لا تعدو الذكرى السنوية الأولى لعودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض كونها علامة رمزية لحدث آخر بالغ الاستثنائية هذا العام؛ السنوية الـ250 لولادة قوة عظمى هي الولايات المتحدة.
لا أحد يجسد أكثر من ترمب الآن «عظمة» أميركا وقوتها وحضورها على الساحة الدولية. فعلى الرغم من اعتقاد ساد لسنوات كثيرة في شأن انكفاء الولايات المتحدة عن عالم القطب الواحد، الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية في التسعينات من القرن الماضي، عاد ترمب منذ ولايته الرئاسية الأولى بصفير «النسر الأقرع» الأميركي، ولكن أكثر في ولايته الرئاسية الثانية مع دوي يكاد يتردد كل يوم: «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، استعداداً للسنوات الـ250 المقبلة من حياة أعرق الديمقراطيات في العالم المعاصر.
ومنذ اليوم الأول من رئاسته الثانية في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، قدّم ترمب في خطاب تنصيبه تحت قبة الكونغرس مؤشرات إلى البُعدين الداخلي والخارجي لما يسعى إليه في مستهل «العصر الذهبي لأميركا، التي ستكون محطّ أنظار كل الأمم» لأن أميركا «ستصبح قريباً أعظم وأقوى وأكثر تميزاً من أي وقت مضى».

وقال: «انتهى انحدار أميركا»، مضيفاً أن «الحلم الأميركي سيعود قريباً ويزدهر»، أولاً وقبل أي شيء آخر عبر ما يسمى «التفوق العسكري اللامتناهي»؛ بهدف «دحر أعداء أميركا». ومع ذلك، قال: «سنقيس نجاحنا ليس فقط بالمعارك التي ننتصر فيها، بل أيضاً بالحروب التي ننهيها. وربما الأهم من ذلك، الحروب التي لا نخوضها أبداً»، مؤكداً أن «إرثي الأبرز سيكون صانع السلام».
وكرّر ترمب خلال العام الماضي أنه «أنهى 8 حروب في 8 أشهر». وفاخرت وزارة الخارجية الأميركية في منشور على حساباتها عبر منصات التواصل الاجتماعي في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بأن الرئيس أنهى الحروب بين كمبوديا وتايلاند، وبين كوسوفو وصربيا، وبين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، وبين باكستان والهند، وبين إسرائيل وإيران، وبين مصر وإثيوبيا، وبين أرمينيا وأذربيجان، وبين إسرائيل و«حماس».
THE PRESIDENT OF PEACE: 8 wars ended in 8 months. pic.twitter.com/OiAH7YfkVu
— Department of State (@StateDept) October 14, 2025
وعلى الرغم من أن الوقائع تشير بالفعل إلى أنه بذل جهوداً بين كل هذه الدول والأطراف المشار إليها، فإن بعض الحالات لم تشهد حروباً فعلية، بما في ذلك بين مصر وإثيوبيا رغم التوتر بينهما على خلفية بناء أديس أبابا سد النهضة على نهر النيل، وبين كوسوفو وصربيا رغم التوتر القديم بينهما منذ تفكك يوغوسلافيا السابقة في مطلع التسعينات من القرن الماضي. ولم ترقَ الصدامات عبر الحدود بين باكستان والهند إلى حرب شاملة. وكذلك هي الحال في الاشتباكات الحدودية بين كمبوديا وتايلاند.
للسلام وللحرب
ولا شكّ في أن الرئيس ترمب اضطلع بدور جوهري في التوصل إلى وقف للأعمال العدائية بين إسرائيل و«حماس»، ضمن خطة من 20 بنداً نجحت مرحلتها الأولى في إطلاق الرهائن الإسرائيليين مقابل أسرى فلسطينيين. وانطلقت مرحلتها الثانية بتشكيل «مجلس السلام» الذي يترأسه ترمب؛ سعياً إلى إنهاء 8 عقود من الصراع الدامي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وكذلك نجح الرئيس ترمب في جمع الرئيسين الرواندي بول كاغامي والكونغولي فيليكس تشيسكيدي في البيت الأبيض للتوقيع على اتفاق سلام ينهي سنوات طويلة من الحروب بين بلديهما. كما استضاف الرئيس الأذري إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، اللذين وقّعا اتفاق سلام ينهي النزاع القديم حول إقليم ناغورنو كاراباخ.
وخلال الصيف الماضي، أعلن ترمب إنهاء حرب الأيام الـ12 بين إيران وإسرائيل، بعدما وجّهت القاذفات الاستراتيجية الأميركية ضربةً وصفها بأنها «قاضية» أدّت إلى «اجتثاث» البرنامج النووي الإيراني. غير أن النزاع بقي معلقاً حتى بعد هذه الضربة، وسط علامات استفهام كبيرة حيال الخطوات التالية التي يمكن أن يتخذها ترمب إذا عملت إيران على إعادة بناء هذا البرنامج، وإذ لم تتخلَّ عن برامجها للصواريخ الباليستية، وعن دعم ميليشيات تدور في فلكها الإقليمي، مثل «حزب الله» في لبنان، وجماعة الحوثي في اليمن، وكثير من الفصائل في العراق. ولا تزال هناك تساؤلات عمّا إذا كانت سوريا لا تزال مسرحاً لبعض الفلول المؤيِّدة لإيران بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد.

وعلى خطّ موازٍ، تسعى الإدارة الأميركية إلى إيجاد تسوية تتضمَّن اتّفاق عدم اعتداء طويل الأجل بين سوريا وإسرائيل، بالإضافة إلى اتّفاق على إنشاء «منطقة ترمب الاقتصادية» بين لبنان وإسرائيل، تتضمَّن نزعاً لسلاح «حزب الله» عبر الضفتين الجنوبية والشمالية لنهر الليطاني.
النصف الغربي
غير أن استعادة أميركا لما عدّها ترمب «مكانتها اللائقة بوصفها أعظم وأقوى وأكثر الدول احتراماً على وجه الأرض»، كما قال في خطاب تنصيبه، لا يمكن أن تتحقَّق إلا عبر الهدف الأبعد، المتمثل أولاً وقبل أي شيء آخر في تأمين الهيمنة التامة للولايات المتحدة على النصف الغربي من الكرة الأرضية، الذي يضمُّ طبقاً لوزارة الخارجية الأميركية والوكالات التابعة لها، كل دول أميركا الشمالية والوسطى والجنوبية، بالإضافة إلى جزر الكاريبي.

وهو يشمل، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، كندا والمكسيك، في أميركا الشمالية، وكُلاً من بليز وكوستاريكا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس ونيكاراغوا وبنما في أميركا الوسطى، وأنتيغوا وبربودا وجزر البهاماس وباربادوس وكوبا ودومينيكا وجمهورية الدومينيكان وغرانادا وهايتي وجامايكا وسانت كيتس ونيفيس وسانت لوسيا وسانت فينسنت وجزر غرينادين وترينيداد وتوباغو في أميركا اللاتينية والكاريبي، والأرجنتين والبرازيل وتشيلي وأوروغواي وبوليفيا وكولومبيا والإكوادور وغيانا وباراغواي والبيرو وسورينام وفنزويلا في أميركا الجنوبية، فضلاً عن كثير من الدول الجزرية الصغيرة.
وباشر الرئيس ترمب مساعيه لفرض هذه الهيمنة الأميركية المُطلقة، بما قاله في خطاب القسم لولايته الثانية لجهة فرض اسم «خليج أميركا» على خليج المكسيك، مُعيداً الاعتبار قومياً لاسم الرئيس الأميركي الـ25، ويليام ماكينلي، الذي قاد الولايات المتحدة إلى النصر في الحرب الإسبانية - الأميركية، وزاد التعريفات الجمركية لتعزيز الصناعات الأميركية، في استراتيجية يتبناها الرئيس ترمب بصورة شبه كاملة هذه الأيام. وكذلك طالب باستعادة قناة بنما التي بناها الأميركيون، ولكن تُشغّلها شركات صينية، مضيفاً: «لم نُعطِها للصين، بل أعطيناها لبنما، وها نحن نستعيدها».

وبعد أيام من تنصيب ترمب، كتب النائب الجمهوري المؤيد له، توم كول، أن «هناك حقيقة واحدة ثابتة: أميركا أعظم دولة على وجه الأرض»، عادّاً أن ولاية ترمب الثانية أثبتت أن أميركا «أعظم أمة عرفها العالم على الإطلاق». غير أن المؤشرات الأقوى للعودة الأميركية تمثّلت في الحشد العسكري الضخم الذي أمر به الرئيس ترمب في منطقة البحر الكاريبي تحت شعار مكافحة تهريب المخدرات من دول مثل فنزويلا وكولومبيا والمكسيك، والذي أدى أولاً إلى فرض حصار على ناقلات النفط الموضوعة على لوائح العقوبات الأميركية، ولم ينتهِ بعد على الرغم من إنزال قوات أميركية خاصة في كاراكاس، والقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، واقتيادهما مخفورين إلى سجن أميركي في نيويورك لمواجهة محاكمة بتهم قيادة عصابات مخدرات مسؤولة عن قتل عشرات آلاف الأميركيين. وعلى الرغم من تنصيب نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز رئيسةً مؤقتةً للبلاد، أصرّ ترمب على وضع هذا البلد تحت «الإدارة الأميركية» إلى أجل غير مسمى.
قلق عالمي
بثّ الرئيس ترمب القلق في نفوس زعماء المنطقة والعالم، لا سيما في بلدان مجاورة مثل كولومبيا التي أجرى رئيسها اليساري غوستافو بيترو اتصالاً هاتفياً بالرئيس ترمب، الذي دعاه إلى زيارة البيت الأبيض «قريباً». ولم يتردّد ترمب أيضاً في إطلاق دعابة، معبراً عن إعجابه بفكرة أن يصير وزير الخارجية الأميركي ومستشار البيت الأبيض للأمن القومي ماركو روبيو رئيساً لكوبا بدلاً من الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، علماً بأن روبيو ابن مهاجرين كوبيين.

وسط الدلائل المتزايدة على الطموحات الترمبية على امتداد القارة الأميركية، من شمالها إلى أقصى جنوبها، يُكرّر ترمب مطالباته بـ«الحصول» على غرينلاند بما في ذلك عبر استخدام القوة العسكرية، بغية منع الصين وروسيا من أي نشاطات على مثل هذه المسافة من الولايات المتحدة، في أمر ترفضه الدنمارك، الدولة الأم للجزيرة الأكبر عالمياً، وتندد به الدول الأوروبية عموماً، محذرة من أن الإصرار على ذلك يعني تفكك حلف شمال الأطلسي «الناتو».
تحت وطأة كل هذا الضجيج، يسعى ترمب منذ أشهر إلى وقف الحرب المتواصلة بلا هوادة منذ نحو 4 سنوات بين روسيا وأوكرانيا، حتى لو تنازلت كييف عن منطقة دونباس الغنية لمصلحة موسكو. غير أن القطبة الخفية لا تزال قائمة في السؤال: لماذا لم تحصل الصفقة المنشودة حتى الآن؟

يستعد الرئيس ترمب لسنة فاصلة، وموعد تاريخي هو 4 يوليو (تموز) 2026، بتحضيرات بدأت مع تشكيله «فريق العمل المعني باحتفالات أميركا 250»، قائلاً إنه «في 4 يوليو 2026، ستحتفل أميركا بأهم حدث في تاريخها، ألا وهو مرور 250 عاماً على استقلالها»، مضيفاً أنه «بورقة واحدة و56 توقيعاً، بدأت أميركا أعظم رحلة سياسية في تاريخ البشرية».
كانت تلك الورقة إعلان استقلال أميركا. المؤيدون والخصوم يرددون كل يوم: ترمب، ترمب، ترمب. وترمب يردد على مدار الساعة: أميركا، أميركا، أميركا.
