ترمب وبوتين يناقشان «تبادل أراضٍ» لإنهاء حرب أوكرانيا

محادثة هاتفية بينهما الثلاثاء لتجاوز عقبات مقترح الهدنة والتطورات الميدانية

الرئيس ترمب وبوتين سيعقدان محادثة هاتفية الثلاثاء لمناقشة الحرب في أوكرانيا (أ.ف.ب)
الرئيس ترمب وبوتين سيعقدان محادثة هاتفية الثلاثاء لمناقشة الحرب في أوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

 ترمب وبوتين يناقشان «تبادل أراضٍ» لإنهاء حرب أوكرانيا

الرئيس ترمب وبوتين سيعقدان محادثة هاتفية الثلاثاء لمناقشة الحرب في أوكرانيا (أ.ف.ب)
الرئيس ترمب وبوتين سيعقدان محادثة هاتفية الثلاثاء لمناقشة الحرب في أوكرانيا (أ.ف.ب)

من المقرر أن يجري الرئيس الأميركي دونالد ترمب، محادثة هاتفية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين الثلاثاء، تتطرق إلى سبل إنهاء حرب أوكرانيا عبر أفكار تتطرق إلى «تبادل أراضٍ» وتجاوز عقبة الهدنة المقترحة من الجانب الأميركي.

وقال الرئيس ترمب، للصحافيين على متن طائرة الرئاسة، الأحد، إنه سيتحدث مع الرئيس بوتين يوم الثلاثاء. وأوضح أن الأراضي ومحطات الطاقة ستكون على جدول الأعمال، بالإضافة إلى تبادل أراضٍ. وأبدى ترمب تفاؤلاً بالنتيجة التي ستخرج من هذه المحادثة، مشيراً إلى أنه «تم إنجاز كثير من العمل خلال عطلة نهاية الأسبوع، وسنرى ما إذا كان لدينا ما نعلنه ربما بحلول يوم الثلاثاء». وهو ما يؤكد أن المفاوضين الذين يعملون على إنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية ناقشوا بالفعل خطة تقسيم الأصول.

الرئيس ترمب وبوتين سيعقدان محادثة هاتفية الثلاثاء لمناقشة الحرب في أوكرانيا (أ.ف.ب)

ويشير محللون إلى أن قائمة الطلبات الروسية ستكون طويلة، وتشمل رفع جميع العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن، وتأكيد السيطرة الروسية على منطقة البحر الأسود، والمناطق التي استعادتها في كورسك، وفك تجميد الأصول الروسية للبنك المركزي الروسي لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي تقدر بنحو 300 مليار دولار، علماً بأن النقاشات كانت تدور حول استخدام فوائد هذه الأموال الروسية المجمدة لتمويل أوكرانيا.

وتضم قائمة المطالب الروسية أيضاً تخلي أوكرانيا عن طموحاتها للانضمام لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، إذ قال نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو، إن روسيا ستسعى للحصول على ضمانات أمنية صارمة لضمان استبعاد كييف من حلف شمال الأطلسي في أي اتفاق سلام. وتصر روسيا على رفض نشر قوة حفظ سلام أوروبية في أوكرانيا بعد انتهاء الصراع، علماً بأن بريطانيا وفرنسا أعلنتا استعدادهما لإرسال قوات لمراقبة وقف إطلاق النار.

صورة تظهر شخصين يرتديان قناعين للرئيس ترمب والرئيس بوتين أمام طاولة يلفها العلم الأوكراني في إشارة إلى توافق واشنطن وموسكو على تبادل الأراضي في أوكرانيا (رويترز)

ومن المقرر عقد اجتماعات بين المفاوضين الأميركيين والأوكرانيين خلال الأسبوع الحالي. كما صرح الكرملين بأن مفاوضين أميركيين سيسافرون إلى روسيا لإجراء مزيد من المحادثات.

تنازلات

وأبدت أوكرانيا مخاوف من هذه المحادثة التي قد تؤدي إلى ميل أميركي واسع النطاق للاستجابة للمطالب الروسية. وهي تدرك رغبة بوتين في الاحتفاظ بكثير من الأراضي التي يسيطر عليها، ولديها قلق من محاولة روسية أخرى للسيطرة على أوكرانيا بأكملها بعد بضع سنوات.

ووفقاً لـ«معهد دراسات الحرب» (مقره واشنطن)، فإن أوكرانيا فقدت السيطرة على نحو 11 في المائة من أراضيها منذ بداية الغزو الروسي عام 2022. وتعد التنازلات عن الأراضي من بين أكثر القضايا حساسية. وصرح مسؤولون أميركيون مراراً بأن أوكرانيا ستحتاج إلى التنازل عن بعض الأراضي لإنهاء الحرب، وهو ما يراه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خياراً «غير مجدٍ» و«مكافأة» لبوتين على شن الغزو الروسي لأوكرانيا.

وقد وافقت أوكرانيا على الشروط التي حددتها الولايات المتحدة لوقف إطلاق نار كامل مع روسيا يستمر 30 يوماً، عقب محادثات في مدينة جدة الساحلية السعودية يوم الثلاثاء الماضي. لكن منذ موافقة كييف على الشروط، اشتعل القتال على امتداد مئات الأميال من خطوط المواجهة في شرق أوكرانيا، وفي منطقة كورسك الغربية الروسية. وشنت أوكرانيا توغلاً بكورسك في أغسطس (آب) 2024، واحتفظت بجزء من الأراضي التي طالبت بها في هجومها الأولي، بينما صرحت روسيا بأنها استعادت سودجا، أكبر مدينة في كورسك لا تزال تحت السيطرة الأوكرانية، الأسبوع الماضي.

ميدانياً، أطلقت القوات الأوكرانية هجوماً بالمسيّرات على روسيا ليل الأحد - الاثنين، أدى إلى اندلاع حريق في مصفاة للنفط، بحسب ما أفادت السلطات المحلية الاثنين، في وقت أطلقت فيه موسكو عشرات المسيّرات باتّجاه أوكرانيا. وقال الحاكم الإقليمي في منطقة أستراخان بجنوب روسيا، إيغور بابوشكين، إنه تم إجلاء موظفي مجمع «الوقود والطاقة» قبل الهجوم الذي أدى إلى اندلاع حريق كبير، متحدثاً عن إصابة شخص بجروح. وفي الأثناء، أكد سلاح الجو الأوكراني إسقاط 90 من نحو 174 مسيّرة أطلقتها موسكو باتجاه أوكرانيا، بما فيها مسيّرات إيرانية التصميم من طراز «شاهد». وقال حاكم منطقة أوديسا الجنوبية أوليغ كيبر، إن الطاقة انقطعت عن نحو 500 شخص جراء الهجوم الروسي وأصيب شخص بجروح أيضاً.

مخاوف أوروبية

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في بروكسل حول الأوضاع في أوكرانيا والدفاع الأوروبي (رويترز)

وأثار استعداد ترمب لتقديم تنازلات لموسكو حتى قبل بدء المحادثات، واحتضانه لبوتين، قلق حلفاء «الناتو» في أوروبا، الذين باتوا يتساءلون علناً عما إذا كان يمكن الاعتماد على عقود من الضمانات الأمنية الأميركية للقارة، أم لا. ويسارع الأوروبيون للتكيف مع نظام دولي جديد لا يعتمدون فيه على الولايات المتحدة. وتخشى الدول الأوروبية من أي اتفاق سلام يبرمه ترمب مع بوتين يقر بسيادة روسيا على الأراضي الأوكرانية، ويقول الأوروبيون إنهم لن يقبلوا ذلك، مع مخاوفهم من انتهاك بوتين لأي اتفاقيات والمضي في طموحاته لتهديد بولندا ودول البلطيق.

ويقول مايكل كلارك، المحلل العسكري البريطاني والمدير السابق لـ«المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية» (روسي)، الذي يتخذ من لندن مقراً له، إن العالم سيعدُّ روسيا هي المنتصرة في الحرب إذا تمكنت من الخروج من الصراع باستعادة السيطرة على الأراضي وتخفيف التوترات مع الولايات المتحدة، فإذا رفعت الولايات المتحدة العقوبات على روسيا -ولو بشكل جزئي- وحصل بوتين على شراكة استراتيجية مع واشنطن -وهو ما يبدو أن إدارة ترمب تسعى إليه- فإن بقية العالم سيجلس مكتوف الأيدي. ويقول محللون إن الرئيس ترمب يريد الظهور بأنه حقق السلام، وإن كان على المدى القصير، وإذا قام بوتين بغزو أوكرانيا مرة أخرى في 2029 أو 2030، فإن ترمب سيتفاخر بأن بوتين لم يستطِع غزو أوكرانيا مرة أخرى خلال وجوده في البيت الأبيض.

مناطق المفاعلات النووية

وأشار ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط لشبكة «سي إن إن»، الأحد، إلى أن هناك اتفاقاً مطروحاً على طاولة محادثات وقف إطلاق النار، موضحاً أن الروس يركزون على أن تتناول المحادثات مناطق المفاعلات النووية، والوصول إلى الموانئ واتفاقية محتملة بشأن البحر الأسود. وقال ويتكوف إن «جميع الأطراف المعنية، بمن فهيم الأوروبيون، ملتزمون ببذل كل ما في وسعنا للتوصل إلى حل ناجح».

وكان ويتكوف قد التقى الرئيس بوتين في موسكو يوم الخميس الماضي، وطرح عليه المبادرة التي اقترحها البيت الأبيض لوقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً. وصرح بوتين بأنه يوافق من حيث المبدأ على فكرة وقف إطلاق النار، لكنه طالب بإزالة الأسباب الجذرية للحرب. وأشار ويتكوف إلى أنه أمضى ما بين 3 و4 ساعات في الاجتماع الذي وصفه بالإيجابي، وأنه ضيّق الفجوة بين مواقف روسيا وأوكرانيا.

أعضاء لجنة التضامن مع الشعب الأوكراني يحملون لافتات كتب عليها «أوكرانيا ليست للبيع ولا للاستيلاء عليها» أمام البعثة الروسية لدى الأمم المتحدة في جنيف (إ.ب.أ)

معركة البحر الأسود

ويقول نيل مالفين، مدير الأمن الدولي بمعهد «روسي»، إن منطقة البحر الأسود مهمة جداً لروسيا، وتعدُّ أحد الأهداف الرئيسية للترويج لروسيا كقوة عظمى من خلال سيطرة بوتين على هذه المنطقة، والسعي للاحتفاظ بها، إذ منذ عام 2014، استولت روسيا على شبه جزيرة القرم، ثم انخرطت في غزو أوكرانيا في 2022 لتوسيع القوة العسكرية عبر جنوب القوقاز، كما أنشأت روسيا قواعد عسكرية في جورجيا وأرمينيا، لكن مع زيادة قدرات حلف شمال الأطلسي العسكرية الدفاعية وانضمام السويد وفنلندا للحلف، لم تعد روسيا قادرة على الوصول إلى منطقة البلطيق بشكل فعال، لذا أصبحت منطقة البحر الأسود اكثر أهمية للرئيس بوتين ولا يستطيع تحمل خسارة هذه المنطقة.


مقالات ذات صلة

مارتن زيغلر: «مسؤول واحد» فقط اتخذ قرار رفع إيقاف بالوغون

رياضة عالمية الحكم البرازيلي كلاوس لحظة طرد مهاجم الولايات المتحدة بالوغون (رويترز)

مارتن زيغلر: «مسؤول واحد» فقط اتخذ قرار رفع إيقاف بالوغون

كشفت صحيفة «التايمز» البريطانية أن القرار المثير للجدل بإلغاء إيقاف مهاجم منتخب الولايات المتحدة فولارين بالوغون اتخذه رئيس لجنة الانضباط في فيفا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)

رحيل ليندسي غراهام أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأميركية

شكلت وفاة السيناتور ليندسي غراهام، الأحد، نقطة تحول داخل الحزب الجمهوري والإدارة الأميركية، في وقت يخوض فيه ترمب واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي على هامش قمة «الناتو» في أنقرة - 8 يوليو 2026 (إ.ب.أ) p-circle 01:28

ترمب يتحدى إعلان طهران إغلاق «هرمز»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، إن مضيق هرمز مفتوح أمام الملاحة التجارية، رغم استمرار تبادل الهجمات بين الولايات المتحدة وإيران، في تصعيد أعاد المخاوف.​

الولايات المتحدة​ 
ترمب هاجم الحكمين الصومالي والبرازيلي (أ.ب)

ترمب يشيد مجدداً بحالته الصحية والذهنية بعد فحص في مايو

قال ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم السبت إنه «انتهى للتو» من إجراء فحص طبي في مركز والتر ريد الطبي ​العسكري، في إشارة إلى الفحص الذي خضع له في أواخر مايو

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من متن الطائرة الرئاسية الجديدة في قاعدة أندروز بواشنطن عائداً من قمة حلف شمال الأطلسي بتركيا (أ.ف.ب)

«نيويورك تايمز»: استدعاء صحافيين بسبب تقارير عن طائرة الرئاسة الجديدة

ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، السبت، أن وزارة العدل أمرت عدداً من صحافييها بالإدلاء بشهاداتهم أمام هيئة محلفين اتحادية ​كبرى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

واشنطن تفقد ليندسي غراهام أحد أبرز صقور سياستها الخارجية

ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف  يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
TT

واشنطن تفقد ليندسي غراهام أحد أبرز صقور سياستها الخارجية

ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف  يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)
ليندسي غراهام يتحدث للصحافة بعد اجتماعه مع زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026 (رويترز)

تُوفّي العضو الجمهوري البارز في مجلس الشيوخ الأميركي ليندسي غراهام، فجر أمس، عن 71 عاماً، في وقت يخوض فيه الرئيس دونالد ترمب واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية قبل انتخابات التجديد النصفي.

وتسبب الرحيل المفاجئ للسياسي المخضرم في حالة من الحزن والارتباك وسط حزبه الجمهوري. وأوردت الصحافة المحلية أن غراهام توفي بعد تعرضه لسكتة قلبية في مقر إقامته بالقرب من الكابيتول. وسارع الرئيس ترمب إلى نعي غراهام عبر منصة «تروث سوشيال»، واصفاً إياه بأنه «وطني أميركي حقيقي»، و«أحد أعظم أعضاء مجلس الشيوخ».

وبرحيل غراهام، لم يفقد ترمب مجرد عضو نافذ في مجلس الشيوخ، وإنما خسر أحد أكثر الحلفاء داخل الكونغرس، الذي يعد واحداً من أبرز صقور السياسة الخارجية الذين لعبوا دوراً محورياً في ملفات تتعلق بالحروب في غزة وأوكرانيا وإيران، كما لعب دوراً قوياً في ملف علاقات الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط.


رحيل ليندسي غراهام أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأميركية

السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
TT

رحيل ليندسي غراهام أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأميركية

السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)
السيناتور الأميركي ليندسي غراهام يتحدث إلى وسائل الإعلام عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في كييف يوم 10 يوليو 2026(رويترز)

لم تكن وفاة السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام عن عمر 71 عاماً، فجر الأحد حدثاً عادياً في العاصمة الأميركية واشنطن، وإنما مثلت نقطة تحول داخل الحزب الجمهوري والإدارة الأميركية، في وقت يخوض فيه الرئيس دونالد ترمب واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية قبل انتخابات التجديد النصفي.

فبرحيل غراهام لا يفقد ترمب مجرد عضو نافذ في مجلس الشيوخ، وإنما يخسر أحد أكثر المدافعين عنه والأكثر ولاءً له داخل الكونغرس، وواحداً من أبرز صقور السياسة الخارجية الذين لعبوا دوراً محورياً في ملفات تتعلق بالحرب في إيران والحرب الروسية والأوكرانية وحرب غزة، كما لعب دوراً قوياً في ملف علاقات الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط.

وقد أعلن مكتب غراهام وفاته، فجر الأحد، بعد معاناته من سكته قلبية في مقر إقامته بالقرب من الكابيتول وفقاً لصحافية «وول ستريت جورنال» وتسجيلات استدعاء فرق الطواري الطبية. وكان من المقرر أن يظهر غراهام في برنامج «واجه الصحافة» على شبكة «إن بي سي»، صباح الأحد.

وسارع الرئيس ترمب إلى نعي غراهام عبر منصة «تروث سوشيال»، واصفاً إياه بأنه «وطني أميركي حقيقي» و«أحد أعظم أعضاء مجلس الشيوخ الذين عرفتهم»، مؤكداً أن الولايات المتحدة فقدت «صديقاً مخلصاً ومحارباً لا يكل». ولم يكن هذا الرثاء مجرد كلمات بروتوكولية، بل عكس طبيعة العلاقة الاستثنائية التي تطورت بين الرجلين خلال العقد الأخير، بعدما بدأت بخصومة الحادة، وانتهت بتحالف سياسي وثيق.

من الخصومة إلى الولاء

ويصعب فهم مكانة غراهام داخل الدائرة المقربة من ترمب من دون العودة إلى انتخابات عام 2016، عندما كان السيناتور البارز من أشد منتقدي المرشح الجمهوري دونالد ترمب، ووصفه آنذاك بأنه لا يصلح لقيادة الحزب ولا البلاد، كما وصفه بأنه محرض على الانقسام العرقي وكاره للأجانب ومتعصب دينياً. وشهدت العلاقة بين الرجلين توتراً كبيراً عقب الهجوم على مبني الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021، وكان غراهام من بين أولئك الذين اتهموا الرئيس ترمب بالتحريض على الهجوم، لكن السياسة الأميركية كثيراً ما تعيد رسم التحالفات فقد صوت غراهام ضد إدانة ترمب في محاكمته الثانية بهدف عزله.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام (جمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية) وهو يخاطب الحشود خلال فعالية للحملة الانتخابية لعام 2024 في كولومبيا، كارولينا الجنوبية، في 28 يناير 2023. (أ ف ب)

ورغم أن غراهام رفض مزاعم ترمب بأن انتخابات 2020 كانت مزورة فإنه دعم مساعي ترمب للفوز بولاية رئاسية ثانية. وبعد وصول ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل غراهام تدريجياً إلى أقرب مستشاريه داخل مجلس الشيوخ، خصوصاً بعد رحيل السيناتور جون ماكين، الذي كان يمثل المرجعية الأساسية لتيار الجمهوريين التقليديين. وأصبح غراهام لاحقاً حلقة الوصل الأهم بين البيت الأبيض والكونغرس، ودافع بقوة عن سياسات ترمب، وسانده في معارك تعيين قضاة المحكمة العليا، ووقف إلى جانبه خلال إجراءات العزل، كما لعب دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك الجمهوريين خلال أكثر المراحل صعوبة في رئاسة ترمب الأولى.

بدايته ورحلته

في عام 1994، انتُخب غراهام للمرة الأولى عضواً في مجلس النواب، قبل أن يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ في عام 2002، ويعاد انتخابه في الأعوام 2008 و2014 و2020. وكان يشغل أخيراً منصب رئيس لجنة الموازنة في مجلس الشيوخ.

نشأ في لبدة سنترال بولاية كارولينا الجنوبية، وحصل على درجة البكالوريوس عام 1977 ثم الدكتوراه في القانون عام 1981، وانضم إلى القوات الجوية الأميركية في أثناء دراسته الجامعية. وعمل غراهام محامياً عسكرياً، وبلغ رتبة عقيد في سلاح الجو، وهي تجربة أسهمت في تشكيل مواقفه في السياسة الخارجية المؤيّدة لتدخل الولايات المتحدة.

وفي عام 2002، صوّت لصالح غزو العراق في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، كما أيّد لاحقاً الإبقاء على وجود عسكري أميركي طويل الأمد في أفغانستان. ويُعدّ غراهام من أبرز منتقدي سياسات الرئيس السابق باراك أوباما الخارجية، إذ وصفه عقب توقيع «خطة العمل الشاملة المشتركة» بين إيران ومجموعة «5+1» في عام 2015 بأنه «خصم ضعيف للشر».

صوت الصقور

كان غراهام يمثل داخل الحزب الجمهوري مدرسة «السلام عبر القوة»؛ ولذلك ارتبط اسمه تقريباً بكل الملفات الساخنة التي تواجه الولايات المتحدة. وفي الملف الإيراني، كان من أكثر الداعين إلى تشديد العقوبات، وتبنى باستمرار خيار استخدام القوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة، معتبراً أن امتلاك إيران سلاحاً نووياً يمثل تهديداً مباشراً للأمن الأميركي والإسرائيلي.

أما في الحرب الروسية - الأوكرانية، فقد كان من أكثر أعضاء الكونغرس زيارة لكييف منذ اندلاع الحرب، ودافع عن استمرار المساعدات العسكرية، وأسهم في الدفع نحو مشروع عقوبات أكثر تشدداً ضد موسكو، قبل أيام فقط من وفاته، كما رأى أن أي تراجع أميركي عن دعم أوكرانيا سيُقوّض مصداقية واشنطن أمام حلفائها في أوروبا وآسيا. وقد نعاه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وكتب على منصة «إكس» أنه «زار أوكرانيا 10 مرات خلال سنوات الغزو الروسي الشامل، وكان هنا مع شعبنا في أحلك الظروف»، مشيراً إلى أنه «عمل على مبادرات تهدف لتحقيق السلام».

غراهام وإسرائيل

وفي المقابل، ظل غراهام أحد أكثر السياسيين الأميركيين قرباً من إسرائيل، وبعد هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، دافع عن حقها في الرد العسكري على خصومها، ودعا إلى تعميق التعاون الأمني معها، وهو ما جعله يحظى بعلاقات وثيقة مع معظم القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، كما كان من أشد المؤيدين لـ«اتفاقات إبراهام»، وقام بالعديد من الزيارات لدول منطقة الشرق الأوسط. وكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منصة «إكس»: «لقد فقدت إسرائيل واحداً من أعظم أصدقائها. فقدت أميركا وطنياً عظيماً. وقد فقدت صديقاً عزيزاً»، كما سارع للظهور على شبكة «فوكس نيوز»، صباح الأحد، لأكثر من 20 دقيقة متحدثاً عن مواقف غراهام السياسية لدعم إسرائيل.

وتتحدث تقارير إعلامية إسرائيلية وأميركية عن احتمال حضور نتنياهو مراسم تشييع الجنازة الرسمية في مسقط رأسه بولاية كارولينا الجنوبية، مع وجود تكهنات بأن تتحول الزيارة إلى مناسبة لعقد لقاء مع الرئيس ترمب لبحث ملفات إيران وغزة والعلاقات الثنائية.

فراغ سياسي

سياسياً، تفتح وفاة غراهام فراغاً يصعب ملؤه سريعاً؛ فالرجل لم يكن مجرد رئيس للجنة نافذة في مجلس الشيوخ، بل كان أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الجمهورية، وصاحب تأثير واسع داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية. وقد ساد الحزن والارتباك أوساط الجمهوريين، حيث تعيد وفاة ليندسي غراهام حسابات الجمهوريين، وتقلص مقاعد الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ مؤقتاً إلى حين تعيين بديل وفق قانون ولاية كارولاينا الجنوبية، وهو ما يمنح الديمقراطيين هامشاً أوسع للمناورة في عدد من الملفات التشريعية الحساسة، لكن التأثير الأكبر يتمثل في غياب شخصية كانت تجمع بين قربها من ترمب وثقة الجمهوريين التقليديين، وهي معادلة نادرة داخل الحزب.

ماذا يخسر ترمب؟

وبالنسبة للرئيس ترمب، تأتي وفاة غراهام في توقيت شديد الحساسية؛ فالإدارة تواجه تحديات متزامنة تشمل التصعيد مع إيران، والحرب في أوكرانيا، والخلافات داخل حلف شمال الأطلسي، والاستعداد لانتخابات التجديد النصفي. وفي كل تلك الملفات، كان غراهام يؤدي دور «المسوّق السياسي» داخل الكونغرس، حيث كان يمتلك قدرة استثنائية على الدفاع عن سياسات ترمب أمام الجمهوريين المترددين، وعلى بناء توافقات مع بعض الديمقراطيين في قضايا الأمن القومي.

كما كان غراهام يمثل جسراً بين البيت الأبيض والمؤسسة الأمنية، مستفيداً من علاقاته الواسعة داخل وزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات، إضافة إلى شبكة علاقاته الدولية التي بناها على مدى أكثر من عقدين.

وقد أسهم غراهام في تشكيل مسار نقاشات كبيرة حول تعيينات المحكمة العليا والسياسات العسكرية والهجرة، وكان تأثيره واضحاً في القضايا المتعلقة بملفات الشرق الأوسط.

ويقول محللون وسياسيون إنه يصعب اختزال إرث غراهام في مواقفه المؤيدة لترمب أو في دعمه لإسرائيل وأوكرانيا؛ فقد كان واحداً ممن تبقوا من رموز الجيل الجمهوري الذي جمع بين النزعة المحافظة داخلياً والسياسة الخارجية التدخلية خارجياً. وبرحيله، يخسر الحزب الجمهوري أحد أكثر أصواته تأثيراً في ملفات الأمن القومي في لحظة تشهد فيها السياسة الأميركية استقطاباً غير مسبوق يعاد فيها رسم موازين القوى داخل الحزب الجمهوري.


رجال دين ديمقراطيون يترشحون للانتخابات الأميركية

آدم هاميلتون كبير القساوسة يلقي كلمة بحضور أوباما وبايدن وزوجتيهما في كاتدرائية واشنطن الوطنية عام 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
آدم هاميلتون كبير القساوسة يلقي كلمة بحضور أوباما وبايدن وزوجتيهما في كاتدرائية واشنطن الوطنية عام 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

رجال دين ديمقراطيون يترشحون للانتخابات الأميركية

آدم هاميلتون كبير القساوسة يلقي كلمة بحضور أوباما وبايدن وزوجتيهما في كاتدرائية واشنطن الوطنية عام 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
آدم هاميلتون كبير القساوسة يلقي كلمة بحضور أوباما وبايدن وزوجتيهما في كاتدرائية واشنطن الوطنية عام 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يسعى عدد من رجال الدين الديمقراطيين البيض إلى مواجهة الخطاب الديني الذي يتبناه الجمهوريون، انطلاقاً من قناعة بأن هذا الخطاب جرى توظيفه لأغراض سياسية.

ومن المعروف أن الحزب «الجمهوري» يستحوذ على أصوات غالبية الناخبين المسيحيين البيض في الولايات المتحدة، لكن كثيراً من الزعماء الدينيين باتوا يعدّون أن سياسات الرئيس دونالد ترمب وحلفائه لم تعد تعكس رؤيتهم، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا الهجرة. ولهذا السبب، قرر عدد منهم الترشح للكونغرس عن الحزب «الديمقراطي» في نوفمبر، باعتبار أنهم بذلك سيتمكّنون من التأثير على عدد من قرارات الإدارة الأميركية.

ويُعد آدم هاميلتون أحد وجوه هذا التحرّك، وقد يصبح أول ديمقراطي من ولاية كنساس يُنتخب لمجلس الشيوخ منذ عام 1932. وقال إنّ «المسيحيين الذين نراهم (في المؤسسات السياسية) في واشنطن لا يعكسون يسوع (المسيح) في الأناجيل»، حسبما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها الأحد.

ويرأس هاميلتون، البالغ 62 عاماً، كنيسة ميثودية ضخمة تضم 24 ألف عضو في منطقة ريفية محافظة للغاية في ولاية كنساس. وظاهرياً، تتوافق أفكاره مع ما ينادي به المسيحي الجمهوري، ورغم أنه يدعو إلى انضباط مالي وجيش قوي، فإنّه يدعم حق الإجهاض وحماية حقوق المثليين والمتحوّلين جنسياً في حملته الانتخابية لمجلس الشيوخ الأميركي.

وبينما يستنكر «الابتذال» و«التفاهة» اللذين تتسم بهما رئاسة ترمب، حسب تعبيره، فإنّه يؤكد أن سياسات الرئيس الجمهوري «لا تتوافق مع القيم» التي يبشّر بها منذ 36 عاماً. ويضيف قائلاً: «أريد أن أقف وأُسمع صوتي وأقول: هذا ليس مقبولاً».

استعادة الخطاب الديني

ولطالما أشرك الديمقراطيون رجال الدين في السياسة، غير أن هذا الأمر تركّز بين الأميركيين السود. ومن هؤلاء السيناتور الأسود رافائيل وارنوك، الذي يرأس كنيسة إبينزر المعمدانية في أتلانتا؛ حيث كان مارتن لوثر كينغ جونيور قسّاً. ولكن آخر رجل دين ديمقراطي أبيض في الكونغرس كان بوب إدغار، الذي كان ينتمي للكنيسة الميثودية، وقد مثّل ولاية بنسلفانيا من عام 1975 إلى 1987.

وراهناً، يتنافس 7 رجال دين بيض على الأقل لتمثيل الحزب «الديمقراطي» في الكونغرس.

المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ جيمس تالاريكو يتحدث أمام تجمع في سان أنتونيو بتكساس في 29 مايو 2026 (أ.ف.ب)

ويتحدّر معظم هؤلاء الوافدين الجدد إلى عالم السياسة من ولايات أيوا وتكساس وألاسكا وأركنساو وكنساس وتينيسي. وبينهم 3 نساء، ويتشاركون جميعاً الطموح ذاته؛ أي استعادة الخطاب المسيحي الذي يحتكره الجمهوريون، ونشر تعاليم الكتاب المقدس للدفاع عن سياسات أكثر ملاءمة للمهاجرين والسكان ذوي الدخل المحدود.

ولعلّ أبرزهم جيمس تالاريكو، وهو طالب لاهوت بروتستانتي يبلغ 37 عاماً، ترشّح لمقعد تكساس في مجلس الشيوخ. وفي هذه الولاية المحافظة التي يقودها الجمهوريون، تمكّن تالاريكو من تحقيق تقدم كبير عبر خطاباته الحافلة باقتباسات من النصوص الدينية. قال في أحدها: «هل تريدون أن تعلموا ما الذي يهين يسوع؟ حرمان المرضى من الرعاية الصحية مع خفض الضرائب على أصحاب المليارات».

«فراغ في المجال الديني»

ويتمثل أحد أسباب هيمنة الحزب «الجمهوري» على الناخبين المسيحيين البيض، أنّ الديمقراطيين تحولوا تدريجياً من كونهم حزب الطبقة العاملة إلى نخبة علمانية. وتُقرّ أنديرا دوغيرالا، التي تُشارك في رئاسة مجلس الأديان التابع للجنة الوطنية الديمقراطية، بوجود «فراغ في المجال الديني في السياسة الديمقراطية».

وتقول إنّ ظهور هؤلاء المرشحين ذوي التوجه الديني، «ليس تغييراً غير مرحب به»، مؤكدة أنّه حدث بشكل تلقائي. وتضيف: «لا بأس أن تكون ديمقراطياً ومتديّناً»، مشددة في الوقت نفسه على أن الحكومة يجب أن تكون علمانية.

كذلك، يُعرب كثيرون عن استيائهم من اجتماعات الصلاة التي نظمها وزير الدفاع بيت هيغسيث في البنتاغون، ومن الخطاب الديني الذي استخدمته الإدارة الأميركية لتبرير الحرب على إيران.

ويؤكد روب رايرس، وهو قس إنجيلي من أركنساو ومرشح للكونغرس، أنّ «القومية المسيحية تُمثل أحد أكبر التهديدات للديمقراطية الأميركية». ويقول رايرس ورجال دين آخرون يشاركون في التحرّك لمواجهة سوء استغلال الجمهوريين الخطاب المسيحي، إنهم يلتزمون بشدة فصل الدين عن الدولة. ويضيف: «نحن بحاجة إلى مؤمنين يقفون ويقولون إن الولايات المتحدة تأسست على مبدأ فصل الدين عن الدولة».