ترمب بين الاحتجازات والترحيل

تصاعد المخاوف بين المهاجرين الشرعيين بترحيلهم بسبب معارضتهم للإدارة

أحد مناصري ترمب يواجه متظاهرين داعين لإطلاق سراح خليل في نيويورك في 12 مارس 2025 (أ.ف.ب)
أحد مناصري ترمب يواجه متظاهرين داعين لإطلاق سراح خليل في نيويورك في 12 مارس 2025 (أ.ف.ب)
TT

ترمب بين الاحتجازات والترحيل

أحد مناصري ترمب يواجه متظاهرين داعين لإطلاق سراح خليل في نيويورك في 12 مارس 2025 (أ.ف.ب)
أحد مناصري ترمب يواجه متظاهرين داعين لإطلاق سراح خليل في نيويورك في 12 مارس 2025 (أ.ف.ب)

أثارت قضية الطالب في جامعة كولومبيا محمود خليل، موجةً من ردود الفعل في الولايات المتحدة وحول العالم، فهذا الطالب الذي نظم احتجاجات ضد حرب غزة تم احتجازه من قبل السلطات الأميركية مع التهديد بسحب البطاقة الخضراء منه وترحيله من البلاد. ولا تزال التهم الموجهة ضده غير واضحة حتى الساعة، على غرار مصيره.

لكن بغض النظر عن التهم، وعن مواقف خليل السياسية، أثارت هذه القضية دهشة الكثيرين الذين اتهموا الإدارة الأميركية بتخطي صلاحياتها وانتهاك الدستور الأميركي، تحديداً البند الأول منه وهو حرية الرأي والتعبير، كما سلطت الضوء على قضية أخرى متعلقة بالبطاقات الخضراء، وصلاحيات إلغاء حق الإقامة في الولايات المتحدة.

يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، الأسس القانونية لممارسات الإدارة الأميركية في قضية خليل وغيرها من قضايا الترحيل، والمعايير المتبعة لسحب الإقامة وترحيل طلاب الجامعات الذين شاركوا في الاحتجاجات ضد حرب غزة.

حرية رأي أم تهديد للأمن القومي؟

لافتات تدافع عن حرية التعبير خلال احتجاج لإطلاق سراح خليل في واشنطن في 14 مارس 2025 (إ.ب.أ)

تقول الكاتبة في صحيفة «ذي هيل»، ساراكشي راي، إن الجدل القائم حالياً في قضية خليل هو معركة حول حرية التعبير المحمية في الدستور، وهي حق للمهاجرين وليس للأميركيين فحسب، وبين ما تحاول الحكومة إثباته، وهو أن القضية لا تتعلق يحق حرية التعبير بل بتهديد لأمن الولايات المتحدة القومي، وتضيف: «ما نسمعه من المحافظين هو أن هذه ليست قضية حق حرية التعبير، لا بل قضية أمن قومي ما يعني أن دعم محمود خليل وتأييده للحراك الفلسطيني يعادلان دعمه لـ(حماس)، وبذلك فهو قد انتهك البند 237 من قانون الهجرة في الولايات المتحدة، ما يمنح الحق إلى وزير الخارجية ماركو روبيو في إلغاء بطاقته الخضراء وترحيله».

ويوافق دانيال ستاين، رئيس الاتحاد الأميركي لإصلاح الهجرة، مع مقاربة الإدارة الأميركية، فيقول من إن الحقوق التي يتمتع بها الأميركيون مختلفة عن حاملي البطاقات الخضراء أو تأشيرات الدخول، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة «ليست فندقاً وهي أكثر من جامعة»، وأن الهجرة هي جزء من عوامل السياسة الخارجية والأمن القومي. ويضيف مفسراً: «فيما يتعلق بأهداف الهجرة، فإن البطاقات الخضراء هي أساسياً فترة انتظار لحين ما تصبح مواطناً. والنشاطات التي يشارك فيها الشخص على الأراضي الأميركية مع بطاقة خضراء أو تأشيرة الإقامة الدائمة، يجب أن تكون متوافقة مع الأهداف التي قد تم قبول هذا الشخص على أساسها. وهنا يملك وزير الخارجية سلطة تقديرية واسعة لرفض أشخاص على أساس الأمن القومي والمصلحة العامة. «ويشير ستاين إلى أن قضية خليل تتخطى حرية التعبير لأنه شارك في نشاطات من ضمنها التعدي على الممتلكات وتدميرها، في إشارة إلى الاحتجاجات في جامعة كولومبيا»، مضيفاً: «مُنح ماركو روبيو بصفته وزيراً للخارجية الصلاحية من قبل الكونغرس لكي يقرر ما إذا كان سينزع البطاقة الخضراء أو أي تأشيرة أو ليمنع عودة أي شخص يحمل تأشيرة إلى داخل البلاد بسبب تصريحات أدلوا بها خارج البلاد».

لكن راؤول رايس، المحامي المختص بشؤون الهجرة والطالب السابق في كلية الحقوق في جامعة كولومبيا، يشير إلى قلقه العميق من قضية خليل، معتبراً أنها سابقة قانونية، وقد تكون غير دستورية. ويرد على ادعاء ستاين قائلاً: «صحيح أن الحكومة الأميركية تملك الحق بنزع البطاقة الخضراء، وعادة ما يتم عرض القضية على قاضٍ للهجرة، وقد تستغرق بعض الوقت، وفي هذه الحالة، ينبغي على الحكومة أن تبرز نوعاً من الإثباتات؛ أي على سبيل المثال، لو قدم خليل الدعم المادي إلى المنظمات الإرهابية أو أمر من هذا القبيل»، لكن رايس يرى أن هذه ليست الحال هنا؛ لأن الحكومة الأميركية تستعمل البند المذكور في قانون الجنسية والهجرة للادعاء بأن خليل يشكل تهديداً لأهداف السياسة الخارجية، مضيفاً: «هذا تصنيف مبهم جداً لشخص يعد مقيماً دائماً بشكل قانوني، وهناك خطورة في تحديد شروط الحصول أو الإبقاء على البطاقة الخضراء على وجهات النظر السياسية، وما إذا كانت وجهة النظر هذه تتوافق مع مواقف إدارة معينة ولا تتوافق مع مواقف الإدارة التي تليها مثلاً... لهذا السبب هناك حماية للتعديل الأول من الدستور».

حقوق مختلفة

خليل خلال احتجازه في نيويورك من قبل السلطات الأميركية في 8 مارس 2025 (رويترز)

ويرفض ستاين هذه المقاربة، مشدداً على دور الرئيس الأميركي وفريقه، تحديداً وزير الخارجية، في تحديد مسائل تتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، ويرى أن المحاكم الأميركية غير مؤهلة وغير معنية في النظر في قضايا السياسة الخارجية، مضيفاً: «تاريخياً، كان هناك تدخل منخفض للمحاكم عندما تتعلق القضية بعناصر خاصة بالسياسة الخارجية الأميركية ومصالح الأمن القومي. من الواضح أن سياسة أميركا الخارجية تدعم إسرائيل، وتدعم تسليح إسرائيل ودعم أهدافها العسكرية. عندما يأتي شخص إلى هنا ويدعم منظمة تساعد أو تشارك في حرب ضد إسرائيل، فإن المحاكم ستعطي القرار إلى وزير الخارجية».

ورداً على رايس يعيد ستاين التأكيد على أن المواطنين الأميركيين يتمتعون بحقوق كبيرة فيما يتعلق بالتعديل الأول من الدستور، لكن هذا لا ينطبق بحسب رأيه على أشخاص يملكون البطاقة الخضراء ويفسر قائلاً: «هؤلاء ما زالوا يتعلمون معنى العيش في بلاد ديمقراطية ليصبحوا مواطنين أميركيين، هم يشاركون في ديمقراطية ذاتية الحكم ويتعلمون كيف يكونون مواطنين في الولايات المتحدة، وهذا ما يفعلونه خلال فترة الانتظار لخمسة أعوام أو ثلاثة أعوام في بعض الحالات لكي يصبحوا مواطنين أميركيين».

وبمواجهة هذه القضايا، يعرب الديمقراطيون عن احتجاجهم على أسلوب تعاطي الإدارة الأميركية مع هذه الملفات، واستعمال قانون الهجرة أساساً لترحيل المهاجرين الشرعيين، لكن راي تشير إلى غياب كبير في أي استراتيجية ديمقراطية، موضحة أن الحزب الديمقراطي لا يزال يحاول تحديد طريقة لمكافحة الواقع الجديد، خاصة أنهم في موقع الأقلية في مجلسي الشيوخ والنواب ولم يتصالحوا بعد مع قاعدتهم على مسائل رئيسية. وتضيف: «ما رأيناه حتى الآن من الديمقراطيين هو استجابة مكتومة فهم لا يملكون حالياً أي تفويض للقيام بأي شيء، وما يحاولون القيام به حالياً هو إيجاد طريقة لتوحيد الحزب لأنه في الوقت الحالي، لا يملك الحزب أي قيادة واضحة».

تجاهل حكم القانون

متظاهرون داخل ترمب تاور في نيويورك يدعون لإطلاق سراح خليل في 13 مارس 2025 (أ.ب)

ويرجح رايس أن تحكم المحكمة لصالح خليل، لكنه يعرب عن مخاوفه من أن الإدارة الأميركية ستتجاهل حكم القانون كما فعلت في قضية ترحيل فنزويليين إلى السلفادور رغم قرار المحكمة بعدم فعل ذلك، ويذكر رايس أن إدارة ترمب لم تحدد حتى الساعة أي اتهامات بحق خليل، مشيراً إلى أن هذا يعد من أحد الأسباب الرئيسية لوجود هذا الكم من الاحتجاجات حول هذه القضية. ويضيف: «بينما نناقش مصادر القلق حول احترام حق التعديل الأول وتفاصيل قانون الهجرة، لنكن واضحين حيال ما تدور حوله هذه القضية: يبدو أن الإدارة تسلح قوانين الهجرة لملاحقة الناس والمهاجرين القانونيين الذين لا يتفقون مع وجهات نظرها».

لكن ستاين لا يوافق على هذا التقييم، ويرى أن مفاجأة الكثيرين من قضية خليل وغيرها من قضايا الترحيل تعود بشكل أساسي إلى عدم تطبيق قوانين الهجرة في عهد بايدن، ويذكّر ستاين بأن قضايا الهجرة مختلفة أشد الاختلاف عن القضايا الجنائية؛ إذ إنها تقتصر على إلغاء حق الأشخاص في الوجود في الولايات المتحدة وليس محاكمتهم، مضيفاً: «هذا ليس عقاباً أو سجناً، إنه ببساطة إلغاء حق مواطن من دولة أخرى في الوجود هنا وإرساله إلى بلاده، وهناك حد أدنى من الإجراءات المطلوبة دستورياً لجلسات الترحيل، لذلك فإن اعتبار هذه القضية وكأنها قضية سجن لمدة 30 عاماً بسبب اعتقادات الشخص السياسية هو أمر خاطئ».

ويهب رايس معارضاً فيشير إلى أن المنشآت التي يحتجز فيها المهاجرون الشرعيون كخليل، تشبه السجن، ويتحدث عن المرافق التي نقل إليها خليل في لويزيانا والتي تم التحقيق فيها من قبل إدارة الأمن الداخلي في 2021 بسبب الظروف غير الإنسانية والقاسية هناك، وعدم تعيين محامين وغياب الرعاية الطبية. ويضيف: «وجوده هناك الآن هو عقاب. وبصفته مواطناً أجنبياً يحمل البطاقة الخضراء، فهو يحق له الحصول على الإجراءات القانونية الواجبة، ويحق له أن يعلم التهم الموجهة إليه. يحق له بجلسة استماع أمام قاضي هجرة والتواصل مع محاميه. هذه ضمانات دستورية لم تمنح له حتى الآن».

وتشير راي إلى وجود قضايا أخرى مماثلة لقضية خليل؛ إذ احتجزت السلطات الأميركية طالباً في جامعة جورج تاون لأسباب مماثلة تتعلق بمشاركته في احتجاجات ضد حرب غزة، وقد تم نقله كذلك إلى لويزيانا، وتضيف: «لم نسمع أي تصريح بعد من الحكومة عن سبب إرسالهما إلى لويزيانا، ورغم أن القاضي قرر نقل قضية محمود خليل إلى نيو جيرسي فهذا لا يعني بالضرورة أن سيتم نقله هو إلى نيو جيرسي».

وتتحدث ساراكشي عن خوف متصاعد من قبل المهاجرين الشرعيين المقيمين في الولايات المتحدة، مشيرة إلى أنهم قلقون من استخدام أي احتجاج ضدهم في استماراتهم للحصول على الجنسية وأضافت: «هم خائفون من أنهم إذا عبروا عن رأي معاكس لموقف ما، فهل سيتم استخدام ذلك ضدهم؟».


مقالات ذات صلة

هل دخل البرنامج الصاروخي الإيراني عتبة المدى العابر للقارات؟

تحليل إخباري تجربة صاروخ «قدر» الباليستي فبراير 2016 وكانت أول تجربة صواريخ باليستية عقب إبرام الاتفاق النووي في فترة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما (أرشيفية - مهر)

هل دخل البرنامج الصاروخي الإيراني عتبة المدى العابر للقارات؟

يكشف إطلاق صاروخ إيراني باتجاه قاعدة «دييغو غارسيا» البريطانية - الأميركية المشتركة في المحيط الهندي عن أخطر تطور في مسار البرنامج الباليستي الإيراني منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية سفن شحن قرب مضيق هرمز (رويترز) p-circle

إيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز بالكامل في حال استهداف منشآت الطاقة

قال «الحرس الثوري» الإيراني في بيان، ​الأحد، إن إيران ستغلق مضيق هرمز بالكامل إذا نفذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ‌تهديداته باستهداف ‌منشآت ​الطاقة ‌الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران (إ.ب.أ) p-circle

بريطانيا: ترمب يعبّر عن موقفه الشخصي في تهديده لإيران... ولن ننجر للحرب

قال وزير الإسكان البريطاني ستيف ريد اليوم (الأحد) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبَّر عن موقفه الشخصي عندما هدَّد بتدمير محطات الطاقة الإيرانية إذا لم تُعِد طه

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)

وفاة روبرت مولر الذي حقق بشأن التدخل الروسي في حملة ترمب الأولى

توفِّي روبرت مولر المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) الذي أشرف على تحقيق في شبهة تدخُّل روسي في حملة ترمب الأولى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز) p-circle

إيران تهدد باستهداف البنى التحتية في الشرق الأوسط بعد مهلة ترمب

هددت إيران (الأحد) بمهاجمة بنى تحتية رئيسية بأنحاء الشرق الأوسط بعدما توعَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدمير محطات الطاقة في إيران ما لم يُفتَح مضيق هرمز

«الشرق الأوسط» (طهران)

بيسنت: أميركا تمتلك «أموالاً وفيرة» لتمويل حرب إيران

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ف.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ف.ب)
TT

بيسنت: أميركا تمتلك «أموالاً وفيرة» لتمويل حرب إيران

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ف.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أ.ف.ب)

قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الأحد، إن الحكومة لديها «أموال وفيرة» لتمويل الحرب مع إيران، لكنها تطلب تمويلاً إضافياً من الكونغرس لضمان تزويد الجيش بالإمدادات الكافية في المستقبل.

واستبعد بيسنت في مقابلة مع «إن بي سي نيوز» ممارسة أي ضغوط من أجل إقرار زيادات ضريبية لتمويل الحرب.

ويواجه طلب الجيش الأميركي الحصول على تمويل إضافي قدره 200 مليار دولار للحرب ضد إيران معارضة شديدة في الكونغرس؛ إذ يشكك الديمقراطيون، وحتى بعض الجمهوريين، في ضرورة هذه الخطوة بعد إقرار اعتمادات دفاعية كبيرة العام الماضي.

ودافع بيسنت عن طلب التمويل دون أن يؤكد قيمة المبلغ.

ولم يرسل الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بعد طلباً إلى مجلس الشيوخ ومجلس النواب للموافقة على هذا المبلغ، فيما أوضحت إدارته أن الرقم قد يتغير.

وقال بيسنت: «لدينا أموال وفيرة لتمويل هذه الحرب... هذا تمويل إضافي. لقد عمل الرئيس ترمب على تعزيز الجيش، كما فعل في ولايته الأولى، وكما يفعل الآن في ولايته الثانية، وهو يريد التأكد من أن الجيش مزود جيداً بالإمدادات في الفترة المقبلة».

وقال وزير الدفاع، بيت هيغسيث، الأسبوع الماضي إن الأموالَ الإضافية ضروريةٌ «لضمان التمويل الكافي لما تم إنجازه، ولما قد نضطر إلى فعله في المستقبل».

وأحجم الوزير عن الرد على سؤال بشأن احتمال إقرار زيادات ضريبية، واصفاً إياه بأنه سؤال «سخيف»، مؤكداً أن هذا الأمر «غير مطروح للنقاش إطلاقاً».

وتنبئ المؤشرات الأولية بأن هذه الحرب ستكون الأعلى تكلفة على الولايات المتحدة منذ الصراعات الطويلة في العراق وأفغانستان؛ إذ أبلغ مسؤولون في الإدارة المشرعين أن الأيام الستة الأولى من الحرب ضد إيران كلفت أكثر من 11 مليار دولار.

ووافق الكونغرس بالفعل على تمويل قياسي للجيش منذ بدء ترمب ولايته الثانية في يناير (كانون الثاني) 2025. وفي الشهر الماضي، وقع ترمب على قانون مخصصات الدفاع للسنة المالية 2026، الذي بلغ تمويله نحو 840 مليار دولار.

وفي الصيف الماضي - رغم المعارضة الشديدة من الديمقراطيين - أقر الكونغرس، الذي يقوده الجمهوريون، مشروع قانون شاملاً لخفض الضرائب والإنفاق، تضمن 156 مليار دولار للدفاع.

ودافع بيسنت أيضاً عن تحركات إدارة ترمب في الآونة الأخيرة لرفع العقوبات عن النفط الإيراني والروسي، موضحاً أن ذلك سيتيح لدول أخرى غير الصين، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، شراء النفط، مع منع ارتفاع أسعاره إلى 150 دولاراً للبرميل، والحد من إجمالي الإيرادات التي قد تحصل عليها إيران وروسيا.

وأشار إلى أن تحليلاً، أجرته وزارة الخزانة، أظهر أن الحد الأقصى للإيرادات النفطية الإضافية التي يمكن أن تحصل عليها روسيا هو مليارا دولار.


وفاة روبرت مولر الذي حقق بشأن التدخل الروسي في حملة ترمب الأولى

المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
TT

وفاة روبرت مولر الذي حقق بشأن التدخل الروسي في حملة ترمب الأولى

المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)
المحقق الأميركي الخاص روبرت مولر (إ.ب.أ)

توفِّي روبرت مولر المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) الذي أشرف على تحقيق في شبهة تدخُّل روسي في حملة دونالد ترمب الانتخابية الأولى، بينما لم يخف الرئيس الأميركي «سعادته» بهذا النبأ، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» وفاة مولر عن 81 عاماً نقلاً عن بيان للعائلة، من دون تحديد سببها، بينما سارع ترمب للتعليق على ذلك في منشور على «تروث سوشيال» كتب فيه «روبرت مولر توفّي للتوّ. جيّد. يسعدني أنه توفّي. لم يعد في وسعه أن يؤذي أبرياء!».

وتولَّى مولر إدارة مكتب التحقيقات الفيدرالي لمدّة 12 عاماً، وتسلّم مهامه قبيل اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وأنشأ وحدة مكافحة الإرهاب في المكتب. وبعد مغادرته منصبه، كلّفته وزارة العدل بالتحقيق بين 2017 و2019 في شبهات تدخّل روسي في حملة ترمب.

وكانت ⁠صحيفة «نيويورك تايمز» قد ذكرت ‌العام الماضي ‌أن مولر يعاني من ​مرض باركنسون.

وعبرت ‌شركة ويلمر هيل للمحاماة، التي ‌عمل فيها مولر محامياً حتى تقاعده عام 2021، عن حزنها لرحيله. وقالت الشركة في بيان لها اليوم السبت «كان بوب ‌قائداً استثنائياً وموظفاً حكومياً متميزاً، وشخصاً يتمتع بأعلى درجات ⁠النزاهة».

وتقاعد ⁠مولر في 2013 بعد 12 عاما من توليه منصب مدير مكتب التحقيقات الاتحادي، لكن أحد كبار المسؤولين في وزارة العدل استدعاه للعودة إلى الخدمة العامة بعد أربع سنوات بصفته مستشارا خاصا لتولي التحقيق في تدخل روسيا في الانتخابات بعد أن ​أقال ترمب رئيس ​مكتب التحقيقات الاتحادي آنذاك جيمس كومي.


من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

من أوكيناوا إلى هرمز... إعادة «تموضع أميركي» تُقلق حلفاء آسيا

الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يحيي الصحافيين بعد وصوله إلى «مطار بالم بيتش» بفلوريدا يوم 20 مارس 2026 (أ.ف.ب)

لم تُغيّر حربُ إيران، حتى الآن، الاستراتيجيةَ الدفاعية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها وضعتها تحت اختبار قاسٍ. فعلى المستوى النظري، ما زال ترتيب الأولويات المعلن قائماً: حماية «الوطن» ونصف الكرة الغربي وفق مقاربة «ملحق ترمب» لـ«عقيدة مونرو»، ثم ردع الصين في المحيطين الهندي والهادئ، مع تخفيف التورط الطويل والمكلف في الشرق الأوسط.

لكن على المستوى العملي، بدا أن واشنطن اضطرت إلى سحب أصول قتالية، ومنظومات دفاعية، وقوة بحرية - برمائية متقدمة، من المسرح الآسيوي؛ لإسناد الحرب ضدّ إيران. هنا يكمن جوهر الإرباك؛ إذ لم تعد المسألة سجالاً فكرياً بشأن ما إذا كانت آسيا هي الأولوية، بل أصبحت سؤالاً عملياً أكبر إلحاحاً: كيف يمكن الحفاظ على استراتيجية ردع الصين إذا كانت كل أزمة كبرى في الشرق الأوسط تفرض على الولايات المتحدة الاقتراض من قواتها الجاهزة في آسيا؟ هذا ما يقلق طوكيو وتايبيه وسيول، ويمنح بكين مادة دعائية ثمينة لتكرار أن «أميركا قوية؛ لكنها ليست دائماً الشريك الذي يمكن التعويل عليه عندما تتزاحم الجبهات».

«أولوية آسيا» لم تعد محصنة

الوثائق الرسمية لا تزال واضحة... فـ«استراتيجية الأمن القومي لعام 2025» تتحدث صراحة عن «ملحق ترمب لعقيدة مونرو» لاستعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، فيما تؤكد «استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026» أن الرهان الرئيسي هو «السلام عبر القوة» في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع زيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء بحيث يكون الدعم الأميركي «حاسماً لكنه محدود» على المسارح الأخرى.

جنود من مشاة البحرية الأميركية يترجلون من طائرة «أوسبري» خلال تدريب في أوكيناوا باليابان يوم 31 يناير 2025 (نيويورك تايمز)

نظرياً، هذا يعني أن الشرق الأوسط ليس ساحة استنزاف دائمة في سياسة ترمب الخارجية، بل هو مسرح يُفترض أن يُدار بضربات حاسمة وتكلفة سياسية وعسكرية أقل من الحروب الطويلة. غير أن حرب إيران كشفت عن حدود هذا الترتيب؛ فالرئيس ترمب يكرر أنه لا يريد «حرباً برية» جديدة، لكنه في الوقت نفسه يقول إن الولايات المتحدة ستفعل «ما يلزم». فيما أعلنت «رويترز» أن واشنطن تدفع آلافاً إضافيين من المارينز والبحارة إلى الشرق الأوسط، لينضمّوا إلى أكثر من 50 ألف عسكري موجودين أصلاً في المنطقة. هذا التناقض بين خطاب تقليص الانخراط، ووقائع التوسع العملياتي، هو ما يضعف صدقية «الأولوية الآسيوية» في نظر الحلفاء.

ما الذي نُقل من آسيا؟

الحديث لم يقتصر على إمكان نقل بطاريات «باتريوت» من كوريا الجنوبية، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية في شبه الجزيرة الكورية، بل شمل أيضاً قوة بحرية - برمائية متقدمة من اليابان. فقد أكدت تقارير عسكرية أن السفينة الهجومية البرمائية «تريبولي» اتجهت إلى الشرق الأوسط مع عناصر من «الوحدة الـ31» الاستكشافية البحرية، وهي قوة متمركزة في أوكيناوا اليابانية وتُعدّ من أهم أدوات الاستجابة السريعة الأميركية في غرب المحيط الهادئ. كما أظهرت بيانات التتبع عبور مجموعة «تريبولي» المؤلفة من 3 سفن ونحو 2200 من المارينز، مضيق ملقا بجنوب شرقي آسيا في طريقها إلى المنطقة. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن هذه القوة صُممت أصلاً لسيناريوهات الجزر والنزاعات الساحلية في آسيا، أي لبيئة قريبة مباشرة من أي أزمة محتملة حول تايوان أو البحار المحيطة باليابان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال استقبال رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض مساء الخميس الماضي (رويترز)

قلق الحلفاء الآسيويين هنا ليس مبالغاً فيه؛ لأنه لا يتعلق بمجرد سفينة نقل، أو تدوير روتيني للقوات، بل بإعادة توجيه أداة ردع كاملة من مسرح حساس إلى آخر... فـ«تريبولي» ليست مجرد منصة برمائية، بل سفينة هجومية يمكن تشغيلها أيضاً على أنها «حاملة خفيفة»، وقد اختبرت سابقاً مفهوم نشر أعداد كبيرة من مقاتلات «إف35 بي» على متنها. وحين تُسحب هذه القدرة من آسيا، فإن الرسالة لا تُقاس فقط بعدد الجنود، بل بنوعية القوة التي غادرت.

وإلى جانب القوة البرمائية المتقدمة التي تحركت من اليابان، قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» إن واشنطن دفعت أيضاً بتعزيزات برمائية إضافية من كاليفورنيا، تمثلت في مجموعة «بوكسر» البرمائية و«وحدة المارينز الـ11» وقوامها 2500 جندي، بما يدل على أن الحرب لم تعد تقتصر على إعادة توزيع الأصول في آسيا، بل باتت تستدعي قوات إضافية من البر الأميركي نفسه.

نقص الذخائر والجاهزية

هذا هو بالتحديد ما بدأ يلفت نظر مراكز البحث والخبراء. وفق معهد «بروكينغز»، فإن اليابان لن تجد كثيراً من الطمأنينة ما دامت واشنطن تعيد توجيه موارد عسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط؛ من السفن إلى منظومات الدفاع الجوي والمارينز في أوكيناوا، عادّةً أن الاضطراب الحالي يصدر من واشنطن نفسها بقدر ما يفرضه الخصوم.

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي الاتجاه نفسه، حذّرت دراسة حديثة من «مكتب المحاسبة» الحكومي الأميركي بأن الجاهزية العسكرية الأميركية تدهورت على مدى العقدين الماضيين؛ بسبب صعوبة الموازنة بين الطلب العملياتي والتحديث والاستدامة.

من جهتها، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» أن حرب إيران أدت إلى «تآكل ردع أميركا الصين»؛ لأن الموارد التي تُستهلك في الشرق الأوسط تصبح غير متاحة للمحيط الهادئ؛ من صواريخ الدفاع الجوي، إلى المدمرات وناقلات التزود بالوقود، حتى وسائط الاستطلاع. وتكتسب هذه الحجة وزناً أكبر لأنها لا تنطلق من رفض مبدئي للعمل العسكري، بل من سؤال الجاهزية: كيف يمكن ردع خصم بحجم الصين إذا كانت الصيانة والتدريب والمخزون البعيد المدى كلها تُستنزف في مسارح أخرى؟

ويضاف إلى ذلك بُعد آخر أعلى حساسية، هو استنزاف الذخائر بعيدة المدى. فقد أوردت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن تايوان تراقب بقلق الاستهلاك الأميركي الكثيف لصواريخ «JASSM-ER» و«توماهوك» في حرب إيران، خشية أن يُضعف ذلك الجاهزية الأميركية في أي مواجهة مستقبلية مع الصين.

بكين و«موعد 2027»

في قلب هذا المشهد يبرز عام 2027 بوصفه التاريخ الذي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بتقديرات بشأن تسارع الجاهزية الصينية حيال تايوان. صحيح أن التقديرات الاستخبارية الأميركية الأحدث قالت إن بكين لا تخطط حالياً لضمّ تايوان في ذلك العام، لكن وزير الدفاع التايواني، ويلينغتون كو، شدّد قبل أيام على أن التهديد الصيني «ضاغط وخطير جداً»، وأن الردع الفعّال هو وحده ما يمكن أن يجعل أي هجوم يبدو عالي التكلفة ومنخفض فرص النجاح. هذا يعني أن المسألة لم تعد تاريخاً جامداً، بل معادلة ردع متغيرة: كلما بدت الولايات المتحدة أعلى عرضة للتشتيت، بدت بكين أكبر ميلاً إلى اختبار حدود هذا الردع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نظيره الصيني شي جينبينغ قبل اجتماعهما في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

ومن هنا أيضاً يمكن فهم قلق الحلفاء وتأجيل زيارة ترمب الصين. فقد كان مقرراً أن يناقش ترمب والرئيس الصيني، شي جينبينغ، ملفات: تايوان، والرسوم، والرقائق، والمعادن النادرة... في نهاية هذا الشهر، لكن الحرب على إيران قلبت جدول الأولويات، وأُرجئت الزيارة أسابيع عدة.

بالنسبة إلى اليابان، التي تعتمد بشدة على نفط الخليج وتخشى الصين في آن معاً، تبدو المعادلة أشد تعقيداً: فهي لا تريد إضعاف التحالف مع واشنطن، لكنها لا تريد أيضاً أن يتحول الصراع مع إيران إلى ثقب أسود يبتلع التركيز الأميركي.

الخلاصة أن حرب إيران لم تُلغِ «أولوية الصين» في استراتيجية ترمب، لكنها كشفت عن أنها أولوية قابلة للتغيير وليست محصنة. فحين تُنقل بطاريات دفاع من كوريا الجنوبية، وتتحرك «تريبولي» مع المارينز المرتبطين بأوكيناوا إلى الشرق الأوسط، ويحذر الخبراء من أثر ذلك على الجاهزية والردع، يصبح السؤال أقل تعلقاً بما تقوله واشنطن عن أولوياتها، وأكبر ارتباطاً بما تستطيع فعلاً الحفاظ عليه عندما تتعدد الجبهات. وهذا بالضبط ما تراقبه بكين اليوم، وما يخشاه حلفاء أميركا في آسيا.