«زيارة الشرع» بداية مسار تفاوضي جديد بين واشنطن ودمشق

سوريا تخرج من عزلتها عبر بوابة ترمب وتحقق 4 إنجازات

الشرع في مأدبة عشاء أقامتها غرفة التجارة الأميركية بحضور وزير الخارجية وعدد من رجال الأعمال والمستثمرين الأميركيين
الشرع في مأدبة عشاء أقامتها غرفة التجارة الأميركية بحضور وزير الخارجية وعدد من رجال الأعمال والمستثمرين الأميركيين
TT

«زيارة الشرع» بداية مسار تفاوضي جديد بين واشنطن ودمشق

الشرع في مأدبة عشاء أقامتها غرفة التجارة الأميركية بحضور وزير الخارجية وعدد من رجال الأعمال والمستثمرين الأميركيين
الشرع في مأدبة عشاء أقامتها غرفة التجارة الأميركية بحضور وزير الخارجية وعدد من رجال الأعمال والمستثمرين الأميركيين

كان استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، مشهداً غير مسبوق منذ استقلال سوريا، وحمل من الرمزية السياسية ما يتجاوز الدبلوماسية البروتوكولية، ليتحول إلى اختبار دقيق لإمكانية إعادة دمج دمشق في النظام الدولي بعد أكثر من عقد من العزلة والعقوبات.

اللقاء، الذي وصفته وكالة «أسوشييتد برس» بأنه «لحظة تاريخية»، لم يكن مجرد استعراض لعلاقات عامة، بل جسَّد بداية مسار تفاوضي جديد بين واشنطن ودمشق، يقوم على مبدأ «الانفتاح المشروط» مقابل التزامات سورية محددة، تتعلق بالأمن الإقليمي، ومحاربة الإرهاب، وتوازنات ما بعد الحرب في المنطقة.

وهو ما حاول الشرع تعزيزه عبر سلسلة اللقاءات المكثفة مع هيئات وشخصيات سياسية واقتصادية ومالية، والمقابلات الإعلامية التي أجراها في واشنطن، مع صحف ومحطات تلفزة.

وقال رئيس «المنظمة السورية الأميركية للطوارئ»، معاذ مصطفى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن الزيارة حققت 4 إنجازات أولية. أولاً، انضمام سوريا إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» بعد سنوات من القطيعة والاتهامات المتبادلة بشأن دعم الإرهاب.

ثانياً، الإعلان عن إعادة فتح السفارة السورية في واشنطن بعد إغلاق دام أكثر من 12 عاماً، إيذاناً بعودة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية تدريجياً.

ثالثاً، تجميد تطبيق قانون قيصر لمدة 6 أشهر، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لاختبار نيات دمشق، وإرسال رسالة طمأنة إلى الشركات والمستثمرين الأميركيين والدوليين.

ورابعاً، تم الاتفاق على استئناف قنوات الاتصال الأمنية والعسكرية بين الجانبين، خصوصاً في ملفات الحدود السورية - العراقية وملاحقة فلول «داعش».

وقال الرئيس الأميركي بعد لقائه الشرع، إن بلاده «ستفعل كل ما بوسعها لجعل سوريا بلداً ناجحاً وآمناً»، مؤكداً أن «الوقت حان لفتح صفحة جديدة مع الشعب السوري».

لقطة وزعتها وكالة «سانا» السورية تظهر الشرع جالساً قبالة ترمب بحضور كبار المسؤولين الأميركيين والسوريين (أ.ب)

قيود الكونغرس والعقبات السياسية

لكن هذا الانفتاح لا يعني أن صفحة العقوبات أُغلقت، فـ«قانون قيصر» الذي فُرض عام 2019 لا يمكن رفعه بقرار رئاسي فقط؛ إذ يتطلب موافقة الكونغرس الذي لا يزال منقسماً حيال الموقف من دمشق.

ويوضح معاذ مصطفى، الذي لعب دوراً كبيراً في صدور «قانون قيصر» مع كثير من الناشطين السوريين، أن «السبب الرئيس لعدم رفع القانون بالكامل يعود إلى اعتراض شخصيتين نافذتين في الكونغرس، هما، السيناتور ليندسي غراهام، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، والنائب برايان ماست، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب».

ويضيف أن «غراهام وماست يشترطان تحقيق إنجازات سياسية وأمنية ملموسة داخل سوريا ومع الخارج، ويرفضان إعطاء دمشق مكاسب مجانية قبل اختبار التزاماتها». ويضيف أن حكومة بنيامين نتنياهو تمارس ضغوطاً على الرجلين لحضهما على عدم رفع عقوبات قيصر.

وبحسب البعض، تسعى إسرائيل للإبقاء على أوراق ضغط إضافية على دمشق، وربط أي تنازلات بملف الجولان والوجود الإيراني في سوريا.

كبار المحررين في صحيفة «واشنطن بوست» في جلسة مع الرئيس الشرع (سانا)

فرصة مشروطة

من منظور استراتيجي، يرى محللون أن زيارة الشرع تمثل «نافذة تاريخية» لسوريا للعودة إلى الخريطة السياسية، لكنها في الوقت نفسه فرصة مشروطة بسلوك النظام السوري في الأشهر المقبلة.

مدرعة أميركية ترافقها عربات من «قسد» في ريف دير الزور الشرقي (منصة إكس)

فواشنطن، بحسب مصادر مطلعة في وزارة الخارجية الأميركية، تتعامل مع سوريا على أنها «حالة اختبار»، لا بوصفها شريكاً كاملاً بعد، وتربط أي خطوات إضافية في مسار التطبيع أو رفع العقوبات بمدى التزام دمشق بثلاثة محاور رئيسية: ضبط السلوك الإقليمي، والتوقف عن دعم جماعات مسلحة في لبنان والعراق. التعاون الكامل في ملف مكافحة الإرهاب، وإغلاق مراكز احتجاز مقاتلي «داعش»، وتقديم ضمانات حول حقوق الأقليات، والإصلاح السياسي الداخلي.

وتشير ورقة تحليلية صادرة عن «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» إلى أن «الزيارة تمثل اختباراً لمعادلة جديدة قوامها: مكاسب اقتصادية تدريجية مقابل التزامات سياسية وأمنية». وترى أن الإدارة الأميركية «تمنح دمشق فترة سماح تمتد حتى منتصف العام المقبل لتبيان مدى جدّيتها في تطبيق هذه الالتزامات».

أنصار الرئيس أحمد الشرع يتجمعون خارج البيت الأبيض في أثناء لقاء الشرع بالرئيس الأميركي ترمب في واشنطن 10 نوفمبر في أول زيارة رسمية لرئيس دولة سوري (إ.ب.أ)

تحديات داخلية وإقليمية

في المقابل، يواجه الرئيس الشرع تحديات ضخمة في الداخل السوري. فرغم الحفاوة التي رافقت الزيارة، يواجه نظامه أزمة ثقة متنامية نتيجة الأوضاع المعيشية المتدهورة والانقسامات الطائفية والإثنية. وأشار تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن الشرع «يحاول موازنة الانفتاح الخارجي مع إصلاحات داخلية محدودة»، لكنه ما زال يواجه مقاومة من داخل النخبة الأمنية والعسكرية التي تتحفظ على الانفتاح السريع نحو الغرب.

في الإقليم، تراقب القوى العربية تطورات الزيارة بحذر إيجابي؛ فهذه الدول التي كانت حتى وقت قريب جزءاً من الجبهة العربية المناهضة لدمشق (نظام الأسد)، تدرك أن عودة سوريا إلى المعادلة الإقليمية يمكن أن تصنع توازناً جديداً مع إيران وتركيا، لكنها لا تريد في الوقت نفسه منح دمشق شرعية كاملة قبل أن تثبت التزامها بمسار إصلاحي حقيقي.

بعض المراقبين في واشنطن لا يستبعدون أن تكون الزيارة مقدمة لصفقة أوسع تشمل تفاهمات غير معلنة بين سوريا وإسرائيل، برعاية أميركية. واشنطن تدرك أن الملف السوري لا يمكن فصله عن الأمن الإسرائيلي، وأن أي تخفيف للعقوبات على دمشق سيُربط بمستوى التنسيق الأمني في الجولان والحدود الجنوبية. ويسعى ترمب إلى تحقيق إنجاز دبلوماسي يُضاف إلى رصيده الانتخابي، تماماً كما فعل في «اتفاقات إبراهيم».


مقالات ذات صلة

العراق يسلم فنلندا والولايات المتحدة متهمَين لم يثبت انتماؤهما إلى «داعش»

المشرق العربي الولايات المتحدة أنجزت عملية نقل أكثر من 5700 سجين من المشتبه بانتمائهم إلى «داعش» من سوريا إلى العراق (أرشيفية - رويترز)

العراق يسلم فنلندا والولايات المتحدة متهمَين لم يثبت انتماؤهما إلى «داعش»

أعلن القضاء العراقي، اليوم (الثلاثاء)، تسليم متهمَين اثنين لفنلندا والولايات المتحدة بعد ثبوت عدم انتمائهما إلى تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية انتشار لقوات الأمن التركية في موقع الهجوم على نقطة شرطة بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 أبريل (أ.ب)

تركيا: إحالة 3 متهمين بهجوم قنصلية إسرائيل على القضاء

أحالت سلطات التحقيق التركية 3 من المتهمين بالهجوم على القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول على القضاء.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية يوم 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

مسلحون يهاجمون قاعدة للجيش النيجيري... ويقتلون قائدها و6 جنود

اقتحم مسلحون متطرفون في وقت متأخر من مساء أمس (الأحد) قاعدة للجيش النيجيري، قرب الحدود الشمالية الشرقية للبلاد مع تشاد، ما أسفر عن مقتل قائد القاعدة و6 جنود.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
أوروبا صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية في محيط مجمع يضم مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين يرجح انتماؤهم لـ«داعش» الثلاثاء الماضي (أ.ب)

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

أوقفت السلطات التركية 14 شخصاً في إطار التحقيقات في هجوم على نقطة تفتيش بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية، كما ألقي القبض على 198 من عناصر «داعش».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مقتل 4 أشخاص بضربة أميركية على قارب في المحيط الهادئ

قارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
قارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 4 أشخاص بضربة أميركية على قارب في المحيط الهادئ

قارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
قارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)

أعلن الجيش الأميركي، اليوم، مقتل أربعة أشخاص في ضربة على قارب يشتبه بتهريبه المخدرات في شرق المحيط الهادئ، وهو رابع هجوم من نوعه في أربعة أيام.

وقالت القيادة العسكرية الأميركية لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي على منصة «إكس»، إن «القارب كان يشارك في عمليات تهريب مخدرات" مضيفة "قُتل أربعة إرهابيين من تجار المخدرات الذكور خلال هذه العملية».

وبذلك، يرتفع إجمالي عدد قتلى الحملة العسكرية الأميركية ضد مهربي المخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ إلى 174 على الأقل بحسب تعداد أجرته وكالة الصحافة الفرنسية.

وقُتل شخصان في ضربة مماثلة الاثنين، فيما قالت القيادة الأميركية إن ضربتين السبت أسفرتا عن مقتل خمسة أشخاص ونجاة شخص واحد.

وتقول إدارة الرئيس دونالد ترمب، إنها في حالة حرب فعليا مع ما تُسمّيه «إرهابيي المخدرات» الذين ينشطون في أميركا اللاتينية. لكنها لم تقدم أي دليل قاطع على تورط السفن المستهدفة في تهريب المخدرات مثيرة جدلا حول شرعية هذه العمليات.

ويقول خبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إن هذه الضربات ترقى على الأرجح إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء، إذ يبدو أنها استهدفت مدنيين لا يشكلون تهديدا مباشرا للولايات المتحدة.

ونشرت واشنطن قوة كبيرة في منطقة الكاريبي حيث شنت قواتها في الأشهر الأخيرة غارات على قوارب يُشتبه في تهريبها المخدرات واستولت على ناقلات نفط، ونفذت عملية في العاصمة الفنزويلية اعتقلت خلالها الرئيس اليساري نيكولاس مادورو.


فانس: انعدام الثقة بين أميركا وإيران لا يمكن إزالته بين عشية وضحاها

جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي (رويترز)
جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي (رويترز)
TT

فانس: انعدام الثقة بين أميركا وإيران لا يمكن إزالته بين عشية وضحاها

جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي (رويترز)
جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي (رويترز)

قال جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي، اليوم، إن ​هناك قدرا كبيرا من انعدام الثقة بين واشنطن وطهران لا يمكن التغلب عليه بين عشية وضحاها، لكنه أضاف أن المفاوضين الإيرانيين يرغبون في التوصل إلى اتفاق، وأنه يشعر «بالرضا التام عن الوضع الراهن».

وأعلن الرئيس ‌دونالد ترمب ‌اليوم أن المحادثات ​الرامية ‌إلى إنهاء ⁠الحرب ​مع إيران ⁠قد تستأنف في باكستان خلال اليومين المقبلين، وذلك بعد انهيار مفاوضات مطلع الأسبوع التي دفعت واشنطن إلى فرض حصار على الموانئ الإيرانية.

ولم يتبق سوى أسبوع على انتهاء ⁠وقف إطلاق النار الهش ‌بين الولايات المتحدة ‌وإيران الذي يستمر أسبوعين. ​وكان فانس شارك ‌في المحادثات التي جرت في باكستان ‌يوم السبت الماضي.

وقال فانس خلال فعالية نظمتها منظمة «تيرنينج بوينت يو.إس.إيه): «هناك، بالطبع، قدر كبير من انعدام الثقة بين ‌إيران والولايات المتحدة. ولن يحل هذا الأمر بين عشية وضحاها».

وأضاف أن ⁠المفاوضين ⁠الإيرانيين كانوا يرغبون في التوصل إلى اتفاق. وتابع فانس «أشعر بارتياح كبير حيال الوضع الحالي».


أميركا تعلن رفع العقوبات عن المصرف المركزي الفنزويلي

ضباط شرطة وأفراد أمن في مبنى البنك المركزي الفنزويلي في كاراكاس بفنزويلا 20 يونيو 2016 (رويترز)
ضباط شرطة وأفراد أمن في مبنى البنك المركزي الفنزويلي في كاراكاس بفنزويلا 20 يونيو 2016 (رويترز)
TT

أميركا تعلن رفع العقوبات عن المصرف المركزي الفنزويلي

ضباط شرطة وأفراد أمن في مبنى البنك المركزي الفنزويلي في كاراكاس بفنزويلا 20 يونيو 2016 (رويترز)
ضباط شرطة وأفراد أمن في مبنى البنك المركزي الفنزويلي في كاراكاس بفنزويلا 20 يونيو 2016 (رويترز)

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان الثلاثاء، رفع العقوبات المفروضة على المصرف المركزي الفنزويلي بالإضافة إلى 3 مؤسسات مصرفية أخرى في البلاد، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويأتي رفع بعض العقوبات الاقتصادية عن فنزويلا في إطار عملية تطبيع تدريجية للعلاقات بين كاراكاس وواشنطن بعد إعلان وزارة الخارجية الأميركية في مارس (آذار) استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين التي انقطعت منذ عام 2019.