واشنطن والرياض نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية

اتفاقات ثنائية ترسم مسار علاقة متينة

ترمب وولي العهد السعودي في البيت الأبيض 18 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وولي العهد السعودي في البيت الأبيض 18 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

واشنطن والرياض نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية

ترمب وولي العهد السعودي في البيت الأبيض 18 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وولي العهد السعودي في البيت الأبيض 18 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

زيارة استثنائية واستقبال غير مسبوق في البيت الأبيض لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في زيارته الأولى لواشنطن في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثاني. النتيجة، مجموعة من الاتفاقات الثنائية والتفاهمات الاستراتيجية التي تعزز شراكة امتدت على عقود، وتعمق التعاون بين البلدين في لحظةٍ مفصلية تمرّ بها المنطقة، وتمتد على أصعدة مختلفة من الدفاع إلى الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الاقتصاد والاستثمارات الضخمة في هذا المجال. يستعرض برنامج تقرير واشنطن، ثمرة التعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، أبرز مخرجات الزيارة وكيف ستنعكس على مستقبل العلاقة بين البلدين والمنطقة.

تعزيز الشراكة

يصف مايكل راتني السفير الأميركي السابق لدى السعودية الزيارة بالمهمة للغاية، ويقول إنها لم تقتصر على المظاهر الاحتفالية فحسب، بل «على ما هو أكثر من ذلك» مشيراً إلى اتفاقيات حول الجوانب الأساسية للعلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، وشراكتهما الدفاعية، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والتعليم، والعديد من الأمور الأخرى. ويعتبر أنها جوانب من الشراكة التي ستفيد البلدين.

حفيد الرئيس الأميركي السابق فرانكلين روزفلت، ديلانو روزفلت وهو مدير العلاقات الدولية الاستثمارية في شركة «رانشلاند» والمدير السابق للمجلس الوطني للعلاقات الأميركية - العربية، يقول إن الاتفاق الأهم هو «الاستعداد لمواصلة الحوار».

ويشدد على أهمية العلاقات المترسخة بين البلدين مع اقتراب الذكرى الثمانين للقاء الرئيس الأميركي الأسبق مع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن في عام 1945 واتفاقية «كوينسي» التي أرست أسس العلاقة بين البلدين.

ويضيف: «رغم التقلب في العلاقات أحياناً، فإن العلاقة هذه أشبه بالعلاقة العائلية، التي نسعى فيها دوماً لحل المشاكل لدى حصولها. طوال الوقت، كنا نحقق السلام ونحافظ عليه من خلال التجارة. وهناك الكثير من التجارة التي تجري وستستمر، هذا الاجتماع كان تعزيزاً هائلاً لهذا الالتزام بعضنا تجاه بعض، ودليل على أننا سنظل نعمل معاً. نحن في حالة جيدة».

ترمب وولي العهد السعودي والمشاركين في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي 19 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

أما ستيفن لوتز، نائب رئيس شؤون الشرق الأوسط في غرفة التجارة الأميركية، فيشير إلى أن هذه الزيارة هي «علامة فارقة ومهمة في الزمن»، ودليل على العلاقة المستمرة بين البلدين المرتكزة على الاقتصاد بحسب تعبيره، ويضيف: «أعتقد أن الركيزة الاقتصادية تشكل حقاً أساس علاقتنا.

وتمهد للطريق قدماً. عندما ننظر إلى عقود من التعاون الاقتصادي الذي حققناه في مجال الطاقة والأمن، هناك آفاق جديدة يتم تحديدها على مدار فترة إطلاق (رؤية 2030) والمضي قدماً، وسيكون ذلك إلى حد كبير اقتصاد الابتكار الذي يؤدي إلى المزيد من الاتفاقيات، سواء كانت بين الحكومات أو الصفقات التي يتم إبرامها مع الشركات، والتي تمهد الطريق حقاً لمستقبل علاقتنا الاقتصادية الثنائية».

ويضيف: «أعلم أن الشركات الأميركية في جميع قطاعات الاقتصاد متحمسة للغاية لهذا المسار المستقبلي والمستقبل المشترك الذي نتمتع به معاً».

فرص هائلة

يشير مايكل راتني إلى اختلاف العلاقة بين البلدين التي كانت قائمة في السابق على الطاقة والدفاع، ويعتبر أنه بينما لا تزال الطاقة والدفاع جزأين مهمين من العلاقة فإن الزيارة أثبتت أن العلاقة أصبحت الآن أكثر تنوعاً من ذلك مع تنوع الاقتصاد السعودي.

ويضيف: «انظروا إلى ما كان في صميم المناقشات، الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الناشئة. هذا أمر مهم. المملكة العربية السعودية وبعض الدول الأخرى في وضع جيد ليكونوا شركاء لصناعة التكنولوجيا الأميركية.

هناك الكثير من الأراضي، وهناك طاقة منخفضة التكلفة، وهناك رأس مال، وهناك طموح، وشركات أميركية مثل (غوغل) و(مايكروسوفت) وغيرها تريد الشراكة مع المملكة لتطوير مراكز البيانات. وترغب المملكة في القيام بذلك، ولكنها تريد أيضاً الاستفادة من هذه الاستثمارات لتطوير رأس مالها البشري وصناعتها التكنولوجية».

ترمب وولي العهد السعودي في منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي 19 نوفمبر 2025 (رويترز)

ويعتبر روزفلت الحفيد أن الاتفاقات التي تم التوصل إليها لا توفر فرصة هائلة للشركات الكبرى فحسب، بل للشركات الصغيرة والمتوسطة في الولايات المتحدة، ما سيؤدي إلى نمو الوظائف. ويضيف: «لذلك أعتقد أن الأمر مفيد للجميع. ومن المهم أن السعودية فتحت مجال السياحة بالكامل؛ لأنه مجال آخر من الفرص للعمليات المحلية هنا لتقديم سلعها وخدماتها داخل المملكة وفي جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي».

بينما يؤكد لوتز على أهمية البناء على الاستثمار في مجال التعليم، مشيراً إلى أن أحد أكبر صادرات الولايات المتحدة هو التعليم الجامعي الأميركي، وأضاف: «نحن في الغرفة التجارية الأميركية متفائلون للغاية ونريد أن نرى عودة أعداد الطلاب السعوديين الذين يأتون للدراسة والتخرج من الكليات والجامعات الأميركية، ثم ربما يبدأون أعمالاً تجارية هنا أو يعودون إلى المملكة كدبلوماسيين يعززون علاقاتنا الثنائية». وأعرب لوتز عن أمله في أن يتم تخصيص جزء من الاستثمارات التي تم التعهد فيها بقيمة تريليون دولار لما وصفه باقتصاد الابتكار مضيفاً: «نأمل أن يكون جوهر ذلك هو أن الجيل القادم من السعوديين والأميركيين سيلتحقون بجامعات عريقة مثل جامعة كاوست في السعودية».

السياسة في المنطقة

بطبيعة الحال، لم تغب السياسة عن الزيارة، فالمنطقة تمر بمرحلة متقلبة تلعب فيها السعودية دوراً قيادياً بارزاً، ويرجح راتني أن يكون ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي قد ناقشا الوضع في المنطقة بأسرها مثل الصراع في غزة والعلاقة مع إسرائيل، واليمن والحوثيين، والسودان، إلى الغرب، والتهديد الذي تشكله إيران، معتبراً أنها صراعات تسعى السعودية للتخفيف من حدتها والحرص على ألا تنعكس آثارها على التنمية والتحول داخل المملكة.

وقال السفير السابق إنه من الواضح وجود اهتمام كبير بالعمل مع الولايات المتحدة للمساعدة في حل هذه الصراعات، مشيراً إلى أن السودان كان موضوعاً رئيسياً للمحادثة وأضاف: «هذا الصراع هو على الأرجح أحد أكثر الصراعات فظاعة في المنطقة من الناحية الإنسانية، وهو يؤثر على المملكة العربية السعودية وبالطبع على شعب السودان. وكان من الواضح أن ولي العهد السعودي طلب من الرئيس ترمب التدخل، واستخدام نفوذه، وبذل ما في وسعه للمساعدة في إنهاء هذا الصراع وتخفيف معاناة الشعب السوداني. تماماً كما فعل قبل بضعة أشهر عندما شرح أهمية الصراع في سوريا وضرورة منح الرئيس الجديد فرصة للحكم».

الاتفاقات الدفاعية

من أحد أبرز الإعلانات في الزيارة تصنيف السعودية كحليف رئيسي خارج حلف الناتو، بالإضافة إلى اتفاق تعاون دفاعي بين البلدين وفقاً للوتز الذي يرى أن هذا يدل على متانة وقوة التعاون الثنائي في مجال الأمن والدفاع، ويشير بالفعل إلى الدور القيادي الذي تلعبه المملكة في المنطقة في محاولة لتحقيق الاستقرار والازدهار.

ترمب وولي العهد السعودي في حفل عشاء بالبيت الأبيض 18 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

ويتحدث عن رؤية غرفة التجارة الأميركية التي تنظر إلى فرص من هذا النوع لتعزيز تدفق الأعمال التجارية ورأس المال، ويعطي مثالاً على ذلك قائلاً: «عندما ننظر إلى إعادة فتح العلاقات مع سوريا، بعد زيارة الرئيس إلى المملكة في مايو (أيار) 2025 والقيادة التي أظهرها ولي العهد والمملكة، فهذا مهد لاستضافتنا للرئيس الشرع مرتين في الولايات المتحدة، كما زرنا دمشق ونحن نبحث عن فرص للشركات الأميركية للاستفادة من العلاقات الطويلة الأمد مع الشركات السعودية من أجل التعامل مع فرص تجارية واستثمارية في سوريا. لذا فإن هذا التعاون الأمني والدفاعي بين بلدينا يفتح قنوات وفرصاً جديدة للأعمال التجارية، التي أعتقد أنها يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز الدبلوماسية والعلاقات الأوسع نطاقاً في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه».

يعود راتني للحديث عن أهمية الاتفاقات الدفاعية التي تم توقيعها بين البلدين «والتي تتناول سبل التعاون بين الجيشين لتعزيز قدرة المملكة العربية السعودية على أن تكون زبوناً للمعدات الدفاعية الأميركية، وكذلك شريكاً لشركات الدفاع الأميركية».

ويصف تصنيف السعودية كحليف رئيسي خارج حلف شمال الأطلسي بالمهم جداً، مشيراً إلى أن السعودية أصبحت الآن واحدة من نحو 20 دولة تحمل هذا التصنيف ما يظهر قوة الشراكة «التي تعتبر نادرة إلى حد ما» ويمنح السعودية أولوية في شراء المعدات الدفاعية وغيرها من المزايا المتعلقة بالتدريبات والعلاقات بين الجيشين.

كما تحدث راتني عن إعلان ترمب نيته بيع طائرات مقاتلة من طراز F35 للمملكة، فقال: «هذه الطائرات هي أكثر طائراتنا العسكرية تطوراً، إنها حقاً قمة صناعة الدفاع الأميركية. وستكون السعودية أول دولة عربية تشتري هذه الطائرات، وأول دولة في الشرق الأوسط، بخلاف إسرائيل، تشتريها. إن هذه التطورات تظهر بوضوح درجة الثقة والتطور في العلاقة».

ويشدد روزفلت على ضرورة بيع أسلحة دفاعية إلى السعودية قائلاً: «لقد فعلنا ذلك في الماضي، وينبغي أن نواصل ذلك. انظروا إلى ما فعلناه على مدى الثمانين عاماً الماضية».


مقالات ذات صلة

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

شؤون إقليمية صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

ترمب يواجه في مفاوضات باكستان إرث انسحابه من الاتفاق النووي، مع مخزون إيراني قد يكفي نظرياً لصنع 100 سلاح نووي.

ويليام جيه برود (واشنطن) ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) p-circle

ترمب: إلغاء زيارة المبعوثين إلى باكستان لا يعني استئناف الحرب مع إيران

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إنه طلب من مبعوثيه إلغاء زيارة إلى باكستان، كانت مرتقبة في إطار استكمال المباحثات مع إيران بوساطة باكستانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

يعكس الجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي نفوذ ماركو روبيو لدى الرئيس ترمب، ويُوفّر له سبيلاً للتأثير على سياسات البيت الأبيض.

مايكل كراولي (واشنطن)
المشرق العربي ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهاتٍ جديدة تقضي برفض منح «غرين كارد» (البطاقة الخضراء) للمهاجرين الذين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

يحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء اليوم (السبت)، للمرة الأولى عشاء مراسلي وسائل الإعلام المعتمدين في البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
TT

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

عندما تفاوض الرئيس باراك أوباما على اتفاق نووي مع إيران قبل أكثر من عقد، كان مبعوثه الرئيسي هو وزير الخارجية جون كيري. وعلى مدى 20 شهراً من المحادثات، التقى كيري نظيره الإيراني فيما لا يقل عن 18 يوماً مختلفاً، وغالباً عدة مرات في اليوم الواحد.

وكانت الدبلوماسية النووية رفيعة المستوى تُعدّ دوراً طبيعياً لكبير الدبلوماسيين الأميركيين، فعادة ما يتولى وزراء الخارجية قيادة أبرز المهام الدبلوماسية للبلاد، من معاهدات الحدّ من التسلح إلى الاتفاقات الإسرائيلية - الفلسطينية.

لكن مع استعداد الرئيس دونالد ترمب لإرسال وفد إلى الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية - الإيرانية في باكستان هذا الأسبوع، سيبقى وزير خارجيته، ماركو روبيو، حيث يوجد غالباً: داخل الولايات المتّحدة. ولم يحضر روبيو الاجتماع الأميركي الأخير مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر. كما لم يشارك في عدة اجتماعات عُقدت خلال العام الماضي في جنيف والدوحة.

وغاب روبيو أيضاً عن وفود أميركية في الخارج تعمل على تسوية الحرب في أوكرانيا وحرب إسرائيل في قطاع غزة. وعلى الرغم من فترة طويلة من الأزمات والحروب في المنطقة، فإنه لم يزر الشرق الأوسط منذ توقف قصير في إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

منصب مزدوج

وفي الأشهر الأخيرة، لم يسافر روبيو كثيراً على الإطلاق؛ إذ استهلكه دوره الثاني بوصفه مستشاراً للأمن القومي لدى ترمب. وخلال إدارة جو بايدن، قام وزير الخارجية أنتوني بلينكن بـ11 رحلة خارجية بين يناير (كانون الثاني) 2024 وأواخر أبريل (نيسان) 2024، زار خلالها نحو ثلاث عشرة مدينة، وفق وزارة الخارجية. أما روبيو، فقد زار هذا العام ست مدن أجنبية، من بينها محطة في ميلانو لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.

وقد عهد ترمب بجزء كبير من دبلوماسيته إلى آخرين، بينهم صديقه ستيف ويتكوف، وهو شريك ثري من عالم العقارات في مانهاتن، وصهره جاريد كوشنر. وقد قاد ويتكوف وكوشنر الجهود الدبلوماسية مع إسرائيل وأوكرانيا وروسيا، وكذلك إيران، التي سيلتقي وفدها للمرة الثانية هذا الشهر في إسلام آباد، عاصمة باكستان.

ويعكس ابتعاد روبيو عن خطوط التماس الدبلوماسية دوره المزدوج في فريق الأمن القومي لترمب. فعلى مدى العام الماضي، شغل منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، حتى في أثناء قيادته وزارة الخارجية - وهو أول شخص يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في منتصف سبعينات القرن الماضي.

ويتولى وزير الخارجية إدارة وزارة الخارجية، والإشراف على الدبلوماسيين الأميركيين والسفارات حول العالم، إضافة إلى صُنّاع السياسات في واشنطن. أما مستشار الأمن القومي فيعمل من البيت الأبيض على تنسيق عمل الوزارات والوكالات، بما في ذلك وزارة الخارجية، لوضع توصيات سياسية للرئيس.

تعزيز العلاقة مع ترمب

ويعكس الجمع بين المنصبين نفوذ روبيو لدى ترمب، ويُوفّر له وسيلة للحفاظ عليه. فبالنسبة لروبيو، يعني قضاء وقت أقل في الخارج وقتاً أطول إلى جانب رئيس يميل إلى اتخاذ قرارات حاسمة في مجال الأمن القومي في أي لحظة.

وعندما التقى ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس مسؤولين إيرانيين في باكستان، في وقت سابق من هذا الشهر، كان روبيو إلى جانب ترمب في فعالية لـ«بطولة القتال النهائي»، بحسب ما أشارت إليه إيما أشفورد، المحللة في شؤون الدبلوماسية الأميركية لدى مركز «ستيمسون» في واشنطن. وقالت: «من الواضح أن روبيو يفضل البقاء قريباً من ترمب».

وكان روبيو قد تولى منصب مستشار الأمن القومي بصفة مؤقتة في مايو (أيار) الماضي، بعد أن أعاد ترمب تكليف شاغل المنصب السابق مايكل والتز. غير أن مسؤولين يقولون إنه يُتوقع أن يحتفظ بالمنصب إلى أجل غير مسمى. وأضافت أشفورد أن هذا الترتيب ليس سيئاً بالضرورة، مشيرة إلى أن رؤساء سابقين أوكلوا مهام دبلوماسية كبرى إلى أشخاص غير وزير الخارجية. فقد كلّف بايدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز بإدارة الدبلوماسية مع روسيا، ومفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، على سبيل المثال.

لكنها رددت شكاوى العديد من الدبلوماسيين الحاليين والسابقين بأن روبيو يبدو كمستشار أمن قومي يظهر أحياناً في وزارة الخارجية. وقالت: «أعتقد أن ذلك يضر بوزارة الخارجية ككل، وبقدرة الولايات المتحدة على إدارة الدبلوماسية بشكل عام؛ إذ إننا فعلياً لدينا منصب وزير الخارجية شاغراً».

من جانبه، رفض تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هذه الانتقادات، قائلاً: «أي شخص يحاول تصوير التنسيق الوثيق بين الوزير روبيو والبيت الأبيض والوكالات الأخرى على أنه أمر سلبي، فهو مخطئ تماماً». وأضاف: «لدينا الآن مجلس أمن قومي ووزارة خارجية يعملان بتناغم كامل، وهو هدف استعصى على إدارات سابقة لعقود».

توازن صعب

ويقسم روبيو وقته بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وغالباً ما يقضي وقتاً في كليهما في اليوم نفسه. وفي مقابلة مع «بوليتيكو» في يونيو (حزيران)، قال إنه يزور وزارة الخارجية «تقريباً كل يوم».

وفي أثناء وجوده هناك، يلتقي غالباً مسؤولين زائرين قبل أن يعود إلى البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، ترأس روبيو اجتماعاً في وزارة الخارجية بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين مهّد الطريق لوقف إطلاق النار في لبنان. وقال إن وظيفتيه «تتداخلان بالفعل في كثير من الحالات». وأضاف: «في كثير من الأحيان، تجد نفسك في الاجتماعات نفسها أو في الأماكن نفسها؛ الأمر ببساطة أن هناك شخصاً أقل في الغرفة، إذا فكرت في الأمر». وتابع: «كان كثير من الناس يأتون إلى واشنطن للاجتماعات ويرغبون في لقاء مستشار الأمن القومي ثم لقائي بصفتي وزير الخارجية. الآن يمكنهم القيام بالأمرين في اجتماع واحد».

وعند سؤاله عن جدول سفره خلال مؤتمر صحافي في ديسمبر (كانون الأول)، قال روبيو إن لديه أسباباً أقل للسفر إلى الخارج؛ لأن «الكثير من القادة يأتون إلى هنا باستمرار» لزيارة ترمب في البيت الأبيض. كما يرافق روبيو ترمب في رحلاته الخارجية بصفته مستشاراً للأمن القومي.

ويرى العديد من المخضرمين في شؤون الأمن القومي أن هذا الترتيب غير حكيم، مؤكدين أن كلا المنصبين شديد المتطلبات، ولا يتوافقان معاً.

تجربة كيسنجر

ولم يكن الأمر سهلاً حتى بالنسبة لكيسنجر، الذي كان قد رسّخ موقعه على مدى أكثر من أربع سنوات مستشاراً للأمن القومي قبل أن يقنع الرئيس ريتشارد نيكسون بالسماح له بتولي منصب إضافي كوزير للخارجية عام 1973. وعلى عكس نهج روبيو، كان كيسنجر دائم الحركة، بما في ذلك جولات دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط أبقته متنقلاً لمدة 33 يوماً متواصلة.

وقال ماثيو واكسمان، الذي شغل مناصب رفيعة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والبنتاغون خلال إدارة جورج دبليو بوش: «بشكل عام، يُعد الجمع بين هذين الدورين خطأ». وأضاف: «مع ذلك، ليس بالضرورة أمراً سيئاً أن يكون روبيو، الذي يجمع بين المنصبين، بعيداً نسبياً عن الواجهة حالياً». وتابع: «خاصة في وقت يتركز فيه كثير من الاهتمام على دبلوماسية دقيقة مع إيران، يحتاج شخص ما إلى إدارة السياسة الخارجية في بقية أنحاء العالم».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».


ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يحضر عشاء مراسلي البيت الأبيض للمرة الأولى... وتوقعات بـ«التشنّج» بدل الفكاهة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

يحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء اليوم (السبت)، للمرة الأولى عشاء مراسلي وسائل الإعلام المعتمدين في البيت الأبيض، ولكن خلافاً لما جرت عليه العادة، لن يشارك في اللقاء أيّ ممثل فكاهي يُدلي -وفقاً للتقليد المتبّع- بتعليقات ونكات عن الرئيس الأميركي، فيما يُتوقع أن يسود الحفل شيء من التشنج، نظراً إلى العلاقة المتوترة بينه وبين الصحافة، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستعاضت رابطة المراسلين في البيت الأبيض التي تنظّم هذا اللقاء السياسي-الإعلامي الكبير عن الحضور المعتاد لممثل فكاهي بدعوة «الساحر» المختص في قراءة الأفكار أوز بيرلمان.

ومنذ عودته إلى السلطة، دأب ترمب على مهاجمة الصحافة بلا هوادة، سواء في تصريحاته أو من خلال الدعاوى القضائية، في موازاة اتساع نفوذ حلفائه في المشهد الإعلامي، وهو ما يتجلى مثلاً في صفقة استحواذ «باراماونت سكايدانس» المملوكة لعائلة إليسون المقرّبة منه على «وارنر براذرز ديسكفري». وتملك هذه العائلة أيضاً قناة «سي بي إس».

وعمد البيت الأبيض، وكذلك وزارة الدفاع (البنتاغون)، إلى تقييد وحتى في بعض الحالات إلغاء تصاريح دخول وسائل إعلام عريقة، فيما تعاملت على نحو مختلف مع معلّقين مؤيدين لحركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» (ماغا).

وتثير الدعوة الموجهة إلى الرئيس الذي وصف الصحافيين بأنهم «أعداء الشعب» استياء لدى هيئات تحرير وسائل الإعلام في واشنطن، وتتداول الأوساط الإعلامية رسالة مفتوحة وقّعها مئات الصحافيين وعدد من الجمعيات.

«التعبير بقوة»

وتدعو الرسالة أعضاء رابطة المراسلين في البيت الأبيض التي تجنّبت إلى الآن المواجهة المفتوحة مع ترمب، إلى «التعبير بقوة في مواجهة الرجل الذي يحاول تقويض التقليد العريق لصحافة مستقلة».

ودرج ترمب خلال ولايته الرئاسية الأولى على مقاطعة هذا العشاء، خلافاً لجميع أسلافه منذ عشرينات القرن الفائت، الذين كانوا يحرصون على المشاركة فيه.

وكتب على شبكته «تروث سوشيال»، مبرراً هذه المقاطعة: «لقد كانت الصحافة قاسية جداً معي».

وأفادت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت بأن الخطاب الذي يلقيه الرئيس، البالغ 79 عاماً، خلال هذا العشاء سيكون «مسلّيا جداً».

وتوقع أستاذ التواصل في جامعة كنساس، روبرت رولاند، أن يثير ترمب أمام الصحافيين «مآخذه» على الإعلام. ورأى الأكاديمي أن قرار الرئيس الأميركي المشاركة يدل على أنه «يشعر بأنه لا يُمس».

وهذا العشاء الذي يحضره مئات الصحافيين ومديرو المؤسسات الإعلامية مع ضيوفهم من الأوساط السياسية والاقتصادية يُنظَّم كل عام في نهاية أبريل (نيسان)، ويُخصَّص ريعه لتمويل منح وجوائز.

دائرة مغلقة

ويشدد المدافعون عن هذا العشاء السنوي على كونه بمثابة احتفاء بحرية الصحافة. لكنّ هذه الأمسية تعرّضت أيضاً لانتقادات تمحورت على فكرة كونها تعبيراً عن ثقافة الدوائر المغلقة والتواطؤ.

وعلّقت مجلة «ذي أتلانتيك» بأن عشاء المراسلين «كان دائماً مزعجاً»، لكنه هذه السنة «محرج جداً». أما صحيفة «نيويورك تايمز» فقررت قبل سنوات تغطية الحدث من دون المشاركة فيه.

وكان أسلاف ترمب يُصغون بهدوء إلى خطاب لاذع يلقيه الممثل الفكاهي الضيف، ثم كان الرئيس نفسه يلقي كلمة زاخرة بالنكات يسخر فيها من نفسه.

أما ترمب الذي لا يتوانى عن إذلال خصومه، لكنه لا يحتمل أن يتعرّض هو نفسه للسخرية، فطالته خلال حضوره العشاء عام 2011 بصفته ضيفاً «لسعات» وجهها إليه الرئيس الأسبق باراك أوباما.

أوباما

فقد سخر أوباما بإسهاب يومها من رجل الأعمال العقاري الذي لم يكن تبوّأ بعد سدّة السلطة.

ونفى ترمب مراراً أن يكون قد قرر في تلك الليلة خوض سباق الوصول إلى البيت الأبيض بدافع الانتقام، كما يتردد في واشنطن.

واستخدم أوباما يومذاك كل ما أُوتي من قدرات خطابية، ليهزأ من نزعة ترمب إلى نشر نظريات المؤامرة، ومنها تلك التي تشكك في أصول وجنسية أول رئيس أسود للولايات المتحدة.

كذلك سخر الرئيس الديمقراطي في المناسبة نفسها من ولع مقدّم البرامج التلفزيونية السابق بالترويج لذاته وبالاستعراض.

وقال أوباما: «قولوا ما تشاءون عن السيد ترمب، لكنه سيأتي بالتغيير إلى البيت الأبيض»، عارضاً صورة للمقر الرئاسي الشهير، وقد تحول إلى فندق وكازينو مبهر يحمل علامة ترمب.

وخلال ولايته الثانية، غطى الرئيس الجمهوري البيت الأبيض بزخارف مذهّبة ورخامية، وعلّق فيه لوحات تحمل صورته، وأطلق مشروع بناء قاعة احتفالات ضخمة.


مقتل شخصين في ضربة أميركية على قارب في شرق المحيط الهاديء

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل شخصين في ضربة أميركية على قارب في شرق المحيط الهاديء

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

أعلن الجيش الأميركي، الجمعة، أنه قتل شخصين في ضربة استهدفت قاربا يشتبه بتهريبه المخدرات، ما يرفع عدد ضحايا حملة واشنطن ضد «إرهابيي المخدرات» في أميركا اللاتينية إلى 182 قتيلا على الأقل.

وقالت القيادة العسكرية الجنوبية الأميركية في بيان على منصة «إكس»، أنها نفذت «ضربة عسكرية قاتلة على سفينة تشغلها منظمات مصنفة إرهابية».

أضافت «أكدت المعلومات الاستخباراتية أن السفينة كانت تعبر طرق تهريب مخدرات معروفة في شرق المحيط الهادئ، وأنها كانت تشارك في عمليات تهريب مخدرات»، مكررة العبارات نفسها التي تستخدمها لوصف العشرات من هذه العمليات منذ بدء الحملة في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكان مسؤولون عسكريون أميركيون قد أعلنوا عن سبع ضربات مماثلة على الأقل في أبريل (نيسان*، ليصل إجمالي عدد القتلى في هذه العمليات إلى 182 على الأقل، وفقا لإحصاءات وكالة الصحافة الفرنسية.

ولم تقدم إدارة ترمب أي دليل قاطع على تورط القوارب التي تستهدفها في تهريب المخدرات، ما يثير الجدل حول شرعية هذه العمليات.

ويقول خبراء في القانون الدولي ومنظمات حقوقية، إن هذه الضربات ترقى على الأرجح إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء، إذ يبدو أنها تستهدف مدنيين لا يشكلون تهديدا مباشرا على الولايات المتحدة.