قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

هيغسيث ربط صمود الهدنة بـ«تسليم اليورانيوم»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

قادة «البنتاغون» يؤكّدون تدمير قدرات إيران العسكرية... ويهدّدون باستئناف العمليات

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

حين خرج وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، دان كاين، إلى منصة البنتاغون، صباح الأربعاء 8 أبريل (نيسان) 2026، لم يقدّما رواية انتصار نهائي بقدر ما رسّخا وصفاً أدقّ: «تجميد مؤقت لحرب مفتوحة».

فالإدارة الأميركية أرادت أن تقول إن «عملية الغضب الملحمي» حققت أهدافها العسكرية، وإن إيران وافقت على وقف إطلاق النار من موقع الضعف. لكنّ مضمونَ المؤتمرِ نفسَه كشف عن أن جوهر النزاع لم يُحسم: مضيق هرمز لم يعد إلى وضعه الطبيعي بالكامل، وملف اليورانيوم عالي التخصيب ما زال مفتوحاً، والتفاوض المرتقب في إسلام آباد يبدأ من روايتين متناقضتين لا من أرضية مشتركة صلبة. هذا التناقض هو ما يجعل منطقة الشرق الأوسط الساحةَ الأكبرَ عرضةً لارتدادات الأسبوعين المقبلين، وفق خبراء تحدثوا مع «الشرق الأوسط».

تدمير قدرات إيران

قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، خلال مؤتمر صحافي الأربعاء، إن واشنطن «دمّرت تماماً القاعدة الصناعية للدفاع في إيران». وصرّح هيغسيث: «لم يعودوا قادرين على صناعة صواريخ وقذائف ومنصات إطلاق أو مسيّرات. دُمّرت مصانعهم». وأعلن أن «(عملية الغضب الملحمي) شكّلت نصراً تاريخياً ساحقاً على أرض المعركة»، في إشارة إلى التسمية الأميركية للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. وأكّد أن هذه العملية «سحقت القوات العسكرية لإيران، وجعلتها عاجزة عن القتال للسنوات المقبلة».

كما حذّر هيغسيث بأن الولايات المتحدة مستعدة للاستيلاء على اليورانيوم الذي تملكه إيران، في حال رفضت تسليمه. وقال: «نعرف ما عندهم، وسيسلّمونه، وسنحصل عليه، وسنأخذه إن اضُطررنا إلى ذلك... يمكن القيام بهذا الأمر بكل الوسائل الممكنة».

رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمره الصحافي في البنتاغون يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

من جانبه، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي، دان كاين: «هاجمنا مع شركائنا نحو 90 في المائة من مصانع الأسلحة»، بينها «كلّ مصانع إنتاج المسيّرات المفخخة من نوع (شاهد)»، فضلاً عن «كلّ المعامل التي تُنتج أنظمة التوجيه» الخاصة بهذه المسيّرات. وبشأن الأسطول البحري، أوضح كاين أن «الأمر سيستغرق سنوات قبل أن تعيد إيران بناء المنشآت القتالية السطحية».

وأفاد الجنرال بأن «نحو 80 في المائة من القاعدة الصناعية النووية الإيرانية استُهدفت؛ مما قوّض من شكل أكبر محاولات تطوير السلاح النووي». وحذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة بأن القوات الأميركية جاهزة لاستئناف القتال مع إيران في حال انتهاء الهدنة بين البلدين. وقال: «لنكن واضحين، وقف إطلاق النار مجرد هدنة مؤقتة، والقوات المسلحة تبقى على أهبة الاستعداد؛ إذا صدرت الأوامر أو طُلب منها ذلك، لاستئناف العمليات القتالية بالسرعة والدقة نفسيهما اللتين أظهرناهما خلال الأيام الـ38 الماضية».

القاذفة الاستراتيجية الأميركية «ب 52 ستراتوفورتريس» داخل القاعدة الجوية «فيرفورد» في بريطانيا يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتشير تصريحات كاين، وتلويحه باستئناف القتال، إلى أن إعلان تعليق الحرب جاء تحت التهديد الأميركي، وفق مايكل روبين، الباحث في «معهد أميركان إنتربرايز». أما عن استعادة حرية الملاحة، فلم تُشر تصريحات المسؤولين العسكريين إلى أنها باتت أمراً محسوماً، واكتفت بالتشديد على ضرورة «ضمان امتثال إيران» ومرور السفن بأمان.

في الوقت نفسه، استمرت مؤشرات إلى أن سفناً تلقت رسائل من قوات إيرانية تُفيد بأنها تحتاج إلى إذن لعبور المضيق؛ مما يعني أن طهران تحاول تثبيت معادلة جديدة: فتح هرمز مشروط بالاعتراف بدور رقابي أو سيادي لها. وإذا صحّ ذلك، فإن المنطقة، والاقتصاد العالمي، يدخلان مرحلة تختلف عن مجرد وقف إطلاق النار؛ لأن الخطر ينتقل من الصواريخ إلى قواعد المرور والتأمين والتسعير والرسوم البحرية.

أبرز نقاط الخلاف

تصريحات قادة البنتاغون، وما تبعها من تصريحات ترمب، كشفتا عن أن الخلاف الحقيقي ليس على وقف النار نفسه، بل على تعريف ما بعده. فواشنطن ترفض استمرار تخصيب اليورانيوم الإيراني، وتُطالب بتسليم المخزون عالي التخصيب أو «أخذه» بالقوة إذا لزم الأمر. أما الروايات المتداولة في الإعلام الإيراني عن «النقاط العشر» لاتفاق وقف النار، فتذهب في اتجاه مختلف تماماً: الاعتراف بحق إيران في التخصيب، ورفع العقوبات، من دون وضوح بشأن مصير المخزون المخصب. هُنا تحديداً يكمن التناقض البُنيوي الذي قد يُقوّض جولة التفاوض منذ يومها الأول، وفق روبين.

إيرانيون يحتفلون في طهران بالإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يوم 8 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الشق الثاني من الخلاف يتعلق بنطاق التهدئة؛ فالولايات المتحدة وإسرائيل أوضحتا أن وقف النار مع إيران لا يعني وقف العمليات الإسرائيلية في لبنان ضد «حزب الله»، فيما توالت تقارير بشأن استمرار هجمات صاروخية ومسيّرة على دول الخليج في الساعات التي تلت الهدنة؛ هذا يعني أن المنطقة تواجه نسخة من «خفض التصعيد الانتقائي» وفق مراقبين؛ أي تهدئة مباشرة بين واشنطن وطهران، مقابل بقاء ساحات الوكلاء والرسائل المتبادلة مفتوحة.

كما أن تصريحات هيغسيث عن أن واشنطن كانت مستعدة، قبل ساعات، لضرب محطات كهرباء وجسور وبنية نفطية وطاقوية «لا يمكن لإيران إعادة بنائها» تكشف عن أن قرار الهدنة لم ينبع من تسوية مكتملة، بل من تعليق ضربة تصعيدية هائلة ضد طهران. لذلك؛ يبدو وقف النار أشبه بمهلة اختبار: فإذا استجابت طهران لشروط الملاحة وتسليم اليورانيوم، فقد تستمرّ الهدنة وتُمهّد لنهاية فعلية للحرب. أما إن لم تستجب، فقد تعود الولايات المتحدة إلى خيار التدمير الشامل للبنية التحتية.

هشاشة الاتفاق

القراءة الأرجح أن المنطقة تدخل فترة هدوء تكتيكي، يعتمد على مخرجات المفاوضات في إسلام آباد ومدى التزام الجانبين شروط وقف النار.

رجال إطفاء يعملون على إخماد حرائق جراء غارة إسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت يوم 8 أبريل 2026 (أ.ب)

ويقول رزين نديمي، الباحث في الشأن الإيراني بـ«معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، لـ«الشرق الأوسط»، إنه يرى ما جرى «توقفاً في القتال» أكثرَ منه نهاية له، وإن الهدنة «هشة بالفعل، لكنها مرجّحة الصمود». في المقابل، بدا أكبر تشككاً تجاه المفاوضات نفسها، متوقعاً «ألّا تفضي إلى شيء حاسم، وأن نشهد فترة توقف مطوّلة قبل بدء المرحلة التالية». وتكمن أهمية هذا التقدير في أنه يُميّز بين قدرة الأطراف على تجميد النار مؤقتاً، وعجزها عن إنتاج اتفاق نهائي بشأن أسباب الحرب نفسها.

أما مايكل روبين، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل اتفاق يجلب السلام»، لافتاً إلى أن فكرةَ فرض إيران رسوماً على الملاحة أو التعامل مع المنطقة كأنها مجالها الخاص «فكرةٌ سخيفة».


مقالات ذات صلة

هل باتت أوروبا في مرمى الصواريخ الإيرانية؟

تحليل إخباري اختبار صاروخ «خرمشهر» يبلغ مداه ألفي كيلومتر في 25 مايو 2023 (رويترز)

هل باتت أوروبا في مرمى الصواريخ الإيرانية؟

أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، أنه رفع القيد الذي حصر مدى صواريخه الباليستية في ألفي كيلومتر، ما يوسع نطاق التهديد الصاروخي الإيراني إلى ما وراء الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب عن أسئلة من الصحافيين حول إيران في البيت الأبيض يوم 14 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يستبعد استئناف الحرب مع إيران إذا تقدمت المفاوضات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، إن احتمال أن يأمر باستئناف الحرب على إيران «مستبعد جداً» ما دامت المفاوضات تحرز تقدماً نحو اتفاق بشأن البرنامج النووي.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية عراقجي يتوسط محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي (على اليسار) ومحمد رضا ظفرقندي، وزير الصحة خلال اجتماع الحكومة الأحد (الرئاسة الإيرانية)

عراقجي لواشنطن: نفذوا شروطنا خلال يومين أو اختاروا الحرب

خيّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، الولايات المتحدة بين الاستجابة لمقترح إيراني مدته يومان، يتضمن إنهاء الحرب على جميع الجبهات.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن خلفه مبنى «الكابيتول» وتوقعات بمعارك بين البيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس (رويترز)

«حرب تحقيقات» مرتقبة بين ترمب وخصومه

طلب الرئيس الأميركي التحقيق فيما وصفها بـ«تهديدات» يمارسها الديمقراطيون ضد إدارته، فيما بدا مؤشراً على معارك مبكرة مع خصومه قبل تسلمهم السيطرة على الكونغرس...

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أرشيفية - د.ب.أ)

وزير الدفاع الإسرائيلي عن إيران: المهمة لم تُنجز بعد

قال وزير الدفاع الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، إن إسرائيل لم تنتهِ بعد من التعامل مع إيران، مجدداً اتهاماته بأن طهران تسعى لامتلاك أسلحة نووية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

«حرب تحقيقات» مرتقبة بين ترمب وخصومه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن خلفه مبنى «الكابيتول» وتوقعات بمعارك بين البيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن خلفه مبنى «الكابيتول» وتوقعات بمعارك بين البيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس (رويترز)
TT

«حرب تحقيقات» مرتقبة بين ترمب وخصومه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن خلفه مبنى «الكابيتول» وتوقعات بمعارك بين البيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومن خلفه مبنى «الكابيتول» وتوقعات بمعارك بين البيت الأبيض والديمقراطيين في الكونغرس (رويترز)

طلب الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، من وزارة العدل التحقيق فيما وصفها بـ«تهديدات» يمارسها خصومه الديمقراطيون ضد مسؤولين في إدارته، فيما بدا مؤشراً على معارك سياسية مبكرة مع خصومه قبل تسلمهم السيطرة على مجلسَي الكونغرس في يناير (كانون الثاني) المقبل.

وجاء هذا التصعيد بعد أيام من الهزيمة القاسية التي تعرض لها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي، وفي وقت يستعد فيه الديمقراطيون لإطلاق سلسلة من التحقيقات البرلمانية في سياسات البيت الأبيض؛ مما ينذر بـ«حرب تحقيقات» مرتقبة بين الجانبين وتحويل العامين الأخيرين من ولاية ترمب مواجهةً مفتوحةً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وتزامن تحرك ترمب مع إعادة ترتيب القيادة داخل البيت الأبيض، بتعيين مستشاره المتشدد ستيفن ميلر كبيراً للموظفين خلفاً لسوزي وايلز، في خطوة عكست توجهاً نحو تشديد القبضة السياسية على الإدارة والاستعداد لمواجهة غالبية ديمقراطية لا تُخفي عزمها على استخدام صلاحيات الكونغرس في الرقابة والاستدعاء والتحقيق.

وبينما يسعى الديمقراطيون إلى استثمار انتصارهم الانتخابي في محاسبة إدارة ترمب على ملفات تمتد من الحرب مع إيران إلى سياسات الهجرة والرسوم الجمركية، فإن الرئيس يبدو مصمماً على نقل المعركة إلى أرض خصومه، مستخدماً ما يملكه من صلاحيات تنفيذية، ومراهناً على أن المواجهة المبكرة ستمنع الديمقراطيين من فرض أجندتهم السياسية عليه.

زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز (في الوسط)، يرد على سؤال من وسائل الإعلام خلال مؤتمر صحافي في مقر لجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس (DCCC) في مبنى الكابيتول بواشنطن العاصمة، في 4 نوفمبر 2026.(ا.ب.ا)

وشكلت نتائج انتخابات الثلاثاء الماضي ضربة سياسية لترمب، بعدما انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، مُنهين بذلك هيمنة الجمهوريين على السلطتين التنفيذية والتشريعية. ولم تقتصر دلالات النتائج على تبدل موازين القوى داخل الكونغرس، بل حملت رسالة استياء من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتداعيات الحرب مع إيران، والسياسات الاقتصادية التي تبنتها الإدارة. وفي البداية، أبدى ترمب استعداداً للتعاون مع القيادة الديمقراطية الجديدة، لكنه سرعان ما انتقل إلى خطاب أكبر تصعيداً، متهماً خصومه باستخدام التهديد بالتحقيقات والعزل للضغط على أعضاء إدارته.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين بعد وصوله على متن طائرة «إير فورس وان» إلى «مطار الرئيس دونالد جيه ترمب الدولي» يوم 6 نوفمبر 2026 في ويست بالم بيتش بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

«خطوة عملاقة إلى الوراء»

ورأى ترمب، الأحد، أن انتخابات التجديد النصفي أعادت الولايات المتحدة «خطوة عملاقة إلى الوراء في التاريخ». وقال في منشور على منصته الاجتماعية «تروث سوشيال»: «لقد تراجعت أميركا خطوة عملاقة إلى الوراء في التاريخ؛ بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة... لكن لا تقلقوا، سنعود أكبر وأقوى من أي وقت مضى!».

ويوم السبت، أمر الرئيسُ ترمب وزارةَ العدل بالنظر في ما عدّها تهديدات صادرة عن الديمقراطيين، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين سلطة الرئيس في توجيه السياسات التنفيذية واستقلال قرارات الملاحقة الجنائية. وتكشف هذه الخطوة عن مفارقة سياسية لافتة، فوزارة العدل التي يريد ترمب استخدامها للتحقيق مع الديمقراطيين، ستكون نفسها في مقدمة المؤسسات التي يعتزم هؤلاء إخضاعَها لرقابة برلمانية مشددة بمجرد تسلمهم رئاسة اللجان المختصة. ومن المرجح أن تصبح هذه المواجهة اختباراً مبكراً لقدرة الطرفين على استخدام صلاحياتهما الدستورية دون الانزلاق إلى أزمة مؤسساتية طويلة.

وزارة العدل في قلب المواجهة

وتشير التحركات الديمقراطية إلى أن وزارة العدل ستكون إحدى أبرز ساحات الصراع المرتقب. فقد كشفت صحيفة «واشنطن بوست»، الأحد، عن أن الوزارة تستعد لموجة من طلبات الوثائق والاستدعاءات وجلسات الاستماع، بعدما تعهد الديمقراطيون بمراجعة قرارات اتخذتها خلال العامين الأولين من ولاية ترمب الثانية، واتهموا الإدارة بتسييس أجهزة إنفاذ القانون واستخدامها لملاحقة خصوم الرئيس. وتشمل الملفات المطروحة للتحقيق ملاحقات استهدفت شخصيات معارضة لترمب، بينها مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» السابق، جيمس كومي، إضافة إلى تسوياتٍ ضريبية يُشتبه في أن الرئيس وأفراداً من عائلته استفادوا منها، وقراراتِ العفو الرئاسي التي أصدرها ترمب، وطريقةِ تعامل الوزارة مع ملفات رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين.

لكن ترمب اختار الرد قبل بدء التحقيقات. ففي منشور على منصته «تروث سوشيال»، اتهم الديمقراطيين بإرسال رسائل تهديد إلى مسؤولين وأشخاص وصفهم بالأبرياء، ورأى أن ما يفعلونه يمثل «ابتزازاً على أعلى مستوى»، داعياً إلى محاسبتهم جنائياً، دون تقديم أدلة علنية تثبت ارتكاب جرائم.

وخص الرئيسُ بالانتقاد السيناتورةَ الديمقراطية إليسا سلوتكين، التي دعت إلى مساءلة المسؤولين المتورطين في تنفيذ سياسات غير قانونية. وردت سلوتكين بأن من ينتهك القانون أو يستخدم أموال دافعي الضرائب لتحقيق مكاسب شخصية ينبغي أن يخضع للمحاسبة، مؤكدة أن مَن لم يرتكب مخالفة فليس لديه ما يخشاه. وهذه المواجهة مع سلوتكين لها خلفيات سابقة؛ إذ خضعت لتحقيق بعد مشاركتها مع مشرعين ديمقراطيين في تسجيلٍ مصور يحث العسكريين وعناصر الاستخبارات على «رفض الأوامر غير القانونية»، لكن هيئة محلفين كبرى رفضت توجيه اتهامات إليهم.

ستيفن ميلر، رئيس موظفي البيت الأبيض المُعيّن، يسير برفقة الرئيس دونالد ترمب للصعود على متن طائرة «مارين ون» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، يوم الجمعة 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في واشنطن. (أ. ب)

ميلر يقود البيت الأبيض إلى مرحلة التشدد

ويضيف تعيين ستيفن ميلر كبيراً لموظفي البيت الأبيض بُعداً جديداً إلى الصراع. فميلر، الذي ارتبط اسمه بالسياسات المتشددة في ملف الهجرة والدفاع عن توسيع صلاحيات الرئيس، يمثل أحد أبرز الأصوات الداعية إلى المواجهة داخل الدائرة المقربة من ترمب. ويبدو اختياره خلفاً لسوزي وايلز رسالة سياسية تتجاوز التغيير الإداري، مفادها بأن الرئيس لا يعتزم التعامل مع نتائج الانتخابات بوصفها تفويضاً لتعديل سياساته، وإنما على أنها تحدٍّ يتطلب تعزيز الانضباط داخل الإدارة وتحصين قراراتها في مواجهة الكونغرس.

ويقول محللون إن هذه الاستراتيجية قد تضع البيت الأبيض أمام اختبار صعب، خصوصاً أن الديمقراطيين سيحصلون على رئاسة اللجان البرلمانية الرئيسية، بما يمنحهم القدرة على استدعاء كبار المسؤولين، والمطالبة بوثائق داخلية، وفتح تحقيقات قد تطول أكبر الشخصيات نفوذاً في الإدارة. غير أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تعني قدرتهم على فرض جميع مطالبهم. فالرئيس يحتفظ بحق النقض على التشريعات، بينما تستطيع الإدارة الطعن في الاستدعاءات البرلمانية أمام المحاكم، والتمسك بالامتياز التنفيذي لحجب بعض الاتصالات والوثائق. وقد تتحول هذه النزاعات معاركَ قضائيةً تستمر أشهراً، وربما سنوات.

حرب إيران تعود إلى واشنطن

ولا تقتصر المواجهة المرتقبة على التحقيقات والملفات الداخلية. فالحرب مع إيران، التي أسهمت تداعياتها الاقتصادية والسياسية في إضعاف الجمهوريين انتخابياً، مرشحةٌ لتصبح أحد أبرز ميادين الصدام بين ترمب والكونغرس الجديد. فالديمقراطيون؛ الذين استثمروا خلال حملاتهم الانتخابية في غضب الناخبين من ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، سيواجهون ضغوطاً لترجمة وعودهم إلى إجراءات ملموسة، سواء أكانت عبر محاولة تقييد العمليات العسكرية، أم تشديد الرقابة على الإنفاق الدفاعي والقرارات المرتبطة بالحرب.

ويمتلك الكونغرس أدوات مؤثرة في هذا المجال، أبرزها سلطةُ إقرار الموازنات، وعقدُ جلسات الاستماع، ومراجعةُ الصفقات العسكرية، والمطالبةُ بتفسيرات قانونية للعمليات التي تنفذها الإدارة خارج الأراضي الأميركية. لكن قدرة الديمقراطيين على تغيير مسار السياسة الخارجية ستظل محدودة بتوازنات دستورية معقدة؛ إذ يتمتع الرئيس بصلاحيات واسعة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما أن بعض القرارات المتعلقة بالعقوبات والتحركات العسكرية يمكن اتخاذها دون تشريعات جديدة.

ويتخوف المحللون من أن الصدام بشأن إيران قد يتحول مواجهةً أوسع بشأن حدود السلطة الرئاسية في اتخاذ قرارات الحرب والسلام، في وقت يخشى فيه حلفاء واشنطن وخصومها من أن يؤدي الانقسام الداخلي الأميركي إلى زيادة الغموض بشأن التزامات الولايات المتحدة الخارجية.

الديمقراطيون أمام اختبار الحكم

ومع ذلك، فإن الانتصار الانتخابي لا يخلو من المخاطر بالنسبة إلى الديمقراطيين. فرغم حصولهم على غالبية مريحة نسبياً في مجلس النواب، وما لا يقل عن 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، فإنهم لا يمتلكون بالضرورة الأصوات الكافية لتجاوز تعطيل التشريعات في الشيوخ أو إسقاط الفيتو الرئاسي. كما أن الإفراط في التركيز على التحقيقات قد يمنح ترمب فرصة لتصوير خصومه بوصفهم منشغلين بالانتقام السياسي بدلاً من معالجة المشكلات الاقتصادية التي دفعت الناخبين إلى التصويت ضد الجمهوريين. وفي المقابل، قد يجد الرئيس نفسه أمام مأزق مماثل إذا تحولت استراتيجيته إلى سلسلة من المعارك مع الكونغرس على حساب معالجة التضخم وتكاليف الطاقة والمخاوف الاقتصادية.

وتشير نتائج الانتخابات، التي شهدت تحول عدد من المناطق الجمهورية التقليدية نحو الديمقراطيين، إلى أن قطاعات من الناخبين لم تعد تستجيب بالقدر نفسه للخطاب السياسي القائم على الاستقطاب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأعباء الاقتصادية اليومية.

مئات الأشخاص يسيرون في وسط مانهاتن خلال مسيرة احتجاجية دعماً للديمقراطية ومعارضةً لسياسات إدارة ترمب، وذلك في 7 نوفمبر 2026 في مدينة نيويورك. (أ ف ب)

معركة مبكرة على انتخابات 2028

وتتجاوز تداعيات المواجهة الحالية العامين المتبقيين من ولاية ترمب، لتُلقي بظلالها على الانتخابات الرئاسية عام 2028. فالديمقراطيون سيحاولون استخدام سيطرتهم على الكونغرس لإظهار قدرتهم على كبح السلطة التنفيذية، بينما يسعى ترمب إلى الحفاظ على تماسك قاعدته الانتخابية ومنع تحول الهزيمة التشريعية تراجعاً طويل الأمد في نفوذ الحزب الجمهوري.

ومن شأن التحقيقات البرلمانية أن تضع كبار مسؤولي الإدارة أمام اختبارات سياسية وقانونية متكررة، لكنها قد تمنح ترمب أيضاً مادة جديدة لتعبئة أنصاره عبر اتهام الديمقراطيين بمحاولة شل حكومته.

وبين هذين المسارين، تبدو واشنطن مقبلة على مرحلة من الحكم المنقسم، تتراجع فيها فرص التسويات التشريعية الكبرى، وتتقدم المواجهات بشأن الصلاحيات والرقابة والإنفاق العام. والسؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة ليس فقط ما إذا كان الديمقراطيون قادرين على محاصرة ترمب، بل ما إذا كان الرئيس سيستطيع تحويل معركته معهم وسيلةً لاستعادة المبادرة السياسية بعد الهزيمة الانتخابية. فإذا كانت انتخابات الثلاثاء الماضي قد أنهت هيمنة الجمهوريين على الكونغرس، فإنها لم تُنهِ قدرة ترمب على فرض إيقاع المواجهة في واشنطن. فعلى العكس؛ تشير خطواته الأولى إلى أن الرئيس اختار خوض المعركة قبل وصول خصومه إلى السلطة التشريعية، في مواجهة قد تحدد ليس فقط مستقبل إدارته، وإنما أيضاً حدود العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس خلال النصف الثاني من ولايته.


ترمب: نتائج الانتخابات أعادت الولايات المتحدة «خطوة عملاقة إلى الوراء»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: نتائج الانتخابات أعادت الولايات المتحدة «خطوة عملاقة إلى الوراء»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأحد)، أن انتخابات التجديد النصفي التي فقد فيها حزبه الجمهوري السيطرة على الكونغرس، أعادت الولايات المتحدة «خطوة عملاقة إلى الوراء في التاريخ».

وقال في منشور على منصته الاجتماعية «تروث سوشيال»: «لقد تراجعت أميركا خطوة عملاقة إلى الوراء في التاريخ بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة»، مضيفاً: «لكن لا تقلقوا، سنعود، أكبر وأقوى من أي وقت مضى!».

وعزّز الرئيس ترمب قبضته على البيت الأبيض، أمس، بتعيين مستشاره المقرّب ستيفن ميلر كبيراً لموظفيه، خلفاً لسوزي وايلز، في أول تعديل كبير بإدارته بعد الهزيمة المدوّية للجمهوريين في الانتخابات النصفية. ويعكس التعيين، بحسب منتقدي الرئيس، تمسّكه بنهج المواجهة مع الديمقراطيين الذين انتزعوا الأغلبية في مجلسَي الكونغرس. وعزّز ترمب هذه الرسالة بنشر صورة لنفسه تحمل عبارة «السيد فيتو»، في إشارة إلى استعداده لاستخدام صلاحياته لعرقلة أجندة الأغلبية الجديدة.

ويأتي القرار وسط تصاعد الانقسامات داخل الحزب الجمهوري بشأن مستقبل ترمب السياسي. ورغم سيطرتهم على الكونغرس، فإن الديمقراطيين سيجدون صعوبة في تمرير تشريعاتهم، وتجاوز «الفيتو» الرئاسي، لكن أغلبيتهم تمنحهم أدوات لفتح تحقيقات مع الإدارة وتقييد الإنفاق الحكومي.


الكونغرس الجديد يختبر سلطة ترمب ووحدة الجمهوريين

الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس الجديد يختبر سلطة ترمب ووحدة الجمهوريين

الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)

بعد انقشاع غبار الزلزال الانتخابي الذي أحدثته الانتخابات النصفية الأميركية، تتجه الأنظار إلى الكونغرس بتركيبته الجديدة ووجوهه المتنوعة. فالديمقراطيون، الذين أغدقوا الوعود على الناخبين، يواجهون اختبار ترجمتها إلى سياسات وتشريعات، في حين يسعى الجمهوريون، بعد هزيمتهم المدوّية، إلى التكيّف مع انتقالهم إلى صفوف الأقلية. غير أن شهرين يفصلان الكونغرس الجديد عن تسلّم مهامه مطلع العام المقبل، وهي فترة قد يسعى الجمهوريون خلالها إلى استغلال ما تبقّى من أغلبيتهم لتمرير أكبر قدر ممكن من أولوياتهم التشريعية وأجندة الرئيس دونالد ترمب.

ويستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وشبكة «الشرق»، حدود قدرة الكونغرس الجديد على كبح سياسات ترمب، واحتمالات تمرّد الجمهوريين عليه بعد الهزيمة الانتخابية، فضلاً عن أبرز الملفات المطروحة على جدول أعمال الكونغرس خلال فترة «البطة العرجاء».

أغلبية لا تكفي لمواجهة ترمب

رغم سيطرتهم على مجلسَي الكونغرس، لن يتمكن الديمقراطيون من تمرير أجندتهم التشريعية من دون تعاون الجمهوريين. فمعظم التشريعات الخاضعة لقاعدة إنهاء النقاش في مجلس الشيوخ تحتاج إلى موافقة ستين عضواً، في حين يتطلب تجاوز «الفيتو» الرئاسي أغلبية الثلثين في المجلسين.

ويوضح نائب رئيس معهد بليموث في مؤسسة «أميركان فريدوم» المحافظة، ريتشارد ستيرن، أن الديمقراطيين «سيحظون بأغلبية كبيرة جداً، لكنهم لن يصلوا إلى العدد المطلوب البالغ ستين صوتاً». ويضيف: «لذا سيتعين إجراء بعض المفاوضات بين الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس بشأن أي إجراء يتخذونه، ناهيك بحقيقة أنهم لن يمتلكوا ثلثَي الأصوات اللازمة لإلغاء (الفيتو) الرئاسي. لذلك أعتقد أننا سنشهد إغلاقاً حكوميًّا محتملاً بسبب المفاوضات حول الأنشطة العسكرية التي سيتم تمويلها».

الأغلبية الجديدة في الكونغرس غير كافية لكسر «الفيتو» الرئاسي (رويترز)

ومع ذلك، تمنح السيطرة على الكونغرس الديمقراطيين أدوات رقابية وسياسية واسعة لمواجهة ترمب، أبرزها رئاسة اللجان وسلطة استدعاء مسؤولي الإدارة وإجراء التحقيقات، إضافة إلى التحكم في التشريعات المتعلقة بالإنفاق الحكومي والمصادقة على التعيينات في مجلس الشيوخ.

ويتوقع الصحافي الاستقصائي مارك ألبرت أن يطلق الديمقراطيون موجة واسعة من التحقيقات في قضايا الفساد وتضارب المصالح، مشيراً إلى أن الناخبين طالبوا بمحاسبة الإدارة، ما سيجعل المساءلة في صدارة أولويات الكونغرس الجديد.

أما المسؤول السابق في لجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، إيان راسل، فيرجّح أن تفضي هذه التحقيقات إلى تغييرات في صفوف الإدارة، قائلاً: «أعتقد أن أيام وزير الحرب بيت هيغسيث أصبحت معدودة»، ومتوقعاً تعديلات وزارية أخرى، مع التشديد على ضرورة محاسبة المسؤولين بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية.

وتبرز حرب إيران بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيداً في المواجهة المرتقبة بين الكونغرس والبيت الأبيض. فبينما يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة في إدارة العمليات العسكرية، يمتلك الكونغرس سلطة إقرار التمويل، ما يمنح الديمقراطيين ورقة ضغط لمحاولة تقييد الإنفاق على الحرب. ويقر راسل بصعوبة استخدام هذه الورقة مع اقتراب مناقشة الموازنة الدفاعية، في ظل حساسية أي قرار قد ينعكس على القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.

هل ينقلب الجمهوريون على ترمب؟

قد تأتي أبرز التحديات التي تواجه ترمب من داخل صفوف حزبه نفسه. فقد أثارت تصريحات نائبه جي دي فانس، الذي حمّل الحرب مع إيران مسؤولية الخسارة الانتخابية، تساؤلات بشأن احتمال تصدّع العلاقة بين الرجلين. ويرى راسل أن فانس «يحاول إيجاد طريقة لخلق مسافة بينه وبين الرئيس»، تمهيداً لاستحقاق الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ترمب مع نائبه جي دي فانس في واشنطن يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أما ستيرن، فيعتبر أن نائب الرئيس يسعى إلى النأي بنفسه عن قرارات شارك في صنعها، لكنه يحمّل ترمب نفسه مسؤولية تآكل ثقة الأميركيين بإدارته. ويقول ستيرن إن الرئيس، بعد سياساته الجمركية ومواجهاته مع خصومه، قد «كسر تلك الثقة» عندما طلب من الأميركيين تأييد الحرب مع إيران. وقد يكون وزير الحرب بيت هيغسيث من أوائل ضحايا التصدّعات داخل الحزب الجمهوري. فقد تعهّد النائب الجمهوري توماس ماسي بتقديم قرار لعزله خلال دورة الكونغرس الحالية، وسط توقعات بأن يحظى بدعم من الحزبين. ويشير راسل إلى توتر علاقة ترمب بعدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين خسروا الانتخابات التمهيدية بسبب تدخّله ضدهم، مرجّحاً أن يدعموا عزل هيغسيث، الذي قد يتحوّل إلى «كبش فداء سهل»، على حد تعبيره.

رئيس مجلس النواب المنتهية ولايته مايك جونسون في الكونغرس يوم 30 أبريل 2024 (أ.ب)

ويتوقع ستيرن أن يتزايد عدد الجمهوريين المستعدين لتحدّي الرئيس علناً، لكنه يستبعد تمرّداً جماعياً عليه، في ظل حسابات السباق الرئاسي لعام 2028، التي قد تدفع كثيرين إلى التريّث.

وفي خضمّ مساعي الحزب لإعادة ترتيب صفوفه، يرى ستيرن أن الهزيمة قد تتيح للجمهوريين فرصة لإعادة تعريف هويتهم السياسية، متحدثاً عن إمكانية بروز «ريغان جديد»، على حد تعبيره. ويرجّح أن يكون ماركو روبيو من أبرز المتنافسين على ترشيح الحزب للرئاسة عام 2028، إلى جانب فانس وشخصيات أخرى قد تبرز خلال العامين المقبلين.

فرصة أخيرة أم مواجهة مبكرة؟

قبل تسلّم الديمقراطيين زمام السلطة التشريعية مطلع العام المقبل، يحتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم في مجلسَي الكونغرس حتى انتهاء ولايته الحالية، ما يمنحهم فرصة أخيرة لتمرير تشريعات والمصادقة على تعيينات قد يصعب إقرارها بعد انتقالهم إلى صفوف الأقلية.

ومن بين السيناريوهات المطروحة استبدال وزير الحرب بيت هيغسيث، والمصادقة على تعيين خلف له قبل يناير (كانون الثاني)، وإن كان ستيرن يرى أن الحديث عن هذا الاحتمال لا يزال سابقاً لأوانه.

وزير الحرب بيت هيغسيث في واشنطن يوم 5 نوفمبر 2026 (رويترز)

أما الاختبار الأكثر إلحاحاً فيتعلق بأزمة التمويل الحكومي، مع انتهاء التمويل الحالي في 11 ديسمبر (كانون الأول). ويطرح ألبرت احتمالين: إقرار تمويل مؤقت يجنّب البلاد الإغلاق الحكومي حتى انعقاد الكونغرس الجديد، أو الدخول في مواجهة سياسية يسعى خلالها الديمقراطيون إلى انتزاع تنازلات مقابل دعمهم. ويقول إن الديمقراطيين «سيطلبون ثمناً باهظاً للغاية مقابل منح أصواتهم»، لافتاً إلى أن إقرار قانون تفويض الدفاع الوطني يشكّل بدوره أولوية تشريعية خلال هذه الفترة. غير أن التصعيد ليس حتمياً؛ إذ يرى ألبرت مجالاً للتوافق بين الحزبين في عدد من الملفات، بينها إصلاح نظام التراخيص والرسوم الجمركية، وربما تقييد صلاحيات الرئيس في شن الحروب. وفي نهاية المطاف، قد يتوقف مسار العلاقة بين الكونغرس والبيت الأبيض على حسابات ترمب نفسه. ويتساءل ألبرت: «هل يريد أن يغادر البيت الأبيض باعتباره رئيساً يستخدم (الفيتو) باستمرار، أو يفضّل تحقيق إنجازات تشريعية مشتركة تعزز إرثه السياسي؟».

اختبار وعود الديمقراطيين

في المقابل، يواجه الديمقراطيون اختباراً لا يقل صعوبة عن معركة انتزاع الأغلبية، يتمثّل في الوفاء بوعودهم الانتخابية. فزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، تعهّد بخفض تكاليف المعيشة ومكافحة الفساد، لكن ستيرن يشكك في أن يكون فوز الحزب تفويضاً شعبياً لتطبيق أجندته.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في واشنطن يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)

ويقول: «الديمقراطيون لم يفوزوا فعلياً في هذه الانتخابات، بل إن الجمهوريين هم من خسروها»، معتبراً أن تصويت الناخبين كان أقرب إلى معاقبة ترمب على سياساته منه إلى تبنّي برنامج الديمقراطيين.

في المقابل، يختلف راسل مع هذا التوصيف، مؤكداً أن الديمقراطيين خاضوا حملة انتخابية منضبطة جعلت خفض تكاليف المعيشة في صدارة أولوياتها. لكنه يقرّ بأن الانتقال من الوعود إلى التشريع لن يكون سهلاً، في ظل تباينات داخل الحزب بشأن سبل تنفيذ أجندته، خصوصاً مع تنامي نفوذ الجناح التقدمي، وبدء التنافس المبكر على الانتخابات الرئاسية المقبلة.