ترمب يدرس «مقاربات جديدة»... وأوروبا تفعّل «استخباراتها» ضد موسكو

زيلينسكي رحّب باقتراح «تجميد» خطوط القتال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدرس «مقاربات جديدة»... وأوروبا تفعّل «استخباراتها» ضد موسكو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

بعد أسبوع من التوقعات الدبلوماسية العالية باحتمال حصول اختراق في الأزمة الأوكرانية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق لقائه المرتقب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان مقرراً عقده في بودابست، قائلاً إنه «لا يرغب في إجراء محادثات بلا جدوى». ورغم مسارعة المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إلى القول إن «التحضيرات مستمرة»، وبأن أحداً «لا يريد هدر الوقت، لا الرئيس ترمب ولا الرئيس بوتين»، فلم يصدر أي موقف أميركي يؤكد مواصلة تلك التحضيرات.

في الواقع، لم يكن إعلان ترمب مفاجئاً؛ فالتباين العلني بين الجانبين عكس مرة أخرى نمط العلاقة المتقلبة بين واشنطن وموسكو، حيث يعلن ترمب عن «اختراق محتمل»، ثم يتراجع بعد أن يصطدم بحجم الفجوة بين الجانبين الأوكراني والروسي. فالتصريحات الروسية كانت ولا تزال واضحة في أن «اتفاق السلام يجب أن يسبق وقف إطلاق النار». وهو المبدأ الذي يتيح للكرملين مواصلة القتال من دون سقف زمني واضح. ومع إحباطه المتكرر من بوتين، تطرح التساؤلات عمّا إذا كان ترمب سيغير موقفه جذرياً من هذا الصراع، وعن خياراته السياسية.

وتقول آنا بورشيفسكايا، كبيرة الباحثين في الشأن الروسي في معهد واشنطن، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إنه ليس من الواضح ما إذا كان هذا يُعدّ تحولاً حقيقياً؛ فالرئيس الروسي بوتين نفسه لم يبدُ متحمساً للقاء في بودابست سابقاً. لكن المؤكد هو أن الحرب في أوكرانيا مستمرة.

خيارات البيت الأبيض

يلتزم البيت الأبيض الصمت حيال الخطوات المقبلة بعد إلغاء القمة، لكن مساعدي ترمب يقولون إنه يدرس «مقاربة جديدة» لإدارة الملف الأوكراني، تجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي على موسكو، ومحاولة إشراك الأوروبيين في تمويل أي تسوية محتملة.

ويقول مايكل روبين، الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن ترمب «يُحب إبقاء الجميع في حيرة. إذا كانت لديه استراتيجية، فهي ليست استراتيجيةً تتسم بالتحولات الدائمة، بل برغبةٍ مُتعمدةٍ في زعزعة ثقة الجميع، بهدف تسهيل إبرام الصفقات المستقبلية».

غير أن صحيفة «نيويورك تايمز» نقلت عن دانيال فريد، الدبلوماسي الأميركي السابق، قوله إن المشكلة الأساسية هي أن «ترمب لا يزال يتردد بين الضغط على بوتين ومهادنته. بوتين يلعب به، في كل مرة يوهمه بأنه يريد السلام، ثم ينسحب حين تقترب الأمور من التنفيذ». وفعلاً، في الوقت الذي يؤكد فيه ترمب أنه «ما زال يرى فرصة لوقف النار»، تشير تجارب الأشهر الماضية إلى أن موسكو لا تنوي تقديم تنازلات حقيقية، وأنها تفضّل انتظار تبدل المزاج الأميركي أو الأوروبي قبل الانخراط في مفاوضات جدّية.

زيلينسكي يدعم اقتراح ترمب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي التقى ترمب قبل أيام في واشنطن، وصف اقتراح الرئيس الأميركي بتجميد الحرب على خطوط القتال الحالية بأنه «حل وسط جيد»، مع إقراره في الوقت نفسه بأنه يشك في إمكانية قبول بوتين بهذا الطرح.

وقال زيلينسكي خلال زيارة إلى أوسلو، الأربعاء: «اقترح الرئيس الأميركي أن نثبت على خطوط القتال الحالية ونبدأ الحوار، وهذا مقبول من حيث المبدأ. لكنني لست متأكداً من أن بوتين سيدعمه». وبحسب مصادر أوروبية، فقد حاول ترمب خلال لقائه بزيلينسكي إقناعه بالتنازل عن أجزاء من دونباس، مقابل وقف شامل للقتال، وهو ما رفضه الأخير، قبل أن يعلن الأوروبيون في بيان مشترك أن «أوكرانيا هي الطرف الوحيد الجاد في السعي إلى السلام».

ورقة «توماهوك»

تزامن قرار واشنطن تعليق القمة مع عودة التلويح في واشنطن بإمكانية تزويد كييف بصواريخ «توماهوك» البعيدة المدى، وهو خيار أصبح جزءاً من أدوات الضغط الأميركية على موسكو.

ويقول السفير الأميركي السابق في كييف، ويليام تايلور، إن «الحديث عن احتمال تسليم توماهوك هو بحد ذاته ورقة ضغط فعالة، وبوتين يدرك ذلك جيداً». وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الكرملين كثّف اتصالاته مع البيت الأبيض بعدما أبدت واشنطن استعداداً لمناقشة هذا الخيار، وهو ما فُسّر في الأوساط الغربية بأنه دليل على أن «الضغط يعمل».

في المقابل، واصلت روسيا عملياتها العسكرية، فيما أعلنت أوكرانيا هذا الأسبوع أنها استهدفت منشأة كيماوية رئيسية في منطقة بريانسك داخل الأراضي الروسية بصواريخ «ستورم شادو» الفرنسية - البريطانية، في إشارة إلى أن الحرب لم تدخل بعد مرحلة الجمود.

أوروبا تبحث عن «سلام واقعي»

بموازاة ذلك، كشفت وكالة «بلومبرغ» عن أن كييف وعدداً من العواصم الأوروبية، منها برلين وباريس وبروكسل، تعمل على إعداد خطة سلام من 12 بنداً لإنهاء الحرب، تقوم على تجميد خطوط القتال الحالية كأساس لوقف النار، مع ضمانات أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا وتمويل إعادة الإعمار، ومنح كييف مساراً سريعاً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتتضمن المسودة أيضاً آلية مراقبة دولية يشرف عليها الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة، ورفعاً تدريجياً للعقوبات على روسيا في مقابل التزامها بتنفيذ الاتفاق. لكن الدبلوماسيين الأوروبيين يعترفون بصعوبة تسويق هذه الخطة في ظل تصلب المواقف، وانعدام الثقة بين موسكو وكييف، وتردّد واشنطن في تقديم ضمانات أمنية واضحة.

زيارة طارئة لأمين عام «الناتو»

في ظل هذا الغموض، يصل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، إلى واشنطن للقاء الرئيس ترمب في زيارة وُصفت بأنها «استثنائية وتقررت في اللحظة الأخيرة». وتأتي الزيارة بعد أيام من الانتقادات الأوروبية لسياسات ترمب المتقلبة تجاه أوكرانيا وروسيا؛ إذ بدا أن بعض العواصم الغربية تخشى أن يكون الرئيس الأميركي قد اقترب أكثر من الموقف الروسي خلال محادثاته الأخيرة مع بوتين.

ترمب وزيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض يوم 17 أكتوبر (رويترز)

ويقول دبلوماسي أوروبي في بروكسل إن روته «يسعى إلى إعادة ضبط العلاقة مع واشنطن، وإقناع ترمب بعدم تقديم تنازلات مجانية لبوتين، خصوصاً فيما يتعلق بتجميد الحرب دون اتفاق سلام حقيقي».

تنسيق استخباري أوروبي

على المستوى الأمني، تشهد أوروبا تحولاً لافتاً في بنية التعاون الاستخباري بين دولها، بعد أن علّقت إدارة ترمب مشاركة المعلومات الحساسة مع كييف في مارس (آذار) الماضي.

وذكرت صحيفة «بوليتيكو» الأميركية أن أجهزة الاستخبارات الأوروبية «تدفن عقوداً من انعدام الثقة»، وتبني شبكات تعاون جديدة ضد روسيا، وصلت إلى حد بحث إنشاء جهاز استخباري أوروبي موحد، على غرار وكالة الـ«سي آي إيه».

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أوروبي قوله إن «ترمب يستحق جائزة نوبل لأنه جعل أجهزة الاستخبارات الأوروبية تتعاون فعلاً».

اجتماع وزراء دفاع «الناتو» في بروكسل يوم 15 أكتوبر 2025 لبحث حرب أوكرانيا واختراق أجواء أوروبا (رويترز)

ويشير تقرير الصحيفة إلى أن العواصم الأوروبية الكبرى، برلين وباريس ولندن ووارسو وأمستردام، باتت تشارك بياناتها الميدانية مع أوكرانيا بشكل مباشر، من دون المرور عبر قنوات «الناتو» أو واشنطن.

هذه الديناميكية الجديدة، التي وُصفت بأنها «غير مسبوقة في تاريخ الاتحاد الأوروبي»، تكرّس من جهة تنامي نزعة الاستقلال الأمني الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه تُظهر تراجع الثقة بالالتزام الأميركي الدائم بالدفاع عن القارة.

وتبدو أوروبا اليوم أمام معادلة مزدوجة: من جهة تخشى عودة الفوضى إلى العلاقات عبر الأطلسي إذا واصل ترمب سياساته الأحادية، ومن جهة أخرى تدرك أن بناء قدرات دفاعية واستخبارية ذاتية أصبح ضرورة استراتيجية.

وقد عبّر مسؤول أوروبي سابق في «الناتو» عن هذه المفارقة بقوله: «كلما ازداد التذبذب في واشنطن، ازدادت الحاجة إلى وحدة القرار في بروكسل». ويُتوقع أن تكون زيارة روته إلى البيت الأبيض هذا الأسبوع اختباراً حقيقياً لمستقبل العلاقة بين الحلف والأميركيين، ولما إذا كانت الولايات المتحدة ستعود إلى موقع القيادة، أم ستواصل إدارة الأزمة الأوكرانية بمنطق «الصفقات المؤقتة».

ومع غياب قمة بودابست، يجد المشهد الدولي نفسه أمام فراغ دبلوماسي خطير؛ فلا موسكو مستعدة لتقديم تنازلات، ولا واشنطن راغبة في الانخراط العسكري أو المالي العميق، فيما تحاول أوروبا أن تمسك العصا من الوسط بين دعم كييف وتجنب حرب استنزاف طويلة. لكن المؤشرات الميدانية، من هجمات كييف داخل الأراضي الروسية إلى القصف المتبادل فوق البحر الأسود، توحي بأن الحرب لا تزال بعيدة عن التجميد الفعلي، وأن «الحل الوسط» الذي تحدّث عنه ترمب قد يبقى حبراً على ورق، ما لم تتوافر إرادة دولية حقيقية لتغيير المعادلة القائمة.


مقالات ذات صلة

أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

الولايات المتحدة​ صورة التُقطت في 28 يناير الماضي للباحث في جامعة ستانفورد هربرت لين والرئيس الكولومبي السابق خوان مانويل سانتوس والأستاذ الفخري بجامعة برينستون روبرت سوكولو ومديرة قسم علوم الحياة في شركة «ستيرلينغ باي» سوزيت ماكيني وهم يشاركون في إعلان «ساعة القيامة» لعام 2025 التي ضُبطت على 89 ثانية قبل منتصف الليل في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

طلبت إدارة الرئيس دونالد ترمب انضمام الصين إلى محادثات مع روسيا حول الحد من الترسانات النووية بعد انتهاء صلاحية معاهدة «نيو ستارت»، وهذا ما رفضته بكين.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وخلفه الرئيس دونالد ترمب (رويترز)

واشنطن تدعو إلى مفاوضات تشمل موسكو وبكين للحد من الأسلحة النووية

دعت الولايات المتحدة إلى إطلاق مفاوضات متعددة الأطراف تشمل الصين لوضع قيود جديدة على الأسلحة النووية، وذلك غداة انتهاء مفاعيل معاهدة «نيو ستارت».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يتحدث على هامش مؤتمر صحافي للرئيس دونالد ترمب بالبيت الأبيض 29 يناير (أ.ف.ب) p-circle

«تقدم إيجابي» متواضع: تبادل أسرى وعودة قنوات الجيش

«تقدم إيجابي» متواضع: تبادل أسرى وعودة قنوات الجيش... وموسكو تتشدد حيال «دعاة الحرب» الأوروبيين... بينما يضيق الخناق على نفطها

إيلي يوسف (واشنطن) رائد جبر (موسكو)
أوروبا الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما يوقع مع دميتري ميدفيديف الرئيس الروسي السابق معاهدة «ستارت III» (رويترز)

موسكو «تسترشد بمصالحها» بعد انتهاء صلاحية معاهدة «ستارت» النووية

روسيا «تسترشد بمصالحها» بعد انتهاء صلاحية معاهدة «ستارت» النووية، وتتفق مع واشنطن على استئناف الحوار العسكري رفيع المستوى.

رائد جبر (موسكو )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب (أ.ف.ب)

ميلانيا ترمب: المحادثات تتواصل مع فريق بوتين لإعادة أطفال أوكرانيين

ذكرت للصحفيين في البيت الأبيض «أعمل على الأمر... وآمل أن نحقق نجاحا قريبا». ولم تكشف عن تفاصيل المحادثات بين ممثليها وفريق بوتين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب ينشر مقطع فيديو عنصرياً يصور أوباما وزوجته على هيئة قردين

لقاء بين باراك أوباما ودونالد ترمب في البيت الأبيض (رويترز - أرشيفية)
لقاء بين باراك أوباما ودونالد ترمب في البيت الأبيض (رويترز - أرشيفية)
TT

ترمب ينشر مقطع فيديو عنصرياً يصور أوباما وزوجته على هيئة قردين

لقاء بين باراك أوباما ودونالد ترمب في البيت الأبيض (رويترز - أرشيفية)
لقاء بين باراك أوباما ودونالد ترمب في البيت الأبيض (رويترز - أرشيفية)

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي ​يصور الرئيس الديمقراطي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما على هيئة قردين، مستخدماً صوراً عنصرية كثيراً ما استُخدمت لتجريد ذوي الأصول الأفريقية من إنسانيتهم.

ونشر ترمب، في وقت متأخر من يوم أمس ‌الخميس، مقطع ‌فيديو مدته دقيقة واحدة ‌يضخم ادعاءات ​الرئيس ‌الجمهوري الكاذبة بأن هزيمته في انتخابات 2020 كانت نتيجة تزوير. وأُدرجت في المقطع لقطة، يبدو أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، لقردين راقصين رُكب عليهما رأساً أوباما وزوجته.

وأثار المنشور انتقادات سريعة من شخصيات سياسية بارزة، بمن ‌في ذلك السناتور الجمهوري تيم سكوت الحليف لترمب، وهو من أصل أفريقي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال سكوت على منصة «إكس»: «أتمنى أن يكون هذا ملفقاً؛ لأنه أكثر الأشياء عنصرية التي رأيتها تخرج ​من هذا البيت الأبيض. يجب على الرئيس حذفه».

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن المنشور أثار «غضباً زائفاً»، مضيفة أن «هذا مأخوذ من فيديو ساخر على الإنترنت يصور الرئيس ترمب على أنه ملك للغابة، ويصور الديمقراطيين على أنهم شخصيات من فيلم (الأسد الملك)». وتضمن مقطع ترمب أغنية من هذا الفيلم الموسيقي.


أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

أميركا وروسيا تتحاوران نووياً... وضغوط لضم الصين وفرنسا وبريطانيا

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

أبدت الولايات المتحدة وروسيا استعدادهما لإجراء محادثات بعد انتهاء صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية الجديدة «نيو ستارت»، وسط إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مشاركة الصين لوضع قيود جديدة تحول دون الدخول في مرحلة خطرة من سباق التسلح النووي، مقابل دعوات روسية لم تلقَ تجاوباً لشمول فرنسا وبريطانيا في أي اتفاقية جديدة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال» للتواصل أنه «بدلاً من تمديد معاهدة (نيو ستارت) - وهي معاهدة سيئة التفاوض من الولايات المتحدة، وتُنتَهك بشكل صارخ، فضلاً عن كل شيء آخر - ينبغي أن يعمل خبراؤنا النوويون على معاهدة جديدة ومحسّنة وحديثة تدوم طويلاً في المستقبل». ولم يشر إلى أي محادثات، ولكنه أكد أنها يجب أن تشمل الصين.

وكتب ترمب أيضاً أن «الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم»، مضيفاً أنه أعاد «بناء جيشها بالكامل خلال ولايتي الأولى، بما في ذلك أسلحة نووية جديدة ومُحدثة». وأشار إلى كيفية تمكّنه من تعزيز الجيش، بما في ذلك عبر إضافة سفن حربية وإنشاء قوة فضائية. وقال: «منعتُ وقوع حروب نووية في أنحاء العالم بين باكستان والهند، وإيران وإسرائيل، وروسيا وأوكرانيا».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وانتهت صلاحية معاهدة «نيو ستارت»، وهي الأخيرة للحد من التسلح النووي بين الولايات المتحدة وروسيا، في وقت تطوران فيه أجيالاً جديدة من الأسلحة، علماً أن الصين تختبر طرقاً جديدة لإيصال الرؤوس النووية. وتوقفت المحادثات الأميركية - الروسية بشأن معاهدة جديدة بسبب الحرب في أوكرانيا، بعدما كانت معاهدة «نيو ستارت» لعام 2010 حددت عدد الرؤوس الاستراتيجية التي يمكن أن تمتلكها الولايات المتحدة وروسيا بـ1550 رأساً لكل منهما، وعدد منصات الإطلاق بـ700 منصة لكل منهما.

إزالة العيوب

وعكس وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الحد من التسلح، توماس دينانو، رغبة الرئيس ترمب في أي معاهدة جديدة أمام مؤتمر الأمم المتحدة لنزع السلاح في جنيف، بأن معاهدة «نيو ستارت» تعاني «عيوباً جوهرية». وقال إن «الانتهاكات الروسية المتكررة، وتزايد المخزونات النووية العالمية، والعيوب في تصميم معاهدة (نيو ستارت) وتنفيذها... تُعطي الولايات المتحدة ضرورة ملحّة للدعوة إلى بنية جديدة تتصدى لتهديدات اليوم، لا تهديدات حقبة ولّت». وأضاف أنه «بينما نجلس هنا اليوم، فإن الترسانة النووية الصينية بأكملها بلا حدود، ولا شفافية، ولا إعلانات، ولا ضوابط». وأكد أن «الحقبة القادمة من الحد من التسلح يمكن، بل يجب، أن تستمر بتركيز واضح، لكنها ستتطلب مشاركة أكثر من روسيا وحدها على طاولة المفاوضات».

«البنتاغون»... وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)

واتهم بكين أيضاً بإجراء تجارب نووية سرية. وقال: «أستطيع أن أكشف أن حكومة الولايات المتحدة على علم بأن الصين أجرت تجارب تفجير نووية، بما في ذلك التحضير لتجارب ذات قوة تفجيرية محددة بمئات الأطنان». وزاد أن الجيش الصيني «سعى إلى إخفاء التجارب من خلال التعتيم على التفجيرات النووية؛ لأنه يدرك أن هذه التجارب تنتهك التزامات حظر التجارب النووية».

الرغبات الروسية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن منذ العام الماضي استعداده لالتزام حدود المعاهدة لمدة عام آخر إذا حذت واشنطن حذوه. لكن ترمب لم يستجب لهذه الرغبة الروسية. وأعلن مستشار الكرملين يوري أوشاكوف، الخميس، أن الرئيس بوتين ناقش انتهاء صلاحية المعاهدة مع نظيره الصيني شي جينبينغ خلال محادثاتهما الأربعاء، مؤكداً أن موسكو «ستتصرف بطريقة متوازنة ومسؤولة استناداً إلى تحليل دقيق للوضع الأمني».

وكذلك أعلنت وزارة الخارجية الروسية في بيان أنه «في ظل الظروف الراهنة، نفترض أن أطراف معاهدة (نيو ستارت) لم تعد مُلزمة بأي تعهدات أو إعلانات متماثلة في سياق المعاهدة، بما في ذلك أحكامها الأساسية، وأنها حرة تماماً في اختيار خطواتها التالية».

وفي خطوة جديدة، أعلن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أن المفاوضين الروس والأميركيين ناقشوا مسألة التسلح على هامش المحادثات الروسية - الأوكرانية الأخيرة. وقال: «هناك تفاهم، وقد جرى التطرق إليه في أبوظبي، على أن يتخذ الطرفان مواقف مسؤولة، ويدرك كلاهما ضرورة بدء المحادثات حول هذه القضية في أقرب وقت ممكن».

وعندما طُلب من بيسكوف التعليق على تقرير مناقشة اتفاق غير رسمي محتمل لالتزام حدود المعاهدة لمدة ستة أشهر على الأقل، أجاب بأنه «من الواضح أن بنودها لا يمكن تمديدها إلا بشكل رسمي. من الصعب تصور أي تمديد غير رسمي في هذا المجال»، مكرراً أن موسكو تأسف لانتهاء صلاحية المعاهدة الخميس، وهي تنظر إلى ذلك «بشكل سلبي».

رفض صيني

إلى ذلك، رفض المندوب الصيني شين جيان، علناً التجاوب مع ما تريده الولايات المتحدة لجهة انضمام بلاده إلى مفاوضات نزع السلاح، مشيراً إلى أن ترسانتها أصغر بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية، على الرغم من النمو السريع للترسانة الصينية. وأصر أمام المؤتمر على أن «القدرات النووية الصينية لا تقترب بأي حال من الأحوال من مستوى قدرات الولايات المتحدة أو روسيا». وأضاف: «لن تشارك الصين في مفاوضات نزع السلاح النووي في هذه المرحلة».

وأصر المندوب الروسي غينادي غاتيلوف، على ضرورة أن تشمل أي محادثات نووية جديدة دولاً أخرى تمتلك أسلحة نووية، مثل فرنسا وبريطانيا. وقال: «ستشارك روسيا في هذه العملية إذا شاركت فيها المملكة المتحدة وفرنسا، وهما حليفتان عسكريتان للولايات المتحدة في (حلف شمال الأطلسي/ الناتو)، الذي أعلن نفسه حلفاً نووياً».

غير أن الزعماء الأوروبيين ناقشوا إنشاء قوات نووية مستقلة عن الولايات المتحدة التي طالما وفرت مظلة حماية نووية أميركية للدول الأوروبية الحليفة. وتُعد اليابان وكوريا الجنوبية وتركيا من الدول الأخرى غير الحائزة للأسلحة النووية التي تُناقش تغيير المسار.

وهناك دول أخرى تمتلك أسلحة نووية معلنة، وهي الهند وباكستان وكوريا الشمالية. ويُعتقد على نطاق واسع أن لدى إسرائيل أيضاً ترسانة نووية ضخمة.


أميركا تريد متطوعين لاستضافة النفايات النووية إلى الأبد

علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)
علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)
TT

أميركا تريد متطوعين لاستضافة النفايات النووية إلى الأبد

علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)
علامة «مواد مشعة» على جانب إحدى الحاويات التي تحوي نفايات مشعة بمحطة «دونري» في اسكوتلندا (رويترز)

تعتمد خطة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتشييد مجموعة من المفاعلات النووية الصغيرة في المستقبل؛ لتوفير الطاقة لعصر الذكاء الاصطناعي، على استراتيجية قديمة للتخلص من النفايات شديدة السمية، وتتمثل في دفنها في قلب حفرة شديدة العمق.

لكن ثمة مشكلة، وهي عدم وجود حفرة عميقة جداً، كما أن مخزون النفايات المشعة البالغ نحو 100 ألف طن، والمخزن مؤقتاً في محطات الطاقة النووية ومواقع أخرى بالولايات المتحدة يستمر في الازدياد. ولحلِّ هذه ​المعضلة، تلوّح الإدارة الأميركية الآن بجزرة مشعة.

ووفقاً لاقتراح نشرته وزارة الطاقة، الأسبوع الماضي، يُطلب من الولايات التطوع لاستضافة مستودع جيولوجي دائم للوقود المستهلك ضمن مجمع مرافق يشمل مفاعلات نووية جديدة، وإعادة معالجة النفايات وتخصيب اليورانيوم، ومراكز بيانات.

يمثل هذا تحولاً كبيراً في السياسة. فقد باتت خطة تعزيز الطاقة النووية مقترنةً الآن بشرط إيجاد موقع دائم للتخلص من النفايات، مما يضع القرارات في أيدي المجتمعات المحلية، وهي قرارات تمثل استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات وآلاف الوظائف، بحسب ما قاله متحدث باسم مكتب الطاقة النووية، التابع لوزارة الطاقة الأميركية.

موظف يمشي بجوار الوقود النووي المستعمل في حوض تخزين بمحطة «أورانو» لإعادة معالجة النفايات النووية (رويترز)

وقال ليك باريت، المسؤول السابق في هيئة التنظيم النووي الأميركية ووزارة الطاقة: «الجمع بين كل هذه العناصر في حزمة واحدة يُشبه وضع حوافز كبيرة بجانب منشأة نفايات غير مرغوب فيها». وأضاف أن ولايات مثل يوتاه وتينيسي أبدت بالفعل اهتماماً بالاستثمار في الطاقة النووية.

وأفاد مكتب الطاقة النووية بأن الطلب أثار اهتماماً، لكنه أحجم عن تحديد الولايات التي أمامها 60 يوماً للرد. ولم يستجب المسؤولون في ولايتَي يوتاه وتينيسي لطلبات التعليق.

ويرغب ترمب في زيادة ‌قدرة الطاقة النووية الأميركية ‌4 أمثال لتصل إلى 400 غيغاواط بحلول عام 2050، مع ارتفاع الطلب على الكهرباء لأول مرة منذ ‌عقود بفضل ​ازدهار مراكز البيانات ‌التي تدعم الذكاء الاصطناعي، والتحول للمركبات الكهربية.

في عام 2025، اختارت وزارة الطاقة 11 تصميماً جديداً لمفاعلات الاختبار النووي المتقدمة للحصول على ترخيص سريع. وتهدف إلى بناء 3 نماذج تجريبية بحلول الرابع من يوليو (تموز) من هذا العام.

إلا أن دراسات أجرتها حكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا، وكذلك المفوضية الأوروبية، أظهرت أن القبول الشعبي للطاقة النووية يعتمد جزئياً على تعهد بدفن النفايات النووية في أعماق الأرض.

وقال المتحدث باسم مكتب الطاقة النووية: «يجب أن تتضمَّن الاستراتيجية النووية الكاملة مسارات آمنة ودائمة للتخلص النهائي من النفايات». وواجهت الجهود السابقة لإيجاد حل معارضةً محليةً قويةً.

وبدأت وزارة الطاقة البحث عن منشأة دائمة للنفايات في عام 1983 واستقرَّت على جبل يوكا في ولاية نيفادا في عام 1987. لكن الرئيس الأسبق باراك أوباما أوقف التمويل في عام 2010؛ بسبب معارضة المُشرِّعين في الولاية، وسط قلق بشأن السلامة وتأثير ذلك على الكازينوهات والفنادق. وجرى إنفاق نحو 15 مليار دولار بالفعل.

تصاميم جديدة للمفاعلات

لتسريع نشر الطاقة النووية، تدعم دول من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا والصين والسويد ما تُسمى «المفاعلات النموذجية الصغيرة».

وتكمن جاذبية «المفاعلات النووية الصغيرة» في فكرة إمكانية تشييدها مسبقاً ضمن هيكل المصانع، ‌مما يجعل تجميعها أسرع وأرخص مقارنة مع المفاعلات الأكبر حجماً المُستخدَمة بالفعل.

أحواض الوقود النووي المستهلك قبل إعادة معالجته في منشأة أورانو بفرنسا (رويترز)

لكن تصاميم المفاعلات النووية الصغيرة الجديدة لا تحل على الأرجح مشكلة النفايات. ويقول الخبراء إن المصممين غير مُلزمين بأخذ النفايات في الاعتبار عند بدء التصميم، باستثناء وضع خطة لكيفية إدارتها.

وقال سيث تولر، الأستاذ المشارك في معهد «ورسستر» للفنون التطبيقية، والذي كان سابقاً عضواً في المجلس الفني الأميركي لمراجعة النفايات النووية: «هذا التسرع في ابتكار تصميمات جديدة دون التفكير في النظام بأكمله ينذر بوضع سيئ للغاية فيما يتعلق بالإشراف التنظيمي الفعال، ووجود برنامج لإدارة النفايات يتم تشغيله بشكل جيد وآمن وموثوق به على المدى الطويل».

ووفقاً لدراسة نُشرت في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في عام 2022، من المتوقع أن تنتج غالبية المفاعلات النووية الصغيرة الجديدة كميات مماثلة من النفايات، إن لم يكن أكثر، لكل وحدة كهرباء مقارنة بالمفاعلات الكبيرة الحالية.

ويمكن أيضاً إنشاء المفاعلات النووية الصغيرة في مناطق تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة للمحطات ​الأكبر حجماً، مما يزيد من احتمالية وجود مواقع نووية أخرى قد تتحول إلى مكبات نفايات مؤقتة. وفي الولايات المتحدة، قد تعني كلمة «مؤقت» أكثر من قرن بعد إغلاق المفاعل، بحسب هيئة تنظيم الطاقة النووية الأميركية.

وتواصلت وكالة «رويترز» مع الشركات الـ9 التي تقف وراء تصاميم المفاعلات النووية الصغيرة الـ11 المدعومة من برنامج وزارة الطاقة. وقال بعضها إن النفايات النووية تمثل معضلةً لمشغلي المفاعلات وللحكومة.

وقالت شركات أخرى إنها تأمل في أن تؤدي التطورات التكنولوجية في العقود المقبلة إلى تحسين فرص إعادة معالجة الوقود، إلا أن الشركات ترى أنه من الضروري إيجاد مستودع دائم.

شاحنة تنقل حاوية نفايات مشعة إلى قبو في منشأة «دونري» النووية في اسكوتلندا (رويترز)

وأحيا احتمال ظهور موجة جديدة من المفاعلات النووية الاهتمام بإعادة معالجة الوقود المستهلك، حيث يتم فصل اليورانيوم والبلوتونيوم، وفي بعض الحالات، إعادة استخدامهما.

وقال المتحدث باسم مكتب الطاقة النووية: «يمكن للتقنيات الحديثة، لا سيما إعادة التدوير والمعالجة المتقدمة، أن تقلل بشكل كبير من حجم المواد النووية اللازم التخلص منها. وفي الوقت نفسه، لا تلغي إعادة المعالجة الحاجة إلى التخلص الدائم منها». لكن خبراء الأمن النووي شككوا فيما إذا كانت المجمعات الجديدة ستشمل إعادة المعالجة.

وقال روس ماتزكين بريدجر، المسؤول السابق في وزارة الطاقة الأميركية: «في كل مرة حاولنا فيها ذلك، باءت المحاولة بالفشل؛ مما يتسبب في مخاطر أمنية وتهديدات بانتشار نووي وتكاليف باهظة، ويزيد عملية إدارة النفايات تعقيداً».

وأضاف أن الدول القليلة التي تعيد معالجة الوقود النووي تفعل ذلك بنسبة تتراوح بين صفر و2 في المائة، وهي نسبة أقل بكثير من 90 في المائة الموعودة.

وفي الوقت الراهن، تُخزَّن غالبية النفايات بالولايات المتحدة وكندا وأوروبا وبريطانيا في مواقعها؛ لأجل غير مسمى، أولاً في أحواض الوقود المستهلك لتبريدها، ثم في حاويات خرسانية وفولاذية. أما فرنسا فترسل الوقود المستهلك إلى لاهاي في نورماندي لإعادة معالجته.

ووفقاً لوزارة الطاقة الأميركية، فإن أكثر من 90 مفاعلاً نووياً تعمل ‌في الولايات المتحدة - أكبر منتِج للطاقة النووية في العالم متجاوزة الصين وفرنسا - تضيف نحو ألفَي طن من النفايات سنوياً إلى المخزونات الحالية.

وتُظهر بيانات مكتب الطاقة النووية أنه حتى نهاية عام 2024، دفع دافعو الضرائب الأميركيون 11.1 مليار دولار لشركات المرافق لتعويضها عن تخزين الوقود المستهلك، والذي يمكن أن يظل بعضه ضاراً بالبشر لمئات الآلاف من السنين.