، وهو انخفاض كبير في الخبرة المؤسسية التي قادت الدبلوماسية الأميركية تاريخياً.

كان معظم السفراء الذين ​تم استدعاؤهم في ديسمبر من الدبلوماسيين المحترفين الذين تم تعيينهم في مناصبهم الحالية في عهد بايدن، لكنهم خدموا أيضاً في إدارات جمهورية، بما في ذلك إدارة ترمب. على سبيل المثال، عملت برينك، السفيرة لدى أوكرانيا، مع خمسة رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين، بمن فيهم ترمب في ولايته ‌الأولى.

وقالت وزارة الخارجية إن الاستدعاء الجماعي كان «إجراء معتاداً»، وإن البدلاء سيمثلون ترمب ويعملون على تعزيز أجندة «أميركا أولاً»، التي يقول البيت الأبيض إنها «ستدافع عن المصالح الأميركية الأساسية».

لا يزال هناك أكثر من 100 منصب سفير شاغر في جميع أنحاء العالم. قال بريان نيكولز، الذي شغل منصب سفير لرؤساء ديمقراطيين وجمهوريين من 2014 إلى 2021 في بيرو وزيمبابوي: «نحن نمارس دبلوماسيتنا وإحدى ذراعينا مقيدة خلف ظهورنا».

على هذه الخلفية، تظهر مجموعة جديدة من الدبلوماسيين المتوافقين مع أجندة ترمب.

فتسعى منظمة «بن فرانكلين فيلوشيب»، التي أُسست عام 2024، إلى تحديد وتعزيز وجود المحافظين داخل وزارة الخارجية ومواجهة ما يصفه قادتها بالتحيز ‌ضدهم. قال المؤسس المشارك فيليب ليندرمان: «يأتي إلينا الكثير من المسؤولين المعتدلين -رجال، رجال بيض - ويقولون: «أنا مهمش تماماً بسبب برنامج التنوع والإنصاف والاندماج»، الذي كان سائداً في الإدارات السابقة.

إطفائيان أوكرانيان يخمدان النار في مبنى تعرض لقصف روسي في دنيبرو (أ.ب)

تضم المجموعة الآن نحو 95 زميلاً على موقعها الإلكتروني، بمن فيهم نائب وزير الخارجية كريستوفر لانداو. وقال ليندرمان، وهو دبلوماسي سابق، إن 250 عضواً آخرين، معظمهم من الدبلوماسيين النشطين، يخفون هوياتهم لتجنب الانتقام من الإدارات الديمقراطية المستقبلية.

ومن بين أكبر الداعمين الماليين للزمالة مؤسسة «هيريتيج»، التي صممت «مشروع 2025». وفي العام الماضي، قدمت «هيريتيج» للمنظمة منحة بقيمة 100 ألف دولار، مما ساعد فعلياً في المضي قدماً بإحدى التوصيات الرئيسية (لمشروع 2025) ألا وهي إعادة تشكيل القوى العاملة التي تعدّها معادية للإدارات المحافظة. وأبلغت «هيريتيج» «رويترز» أنها تدعم كثيراً من المنظمات الأميركية لكنها لا تمارس أي «سيطرة مباشرة» عليها.

وتهدف المنحة إلى مساعدة ترمب على تجنب تعيين موظفين في وزارة الخارجية قد يعرقلون أجندته، حسبما قال ليندرمان ومات بويس، وهو دبلوماسي سابق آخر ومؤسس مشارك للمنحة وزميل أقدم في معهد هدسون، وهو مركز أبحاث محافظ. تنظم المجموعة ندوات للتواصل، وتجند أعضاء في الجامعات، وتقدم المشورة لإدارة ترمب بشأن الدبلوماسيين المحترفين الذين تعتبرهم نشطاء فكرياً. وقال بويس لـ«رويترز»: «نحن نساعدهم على معرفة، إذا أرادوا ذلك، ما إذا كان شخص ما جزءاً من المقاومة».

وعبّر 18 سفيراً سابقاً عن قلقهم من أن أعضاء زمالة بن فرانكلين يتم ترقيتهم بسرعة إلى مناصب عليا قبل أشخاص أكثر خبرة. وقال بيغوت إن وزارة الخارجية «لا تتخذ قرارات تتعلق بالموظفين بناء على المشاركة في مجموعات خارجية أو حصص ديموغرافية».

صعود دولة المبعوثين

تجاهل ترمب السفارات بشكل متزايد، وعهد بالدبلوماسية الحساسة إلى مبعوثين خاصين، أبرزهم كوشنر وويتكوف، وهما المفاوضان الرئيسيان في حروب أوكرانيا وغزة وإيران.

في الفترة التي سبقت الحرب مع إيران، التقى كوشنر وويتكوف بمسؤولين إيرانيين في جنيف في أواخر فبراير (شباط)، لكنهما لم يصطحبا معهما خبراء نوويين أميركيين، وفقاً لمسؤولين أوروبيين شاركوا في المناقشات. وفي الأشهر التسعة السابقة، طردت إدارة ترمب ما لا يقل عن ستة خبراء نوويين في الشؤون الإيرانية، من بينهم نيت سوانسون، وهو دبلوماسي محترف عمل في قضايا إيران عبر عدة إدارات.

ساعد سوانسون في تنفيذ الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما مع إيران عام 2015. وقد تمت ‌صياغة هذا الاتفاق الفني للغاية، الذي وافقت فيه إيران على تقييد برنامجها النووي بشكل كبير مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المتعلقة بالبرنامج النووي، من قبل فرق كبيرة من الدبلوماسيين والخبراء. وقد انسحب ترمب من الاتفاق في عام 2018. وقال سوانسون إن ويتكوف اتصل به في أبريل من العام الماضي ليطلب منه العودة للانضمام إلى المحادثات المتجددة مع طهران. في ذلك الوقت، كان سوانسون يعمل في مكتب تنسيق العقوبات التابع لوزارة الخارجية.

ومع ذلك، مرت أسابيع دون عقد أي اجتماعات بشأن إيران، بحسب سوانسون. وقال عن ويتكوف، الذي كان يتنقل أيضاً بين المحادثات حول أوكرانيا وغزة: «كان لديه الكثير من المهام... لم يكن لدينا أي مساهمة». وقال سوانسون إنه لم يمض وقتٌ طويل حتى «توقفت الإدارة عن طلب المشورة».

وبعد أقل من شهرين من انضمامه إلى فريق التفاوض التابع لويتكوف، تم فصل سوانسون بعد أن ⁠سخرت منه المؤثرة اليمينية لورا لومر على وسائل التواصل الاجتماعي ووصفته بأنه «من بقايا عهد أوباما». ومنذ ذلك الحين، انضم إلى مركز أبحاث المجلس الأطلسي بصفته كبير باحثين. ولم ⁠ترد لومر على طلب للتعليق من «رويترز».

وقال دبلوماسي أوروبي كبير إن الفريق الأميركي واجه صعوبة في فهم أهمية عتبات تخصيب اليورانيوم المختلفة وعناصر أخرى من برنامج إيران النووي خلال المحادثات الأخيرة في جنيف، مما أجبر المسؤولين الأوروبيين على شرحها. وقال الدبلوماسي: «كيف يمكنك التفاوض وأنت لا تفهم الأساسيات؟».

وفي 28 فبراير، بعد فشل محادثات جنيف، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران. في ذلك اليوم، ومرة أخرى في الثالث من مارس، أطلع ويتكوف الصحافيين على المفاوضات. وأشارت تلك الإحاطات إلى أنه أخطأ في تفسير اقتراح إيران، مبالغاً في التهديد النووي الإيراني من خلال الخلط بين التخصيب المحدود لليورانيوم وتحويله إلى أسلحة في المدى القريب، حسبما قالت كيلسي دافنبورت، من جمعية مراقبة الأسلحة، وهي منظمة مقرها واشنطن تدافع عن سياسات فعالة لمراقبة الأسلحة. وقد راجعت دافنبورت التسجيلات والنصوص التي قدمها المشاركون في الإحاطات.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تعرض لدبلوماسية الغضب من ترمب (أ.ب)

أخطاء

وقالت دافنبورت إن تصريحات ويتكوف احتوت على الكثير من الأخطاء التي تشير إلى «عدم الكفاءة الفنية»؛ فعلى سبيل المثال، أشار إلى جهاز الطرد المركزي الإيراني «أي آر - 6» لتخصيب اليورانيوم باعتباره «ربما أكثر أجهزة الطرد المركزي تقدماً في العالم»، في حين أنه ليس حتى الأكثر تقدماً في إيران. وقالت: «لا يحتاج ويتكوف إلى أن يكون خبيراً نووياً للتفاوض على اتفاق جيد. لكن إذا لم يكن كذلك، فيجب أن يحيط به أشخاص على معرفة».

كما واجه أكبر مبعوثين لترمب تدقيقاً من الديمقراطيين في الكونغرس الأميركي بشأن تضارب المصالح المحتمل، كوشنر، بسبب مزاعم بتفاوضه على اتفاقات سلام مع دول تربطه بها صفقات تجارية بمليارات الدولارات، وويتكوف بسبب دور عائلته في شركة ترمب للعملات المشفرة التي تسعى إلى التوسع في الشرق الأوسط. وقد نفى كلاهما وجود أي تضارب في المصالح.

ووصفت المسؤولة في البيت الأبيض هذه الادعاءات بأنها «رواية مملة» يروج لها الديمقراطيون، وقالت إن كلا الرجلين «فهم تماماً» مقترحات إيران خلال المفاوضات.

وما يربو على 90 في المائة من السفراء الذين عينهم ترمب في هذه الولاية من الموالين السياسيين، وليسوا دبلوماسيين محترفين، ويتمتعون بسلطة غير عادية بسبب صلاتهم المفترضة بدائرة الرئيس المقربة. وتذكّر مسؤولان أوروبيان كيف أكد والد كوشنر، تشارلز، سفير الولايات المتحدة لدى فرنسا، قربه من السلطة من خلال الاتصال بجاريد مباشرة أمام نظرائه الأجانب في اجتماع عقد العام الماضي.

ورفضت السفارة الأميركية في باريس التعليق.

وعين ترمب سفيراً في بكين، وهو شخص آخر من الموالين، وهو ديفيد بيردو السيناتور السابق عن ولاية جورجيا ورجل الأعمال، وقد ردد ادعاءات ترمب الكاذبة بأن انتخابات عام 2020 تم تزويرها. وقال ثلاثة مسؤولين في الحكومة الأميركية يركزون على الشؤون الصينية إن بيردو اتصل بترمب مباشرة لوضع القرارات ومعالجة القضايا الدبلوماسية العالقة، في حين تم استبعاد حتى كبار الدبلوماسيين الأميركيين من دائرة اتخاذ القرار. وأضافوا أنه عند التخطيط للزيارات رفيعة المستوى، غالباً ما كان موظفو السفارة ينتظرون حتى يتصل بيردو بترمب قبل الالتزام بالترتيبات النهائية، وهو ما يمثل خروجاً عن المعتاد مقارنة بالماضي عندما كانت مثل هذه القرارات تُتخذ على مستويات أدنى.

ورأى فولفغانغ إيشينغر، السفير الألماني السابق في واشنطن، إن النهج الأميركي الحالي يعكس تركيزاً هائلاً للسلطة على السياسة الخارجية الأميركية في شخص واحد ألا وهو ترمب. وقال: «هذا الشخص يتخذ القرارات، أحياناً بين عشية وضحاها، وأحياناً في اجتماع رسمي، وأحياناً لا. هذا مختلف تماماً، ولست متأكداً من أن أسلوب ترمب في اتخاذ القرارات يوفر فعلاً ضمانة لاتخاذ قرارات جيدة».

طرق غير تقليدية

تسعى بعض الدول إلى إيجاد طرق غير تقليدية للوصول إلى البيت الأبيض.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ في بكين (أ.ب)

وفي أبريل 2025، أعلن ترمب فرض رسوم جمركية 25 في المائة على كوريا الجنوبية، مما هدد اقتصادها القائم على الصادرات. وفي المحادثات التجارية اللاحقة، كان المسؤولون الكوريون الجنوبيون يكافحون لتحديد ما إذا كان نظراؤهم الأميركيون ينقلون موقف ترمب بدقة، حسبما قال كانغ هون سيك، رئيس ديوان الرئاسة، في بودكاست كوري جنوبي. وبدلاً من ذلك، تكيف المسؤولون الكوريون الجنوبيون من خلال التواصل المباشر مع ويلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض. كان هذا الترتيب غير معتاد. فكانج ليس النظير الكوري المعتاد الذي يتعامل مع الولايات المتحدة في شؤون السياسة الخارجية أو الأمن أو التجارة، وويلز ليست مفاوضة تجارية.

ولم يرد مكتب الرئيس الكوري الجنوبي ووزارة الخارجية على طلب للتعليق.

لجأت اليابان إلى مؤسس سوفت بنك وصديق ترمب في لعبة الغولف، ماسايوشي سون.

قال شيغيرو إيشيبا، الذي شغل منصب رئيس الوزراء حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لـ«رويترز» إنه في أثناء توليه المنصب، استخدمت اليابان قطب التكنولوجيا كقناة خلفية للوصول إلى ترمب، وهي المرة الأولى التي يتم فيها الاعتراف علناً بدور سون. وقال إيشيبا إن سون كان يتصرف إلى حد كبير لمصلحة أعماله الخاصة، لكنه أكد أن حكومته نقلت رسائل إلى ترمب عبر سون.

وقال إيشيبا إن التواصل المباشر مع ترمب كان أمراً حيوياً؛ لأن «الأشخاص المحيطين به جميعهم من المتملقين».

ورفض مؤسس «سوفت بنك» وسون التعليق. ونفت وزارة الخارجية اليابانية استخدام سون كقناة خلفية، لكنها رفضت التعليق على ما إذا كان إيشيبا قد فعل ذلك.

وقال بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، إنه «يرفض الفرضية القائلة بأن القرارات الرئيسية اتُخذت دون مساهمة ذات مغزى من قبل محترفين ذوي خبرة». ووصف استخدام ترمب للمبعوثين والخطوط المباشرة إلى البيت الأبيض من قبل بعض الدول بأنه فعال. وقال: «المشاركة المباشرة المستمرة من أعلى مستويات هذه الإدارة في جميع أنحاء العالم ميزة»، مضيفاً أن «أي شخص يدعي عكس ذلك لا يعرف ما الذي يتحدث عنه».

العالم يغير طريقته

قلب ترمب المعايير الدبلوماسية رأساً على عقب بسلسلة متواصلة من التهديدات الموجهة إلى أعداء مثل إيران وحلفاء بما في ذلك الدنمارك وكندا وحلف ​شمال الأطلسي. واضطرت الحكومات إلى تقييم ما إذا كان الرد علناً سيهدئ التوترات أم يزيدها سوءاً.

وهذا ما حدث في أوائل أبريل بعد أن حذر ترمب من أن حضارة إيران قد تفنى. وصاغ مسؤولون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما وصفه دبلوماسي أوروبي بأنه بيان ​مشترك «قاس»، ثم قرروا عدم إصداره.

وقال الدبلوماسي، الذي ساعد في صياغة البيان: «اعتقدنا في النهاية أنه كلما نبح هكذا، لا يعض». اعتقد المسؤولون الأوروبيون أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لا يزال ممكناً، وخشوا أن يؤدي التوبيخ العلني إلى دفع ترمب إلى مواصلة القصف، فامتنعوا عن الرد. وبحلول نهاية اليوم، أعلن ترمب وقف إطلاق النار.

عززت هذه الواقعة درساً للعديد من حلفاء الولايات المتحدة، ألا وهو أن الصمت قد يكون الرد الأكثر أماناً على تهديدات ترمب الأكثر تطرفاً.

ويطلق بعض الدبلوماسيين الأوروبيين على هذه «طريقة ميركل»، في إشارة إلى رد الفعل الهادئ الذي أبدته المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل خلال ولاية ترمب الأولى: استيعاب الاستفزازات دون رد فعل علني مع الدفاع بحزم عن المصالح الوطنية.

وانتقد عدد من الحلفاء، بما في ذلك أستراليا ونيوزيلندا، تصريحات ترمب بشأن إيران. لكن البعض الآخر، بما في ذلك اليابان، التزم الصمت.

قال تاكيشي إيوايا، النائب في الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم في اليابان والذي شغل منصب وزير الخارجية حتى أكتوبر 2025: «كانت تصريحات الرئيس ترمب تتغير باستمرار، لذا توقفنا بمرور الوقت عن الرد على كل تصريح منها؛ فالرد قد يؤدي فقط إلى إثارة ردود فعل غير ضرورية».


مقالات ذات صلة

5 مشكلات تحتاج أميركا وإيران إلى حلها للتوصل إلى اتفاق سلام

شؤون إقليمية سفن عالقة في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

5 مشكلات تحتاج أميركا وإيران إلى حلها للتوصل إلى اتفاق سلام

طالبت إيران بانسحاب إسرائيل من لبنان، فيما يريد الرئيس الأميركي من طهران التنازل عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، في توترات تسلّط الضوء على تعقيدات إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري رجل أمن أمام لوحة لمحادثات إسلام آباد خارج مركز إعلامي أُقيم لتغطية المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب)

تحليل إخباري التصعيد يطغى على التفاوض بين واشنطن وطهران

في لحظة ركود تفاوضي، تختبر واشنطن وطهران حدود الضغط المتبادل من دون الانزلاق، حتى الآن، إلى حرب شاملة.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا زيلينسكي وروته في كييف (إ.ب.أ) p-circle

انفجار مسيّرة بحرية في رومانيا يؤجّج التوتر مع أوروبا

الكرملين يتريث في إعلان رد رسمي على رسالة زيلينسكي، وبوتين يشكك بشرعيته، ومجلس النواب يقر فرض عقوبات على روسيا في تحدٍّ للرئيس ترمب.

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ أطفال كوبيون يلعبون كرة قدم في أحد شوارع هافانا (أ.ف.ب)

ترمب سيعرج على كوبا «في طريق العودة» من إيران

إضافة إلى الرئيس دياز كانيل شمل «السيف المصلت» للعقوبات الجديدة كلاً من أليخاندرو كاسترو أسبين الابن الوحيد للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو وزوجته فيلما أسبين

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث من موقع ورشة بناء قاعة احتفالات بالبيت الأبيض (رويترز)

تحليل إخباري ترمب يفشل في وقف العنف بالشرق الأوسط... فما الأسباب؟

اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن ​وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط شمل «إطلاق نار أكثر اعتدالاً» وليس وقف القتال بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب سيعرج على كوبا «في طريق العودة» من إيران

أطفال كوبيون يلعبون كرة قدم في أحد شوارع هافانا (أ.ف.ب)
أطفال كوبيون يلعبون كرة قدم في أحد شوارع هافانا (أ.ف.ب)
TT

ترمب سيعرج على كوبا «في طريق العودة» من إيران

أطفال كوبيون يلعبون كرة قدم في أحد شوارع هافانا (أ.ف.ب)
أطفال كوبيون يلعبون كرة قدم في أحد شوارع هافانا (أ.ف.ب)

أضافت الولايات المتحدة الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل وزوجته وثلاثة أشخاص آخرين، إلى لوائح العقوبات الأميركية، في أحدث إجراء من إدارة الرئيس دونالد ترمب لمضاعفة الضغوط على النظام الشيوعي؛ ما دفع شركات عالمية كبرى إلى وقف عملياتها في الجزيرة.

وتأتي هذه العقوبات الجديدة، في ظل تهديدات الرئيس ترمب بالتدخل العسكري في كوبا منذ إطاحته الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي، ثم فرضه حصاراً أدى إلى قطع إمدادات الوقود عن الجزيرة، وإغراقها في الظلام. وقال ترمب، الخميس: «سنتولى أمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبمجرد الانتهاء من ذلك، سنقوم في طريق عودتنا بتوقف قصير» في كوبا. ونفى أن تكون غاية العقوبات الجديدة تسريع انهيار الجزيرة.

الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل وحفيد الرئيس السابق راؤول كاسترو خلال مظاهرة في هافانا 22 مايو (أ.ب)

وعندما سُئل عما إذا كانت عقوباته تهدف إلى تسريع انهيار كوبا، أجاب: «نريدها فقط أن تُدار بشكل جيد»؛ لأن «البلاد تتضور جوعاً، وليس لديها طاقة، ولا نفط، ولا مال، ولا شيء. لديها قطعة أرض جميلة. يمكن أن يكون لديها منتجعات رائعة».

ورداً على سؤال آخر حيال ما إذا كانت كوبا على وشك الانهيار، قال: «انهارت نوعاً ما»، مضيفاً: «سنتعامل مع هذا الأمر حالما ننتهي» من العمليات العسكرية في إيران.

وبصورة متزامنة، صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وهو ابن مهاجرين كوبيين، بأن ترمب يُفضّل التوصل إلى اتفاق، لكنه شكك في إمكان إيجاد حل دبلوماسي مع حكومة دياز كانيل. وقال في بيان، إن من فرضت العقوبات عليهم «يوجهون أو يمولون النظام وجهوده لتعبئة حركاته الثورية الراديكالية في الولايات المتحدة وحول العالم». ودافع عن قرار الإدارة فرض عقوبات متصاعدة على هافانا، وأكبرها المتعلقة بـ«مجموعة شركات الإدارة التجارية» التي تديرها القوات المسلحة الثورية الكوبية.

سيف العقوبات

وبالإضافة إلى الرئيس دياز كانيل، شمل «السيف المصلت» للعقوبات الجديدة كلاً من أليخاندرو كاسترو أسبين، الابن الوحيد للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو وزوجته فيلما أسبين. وشغل كاسترو منصب مستشار لجنة الدفاع والأمن القومي الكوبية، وكان حاضراً عندما استقبل راؤول كاسترو الرئيس الأميركي سابقاً باراك أوباما في هافانا خلال اجتماع تاريخي في مارس (آذار) 2016. كما أُدرج اسم راؤول أليخاندرو كاسترو كاليس، نجل كاسترو أسبين، ضمن قائمة العقوبات، التي تضاف إلى ما جاء في القرار الاتهامي ضد راؤول كاسترو الشهر الماضي، تجميد ممتلكات وحسابات مصرفية في الولايات المتحدة.

الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو متوسطاً حفيده راؤول غييرمو رودريغيز والرئيس ميغيل دياز كانيل في هافانا (رويترز)

بالإضافة إلى الأفراد، تستهدف العقوبات وزارة الدفاع الكوبية، و«معهد الصداقة مع الشعوب» الذي يُعنى بتعزيز الحوار بين الشعوب، ومنظمة «أميستور كوبا» التابعة للمعهد والتي تُشرف على السياحة المتخصصة في الجزيرة، و«لجان الدفاع عن الثورة».

وفور إعلان العقوبات الجديدة، خاطب دياز كانيل، ترمب الذي يدلي بـ«تصريحات تهديدية جديدة ضد كوبا». وقال، إن «هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز الحصار وتصعيد الصراع بين كوبا والولايات المتحدة». وكتب على منصات التواصل الاجتماعي: «يُضاف هذا العمى السياسي إلى الإجراءات القسرية التي طُبقت في الأسابيع الأخيرة ضد بلدنا، والمصممة لإلحاق الضرر بالشعب الكوبي». وأضاف أن «عدوان الحكومة الأميركية وانحرافها سيصطدمان بعزمنا على مواجهة أسوأ السيناريوهات ومقاومة الهجمة الإمبريالية».

كما ورد اسم زوجة دياز كانيل، ليس كويستا بيرازا، في قائمة العقوبات. ومع أنها لا تحمل لقب السيدة الأولى لأنه أُلغي خلال الثورة، تستقبل زوجات أخريات مثل الملكة ليتيزيا ملكة إسبانيا، وترافق زوجها في رحلاته الرسمية. وهي كتبت على منصات التواصل: «يكاد يكون شرفاً أن أكون على هذه القائمة. فهم لا يملّون من السخرية والغباء السياسي».

وكذلك، ندد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز بـ«الإدراج الشائن» لدياز كانيل وآخرين على لوائح العقوبات الأميركية، عادَّاً أنها «أحدث مثال على خطة الولايات المتحدة التدخلية لتصوير كوبا تهديداً للأمن القومي الأميركي». وكتب على منصات التواصل، أن «كل إجراء أميركي يهدف إلى خلق سيناريو صراع بين البلدين محكوم عليه بالفشل. كل تهديد لاستقلال كوبا وسيادتها سيواجه بمزيد من الوحدة والعزيمة من شعبنا».

كوبيون أمام أحد بنوك هافانا (أ.ف.ب)

ومن أكثر الشركات تضرراً من العقوبات مجموعتا الفنادق الإسبانيتان «ميليا» و«إيبيروستار» اللتان تديران محفظة تضم 52 فندقاً، منها منتجع غولف شامل الخدمات على شاطىء فاراديرو الشهير، وأربعة فنادق فاخرة في هافانا. وعلى رغم أن هذه الفنادق تعدّ جوهرة تاج محافظهما العالمية، اضطرتا خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى سحب علامتيهما التجاريتين من عشرات العقارات في الجزيرة. وعزت «ميليا» ذلك إلى «تغييرات في البيئة الجيوسياسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية».

وأعلنت «إيبيروستار» أنها ستنهي شراكتها في إدارة 12 فندقاً لصالح شركة «غافيوتا» للسياحة الكوبية، التابعة لمجموعة إدارة الأعمال، وهي تكتل عسكري يعرف اختصاراً باسم «غايسا».

وكذلك، أعلن «البنك المركزي الكوبي» انسحاب أحد المصارف التي تُعالج معاملات «فيزا» و«ماستركارد»، امتثالاً للقرار التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي أخيراً.

وخلال الشهر الماضي، علّقت شركة الشحن الفرنسية العملاقة «سي إم آ سي جي إم» وشركة «هاباغ لويد» الألمانية عملياتهما من وإلى كوبا حتى إشعار آخر.

من أحد شوارع هافانا (أ.ب)

وبعيداً عن قطاع السياحة، تواجه الشركات الأوروبية خطر التعرض لعقوبات أميركية بسبب مشاركتها في إنتاج أحد أشهر صادرات كوبا من المشروبات الكحولية، ومنها «هافانا كلوب».

واكتفت السلطات الفرنسية والألمانية بالقول، إنها «تراقب من كثب» أو «تتابع» التطورات في الجزيرة.

غير أن نواب البرلمان الأوروبي، مثل النائبة الإسبانية ليري باجين والنائبة الفرنسية ليلى شايبي، انتقدوا هذا الموقف، مؤكدين على ضرورة بذل المزيد من الجهود لمواجهة «الحصار الأميركي، الذي أدانته الجمعية العامة للأمم المتحدة مراراً» وحماية المصالح الأوروبية في الجزيرة.


ترمب ينتصر في معركته لتمويل وكالات الهجرة

عدد من المواطنين يسيرون أمام مبنى الكابيتول في واشنطن (إ.ب.أ)
عدد من المواطنين يسيرون أمام مبنى الكابيتول في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

ترمب ينتصر في معركته لتمويل وكالات الهجرة

عدد من المواطنين يسيرون أمام مبنى الكابيتول في واشنطن (إ.ب.أ)
عدد من المواطنين يسيرون أمام مبنى الكابيتول في واشنطن (إ.ب.أ)

في انتصار تشريعي مهم للرئيس الأميركي دونالد ترمب، نجح الجمهوريون في مجلس الشيوخ في تمرير مشروع قانون لتمويل حملات مكافحة الهجرة، والأمن الحدودي، بقيمة 70 مليار دولار تمتد حتى نهاية ولاية الإدارة الحالية بالبيت الأبيض، في يناير (كانون الثاني) 2029.

وجاء التصويت النهائي 52 صوتاً مقابل 47 في ساعات الفجر الأولى من يوم الجمعة بعد جلسة ماراثونية استمرت طوال يوم الخميس. وأرسل مجلس الشيوخ المشروع إلى مجلس النواب الذي من المتوقع أن يمرره بسرعة.

وبهذا الانتصار التشريعي، يضمن ترمب تمويلاً مستقراً ومباشراً لأجهزة الهجرة والجمارك «أيس» ودوريات الحدود، بعشرات المليارات من الدولارات حتى نهاية ولايته؛ ما يمكنه من تنفيذ وعوده الانتخابية المتعلقة بالسيطرة على الحدود، والترحيل الجماعي للمهاجرين غير الشرعيين، من دون أن يدخل مجدداً في مفاوضات سنوية مع الديمقراطيين.

الرئيس دونالد ترمب في مكتبه بالبيت الأبيض (رويترز)

كما جاء هذا الانتصار بعد أشهر طويلة من التوتر والغضب العام إزاء العمليات الأمنية العنيفة التي نفذها عملاء «أيس»، وأسفرت عن مقتل عدد من الأميركيين، أبزهم رينه غود وأليكس بريتي في مدينة مينيابوليس في بداية العام الحالي، إضافة إلى ارتفاع حاد في عدد الوفيات داخل مراكز الاحتجاز.

ودفع البيت الأبيض الجمهوريين في الكونغرس بقوة لدعم هذا التمويل الضخم، بينما طالب الديمقراطيون بفرض قيود صارمة على عمليات «أيس»، وتقليل استخدام القوة المميتة. وبقي التمويل معلقاً لأشهر بين مطالب ديمقراطية لوضع قيود قانونية تحول دون وحشية عملاء «أيس»، وبين دفاع جمهوري يرى أن أي تقييد للعمليات «هو عرقلة للأمن القومي»؛ ما أدى إلى مواجهات حادة داخل مجلس الشيوخ، وصدامات بين أولويات ترمب، ومصالح حزبه الانتخابية، كما كشفت عمق الانقسامات حول طبيعة سياسات الهجرة في ولاية ترمب الثانية.

3 قضايا مثيرة للجدل

واجه الجمهوريون تمرداً داخلياً تصاعد خلال الأسابيع الماضية، بسبب 3 قضايا مثيرة للجدل مرتبطة بالرئيس ترمب،كان أبرزها وأكثرها جدلاً واعتراضاً، هو صندوق التعويضات بمبلغ 1.8 مليار دولار الذي دفع به ترمب لتعويض أنصاره عن الملاحقة القضائية المسيسة خلال عهد الرئيس السابق جو بايدن... ويستفيد من هذا الصندوق بشكل مباشر، أنصار ترمب الذي هاجموا مبني الكابيتول في السادس من يناير 2021 لمنع إقرار فوز بايدن بالانتخابات الرئاسية.

أمّا القضية الثانية، فكانت الاعتراض على مبلغ مليار دولار الذي طلبه الرئيس ترمب لتمويل بناء وتأمين قاعة الاحتفالات الجديدة في البيت الأبيض. والقضية الثالثة، هي تعيين بيل بولتي (مدير وكالة التمويل الإسكاني) مديراً بالإنابة للاستخبارات الوطنية؛ ما أثار كثيراً من التساؤلات حول افتقاره للخبرة، وتفضيل ترمب لشخصيات تدين له بالولاء،من دون النظر إلى الخبرة المطلوبة للمناصب.

ضغوط من الديمقراطيين

زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي عن ولاية نيويورك) (أ.ب)

وسعى الديمقراطيون بقيادة السيناتور تشاك شومر إلى استغلال هذه الخلافات الداخلية بين أوساط الجمهوريين، للقيام بسلسلة تعديلات في جلسة » vote – a- Rama»، مساء الخميس، بهدف إجبار الجمهوريين على التصويت «علناً» ضد تحركات ترمب في تلك القضايا، وحاولوا إضافة بنود تقيد، أو تمنع الصندوق الفيدرالي الملياري، الذي يُنظر إليه كصندوق لتقديم الرشاوى لحلفاء ترمب، وتقييد مبلغ المليار دولار لبناء قاعة الاحتفالات، الذي سبق أن وعد ترمب بتمويله من القطاع الخاص ومن التبرعات الخاصة.

ونجح الجمهوريون في إحباط معظم التعديلات التي حاول الديمقراطيون فرضها – بأغلبية حزبية ضيقة- لكنهم اضطروا إلى تقديم بعض التنازلات، وأزيل بند المليار دولار المطلوب من البيت الأبيض لتمويل صالة الاحتفالات من الحزمة النهائية، أمّا تعيين بولتي، فإن الجمهوريين والديمقراطيين اتفقوا على إظهار الاستياء العام من اختياره، وعدوه غير مؤهل لمنصب الإشراف على 18 وكالة استخباراتية تابعة للاستخبارات الوطنية.

زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي جون ثون (إ.ب.أ)

كما أعرب السيناتور الجمهوري جون ثون والسيناتور بيل كاسيدي والسيناتورة ليزا مركوسكي والسيناتور توم تيليس، عن قلقهم الشديد من صندوق تعويض ضحايا التسليح السياسي. ووصف بعضهم الصندوق، بـ«الفساد وإهدار لأموال دافعي الضرائب الأميركيين».

وهدد هذا الاستياء العلني بين أوساط الجمهوريين، بإسقاط مشروع تمويل وكالات الهجرة بالكامل؛ ما دفع قادة الحزب إلى خوض ساعات من المفاوضات المكثفة قبل إنجاح تمرير مشروع القانون.

ويقول المحللون إن تمرير مشروع قانون تمويل الهجرة رغم هذه التحديات، لا يزال يعكس، ويؤكد نجاح ترمب في فرض إرادته داخل حزبه الجمهوري، واستخدامه للضغط الشخصي أحياناً، والتهديدات غير المباشرة أحياناً أخرى، والتلويح بمخاطر الوقوف ضده خلال سباق الانتخابات النصفية، وهو ما دفع الجمهوريين،لتقييم حساباتهم والتوحد لتحقيق إنجازات تشريعية قبل الانتخابات، مخافة إظهار حزبهم في مظهر انقسامي داخلي.


لبنان في حسابات واشنطن

المشاركون في المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بواشنطن 3 يونيو 2026 (رويترز)
المشاركون في المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بواشنطن 3 يونيو 2026 (رويترز)
TT

لبنان في حسابات واشنطن

المشاركون في المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بواشنطن 3 يونيو 2026 (رويترز)
المشاركون في المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بواشنطن 3 يونيو 2026 (رويترز)

بين الرهان الأميركي على الحكومة اللبنانية، وتمسك إيران بورقة «حزب الله»، يعود لبنان إلى صدارة حسابات واشنطن في خضم المواجهة مع طهران. ومع تصاعد الضغوط الأميركية لنزع سلاح الحزب، تتجه الأنظار إلى دور الجيش اللبناني، بالتزامن مع تصاعد الأصوات في الكونغرس المطالبة بربط المساعدات العسكرية الأميركية بخطوات ملموسة تحصر السلاح بيد الدولة. يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، الاستراتيجية الأميركية في لبنان، وآلية تطبيق بنود البيان المشترك الصادر عن جولة المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.

«مناطق تجريبية»

عناصر من الجيش اللبناني في جنوب لبنان 5 يونيو 2026 (أ.ب)

انتهت جولة المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان ببيان مشترك هو الأول من نوعه، فيه وقف إطلاق نار مشروط بوقف «حزب الله» هجماته وسحب عناصره من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، إضافة إلى إنشاء «مناطق تجريبية» بالتنسيق مع أميركا، يتولى فيها الجيش اللبناني السيطرة الحصرية والكاملة. ويعدّ دايفيد هيل، السفير الأميركي السابق لدى الأردن ولبنان والمبعوث الخاص للشرق الأوسط سابقاً، أن البيان المشترك كان انعكاساً للدروس المستفادة من وقف إطلاق النار الأخير حين كانت الولايات المتحدة تتوقع الكثير من الجيش اللبناني «الذي لم يكن قد وصل بعد إلى مرحلة يمكنه فيها مواجهة (حزب الله) بمفرده» وحين كان دور المراقبة الذي قامت به الولايات المتحدة سلبياً نسبياً، على حد تعبيره. وأشار إلى أن البيان الحالي عكس نهجاً «أكثر عقلانية وعملية» وشرح قائلاً: «أولاً، إن فكرة المناطق التجريبية ستمكننا من اختبار قدرة الجيش على العمل في تلك المناطق، ويمكننا نحن وإسرائيل ولبنان معاً أن نفهم ما الذي ينجح فعلاً وما الذي يفشل. ثانياً، التخلص فعلياً من وجود (حزب الله) جنوب نهر الليطاني، بشكل حقيقي وليس شكلياً. ثم يأتي الأمر الثالث، بطبيعة الحال، وهو التأكد من أن إسرائيل تستجيب للتغييرات الإيجابية التي يحققها الجيش اللبناني، بحيث تسلم المسؤوليات الأمنية إلى اللبنانيين، متى ما أصبحوا قادرين على ذلك».

كبير الموظفين في وزارة الخارجية دان هولر يقرأ البيان المشترك بعد جولة المحادثات الأخيرة بين لبنان وإسرائيل بواشنطن 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وتحدث دايفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأدنى في عهد ترمب الأول، عن أهمية المناطق التجريبية الموجودة في نص البيان، مشيراً إلى أنها ستشمل المناطق التي قامت إسرائيل بتطهيرها سواء من عناصر «حزب الله» أو من أصوله العسكرية، وتسليمها إلى الجيش اللبناني. وعدّ شينكر أن المسؤولية ستقع على عاتق الجيش اللبناني لضمان عدم عودة هذه المناطق إلى سيطرة «حزب الله». وأشار إلى أن الدور الأميركي سيشمل تقييم ما إذا كان الجيش اللبناني ناجحاً، أو أنه بإمكانه بذل المزيد من الجهد. وأضاف: «إذا كان ناجحاً، فسيتم تسليمه المزيد من المناطق. والأمر المهم في هذا الصدد هو أنه، تحت سيطرة الجيش, سيُسمح للسكان اللبنانيين ومعظمهم من الشيعة في الجنوب، بالعودة إلى منازلهم ومن المفترض أن يحظى هذا الأمر بشعبية. وكلما اتسعت مسؤولية الجيش، ستكون هناك مطالب من إسرائيل لاتخاذ إجراءات متبادلة. لذا؛ أعتقد أن الأمر ينطوي على تبادل للمصالح هنا. وهناك تسلسل للأحداث. لكن هذا يضع بالفعل العبء على عاتق الجيش لكي يبذل قصارى جهده. و لن يؤدي هذا إلى تجنب الاشتباكات الحتمية بين الجيش وحزب الله، وهو ما يُفترض أن تحاول الخطة الأميركية تجنبه. سيكون ذلك بمثابة اختبار صعب للجيش في المستقبل».

من ناحيته، يشير دانييل شنايدرمانن، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي والمستشار الخاص السابق لشؤون مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية، إلى وجود طرق عدة يمكن من خلالها لأميركا أن تلعب دوراً فعالاً، منها تبادل المعلومات الاستخباراتية ضمن آلية معينة. ويحذر من احتمال اندلاع مواجهة بين الجيش و«حزب الله»، عادَّاً أنه سيكون من الصعب على الجيش نزع سلاح «حزب الله» بسهولة، ليس بسبب قدراته وإمكانيته القوية بفضل الشراكة مع الولايات المتحدة بل إن الأمر متعلق بالإرادة السياسية، مضيفاً: «بصراحة، لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ستستمر هذه الإرادة».

ويقول هيل إن الجيش اللبناني يمتلك نظرياً القدرة الفنية للتصدي لأي مشكلة داخلية في لبنان. لكنه يشير أيضاً إلى أن الأمر يتعلق دائماً بالإرادة السياسية، عادّاً أن الجيش هو «مرآة للانقسامات الطائفية وخطوط التوتر الموجودة في لبنان» وأن هذه كانت أحد الأسباب التي جعلته يتحرك ببطء أكبر من التوقعات الأميركية، لكن هيل يستبعد نشوب مواجهة بين الجيش و«حزب الله»، خاصة إذا تم الإعلان مسبقاً وبشكل واضح أن الجيش اللبناني سيتولى السيطرة على منطقة تجريبية معينة؛ إذ ستنجم عن هذا مناقشات سياسية مكثفة داخل لبنان بين الفصائل اللبنانية ورئيس مجلس النواب نبيه بري و«حزب الله» وغيرهم لمحاولة معرفة ما إذا كان الحزب مستعداً للانسحاب طوعاً من تلك المناطق.

غرفة عمليات مشتركة؟

عُقدت الجولة الرابعة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وأعرب هيل عن أمله بأن يكون الدور الأميركي أكبر بكثير من مجرد المراقبة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، مشدداً على أهمية أن يكون هناك ضباط من الجيش الأميركي يجلسون جنباً إلى جنب مع ضباط لبنانيين لتقديم المشورة العملياتية لهم وتوفير بعض الدعم المعنوي للجنود اللبنانيين، ليس في الخطوط الأمامية أو في دور قتالي. مضيفاً: «آمل أن تفكر أميركا بشكل إبداعي في الطرق التي يمكننا من خلالها استخدام جيشنا والعلاقات القوية حقاً التي طورناها على مدى عقود على جميع مستويات جيشنا مع الجيش اللبناني». ووافق شينكر على أهمية وجود مشاركة عسكرية أميركية «عميقة» في لبنان، ليس من خلال إرسال قوات برية، بل مستشارين من الضباط الأميركيين مدمجين في مراكز القيادة يقدمون المشورة يومياً حول كيفية تخفيف حدة التوتر، أو تصعيده، والخطوات التي يجب اتخاذها. ويرى شينكر أن هذه ستكون مهمة صعبة للغاية بالنسبة للجيش اللبناني، مذكراً بأدائه «الرائع في نهر البارد عام 2007 حين كان يعاني نقصاً في المعدات و تدخلت الولايات المتحدة وأرسلت أكثر من 40 طائرة من طراز (C-17)»، لكنه يعترف بأن الوضع الحالي مختلف نظراً للصعوبات السياسية المرتبطة به.

وبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى فصل مسار لبنان عن إيران يشير هيل إلى أن إدارة ترمب تتبع النهج الصحيح في محاولة الفصل بين الملفين، لكنه يشير إلى أن النجاح أو الفشل مع إيران سيكون له تأثير مؤكد في لبنان، ويفسر قائلاً: «ما يحدث الآن هو أن ميزان القوى يميل ضد إيران. ولهذا السبب تشعر القوى المعادية لإيران و(حزب الله) في لبنان بأنها أقوى وأكثر جرأة، وتشعر بأنها قادرة على تحمل المخاطر من أجل السلام. وإذا لم ننجح في إيران، فإن ميزان القوى سيتحول، سواء أعجبنا ذلك أم لا، في الاتجاه المعاكس في لبنان».