«هارفارد» ترفض تهديدات ترمب وتجميده 2.2 مليار دولار من تمويلها

مقاومتها «ضخّت طاقة» في الجامعات والمؤسسات الرافضة

TT

«هارفارد» ترفض تهديدات ترمب وتجميده 2.2 مليار دولار من تمويلها

باحة «هارفارد» في الجامعة (أرشيفية - أ.ف.ب)
باحة «هارفارد» في الجامعة (أرشيفية - أ.ف.ب)

عُدَّ قرار إدارة جامعة «هارفارد»، أعرق وأكبر الجامعات الأميركية، برفض مطالب إدارة الرئيس دونالد ترمب، بشأن سياسات التوظيف والقبول والمناهج الدراسية، أكثر القرارات جرأة في مواجهة ما سمّاه البعض «تدخلاً سياسياً غير مسبوق للحد من استقلالية التعليم الجامعي». وردَّت الإدارة مساء الاثنين بالقول إنها ستُجمد أكثر من ملياري دولار من التمويل الفيدرالي المخصص للجامعة.

بيد أن قرار «هارفارد»، شكَّل حافزاً لعدد من شركات المحاماة ووسائل الإعلام وغيرها من الجهات التي يستهدفها البيت الأبيض، بما فيها المؤسسات الجامعية، وتلك التي رضخت في السابق لضغوط ترمب، مثل جامعة «كولومبيا»، لتشديد لغتها ومقاومتها.

«هارفارد» أقدم من أميركا

تُعد جامعة «هارفارد» أقدم من الولايات المتحدة نفسها بـ140 عاماً، وتحصل على مساعدات حكومية تفوق الناتج المحلي الإجمالي لما يقرب من 100 دولة. وإذا أرادت أي مؤسسةٌ أن تصمد في وجه الحرب التي يشنّها ترمب على الأوساط الأكاديمية، فستكون «هارفارد» على رأس القائمة، حسب عدد من المحللين.

وهو ما قامت به الجامعة بالفعل يوم الاثنين، حين أصدر رئيسها، آلان غاربر، رسالة إلى مجتمع الحرم الجامعي، ضخّت طاقةً في جامعات أخرى بجميع أنحاء البلاد، كتب فيها قائلاً: «لا ينبغي لأي حكومة -بغض النظر عن الحزب الحاكم- أن تُملي ما يمكن للجامعات الخاصة تدريسه، ومَن يمكنها قبوله وتوظيفه، ومجالات الدراسة والبحث التي يمكنها متابعتها». وأوضح أن الرسالة تُوضح أن نية الحكومة ليست العمل بشكل بنّاء لمكافحة معاداة السامية، وبأن غالبية المطالب «تُمثل تنظيماً حكومياً مباشراً لـ(الظروف الفكرية) في (هارفارد)». وأضاف: «لن تتنازل الجامعة عن استقلالها أو حقوقها الدستورية».

متظاهرون في كامبريدج سيتي يناشدون إدارة «هارفارد» مقاومة تدخل إدارة ترمب السبت الماضي (رويترز)

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مايكل لوتيغ، وهو قاضٍ بارز سابق في محكمة الاستئناف الفيدرالية، ويحظى باحترام عدد من المحافظين قوله: «هذا القرار بالغ الأهمية. يجب أن يكون نقطة تحول في هجوم الرئيس على المؤسسات الأميركية».

ورحَّب مايكل روث، رئيس جامعة «ويسليان»، وهو منتقد نادر للبيت الأبيض بين مديري الجامعات، بقرار جامعة «هارفارد». وقال: «عندما تتجاوز المؤسسات حدودها، فإنها تُغيِّر مسارها عندما تواجه مقاومة. الأمر أشبه بإيقاف مُتنمّر في مكانه».

وفي بيان لجامعة «كولومبيا»، التي خضعت في السابق لضغوط البيت الأبيض، بعدما جمَّد لها 400 مليون دولار من المساعدات، قالت رئيستها بالإنابة، كلير شيبمان، إن الجامعة تُواصل مناقشاتها مع فريق العمل، وتتمسك بالالتزامات التي أُعلن عنها سابقاً. وأبدت كلير شيبمان معارضةً أشدّ مما سبق للجامعة أن أعلنته سابقاً، راسمةً بعض الخطوط الحمراء.

وأضافت كلير شيبمان أن «الطلبات المُفرطة في التوجيه بشأن حوكمتنا، وكيفية إجرائنا لعملية البحث عن رئيس جديد للجامعة، وكيفية مُعالجة قضايا تنوع وجهات النظر تحديداً، غير قابلة للتفاوض»، وأن جامعة «كولومبيا» سترفض أي اتفاق تُملي فيه الحكومة على الجامعة ما تُدرّسه أو تُجريه من أبحاث أو من تُعيّنه. وأضافت، في معرض سعيها إلى حوارٍ بنّاء مع الحكومة، «سنرفض أي اتفاق يُلزمنا بالتخلي عن استقلاليتنا بصفتنا مؤسسة تعليمية».

متظاهرون في كامبريدج سيتي لدعم جامعة «هارفارد» بوجه ضغوط إدارة ترمب السبت الماضي (رويترز)

وقف 2.2 مليار دولار

وبعد ساعات من قرار «هارفارد»، ردّت فرقة العمل المشتركة متعددة الوكالات لمكافحة معاداة السامية، بالإعلان عن تجميد منح بقيمة 2.2 مليار دولار للجامعة، على مدى سنوات، بالإضافة إلى تجميد عقد بقيمة 60 مليون دولار. وكتبت قائلة: «يُعزز بيان (هارفارد) اليوم عقلية الاستحقاق المقلقة المتفشية في أعرق جامعات وكليات بلادنا، وهي أن الاستثمار الفيدرالي لا يأتي مع مسؤولية دعم قوانين الحقوق المدنية».

وصرح هاريسون فيلدز، المتحدث باسم البيت الأبيض، بأن الجامعات لا يحق لها الحصول على تمويل فيدرالي. «يعمل الرئيس ترمب على جعل التعليم العالي عظيماً مرة أخرى من خلال إنهاء معاداة السامية الجامحة، وضمان عدم استخدام أموال دافعي الضرائب الفيدراليين لتمويل دعم جامعة (هارفارد) للتمييز العنصري الخطير أو العنف بدوافع عنصرية. إن جامعة (هارفارد) أو أي مؤسسة ترغب في انتهاك الباب السادس، بموجب القانون، غير مؤهلة للحصول على تمويل فيدرالي».

ومع أن تجميد هذا المبلغ يعد ضئيلاً قياساً إلى ما تحصل عليه «هارفارد» من مساعدات، بقيمة 9 مليارات دولار؛ حيث يخصص 7 مليارات منها للمستشفيات الأحد عشر التابعة لها في بوسطن وكامبريدج، بما في ذلك مستشفى ماساتشوستس العام، ومستشفى بوسطن للأطفال، ومعهد دانا فاربر للسرطان. ومع ذلك، لم يتضح بعد ما هي البرامج التي سيؤثر عليها تجميد المليارين المتبقيين، لكن يتوقع أن يترك ذلك أثراً بالغاً على بعض المنح البحثية الموجهة مباشرة، بما في ذلك برامج استكشاف الفضاء، ومرض السكري، والسرطان، ومرض ألزهايمر، والسل.

تطهير «الوعي»

وتُعد «هارفارد»، أغنى وأقدم جامعة في البلاد، الهدف الأبرز لحملة إدارة ترمب «تطهير» الجامعات الأميركية من آيديولوجية «الوعي» (الوعي السياسي)، وتشمل مشاركة بيانات التوظيف مع الحكومة، واستقدام جهة خارجية لضمان «تنوع وجهات النظر» في كل قسم أكاديمي.

ويسعى الرئيس ترمب وستيفن ميلر، أحد مساعديه المؤثرين، لخوض معركة في إطار جهود الإدارة لكسر ما تعدّه «قبضة الليبرالية» على التعليم العالي. ومن شأن المعركة القضائية معها أن تمنح البيت الأبيض منصة لمواصلة الجدل بأن «اليسار أصبح مرادفاً لمعاداة السامية والنخبوية وقمع حرية التعبير».

وقال ستيفن بينكر، عالم النفس البارز في جامعة «هارفارد» ورئيس مجلس الحرية الأكاديمية فيها، يوم الاثنين، إن فرض الحكومة التنوع في وجهات النظر على الجامعة «أمرٌ أورويليٌّ بحق (في إشارة إلى كتاب جورج أورويل الشهير) ومتناقضٌ ذاتياً». وأضاف أن ذلك سيؤدي أيضاً إلى سخافات.

وتساءل: «هل ستُجبر هذه الحكومة قسم الاقتصاد على توظيف ماركسيين، أو قسم علم النفس على توظيف يونغيين، أو، في هذا الصدد، كلية الطب على توظيف معالجين بالطب المثلي أو معالجين أميركيين أصليين؟».

ولم تنجُ جامعة «هارفارد» من المشكلات التي عصفت بالجامعات في جميع أنحاء البلاد بعد هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وفي رسالته، قال الدكتور غاربر إن الجامعة اتخذت خطوات لمعالجة معاداة السامية، ودعم وجهات النظر المتنوعة، وحماية حرية التعبير والمعارضة.

متظاهرون معارضون لحرب إسرائيل على غزة في باحة «هارفارد» 25 أبريل 2025 (أ.ب)

محاميا ترمب يدافعان عن «هارفارد»

وهي النقاط التي رفعها محاميا الجامعة، ويليام بورك وروبرت هور، في الدعوى القضائية، ضد الإدارة. لكن المثير في دعوى هارفارد، أن المحامي بورك هو أيضاً مستشار أخلاقي خارجي لمنظمة ترمب، في حين أن المحامي هور، عمل في وزارة العدل خلال ولاية ترمب الأولى، والمستشار الخاص الذي حقق في تعامل الرئيس جو بايدن مع وثائق سرية، ووصفه بأنه «رجل مسن ضعيف الذاكرة». ويدرك كلا المحاميين الآليات القانونية للإدارة الحالية، وهو ما عُدّ خبرة ستخدم جامعة «هارفارد» في معركتها القضائية.

وكتب المحاميان بورك وهور في الرسالة الموجهة إلى القائمين بالإنابة عن المستشارين العامين لوزارتي التعليم والصحة والخدمات الإنسانية، وإلى مفوض في إدارة الخدمات العامة: «لا تزال جامعة (هارفارد) منفتحة على الحوار حول ما قامت به الجامعة، وما تُخطط للقيام به، لتحسين تجربة كل فرد من أفراد مجتمعها. لكن (هارفارد) ليست مستعدة للموافقة على مطالب تتجاوز السلطة القانونية لهذه الإدارة أو أي إدارة أخرى».

حتى الآن ليس من الواضح ما الإجراءات الأخرى التي يمكن أن تتخذها إدارة ترمب ضد «هارفارد»، على الرغم من أن الإجراءات المحتملة قد تشمل التحقيق في وضعها غير الربحي وإلغاء مزيد من تأشيرات الطلاب الدوليين.


مقالات ذات صلة

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بعد دوي طلقات نارية

الولايات المتحدة​  الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بعد دوي طلقات نارية

أجلى رجال الخدمة السرية الرئيس الاميركي دونالد ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن مساء السبت بينما سُمع دوي قوي لطلقات نارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)

مقتل ضابط وإصابة آخر في إطلاق نار بمستشفى في مدينة شيكاغو الأميركية

توفي ضابط شرطة وأصيب آخر بجروح حرجة بعد إطلاق نار في مستشفى بمدينة شيكاغو الأميركية يوم السبت، وفقا لمسؤولين.

«الشرق الأوسط» (شيكاغو)
أميركا اللاتينية عناصر من الشرطة المكسيكية في إسكوبيدو المكسيك يوم 20 أبريل 2022 (رويترز)

عميلان أميركيان قُتلا في المكسيك لم يحملا تصريحاً ودخلا بصفة زائر ودبلوماسي

أعلنت وزارة الداخلية المكسيكية السبت أن عميلين أميركيين يُعتقد أنهما ينتسبان لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) لقيا حتفهما في حادث سير.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
المشرق العربي ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهاتٍ جديدة تقضي برفض منح «غرين كارد» (البطاقة الخضراء) للمهاجرين الذين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

قال وزير الدفاع بيت هيغسيث، صباح الجمعة، إنَّ القوات الأميركية ستُبقي على حصار مضيق هرمز «ما دام الأمر اقتضى ذلك». وقبل ذلك بيوم، أعلن مسؤول إيراني كبير، على…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بعد دوي طلقات نارية

 الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
TT

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بعد دوي طلقات نارية

 الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)

أجلى رجال الخدمة السرية الرئيس الاميركي دونالد ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن مساء السبت بينما سُمع دوي قوي لطلقات نارية، وفق ما أفاد شهود عيان بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.

لحظة إجلاء الرئيس الأميركي عقب إطلاق النار (رويترز)

واندفع الضيوف الذين كانوا يحضرون حفل العشاء للاحتماء تحت الطاولات بعد سماع أصوات الطلقات، في حين تمركز رجال الأمن شاهرين مسدساتهم حول المنصة حيث كان ترمب يجلس قبل أن يتم إخراجه من المكان.

أفراد الخدمة السرية خلال استجابتهم لسماع دوي طلقات نارية (أ.ب)

وطوّقت الشرطة فندق هيلتون واشنطن الذي كان يستضيف الحفل وحلقت مروحيات في أجوائه. وأفاد تقرير صحافي مشترك نقلاً عن جهاز الخدمة السرية أن مطلق النار قيد الاحتجاز.

وأعلن ترمب بعد إجلائه، أنه تم إلقاء القبض على مطلق النار، وأنه أوصى بأن يتم «استكمال الحفل»، مشيراً إلى أن جهات إنفاذ القانون ستبت في الأمر.


مقتل ضابط وإصابة آخر في إطلاق نار بمستشفى في مدينة شيكاغو الأميركية

رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
TT

مقتل ضابط وإصابة آخر في إطلاق نار بمستشفى في مدينة شيكاغو الأميركية

رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)

توفي ضابط شرطة وأصيب آخر بجروح حرجة بعد إطلاق نار في مستشفى بمدينة شيكاغو الأميركية يوم السبت، وفقا لمسؤولين.

وقال لاري سنيلينج، مدير شرطة شيكاغو، إنه تم احتجاز المشتبه به، الذي لم يجر الكشف عن هويته.

وقال سنيلينج في مؤتمر صحافي بعد الظهر: «نقل الضباط فردا إلى مستشفى سويديش للملاحظة، وفي ذلك الوقت تعرض اثنان من ضباطنا لإطلاق نار. أحدهما أصيب بجروح حرجة وأعلنت وفاته، والضابط الثاني يقاتل الآن من أجل حياته في المستشفى».

ووقع إطلاق النار في مستشفى «إنديفور هيلث سويديش» في شيكاغو، وقال المستشفى إن مجمعه وضع تحت الإغلاق، وإن المرضى والموظفين في المنشأة الصحية في أمان.

وذكر سنيلينج أن هناك تحقيقا جاريا، ولم يتمكن من تقديم تفاصيل. لكن المستشفى ذكر في منشور على «فيسبوك» أن فردا كان محتجزا لدى السلطات الأمنية أحضر إلى قسم الطوارئ لتلقي العلاج وتم «تفتيشه عند الوصول» بجهاز الكشف اليدوي، وفقا للبروتوكولات. وقال المستشفى إنه كان برفقة قوات إنفاذ القانون في جميع الأوقات.

وأضاف المستشفى أن الرجل أطلق النار لاحقا على ضباط إنفاذ القانون وخرج من مبنى المستشفى، وتم القبض عليه في وقت لاحق.


غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
TT

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

عندما تفاوض الرئيس باراك أوباما على اتفاق نووي مع إيران قبل أكثر من عقد، كان مبعوثه الرئيسي هو وزير الخارجية جون كيري. وعلى مدى 20 شهراً من المحادثات، التقى كيري نظيره الإيراني فيما لا يقل عن 18 يوماً مختلفاً، وغالباً عدة مرات في اليوم الواحد.

وكانت الدبلوماسية النووية رفيعة المستوى تُعدّ دوراً طبيعياً لكبير الدبلوماسيين الأميركيين، فعادة ما يتولى وزراء الخارجية قيادة أبرز المهام الدبلوماسية للبلاد، من معاهدات الحدّ من التسلح إلى الاتفاقات الإسرائيلية - الفلسطينية.

لكن مع استعداد الرئيس دونالد ترمب لإرسال وفد إلى الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية - الإيرانية في باكستان هذا الأسبوع، سيبقى وزير خارجيته، ماركو روبيو، حيث يوجد غالباً: داخل الولايات المتّحدة. ولم يحضر روبيو الاجتماع الأميركي الأخير مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر. كما لم يشارك في عدة اجتماعات عُقدت خلال العام الماضي في جنيف والدوحة.

وغاب روبيو أيضاً عن وفود أميركية في الخارج تعمل على تسوية الحرب في أوكرانيا وحرب إسرائيل في قطاع غزة. وعلى الرغم من فترة طويلة من الأزمات والحروب في المنطقة، فإنه لم يزر الشرق الأوسط منذ توقف قصير في إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

منصب مزدوج

وفي الأشهر الأخيرة، لم يسافر روبيو كثيراً على الإطلاق؛ إذ استهلكه دوره الثاني بوصفه مستشاراً للأمن القومي لدى ترمب. وخلال إدارة جو بايدن، قام وزير الخارجية أنتوني بلينكن بـ11 رحلة خارجية بين يناير (كانون الثاني) 2024 وأواخر أبريل (نيسان) 2024، زار خلالها نحو ثلاث عشرة مدينة، وفق وزارة الخارجية. أما روبيو، فقد زار هذا العام ست مدن أجنبية، من بينها محطة في ميلانو لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.

وقد عهد ترمب بجزء كبير من دبلوماسيته إلى آخرين، بينهم صديقه ستيف ويتكوف، وهو شريك ثري من عالم العقارات في مانهاتن، وصهره جاريد كوشنر. وقد قاد ويتكوف وكوشنر الجهود الدبلوماسية مع إسرائيل وأوكرانيا وروسيا، وكذلك إيران، التي سيلتقي وفدها للمرة الثانية هذا الشهر في إسلام آباد، عاصمة باكستان.

ويعكس ابتعاد روبيو عن خطوط التماس الدبلوماسية دوره المزدوج في فريق الأمن القومي لترمب. فعلى مدى العام الماضي، شغل منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، حتى في أثناء قيادته وزارة الخارجية - وهو أول شخص يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في منتصف سبعينات القرن الماضي.

ويتولى وزير الخارجية إدارة وزارة الخارجية، والإشراف على الدبلوماسيين الأميركيين والسفارات حول العالم، إضافة إلى صُنّاع السياسات في واشنطن. أما مستشار الأمن القومي فيعمل من البيت الأبيض على تنسيق عمل الوزارات والوكالات، بما في ذلك وزارة الخارجية، لوضع توصيات سياسية للرئيس.

تعزيز العلاقة مع ترمب

ويعكس الجمع بين المنصبين نفوذ روبيو لدى ترمب، ويُوفّر له وسيلة للحفاظ عليه. فبالنسبة لروبيو، يعني قضاء وقت أقل في الخارج وقتاً أطول إلى جانب رئيس يميل إلى اتخاذ قرارات حاسمة في مجال الأمن القومي في أي لحظة.

وعندما التقى ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس مسؤولين إيرانيين في باكستان، في وقت سابق من هذا الشهر، كان روبيو إلى جانب ترمب في فعالية لـ«بطولة القتال النهائي»، بحسب ما أشارت إليه إيما أشفورد، المحللة في شؤون الدبلوماسية الأميركية لدى مركز «ستيمسون» في واشنطن. وقالت: «من الواضح أن روبيو يفضل البقاء قريباً من ترمب».

وكان روبيو قد تولى منصب مستشار الأمن القومي بصفة مؤقتة في مايو (أيار) الماضي، بعد أن أعاد ترمب تكليف شاغل المنصب السابق مايكل والتز. غير أن مسؤولين يقولون إنه يُتوقع أن يحتفظ بالمنصب إلى أجل غير مسمى. وأضافت أشفورد أن هذا الترتيب ليس سيئاً بالضرورة، مشيرة إلى أن رؤساء سابقين أوكلوا مهام دبلوماسية كبرى إلى أشخاص غير وزير الخارجية. فقد كلّف بايدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز بإدارة الدبلوماسية مع روسيا، ومفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، على سبيل المثال.

لكنها رددت شكاوى العديد من الدبلوماسيين الحاليين والسابقين بأن روبيو يبدو كمستشار أمن قومي يظهر أحياناً في وزارة الخارجية. وقالت: «أعتقد أن ذلك يضر بوزارة الخارجية ككل، وبقدرة الولايات المتحدة على إدارة الدبلوماسية بشكل عام؛ إذ إننا فعلياً لدينا منصب وزير الخارجية شاغراً».

من جانبه، رفض تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هذه الانتقادات، قائلاً: «أي شخص يحاول تصوير التنسيق الوثيق بين الوزير روبيو والبيت الأبيض والوكالات الأخرى على أنه أمر سلبي، فهو مخطئ تماماً». وأضاف: «لدينا الآن مجلس أمن قومي ووزارة خارجية يعملان بتناغم كامل، وهو هدف استعصى على إدارات سابقة لعقود».

توازن صعب

ويقسم روبيو وقته بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وغالباً ما يقضي وقتاً في كليهما في اليوم نفسه. وفي مقابلة مع «بوليتيكو» في يونيو (حزيران)، قال إنه يزور وزارة الخارجية «تقريباً كل يوم».

وفي أثناء وجوده هناك، يلتقي غالباً مسؤولين زائرين قبل أن يعود إلى البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، ترأس روبيو اجتماعاً في وزارة الخارجية بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين مهّد الطريق لوقف إطلاق النار في لبنان. وقال إن وظيفتيه «تتداخلان بالفعل في كثير من الحالات». وأضاف: «في كثير من الأحيان، تجد نفسك في الاجتماعات نفسها أو في الأماكن نفسها؛ الأمر ببساطة أن هناك شخصاً أقل في الغرفة، إذا فكرت في الأمر». وتابع: «كان كثير من الناس يأتون إلى واشنطن للاجتماعات ويرغبون في لقاء مستشار الأمن القومي ثم لقائي بصفتي وزير الخارجية. الآن يمكنهم القيام بالأمرين في اجتماع واحد».

وعند سؤاله عن جدول سفره خلال مؤتمر صحافي في ديسمبر (كانون الأول)، قال روبيو إن لديه أسباباً أقل للسفر إلى الخارج؛ لأن «الكثير من القادة يأتون إلى هنا باستمرار» لزيارة ترمب في البيت الأبيض. كما يرافق روبيو ترمب في رحلاته الخارجية بصفته مستشاراً للأمن القومي.

ويرى العديد من المخضرمين في شؤون الأمن القومي أن هذا الترتيب غير حكيم، مؤكدين أن كلا المنصبين شديد المتطلبات، ولا يتوافقان معاً.

تجربة كيسنجر

ولم يكن الأمر سهلاً حتى بالنسبة لكيسنجر، الذي كان قد رسّخ موقعه على مدى أكثر من أربع سنوات مستشاراً للأمن القومي قبل أن يقنع الرئيس ريتشارد نيكسون بالسماح له بتولي منصب إضافي كوزير للخارجية عام 1973. وعلى عكس نهج روبيو، كان كيسنجر دائم الحركة، بما في ذلك جولات دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط أبقته متنقلاً لمدة 33 يوماً متواصلة.

وقال ماثيو واكسمان، الذي شغل مناصب رفيعة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والبنتاغون خلال إدارة جورج دبليو بوش: «بشكل عام، يُعد الجمع بين هذين الدورين خطأ». وأضاف: «مع ذلك، ليس بالضرورة أمراً سيئاً أن يكون روبيو، الذي يجمع بين المنصبين، بعيداً نسبياً عن الواجهة حالياً». وتابع: «خاصة في وقت يتركز فيه كثير من الاهتمام على دبلوماسية دقيقة مع إيران، يحتاج شخص ما إلى إدارة السياسة الخارجية في بقية أنحاء العالم».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».