الخلاف الحاد يستحكم بين ترمب وخصومه على نشر الجيش في المدن

يطالب بحبس حاكم ولاية إلينوي الأميركية ورئيس بلدية شيكاغو

عسكريون يرتدون شارة «الحرس الوطني» داخل تكساس بمركز احتياطي للجيش في إلوود بولاية إلينوي (أ.ب)
عسكريون يرتدون شارة «الحرس الوطني» داخل تكساس بمركز احتياطي للجيش في إلوود بولاية إلينوي (أ.ب)
TT

الخلاف الحاد يستحكم بين ترمب وخصومه على نشر الجيش في المدن

عسكريون يرتدون شارة «الحرس الوطني» داخل تكساس بمركز احتياطي للجيش في إلوود بولاية إلينوي (أ.ب)
عسكريون يرتدون شارة «الحرس الوطني» داخل تكساس بمركز احتياطي للجيش في إلوود بولاية إلينوي (أ.ب)

دعا الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، إلى حبس رئيس بلدية شيكاغو براندون جونسون، وحاكم إلينوي جاي بي بريتزيكر، وهما ديمقراطيان، فيما حشدت إدارته «قوات الحرس الوطني» استعداداً لنشرها في ممفيس بولاية تينيسي بحلول الجمعة، وبدأت معركة قضائية أخرى في واشنطن العاصمة رفضاً لتدخله في تطبيق القانون هناك، وسط خلافات متصاعدة على السياسة الحازمة التي يعتمدها لمكافحة الهجرة والجريمة في المدن الأميركية الكبرى، بصرف النظر عما إذا كان القادة المحليون يدعمونها أم لا.

ترمب يتحدث إلى الصحافيين يوم 5 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

واشتد الخلاف الحاد بين إدارة ترمب الجمهورية والقادة الديمقراطيين في ظل دعوات ترمب إلى سجن المعارضين البارزين لحملته على الهجرة، في وقت يَمثُل فيه خصم آخر، هو المدير السابق لـ«مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)»، جيمس كومي، أمام المحكمة لمواجهة تهم جنائية وُجهت إليه بعد حملة ضده من ترمب.

وحمل ترمب بشدة على جونسون وبريتزيكر، واتهمهما، في منشور على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماعي، بالتقصير في حماية ضباط الهجرة العاملين في شيكاغو. وإذ أشار إلى موظفي هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية، فقد كتب أنه «يجب حبس رئيس بلدية شيكاغو لتقصيره في حماية ضباط الهجرة والجمارك، والحاكم بريتزيكر أيضاً».

ستيفن ميلر مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً للصحافيين أمام البيت الأبيض في واشنطن العاصمة (أ.ب)

نحو ممفيس

ورغم اعتراضات جونسون وبريتزيكر وقادة ديمقراطيين آخرين في إلينوي، فإن المئات من جنود «الحرس الوطني» الآتين من تكساس الأربعاء تجمعوا في منشأة عسكرية خارج شيكاغو، رغم دعوى قضائية ومعارضة شديدة من القادة الديمقراطيين المنتخبين. ولم تتضح مهمتهم بدقة، علماً بأن إدارة ترمب لديها خطط لنشر قوات في ثالثة كبرى المدن الأميركية. ويصف ترمب شيكاغو بأنها «جحيم» الجريمة، رغم أن إحصاءات الشرطة تُظهر انخفاضاً كبيراً في معظم الجرائم، بما في ذلك القتل.

وفي ممفيس بولاية تينيسي، كشفت قائدة الشرطة، سيرلين ديفيز، عن أن مجموعة صغيرة من القادة في الإدارة كانوا بالفعل في المدينة، ويخططون لوصول «قوات الحرس الوطني». وأفاد الحاكم الجمهوري للولاية، بيل لي، بأن «قوات الحرس الوطني» ستُفوَّض من «هيئة المارشالات» الأميركية «الاضطلاع بدور داعم حاسم» لإنفاذ القانون المحلي، رغم أن هذا الدور لم يُحدد بدقة بعد.

قوات لـ10 مدن

ومنذ بدء ولايته الثانية، أرسل ترمب أو تحدث عن إرسال قوات إلى 10 مدن، منها بالتيمور ومقاطعة كولومبيا ونيو أورليانز وأوكلاند وسان فرنسيسكو ولوس أنجليس.

وأثارت محاولة الرئيس ترمب نشر الجيش على الأراضي الأميركية، رغم المعارضة المحلية، نزاعاً مع حكام الولايات الزرقاء. وتحض إلينوي وشيكاغو قاضياً فيدرالياً على وقف «حرب ترمب المعلنة منذ فترة طويلة» على الولاية. وستُعقد جلسة استماع الخميس. وفي أوريغون، منع قاضٍ خلال عطلة نهاية الأسبوع نشر «الحرس الوطني» في بورتلاند.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة الماضي (رويترز)

وحددت محكمة الاستئناف الخميس موعداً للمرافعات في محاولة الحكومة نشر «الحرس الوطني» في بورتلاند. وصرحت حاكمة ولاية أوريغون الديمقراطية، تينا كوتيك، بأنها أبلغت وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، بأنه «لا يوجد تمرد» في الولاية.

وقال قائد شرطة بورتلاند، بوب داي، إن الإدارة بحاجة إلى العمل بشكل أوثق مع العملاء الفيدراليين في ظل سعيها إلى نشر مزيد من الضباط في منشأة إدارة الهجرة والجمارك.

وأعلنت نويم أنها أخبرت رئيس بلدية بورتلاند، كيث ويلسون، أنه إذا لم تعزز المدينة الأمن في مبنى إدارة الهجرة والجمارك، وتحصل على دعم من سلطات إنفاذ القانون المحلية، وتتخذ تدابير سلامة أخرى، «فإننا سنرسل 4 أضعاف عدد الضباط الفيدراليين».

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم تراقب الاحتجاجات قرب «مركز إدارة الهجرة والجمارك» في بورتلاند بولاية أوريغون (أ.ف.ب)

وتوقع بريتزيكر تفعيل «قوات الحرس الوطني» من ولايته، إلى جانب 400 جندي من تكساس، متهماً ترمب بأنه يستخدم القوات «أدواتٍ سياسيةً» و«بيادق».

ويُقيّد قانون «بوس كوميتاتوس»، الذي يعود تاريخه إلى نحو 150 عاماً، دور الجيش في إنفاذ القوانين المحلية. ومع ذلك، فإن ترمب أعلن أنه مستعد لتفعيل «قانون التمرد»، الذي يسمح للرئيس بإرسال قوات عسكرية عاملة إلى الولايات التي لا تستطيع قمع تمرد أو تتحدى القانون الفيدرالي.

وبعد تنفيذ عناصر دورية الحدود اعتقالات قرب عدد من المعالم، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية من المهاجرين التي يغلب عليها الطابع اللاتيني، وقع رئيس بلدية شيكاغو أمراً تنفيذياً، الاثنين، يمنع موظفي الهجرة الفيدراليين وغيرهم من استخدام الممتلكات التابعة للمدينة مناطقَ انطلاق لعمليات إنفاذ القانون.

معركة واشنطن

في غضون ذلك، تدور معركة حزبية داخل قاعة محكمة في واشنطن، يمكن أن تُقرر مصير تدخل الرئيس ترمب في إنفاذ القانون الفيدرالي بالعاصمة؛ مما يمثل نقطة اشتعال تبرز الانقسامات المتفاقمة بشأن هذه الخطوة.

وتطعن الدعوى، التي رفعها المدعي العام لواشنطن، براين شوالب، في استخدام إدارة ترمب «الحرس الوطني» في المدينة ذات الغالبية الديمقراطية ضمن أمر طوارئ أصدره ترمب لوقف ما سماها «الجريمة الخارجة عن السيطرة». ورغم انتهاء سريان الأمر، فإن مئات الجنود لا يزالون موجودين في المدينة، التي تسعى إلى الحصول على أمر قضائي أولي لوقف النشر.

وينقسم دعم الولايات على أسس حزبية، فقد أيدت 23 ولاية موقف إدارة ترمب بأن الرئيس لديه سلطة استدعاء «الحرس الوطني»، بينما أيدت 22 ولاية موقف «واشنطن العاصمة» المعارضة لذلك.

وانبثقت دعوى «واشنطن» القضائية من الأمر الرئاسي الصادر في أغسطس (آب) الماضي، الذي أدى إلى إجراء نحو ألفي جندي من «الحرس الوطني» لمقاطعة كولومبيا و8 ولايات، دوريات في الأماكن العامة، بما في ذلك محطات القطارات ومحطات مترو الأنفاق و«المركز الوطني للتسوق»... وغيرها من المناطق ذات حركة المشاة الكثيفة.


مقالات ذات صلة

هل فقدت إسرائيل حصانتها السياسية في واشنطن؟

الولايات المتحدة​ مظاهرة داعمة للفلسطينيين في واشنطن في 4 يوليو 2026 (رويترز)

هل فقدت إسرائيل حصانتها السياسية في واشنطن؟

الانقسامات الحزبية أمر ليس جديداً في المشهد السياسي الأميركي، لكن الجديد هذه المرة هو سبب الانقسام: دعم إسرائيل.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 14 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

ترمب يتأخر في إقرار مساعدات الكوارث... ويوافق عليها بدرجة أكبر للولايات الجمهورية

يتأخر ترمب في إقرار مساعدات الكوارث، ويوافق على طلبات الولايات الجمهورية أكثر من الديمقراطية، في حين يُثير إصلاح وكالة الطوارئ مخاوف من تقليص الدعم الفيدرالي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جي دي فانس قبيل انطلاق الاجتماع الرباعي بين الولايات المتحدة وإيران وقطر وباكستان في منتجع بورغنشتوك بسويسرا 21 يونيو الماضي (أ.ف.ب) p-circle

فانس: مسار التفاهم مع إيران لا يزال «إيجابياً» رغم تصاعد الضربات

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن المسار العام للتفاهم مع طهران لا يزال «إيجابياً» رغم تصاعد الضربات بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

إسرائيل: نتنياهو لن يزور أميركا الأسبوع المقبل

أعلن مكتب رئيس الوزراء ‌الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أن ⁠نتنياهو ​لن ⁠يسافر إلى ⁠الولايات ‌المتحدة الأسبوع ‌المقبل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
رياضة عالمية دونالد ترمب (أ.ب)

دونالد ترمب يسجل حضوره الأول في المونديال عبر بوابة النهائي

يستعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتسجيل ظهوره الأول في كأس العالم 2026 بحضور المباراة النهائية، يوم الأحد المقبل، بين الأرجنتين وإسبانيا، في نيوجيرسي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )

إدارة ترمب تدوّل ملف «أنتيفا»

روبيو يلقي كلمة في افتتاح الاجتماع يوم 16 يوليو 2026 (رويترز)
روبيو يلقي كلمة في افتتاح الاجتماع يوم 16 يوليو 2026 (رويترز)
TT

إدارة ترمب تدوّل ملف «أنتيفا»

روبيو يلقي كلمة في افتتاح الاجتماع يوم 16 يوليو 2026 (رويترز)
روبيو يلقي كلمة في افتتاح الاجتماع يوم 16 يوليو 2026 (رويترز)

دعا وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، وزراء ومسؤولين كباراً من أكثر من 60 دولة إلى اجتماع في واشنطن، الخميس، لبحث ما تصفها إدارة الرئيس دونالد ترمب بأنها «عودة الإرهاب اليساري المتطرف العابر للحدود»، في خطوة نقلت ملف حركة «أنتيفا» من الجدل الداخلي الأميركي إلى ساحة دبلوماسية أوسع.

ووفق صحيفة «واشنطن بوست»، فقد أثارت الدعوة قلق مسؤولين أميركيين وأوروبيين ومحللين مستقلين لا يرون التهديد بالصيغة نفسها التي تعرضها الإدارة. وكانت «رويترز» قد ذكرت أن روبيو يعتزم استضافة اجتماع وزاري بمشاركة عشرات الدول من أوروبا والأميركتين وآسيا لمناقشة «عودة العنف السياسي».

من واشنطن إلى الحلفاء

رسمياً، تقول وزارة الخارجية الأميركية إن الاجتماع يأتي في سياق مواجهة تهديد قديم يعاود الظهور بروابط عابرة للحدود. وقد دافع المتحدث باسم «الخارجية»، تومي بيغوت، في بيان، عن المبادرة قائلاً إن «الإرهاب اليساري المتطرف» لم يعالَج بما يكفي في السابق، وإن «كل تواصل، أو تصنيف، أو برنامج مساعدة أمنية، يراكم أثراً يدعم إجراءات المواجهة في الداخل والخارج».

وأبدى بعض الدبلوماسيين الأوروبيين، وفق صحيفة «واشنطن بوست»، ارتباكاً من الدعوة وأهدافها. بل قال أحدهم إن بلاده «ليس لديها (أنتيفا)» بالمعنى الذي تتحدث عنه واشنطن. وهذا يعكس فجوة في تقدير الخطر: إدارة ترمب تنظر إلى «أنتيفا» بوصفها جزءاً من تهديد يساري عابر للحدود، في حين ترى عواصم أوروبية أن أولوياتها الأمنية تتركز في ملفات أخرى؛ من «الإرهاب الإسلاموي» إلى «اليمين المتطرف» و«التدخلات الروسية» حتى «أمن الحدود».

غوركا والتصنيف الأخطر

الأشد حساسية في هذا المسار لا يتعلق بالاجتماع وحده، بل بما كشفت عنه «واشنطن بوست» من مناقشات أجراها سيباستيان غوركا، مسؤول مكافحة الإرهاب في إدارة ترمب، مع زملاء له بشأن استخدام تصنيفات الإرهاب الأجنبية ضد «أنتيفا».

والغاية المحتملة من ذلك، وفق مسؤولين تحدثوا للصحيفة، هي تبرير ملاحقة أميركيين يُعتقد أن لهم صلات بالحركة؛ لأن الربط بجهات أجنبية قد يفتح أدوات تحقيق أوسع، بينها المراقبة. ووفق هؤلاء، فقد ينتقل الملف من خطاب سياسي ضد اليسار الراديكالي إلى سؤال قانوني بالغ الحساسية: هل يمكن استخدام أدوات مكافحة الإرهاب الخارجية في صراع داخلي أميركي؟

وتزداد الإشكالية لأن «أنتيفا» ليست تنظيماً مركزياً له قيادة وعضوية وتمويل وهيكل واضح، بل مظلة فضفاضة لناشطين ومجموعات مناهضة للفاشية واليمين المتطرف. بعض هؤلاء ينشط في الاحتجاج السياسي، وبعضهم تورط في أعمال عنف.

لذلك؛ يرى خبراء أن تحويل «أنتيفا» منظمةً إرهابيةً أجنبيةً يواجه عقبات قانونية؛ لأن القانون الأميركي يتعامل مع المنظمات الأجنبية ذات البنية المحددة، لا مع تيار داخلي واسع ومتشظٍ. كما أوضحت «أسوشييتد برس» أن الولايات المتحدة لا تملك آلية قانونية مماثلة لتصنيف جماعات داخلية رسمياً «منظماتٍ إرهابيةً»؛ بسبب قيود «التعديل الأول» وحماية حرية التعبير والتنظيم.

ووفق «واشنطن بوست»، فقد حذر أحد مسؤولي إدارة ترمب بأن استخدام تصنيفات الإرهاب والأدوات الأمنية ضد «أنتيفا» قد يخلق سابقة خطيرة يمكن أن تستعملها إدارة ديمقراطية لاحقة ضد المحافظين. ونقلت الصحيفة عن أحد المسؤولين أن المسار الحالي قد يفتح الباب أمام إدارة ديمقراطية مستقبلية، ربما بقيادة حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم إذا وصل إلى البيت الأبيض، لاستخدام السلطات نفسها ضد ناشطين يمينيين. بهذا المعنى، لا يعود الاعتراض دفاعاً عن «أنتيفا»، بل يصبح تحذيراً مؤسسياً من توسيع أدوات مكافحة الإرهاب داخل المجال السياسي، بحيث تصبح قابلة للتداول بين الإدارات المتعاقبة.

عنف سياسي؟

لا يعني ذلك أن العنف اليساري غير موجود أو أن تجاهله ممكن، فقد أصدرت وزارة العدل، في يونيو (حزيران) الماضي، أحكاماً قاسية بحق أفراد وصفتهم بأنهم أعضاء في «خلية (أنتيفا) بشمال تكساس» على خلفية هجوم على منشأة تابعة للهجرة والجمارك، بينها حكم بالسجن 100 عام على بنيامين هانيل سونغ بعد إدانته بمحاولة قتل ضابط إنفاذ قانون. وقدمت الوزارة القضية بوصفها دليلاً على وجود عنف منظم ضد منشآت اتحادية.

لكن تحويل هذه الوقائع عقيدةً أمنيةً شاملةً يظل موضع خلاف. فـ«مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» خلص إلى أن هجمات ومخططات اليسار المتطرف زادت في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، وأن عام 2025 شهد لأول مرة منذ أكثر من 3 عقود عدداً أعلى من حوادث اليسار المتطرف مقارنة باليمين المتطرف. لكنه لفت أيضاً إلى أن الزيادة جاءت من مستويات منخفضة، وأن العنف «اليميني» و«الإسلاموي» ظل تاريخياً أشد فتكاً.

لذلك؛ فإن الخطر في مبادرة روبيو لا يكمن فقط في الاعتراف بوجود عنف يساري، بل في احتمال تضخيمه ليصبح مدخلاً لإعادة تعريف «الاحتجاج الراديكالي» على أنه «تهديد إرهابي عابر للحدود»، وتبرير تدويله وتحويله أولويةً دبلوماسيةً كبرى.

وتؤكد استراتيجية إدارة ترمب لمكافحة الإرهاب؛ الصادرة في مايو (أيار) 2026، أنها لن تستخدم قدرات الدولة ضد الأميركيين لمجرد اختلافهم السياسي، لكنها في الوقت نفسه تضع «المتطرفين اليساريين العنيفين»، بمن فيهم الفوضويون ومناهضو الفاشية، ضمن «فئات التهديد الرئيسية» إلى جانب «العصابات العابرة للحدود» و«الجماعات الإسلاموية».


هل فقدت إسرائيل حصانتها السياسية في واشنطن؟

مظاهرة داعمة للفلسطينيين في واشنطن في 4 يوليو 2026 (رويترز)
مظاهرة داعمة للفلسطينيين في واشنطن في 4 يوليو 2026 (رويترز)
TT

هل فقدت إسرائيل حصانتها السياسية في واشنطن؟

مظاهرة داعمة للفلسطينيين في واشنطن في 4 يوليو 2026 (رويترز)
مظاهرة داعمة للفلسطينيين في واشنطن في 4 يوليو 2026 (رويترز)

صوّت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب لصالح وقف المساعدات الأميركية لإسرائيل. وانضم 103 ديمقراطيين إلى جهود النائب الجمهوري توماس ماسي الهادفة إلى وقف المساعدات، فيما صوّت 93 ديمقراطياً ضد المشروع، في مشهد صادم لقيادات الكونغرس. فصحيح أن الانقسامات الحزبية أمر ليس جديداً في المشهد السياسي الأميركي، لكن الجديد هذه المرة هو سبب الانقسام: دعم إسرائيل. وما كان يعتبر لعقود ملفاً غير حزبي يجمع عليه الديمقراطيون والجمهوريون بكل أجنحتهم، أصبح اليوم من أكثر القضايا إثارة للاستقطاب الذي شقّ الصفوف، وقرّب المسافات بين أقصى اليمين وأقصى اليسار.

فمن جهة، يشهد «الحزب الديمقراطي» موجة متصاعدة من الأصوات المعارضة لإسرائيل دفعت بفوز وجوه تقدمية واشتراكية في انتخابات الحزب التمهيدية، وزعزعت القيادات التقليدية الداعمة لتل أبيب، ومن جهة أخرى تتصاعد أصوات بعض وجوه «ماغا» التي ترفض ما تصفه بـ«الخضوع» الأميركي لإسرائيل.

لكن التحول الأبرز كان داخل «الحزب الديمقراطي»، حيث لم تعد الانتقادات الموجهة لإسرائيل تقتصر على الجناح التقدمي، بل امتدّت لتطغى على النقاشات الداخلية للحزب، وتنعكس في مواقف شخصيات لطالما عُرفت بدعمها القوي لإسرائيل. وظهر هذا التأثير بشكل واضح في فوز عدد من التقدميين في انتخابات الحزب التمهيدية بولايتي نيويورك، وكولورادو، واحتمال امتداد هذه الموجة لولاية ميشيغان الشهر المقبل.

الانتخابات التمهيدية

ممداني والفائز بترشيح «الحزب الديمقراطي» في نيويورك براد لاندر في 23 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

في نيويورك، التي تشهد ظاهرة باتت تُعرف بـ«تأثير ممداني»، في إشارة إلى رئيس البلدية الشاب، انتزع عدد من الديمقراطيين المعروفين بمواقفهم المنتقدة لإسرائيل الفوز من مرشحين داعمين لها، ومدعومين من اللوبي الأميركي الإسرائيلي (أيباك). ففاز كل من براد لاندر الذي وصف حرب غزة بالإبادة الجماعية، وكلير فالديز، التي انتقدت سياسات الحكومة الإسرائيلية، ودارايليزا شيفاليي الناشطة الداعمة لفلسطين، والتي شاركت في احتجاجات جامعة كولومبيا، في الانتخابات التمهيدية. كما تمكنت الشابة الاشتراكية ميلات كيروس الداعمة لوضع قيود على المساعدات لإسرائيل من الفوز على النائبة الديمقراطية المخضرمة دايان ريغيت في انتخابات كولورادو التمهيدية. أما في ميشيغان فينتظر المرشح التقدمي عبد الرحمن السيد، الذي هاجم سياسات إسرائيل، ودعا إلى فرض قيود على المساعدات العسكرية، تحديد مصيره في انتخابات مجلس الشيوخ التمهيدية في الرابع من أغسطس (آب).

وقائع مقلقة لقيادات الحزب التقليدية، التي ستضطر للتعامل مع هذه المواقف في حال وصول هؤلاء المرشحين إلى الكونغرس بعد الانتخابات النصفية. ولعلّ ما يزيد الطين بلة هو أن قيادتي الحزب في الكونغرس هما من نيويورك: تشاك شومر زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، وحكيم جيفريز زعيمهم في مجلس النواب، وكلاهما من الداعمين الشرسين لإسرائيل، وسيكون من الصعب عليهما السيطرة على هذه الموجة في عمليات التصويت في الكونغرس على مشاريع قوانين متعلقة بالدعم الأميركي لإسرائيل. ويواجه كل من شومر وجيفريز اليوم تحدياً مصغّراً في هذا الملف؛ إذ تتعالى بعض الأصوات الديمقراطية داخل الكونغرس الداعية لفرض شروط على المساعدات العسكرية لإسرائيل، ووصلت إلى أوجها بعد طرح النائب الجمهوري المعارض لترمب توماس ماسي تعديلاً لوقف المساعدات لإسرائيل صوتت أغلبية الديمقراطيين لصالحه، ومنهم قيادات حزبية، ككاثرين كلارك، وغريغ كازار.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر خارج الكابيتول في 18 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

موقف حرج لشومر وجيفريز اللذين يسعيان بحذر للحفاظ على وحدة الصف الديمقراطي في موسم انتخابي حرج، مع الالتزام بالوقت نفسه بمواقف لن تؤذي مسيرتهما السياسية. وتحدث بعض المشرعين عن هذا التغيير اللافت في طبيعة النقاش حول دعم إسرائيل في الكونغرس، إذ خرج النائب الديمقراطي بيني تومسون من اجتماع مغلق لنقاش استراتيجية تصويت الحزب على مشروع وقف المساعدات لإسرائيل مندهشاً من طبيعة النقاش، فقال: «أنا أخدم في الكونغرس منذ فترة طويلة جداً، ولم أرَ شيئاً من هذا القبيل من قبل».

وبحسب تومسون، تمحور النقاش حول قطع كل الموارد عن إسرائيل، أو اعتماد نظرة أكثر دبلوماسية، وفتح قنوات حوار حول الموضوع، وكان الاسم الأكثر تردداً في الغرفة اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي فقد شعبيته الكبيرة في صفوف «الحزب الديمقراطي» منذ خطابه الشهير أمام الكونغرس في عهد أوباما في العام 2015، والذي هاجم فيه الرئيس الأميركي الأسبق بشراسة بسبب الاتفاق النووي. منذ ذلك الحين، تشتت الدعم الديمقراطي الثابت لإسرائيل، وتمكن نتنياهو من زعزعة صفوف الحزب في خطاب شكّل نقطة تحول في علاقة الطرفين بعدما اختار رئيس الوزراء مواجهة رئيس ديمقراطي داخل الكونغرس.

استطلاعات رأي وقيود على المساعدات

مناصرو الفائزة بترشيح «الحزب الديمقراطي» في نيويورك كلير فالديز في 23 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وتترجم هذه المواقف اليوم بالأرقام، إذ أظهر استطلاع رأي لـ«أسوشييتد برس» بالتعاون مع «NORC» اتساع رقعة الانقسام في الرأي العام الأميركي، وتراجع الدعم التقليدي لإسرائيل، خاصة داخل «الحزب الديمقراطي». إذ يعتبر نحو ثلث الأميركيين أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية» في غزة، بينهم نحو 50 في المائة من الديمقراطيين، فيما ارتفعت نسبة الديمقراطيين الذين يعتبرون أن واشنطن تدعم إسرائيل «أكثر مما ينبغي» إلى 58 في المائة، مقابل 62 في المائة يرون أنها لا تدعم الفلسطينيين بما يكفي. ورغم استمرار تأييد الجمهوريين لإسرائيل، أظهر الاستطلاع بوادر انقسام بين الأجيال، مع تراجع الدعم بين الجمهوريين الأصغر سناً. أما نتنياهو فتبلغ نسبة المؤيدين له من الأميركيين 20 في المائة فقط.

ويقلق هذا الانقسام العمري في المواقف الديمقراطيين، فدعم الشباب أساسي في صفوف الحزب، ويؤثر على الحماسة في الإقبال على الانتخابات، كما أن الجيل الجديد فعال في اللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتجييش الرأي العام الأميركي. ولعل المثال الأبرز على تنامي تأثير الشباب في صفوف الحزب هو زهران ممداني الذي خاض حملته الانتخابية عبر وسائل التواصل، ولم يتحفظ يوماً عن انتقاد إسرائيل، وسياسات نتنياهو.

وتتردد أصوات مشابهة لممداني داخل أروقة الكونغرس، على رأسها النائبة أليكسندريا أوكاسيو كورتيز عن ولاية نيويورك، والتي يراها البعض منافسة مستقبلية لشومر على مقعده في مجلس الشيوخ، والنائب غريغ كاسار الذي قال بحزم على منصة «إكس» إن الحكومة الإسرائيلية «ارتكبت جرائم حرب في غزة، وساهمت في جرّ الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران». مضيفاً: «لا ينبغي للأميركيين تمويل إرسال المزيد من الأسلحة لنتنياهو».

علاقة مشروطة بإسرائيل؟

كبير موظفي البيت الأبيض السابق رام إيمانويل في شيكاغو في 18 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

لكن المفارقة هنا هي ليست الأصوات التقدمية المعروفة بمواقف من هذا النوع، بل هي أصوات من قلب المؤسسة التقليدية لـ«الحزب الديمقراطي»، ككبير موظفي البيت الأبيض السابق رام إيمانويل الذي يُعدّ من أبرز وجوه التيار الديمقراطي، وليس من الجناح التقدمي المنتقد لإسرائيل.

لطالما كان إيمانويل من الأصوات الشرسة الداعمة لإسرائيل، لكن هذا تغير بحسب خطاب ألقاه في جامعة تل أبيب، حيث دعا إلى إعادة صياغة العلاقة الأميركية-الإسرائيلية، كي يصبح الدعم الأميركي مشروطاً بالتزام إسرائيل بإحياء مسار يؤدي إلى السيادة الفلسطينية، ورفض فكرة «إسرائيل الكبرى»، واعتماد مقاربة تجمع بين الأمن والدبلوماسية بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها.

ووجه إيمانويل انتقادات حادة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، معتبراً أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب «لا يمكن أن تستمر بالشكل الحالي»، وأنها تحتاج إلى «اتجاه جديد». كما اقترح وقف الدعم الأميركي للمشتريات العسكرية الإسرائيلية، وفرض عقوبات على المتورطين في العنف ضد الفلسطينيين، وكذلك على الشركات والبنوك الداعمة للاستيطان في الضفة الغربية.

أوباما وزوجته في المؤتمر الحزبي الديمقراطي في 28 أغسطس 2008 (إ.ب.أ)

وتكتسب مواقف إيمانويل أهمية كبيرة، فهو ينتمي إلى عائلة يهودية تربطها علاقة وثيقة بإسرائيل، ويُعد من رموز التيار الديمقراطي الوسطي، والمقرب من إدارات ديمقراطية متعاقبة، ما يعكس تحولاً متزايداً داخل «الحزب الديمقراطي» في النظر إلى مستقبل العلاقة مع إسرائيل. وقد شغل مناصب رفيعة، بينها كبير موظفي البيت الأبيض في إدارة أوباما، ورئاسة بلدية شيكاغو، قبل أن يتولى منصب السفير الأميركي لدى اليابان في إدارة بايدن، ويُتداول اسمه كأحد المرشحين المحتملين للرئاسة عام 2028.

قد لا يكون الدعم الأميركي لإسرائيل على وشك الانهيار، لكنه لم يعد أيضاً من المسلَّمات السياسية التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. فما كان يعد أحد أكثر ملفات السياسة الخارجية الأميركية استقراراً، بات اليوم موضع نقاش داخل الحزبين، وإن بدرجات متفاوتة. والسؤال لم يعد ما إذا كانت العلاقة ستتغير، بل كيف سيكون حجم هذا التغيير؟!


ترمب يتأخر في إقرار مساعدات الكوارث... ويوافق عليها بدرجة أكبر للولايات الجمهورية

دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 14 يوليو 2026 (إ.ب.أ)
دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 14 يوليو 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب يتأخر في إقرار مساعدات الكوارث... ويوافق عليها بدرجة أكبر للولايات الجمهورية

دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 14 يوليو 2026 (إ.ب.أ)
دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 14 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

عندما تضرب الكوارث الكبرى الولايات المتحدة، يجد الأميركيون أنفسهم في انتظار يمتد لأسابيع، وأحياناً لأشهر، قبل أن تصدر موافقة رئاسية تتيح الإفراج عن المساعدات الفيدرالية. وتُشير البيانات إلى أن احتمالات رفض طلبات المساعدة ترتفع إذا كانت الولاية لم تدعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب سياسياً، وفق تحليل لوكالة «أسوشييتد برس».

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي، وافق ترمب على نحو 65 طلباً لإعلان «كارثة كبرى»، في حين رفض أكثر من 20 طلباً تقدّمت بها ولايات أو أقاليم للحصول على مساعدات مالية فيدرالية بعد أعاصير وعواصف وفيضانات وحرائق.

ووفق تحليل أجرته وكالة «أسوشييتد برس» استناداً إلى بيانات تعود إلى عام 1989، وهو العام الذي دخل فيه قانون اتحادي جديد ينظم معايير إعلان الكوارث حيّز التنفيذ، فإن ترمب يستغرق في المتوسط وقتاً أطول من أي رئيس أميركي آخر للموافقة على طلبات الكوارث. كما لم يُسجل أي رئيس آخر فارقاً مماثلاً في معدلات رفض الطلبات بين الولايات التي دعمته سياسياً وتلك التي لم تدعمه.

وتأتي هذه التأخيرات والرفض في وقت تدرس فيه إدارة ترمب إعادة هيكلة «الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ» المسؤولة عن إدارة مساعدات الكوارث.

وتُخصص إعلانات «الكوارث الكبرى» للحوادث التي تتجاوز قدرات حكومات الولايات والسلطات المحلية على الاستجابة.

ألسنة اللهب تتصاعد من مبنى خلال حريق إيتون في باسادينا بولاية كاليفورنيا الأميركية 7 يناير 2025 (رويترز)

موافقات أعلى للولايات الجمهورية

وخلال ولايته الثانية، رفض ترمب نسبة من طلبات الكوارث تفوق ما رفضه أي رئيس أميركي منذ عام 1989، ولم تتوزع حالات الرفض بالتساوي بين الولايات.

فقد وافق ترمب على 80 في المائة من الطلبات المقدمة من حكام جمهوريين، مقابل نحو 60 في المائة فقط من الطلبات المقدمة من حكام ديمقراطيين، حسب تحليل «أسوشييتد برس» لبيانات وكالة إدارة الطوارئ.

ويصبح هذا التفاوت أكثر وضوحاً عند تصنيف الولايات وفق نتائج الانتخابات الرئاسية؛ إذ وافق ترمب على أكثر من ثلاثة أرباع الطلبات الواردة من الولايات التي صوتت له في انتخابات 2024، في حين وافق على أقل من نصف الطلبات الآتية من الولايات التي لم تمنحه أصواتها. ورغم وجود معايير اتحادية لمنح مساعدات الكوارث، فإن القرار النهائي يبقى بيد الرئيس.

وشملت دفعة من قرارات الرفض الصادرة في وقت سابق من الشهر الحالي 4 ولايات ذات غالبية ديمقراطية هي: ماساتشوستس، ونيوجيرسي، ونيويورك، ورود آيلاند، والتي طلبت مساعدات فيدرالية لمواجهة آثار عاصفة ثلجية ضربتها في فبراير (شباط).

وقال أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب عن ولاية رود آيلاند، المنتمون إلى الحزب الديمقراطي، في بيان مشترك إن «رفض الرئيس يأتي ضمن نمط من الانحياز الحزبي الحاد، في محاولة لتحميل الولايات الديمقراطية أعباء اقتصادية أكبر. ويجب أن تستند مساعدات الكوارث إلى الحاجة، لا إلى الاعتبارات السياسية».

في المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أبيغيل جاكسون، في بيان، أنه «لا يوجد أي تسييس في قرارات الرئيس المتعلقة بالإغاثة من الكوارث».

ويُشير التقرير إلى أنه خلال الولاية الأولى لترمب، وافق في الواقع على نسبة أكبر من الطلبات المقدمة من ولايات عارضته سياسياً مقارنة بالولايات التي دعمته.

ومع ذلك، لم يشهد أي رئيس أميركي فجوة حزبية بهذا الحجم في قرارات إعلان الكوارث كما هي الحال حالياً. ففي ولايته الثانية، وافق الرئيس الأسبق باراك أوباما على 87 في المائة من طلبات الحكام الديمقراطيين، و79 في المائة من طلبات الحكام الجمهوريين، إلا أن نسبة الموافقات كانت متساوية بين الولايات التي صوتت له وتلك التي صوتت ضده.

وعندما تُرفض الطلبات، يتحمل الأفراد وشركات التأمين والحكومات المحلية تكاليف الأضرار بأنفسهم.

سكان من مدينة بوسطن الأميركية يزيلون الثلوج عن سياراتهم 26 يناير 2026 (أ.ب)

فترات انتظار أطول للحصول على المساعدات

وأظهر تحليل «أسوشييتد برس» أنه منذ تولي ترمب منصبه العام الماضي، يستغرق في المتوسط نحو شهر ونصف الشهر للموافقة على إعلان «كارثة كبرى» بعد تلقي طلب من حاكم ولاية أو مسؤول تنفيذي في ولاية أو إقليم أو قبيلة من السكان الأصليين. وبما أن إعداد الطلبات وتقييم الأضرار قد يستغرقان عدة أسابيع بعد وقوع الكارثة، فإن إجمالي فترة الانتظار غالباً ما يتجاوز شهرين.

وبالمقارنة، كان متوسط فترة الموافقة خلال ولاية ترمب الأولى نحو 3 أسابيع، وهو معدّل قريب من فترة الرئيس السابق جو بايدن. أما الرؤساء باراك أوباما، وجورج دبليو بوش، وبيل كلينتون، وجورج بوش الأب، فلم يكن متوسط مدة الموافقة لديهم يتجاوز أسبوعين.

ورغم أن جميع الرؤساء احتاجوا في بعض الحالات إلى وقت أطول لاتخاذ القرار، فإن التأخير أصبح السمة الغالبة في الولاية الثانية لترمب؛ إذ استغرقت 70 في المائة من قرارات الموافقة الحالية شهراً واحداً على الأقل، مقارنة بنحو ربع الطلبات فقط خلال ولايته الأولى وإدارة بايدن، وأقل من 10 في المائة خلال الإدارات السابقة استغرقت شهراً على الأقل.

وقالت أبيغيل جاكسون إن ترمب يجري مراجعة أكثر دقة من أي إدارة سابقة، «لضمان استخدام أموال دافعي الضرائب الأميركيين بكفاءة، بحيث تكمّل جهود الولايات في مواجهة الكوارث، ولا تحل محل مسؤولياتها».

ويؤدي إطالة إجراءات الموافقة إلى تأخير حصول المتضررين على المساعدات الفيدرالية المخصصة لنفقات المعيشة اليومية، والسكن المؤقت، وإصلاح المنازل، كما قد تعرقل جهود التعافي المحلية بسبب عدم وضوح ما إذا كانت السلطات المحلية ستحصل على تعويضات فيدرالية عن إزالة الأنقاض وإعادة بناء البنية التحتية.

مرشّح إدارة الطوارئ يتعهد بتسريع الإجراءات

وتعاقب على قيادة وكالة إدارة الطوارئ 4 مديرين مؤقتين منذ تولي ترمب منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025. وينتظر أحدهم، كاميرون هاميلتون، موافقة مجلس الشيوخ لتولي المنصب بشكل دائم.

وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الشهر الماضي، تعهّد هاميلتون بتسريع قرارات إعلان الكوارث وصرف التعويضات، كما أكد أنه سيضمن أن تكون الوكالة موضوعية وعادلة ومنصفة في مراجعة طلبات الكوارث ورفع توصياتها إلى الرئيس.

وكان هاميلتون، قد أُقيل من منصبه مديراً بالإنابة لوكالة إدارة الطوارئ في مايو (أيار) 2025، بعد إعلانه معارضة خطة ترمب لتفكيك الوكالة. ويرى التقرير أن عودته إلى الواجهة قد تعكس تحولاً في موقف ترمب نحو إصلاح الوكالة بدلاً من إلغائها بالكامل.

مركبات تسير عبر مياه الفيضانات في مدينة نيويورك الأميركية 30 أكتوبر 2025 جراء عاصفة شهدتها المدينة (رويترز)

مقترحات قد تُقلّص حجم المساعدات

وأوصى مجلس استشاري عيّنه ترمب بإجراء سلسلة من التعديلات على وكالة إدارة الطوارئ، من شأنها نقل مسؤوليات أكبر إلى حكومات الولايات، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص عدد إعلانات «الكوارث الكبرى» وخفض حجم التمويل الفيدرالي المخصص لها.

واقترح المجلس تعديل معايير التأهل للحصول على إعلان رئاسي للكوارث؛ بحيث يُشترط أن تنفق الولايات والأقاليم والقبائل الأصلية حدّاً أدنى سنوياً، قبل أن تُصبح مؤهلة للحصول على المساعدة الفيدرالية.

كما أوصى، في مقترح يتطلب موافقة الكونغرس، بخفض مساهمة الحكومة الفيدرالية في تكاليف الكوارث من حد أدنى يبلغ 75 في المائة إلى 50 في المائة، بما يُحمّل الولايات والحكومات المحلية جزءاً أكبر من النفقات.

وفي المقابل، قد تصل الأموال الفيدرالية إلى الجهات التي تحصل على الموافقة خلال 30 يوماً من إعلان الكارثة، بدلاً من الانتظار أشهراً أو سنوات للحصول على التعويضات التي تُصرف حالياً بعد إثبات حجم الإنفاق.

أما بالنسبة للأفراد، فقد أوصى المجلس بدمج عدة برامج مختلفة للمساعدات في دفعة مالية واحدة، تُخصص للأشخاص الذين أصبحت منازلهم غير صالحة للسكن.