معركة «تصفية حسابات» سياسية في واشنطن

إفراج منقوص عن «ملفات إبستين»: غضب تشريعي، خيبة ضحايا، ارتباك داخل قاعدة «ماغا»

هالي روبسون إحدى الناجيات من اعتداءات إبستين ترفع صورةً لها وهي أصغر سناً خلال مؤتمر صحافي حول قانون شفافية ملفات إبستين خارج مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (د.ب.أ)
هالي روبسون إحدى الناجيات من اعتداءات إبستين ترفع صورةً لها وهي أصغر سناً خلال مؤتمر صحافي حول قانون شفافية ملفات إبستين خارج مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (د.ب.أ)
TT

معركة «تصفية حسابات» سياسية في واشنطن

هالي روبسون إحدى الناجيات من اعتداءات إبستين ترفع صورةً لها وهي أصغر سناً خلال مؤتمر صحافي حول قانون شفافية ملفات إبستين خارج مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (د.ب.أ)
هالي روبسون إحدى الناجيات من اعتداءات إبستين ترفع صورةً لها وهي أصغر سناً خلال مؤتمر صحافي حول قانون شفافية ملفات إبستين خارج مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (د.ب.أ)

أعاد قرار وزارة العدل الأميركية نشر أكثر من مائة ألف صفحة من الوثائق المرتبطة بجيفري إبستين فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل في السياسة الأميركية المعاصرة. فالإفراج الجزئي، الذي جاء قبيل مهلة قانونية فرضها «قانون الشفافية لملفات إبستين»، لم ينهِ الجدل بقدر ما فاقمه، وسط اتهامات بالتسييس، وانتقادات حادة من مشرعين من الحزبين، وخيبة أمل لدى الضحايا، وارتباك واضح داخل القاعدة اليمينية المتشددة المعروفة بـ«ماغا».

صورة تُظهر الرئيس السابق بيل كلينتون (وسط) رفقة إبستين (على اليمين) وغيسلين ماكسويل (الثانية يميناً) (أ.ف.ب)

من حيث الكم، بدت الخطوة غير مسبوقة: آلاف الصور، وسجلات الرحلات الجوية، وملفات تحقيق تعود إلى تسعينات القرن الماضي وحتى وفاة إبستين في السجن عام 2019. غير أن المضمون خيّب توقعات كثيرين، بحسب وسائل الإعلام الأميركية. فجزء معتبر من المواد كان منشوراً سابقاً عبر دعاوى مدنية وتحقيقات صحافية، بينما خضعت وثائق أخرى لحجب واسع النطاق، وصل في حالات إلى طمس كامل لمئات الصفحات، بما فيها ملفات لهيئات المحلفين.

وزارة العدل بررت ذلك بالحاجة إلى حماية هويات الضحايا، مؤكدة أنها عثرت على أكثر من 1200 اسم لضحايا أو أقاربهم خلال عملية المراجعة. نائب المدعي العام تود بلانش أقر صراحة بأن الإفراج «غير مكتمل»، متعهداً بدفعات إضافية خلال أسابيع، ومشيراً إلى أن مئات الآلاف من الصفحات الأخرى لا تزال قيد التدقيق.

صورة تجمع بين غيسلاين ماكسويل وجيفري إبستين خلال إعلان المدعي العام توجيه الاتهام إليها (أ.ف.ب)

غضب في الكونغرس

هذا التبرير لم يقنع رعاة التشريع أنفسهم. النائبان الجمهوري توماس ماسي والديمقراطي رو خانا، عدّا الوزارة «خرقت روح القانون»، الذي ينص صراحة على عدم جواز حجب الوثائق لأسباب تتعلق بالإحراج السياسي أو الحساسية. ولوح خانا بخيارات تصعيدية ضد ما وصفه بـ«عرقلة العدالة»، في حين ركّز ماسي على أن المهلة القانونية انتهت دون امتثال كامل.

صورة مركبة للأمير السابق أندرو وفيرجينيا جوفري (أ.ف.ب)

وعلق زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، السيناتور تشاك شومر بشكل حاد، عادّاً أن الإفراج الجزئي للوثائق يمثل انتهاكاً للقانون وغطاءً لتستر سياسي. وأضاف، في بيان، أن القانون الذي أقرّه الكونغرس والرئيس ترمب كان واضحاً تماماً: «يجب نشر جميع ملفات إبستين غير المصنَّفة بحلول الموعد النهائي، وليس مجرد جزء منها». وأكد أن عدم الامتثال لهذا المقتضى يعد خرقاً صريحاً للقانون.

هذا التمرد العابر للحزبين يعكس عمق أزمة الثقة بين الكونغرس ووزارة العدل، ويطرح احتمال جلسات استماع مشحونة أو حتى خطوات قانونية لإجبار الإدارة على الامتثال الكامل.

بالنسبة إلى ضحايا إبستين ومحاميهم، لم يكن الإفراج مناسبة للاحتفاء. فهؤلاء يطالبون منذ سنوات بالكشف عن كيفية فشل السلطات في التعامل مع الشكاوى المبكرة، وعن تفاصيل الصفقات القانونية التي سمحت لإبستين بالإفلات من عقاب رادع عام 2008.

الإفراج الحالي أكد ما يعرفه الضحايا أصلاً؛ أن شكاوى قُدّمت منذ 1996 لم تُتابَع بجدية، وأن النظام أخفق مراراً. لكنه لم يقدم إجابات حاسمة حول المسؤوليات المؤسسية أو السياسية، ما يعزز الشعور بأن العدالة ما زالت منقوصة.

كلينتون في الواجهة وترمب في الظل

سياسياً، بدا واضحاً أن التركيز البصري والإعلامي انصب على صور الرئيس الأسبق بيل كلينتون، الذي ظهر مراراً في المواد المنشورة، في مقابل حضور محدود لاسم الرئيس ترمب، رغم اعتراف مسؤولين بأن اسمه ورد عدة مرات في الملفات التي لم تُنشر بعد.

إدارة ترمب، بحسب منتقديها، حاولت استثمار الصور لإعادة توجيه الأنظار نحو خصم ديمقراطي بارز، بينما اتهم معسكر كلينتون البيت الأبيض بـ«استخدام صور قديمة ومجتزأة للتغطية على ما سيأتي لاحقاً».

هذا التباين غذّى الاتهامات بالتسييس الانتقائي للإفراج، خصوصاً أن ترمب كان قد قاوم طويلاً نشر الملفات قبل أن يغيّر موقفه ويوقع القانون تحت ضغط الكونغرس.

زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ الأميركي السيناتور تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك) يتحدث خلال مؤتمر صحافي في مبنى الكابيتول الأميركي (أ.ف.ب)

«ماغا» مرتبكة

ربما كانت المفارقة الأبرز هي رد فعل قاعدة «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى). فهذه القاعدة لطالما رأت في ملفات إبستين دليلاً محتملاً على «مؤامرة نخب ديمقراطية». لكن مع صدور الدفعة الأولى دون «اكتشافات كبرى»، خيّم الصمت أو الفتور. غياب ما يؤكد السرديات المؤامراتية، إلى جانب صمت ترمب نفسه عن التعليق، تركا أنصاره في حالة ارتباك: هل الوثائق مخيبة فعلاً، أو أن «الحقيقة» ما زالت محجوبة؟ هذا السؤال قد يظل يغذي الشكوك، حتى مع أي إفراجات مستقبلية.

على المدى القريب، يُرجَّح أن تواجه وزارة العدل ضغطاً متزايداً للإسراع في الإفراج الكامل، مع تدقيق أشد في معايير الحجب. وقد يتحول الملف إلى عبء سياسي إضافي على إدارة ترمب، خصوصاً إذا كشفت الدفعات المقبلة عن إشارات أكثر وضوحاً إلى شخصيات نافذة من الحزبين.

أما على المدى الأبعد، فيعيد الملف طرح أسئلة أعمق حول شفافية العدالة الأميركية، وحدود حماية الضحايا مقابل حق الرأي العام في المعرفة، وخطورة تسييس الوثائق القضائية. في المحصلة، لم تُغلق «ملفات إبستين» الجرح المفتوح، بل كشفت عن أن معركة الحقيقة القانونية والسياسية والأخلاقية، لا تزال في بدايتها.


مقالات ذات صلة

ترمب يبدي انفتاحه على لقاء الرئيسة الفنزويلية بالوكالة

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

ترمب يبدي انفتاحه على لقاء الرئيسة الفنزويلية بالوكالة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس (الأحد) إن إدارته تعمل بشكل جيد مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، مبدياً انفتاحه على الاجتماع معها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في ديسمبر (رويترز)

زلزال في واشنطن... تحقيقات جنائية تستهدف رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»

بدأ المدعون العامون الأميركيون تحقيقاً جنائياً مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول بشأن تجديد مقر «الاحتياطي الفيدرالي» بتكلفة 2.5 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سبائك ذهب في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)

الذهب يخترق حاجز 4600 دولار للمرة الأولى

تجاوز سعر الذهب حاجز 4600 دولار للأونصة للمرة الأولى، يوم الاثنين، بينما سجلت الفضة أيضاً مستوى قياسياً جديداً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب  أثناء مغادرته فلوريدا (رويترز)

موكب ترمب في فلوريدا يغير مساره بسبب «جسم مشبوه»

سلك موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساراً مختلفاً عن المعتاد إلى المطار أثناء مغادرته فلوريدا يوم الأحد بسبب «جسم مشبوه»، وفقاً لما أعلنه البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ باول يُطلع ترمب على أرقام تكاليف إعادة تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» يوم 24 يوليو (أ.ب)

رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي يعلن تلقي استدعاء من وزارة العدل

وأوضح باول إن وزارة العدل هددته بتوجيه اتهام جنائي بسبب شهادته حول تجديدات مبنى البنك المركزي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب يبدي انفتاحه على لقاء الرئيسة الفنزويلية بالوكالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يبدي انفتاحه على لقاء الرئيسة الفنزويلية بالوكالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس (الأحد) إن إدارته تعمل بشكل جيد مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، مبدياً انفتاحه على الاجتماع معها.

وصرّح ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية: «الأمور تسير على ما يرام مع فنزويلا. نحن نعمل بشكل جيد جداً مع القيادة».

ورداً على سؤال حول ما إذا كان يعتزم لقاء رودريغيز التي كانت نائبة للرئيس المخلوع نيكولاس مادورو، قال: «في مرحلة ما سأفعل ذلك».

أدت رودريغيز اليمين الدستورية رئيسة بالوكالة بعد اعتقال مادورو وزوجته في 3 يناير (كانون الثاني) الحالي، وبدأت مذاك مفاوضات على عدة جبهات مع واشنطن التي ترغب خصوصاً في استغلال احتياطات النفط الهائلة في فنزويلا.

وقررت كاراكاس البدء «بعملية استكشافية» بهدف استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة التي انقطعت منذ عام 2019، مع تأكيدها على أنها ليست «خاضعة» لواشنطن.

خلال اجتماع في البيت الأبيض الجمعة، حثّ دونالد ترمب مسؤولين في شركات نفط كبرى على الاستثمار في فنزويلا، لكنه تلقى ردوداً حذرة.

ووصف الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون موبيل» دارين وودز فنزويلا بأنها دولة «غير مواتية للاستثمار» من دون إصلاحات عميقة، مما أثار استنكار الرئيس.

وقال دونالد ترمب الأحد: «كما تعلمون، هناك الكثير ممن يرغبون في ذلك، لذا أميل على الأرجح إلى استبعاد (إكسون). لم يعجبني ردهم».

ويؤكد الخبراء أن البنية التحتية النفطية في فنزويلا متهالكة بعد سنوات من سوء الإدارة والعقوبات.


محادثات بين روبيو ووزير خارجية المكسيك بعد تهديد ترمب بشن هجمات برية

وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو (أ.ب)
TT

محادثات بين روبيو ووزير خارجية المكسيك بعد تهديد ترمب بشن هجمات برية

وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو (أ.ب)

أجرى وزير الخارجية الأميركي ماركو ​روبيو محادثات مع نظيره المكسيكي خوان رامون دي لا فوينتي، بعد أيام من تهديد الرئيس دونالد ترمب بشن ضربات ‌برية على عصابات ‌المخدرات ‌التي ⁠قال ​إنها ‌تسيطر على المكسيك.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيجوت في بيان «تحدث وزير الخارجية ماركو ⁠روبيو اليوم مع وزير ‌الخارجية المكسيكي خوان رامون ‍دي ‍لا فوينتي لمناقشة ‍الحاجة إلى تعاون أقوى لتفكيك شبكات المخدرات العنيفة في المكسيك ووقف تهريب ​الفنتانيل والأسلحة».

وقالت رئيسة المكسيك كلاوديا شينبوم يوم ⁠الجمعة إنها كلفت فوينتي بتعزيز التنسيق مع الولايات المتحدة، بعد تهديد ترمب الذي أصبح أكثر إثارة للقلق بعد أن هاجمت القوات الأميركية فنزويلا مطلع الأسبوع الماضي واعتقلت ‌رئيسها نيكولاس مادورو.


موكب ترمب في فلوريدا يغير مساره بسبب «جسم مشبوه»

موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب  أثناء مغادرته فلوريدا (رويترز)
موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء مغادرته فلوريدا (رويترز)
TT

موكب ترمب في فلوريدا يغير مساره بسبب «جسم مشبوه»

موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب  أثناء مغادرته فلوريدا (رويترز)
موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء مغادرته فلوريدا (رويترز)

سلك موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساراً مختلفاً عن المعتاد إلى المطار أثناء مغادرته فلوريدا يوم الأحد بسبب «جسم مشبوه»، وفقاً لما أعلنه البيت الأبيض.

وتم اكتشاف الجسم، الذي لم يقم البيت الأبيض بوصفه، خلال عمليات التمشيط الأمني التي سبقت وصول ترمب إلى مطار بالم بيتش الدولي.

وقالت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، كارولين ليفيت، في بيان يوم الأحد: «استدعى الأمر إجراء المزيد من التحقيقات، وتم تعديل مسار الموكب الرئاسي وفقاً لذلك».

ترمب يلوّح بيده أثناء صعوده على متن طائرة «مارين ون» في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند (ا.ف.ب)

وغادر ترمب ناديه «مار إيه لاغو» في بالم بيتش بفلوريدا حوالي الساعة 20:6 مساء في رحلة استغرقت نحو 10 دقائق بالسيارة إلى المطار.

وخلال الرحلة، قام ضباط شرطة على دراجات نارية بإنشاء حصار متحرك للموكب، وكادوا في لحظة ما أن يصطدموا بالشاحنات الصغيرة التي كانت ترافق ترمب.

وقال أنتوني جوجليلمي، المتحدث باسم الخدمة السرية الأميركية، إن سلوك المسار الثانوي تم اتخاذه كإجراء احترازي فقط وأن «هذا هو البروتوكول النمطي».