لماذا انقلب ترمب على زيلينسكي؟

ترمب يتهمه بالتعامل بـ«وقاحة»... وجيه دي فانس يهدد بالانتقام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترمب قبيل اجتماع في هلسنكي عام 2018 (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترمب قبيل اجتماع في هلسنكي عام 2018 (أ.ب)
TT

لماذا انقلب ترمب على زيلينسكي؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترمب قبيل اجتماع في هلسنكي عام 2018 (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترمب قبيل اجتماع في هلسنكي عام 2018 (أ.ب)

ضاعف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من هجماته ضد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، واتهمه بالتعامل بـ«وقاحة» مع وزير الخزانة الأميركية سكوت بيسنت، الذي زار كييف الأسبوع الماضي، للتفاوض على حق الوصول إلى المعادن النادرة مقابل الدعم الأمني.

وأوضح ترمب للصحفيين المرافقين له على متن الطائرة الرئاسية في طريقها من ميامي إلى البيت الأبيض مساء الأربعاء، أن زيلينسكي «كان نائماً وغير متاح لمقابلة وزير الخزانة»، وقال: «لقد ذهب سكوت بيسنت إلى هناك بالفعل، وعومل بوقاحة إلى حد ما لأنهم قالوا له في الأساس: لا، وكان زيلينسكي نائماً وغير متاح لمقابلته»، وأضاف: «سافر ييسنت ساعات كثيرة في القطار، وهي رحلة خطيرة، وذهب إلى هناك للحصول على وثيقة موقَّعة، وعندما وصل عاد فارغاً، لم يوقِّعوا على الوثيقة».

جاءت هذه التصريحات بعد أن وصف ترمب الرئيس الأوكراني بأنه «ديكتاتور» يرفض إجراء انتخابات، وعليه أن يتحرك بسرعة «وإلا فلن يتقبله بلد». وقال ترمب عبر منصة «تروث سوشيال»: «فكِّر في الأمر، لقد أقنع الممثل الكوميدي الناجح بشكل متواضع الولايات المتحدة بإنفاق 350 مليار دولار للدخول في حرب لا يمكن الفوز بها»، وأضاف: «الولايات المتحدة أنفقت 200 مليار دولار أكثر مما دفعته أوروبا. لماذا لم يطالب بايدن بالمساواة، لأن هذه الحرب مهمة لأوروبا أكثر منّا؟». واتهم ترمب الرئيس الأوكراني بإضاعة نصف هذه الأموال التي أُرسلت إليه، ورفض إجراء انتخابات، وتلاعب ببايدن.

وتحول الأمر إلى سلسلة من الاستهزاءات استمرت طوال يوم الأربعاء بخاصة في الخطاب الذي ألقاه ترمب في ميامي خلال مؤتمر الاستثمار برعاية صندوق الثروة السيادية للمملكة العربية السعودية، الذي وصف فيه زيلينسكي بأنه «ديكتاتور»، ويريد إطالة أمد الحرب للحفاظ على استمرار قطار المكافآت، في إشارة إلى المساعدات العسكرية الأميركية.

وقال ترمب: «أنا أحب أوكرانيا لكنَّ زيلينسكي قام بعمل فظيع، لقد تحطمت بلاده ومات الملايين من دون داعٍ». وأضاف: «لو كان لديهم عام آخر للإدارة (بايدن) لوقعت الحرب العالمية الثالثة، وهذا لن يحدث الآن، لأننا نتفاوض بنجاح على إنهاء الحرب مع روسيا، وهو أمر يعترف الجميع بأنْ لا أحد سيكون قادراً على فعله إلا ترمب، وأعتقد أن بوتين اعترف بذلك».

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي اللذين تُباعد بينهما مواقف الأول بشأن الحرب في أوكرانيا وتقارُب ترمب مع الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

شرعية زيلينسكي

وتتوافق هذه التصريحات للرئيس الأميركي مع الرؤية الروسية التي تطالب بإجراء انتخابات جديدة في أوكرانيا، وتصور زيلينسكي أنه زعيم «غير شرعي» وغير مناسب للمشاركة في محادثات السلام.

وكان من المقرر إجراء انتخابات رئاسية في أوكرانيا في مارس (آذار) 2024، لكن جرى تأجيلها بسبب الحرب. وينص دستور أوكرانيا على أنه لا يمكن إجراء انتخابات في ظل الأحكام العرفية التي أُعلنت بعد ساعات من قيام موسكو بالتحركات العسكرية لغزو البلاد في فبراير (شباط) 2022.

وفي تصريحات سابقة يوم الثلاثاء، أشار ترمب إلى أن رغبة أوكرانيا طويلة الأمد في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي «كانت سبباً رئيسياً» للغزو الروسي، كما أشار إلى أن «أوكرانيا لا تستحق مقعداً على الطاولة» في محادثات السلام التي بدأها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأشار إلى أن الروس يريدون رؤية نهاية للحرب. وقال: «أعتقد أن لديهم أوراقاً، لأنهم استولوا على كثير من الأراضي، لذا لديهم أوراق ضغط في أي مفاوضات لإنهاء الحرب».

ترمب خلال حديثه للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» (أ.ف.ب)

وفاجأت هذه التعليقات حلفاء أميركا في أوروبا وأغضبت حكومة أوكرانيا.

وقال زيلينسكي للصحفيين إن ترمب «وقع فريسة التضليل الروسي» خلال سعيه إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب، وتحسين علاقة الولايات المتحدة مع روسيا، وأشار إلى أن هجوم ترمب عليه أتى من روسيا، وأنه يردد الدعاية الروسية. لكنه اتخذ نبرة أكثر هدوءاً قبل لقائه المبعوث الأميركي كيث كيلوغ، يوم الخميس، وقال: «من المهم أن نجتمع ونعمل مع أميركا بشكل بنّاء»، مبدياً استعداده للقاء الرئيس ترمب لـ«تعزيز الثقة» بين البلدين. وأضاف: «مع أميركا وأوروبا، يمكن أن يكون السلام أكثر موثوقية، وهذا هو هدفنا».

الرئيس الأوكراني زيلينسكي يتهم القيادة الروسية بالكذب (أ.ف.ب)

من جانبه، حذَّر جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي، زيلينسكي، من الإدلاء بتعليقات «مهينة» للرئيس ترمب، وهدد بأن ذلك سيعود عليه بـ«نتائج عكسية». وقال فانس لصحيفة «ديلي ميل» البريطانية: «هناك فكرة أن زيلينسكي سيغير رأي الرئيس ترمب من خلال التحدث عنه بشكل سيئ في وسائل الإعلام... مَن يعرف الرئيس ترمب سيخبرك بأن هذه طريقة فظيعة للتعامل مع هذه الإدارة». وأضاف: «هذه هي سياسة رئيس الولايات المتحدة، إنها لا تستند إلى معلومات مضللة روسية، بل تستند إلى حقيقة مفادها أن دونالد ترمب يعرف الكثير عن الجغرافيا السياسية ولديه وجهة نظر قوية للغاية، وكانت لديه وجهة نظر قوية لفترة طويلة جداً».

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتوجه إلى اجتماع مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين في مبنى الكابيتول في واشنطن 19 فبراير 2025 (إ.ب.أ)

موسكو سعيدة... وأوروبا قلقة

وكان دميتري ميدفيديف، الرئيس الروسي السابق، الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، مسروراً من تصريحات ترمب. وكتب على منصة «إكس»، أن ترمب «مُحقّ بنسبة 200 في المائة»، واصفاً زيلينسكي بأنه «مهرج مفلس».

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، للمشرعين: «إنه أول زعيم غربي، حتى الآن، في رأيي، الوحيد الذي قال علناً وبصوت عالٍ إن أحد الأسباب الجذرية للوضع الأوكراني، كان الخط الوقح للإدارة السابقة لجذب أوكرانيا إلى الناتو».

وأثار هجوم ترمب على زيلينسكي غضب الزعماء الأوروبيين، كما أدى نجاح اللقاء الأميركي - الروسي، في المملكة العربية السعودية، إلى إثارة القلق لدى الحلفاء الأوروبيين، من إنهاء الحرب بشروط غير مقبولة لهم. وقال المستشار الألماني أولاف شولتس إنه «من الخطأ والخطير ببساطة حرمان الرئيس زيلينسكي من الشرعية الديمقراطية».

وقال كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، في بيان: «نريد أن نعمل معاً»، معرباً عن «دعمه للرئيس زيلينسكي بوصفه زعيماً منتخباً ديمقراطياً في أوكرانيا». وقال إنه «من المعقول تماماً تعليق الانتخابات في زمن الحرب، كما فعلت المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية». ومن المقرر أن يزور ستارمر واشنطن الأسبوع المقبل، للقاء ترمب في البيت الأبيض.

دونالد ترمب يلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في نيويورك 27 سبتمبر 2024 (د.ب.أ)

ودافع الجمهوريون عن الرئيس ترمب، وأشاروا إلى أنه قد تكون لديه «خطة عظيمة» لإنهاء الحرب. وقال جون ثون، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ: «ما أؤيده هو التوصل إلى نتيجة سلمية في أوكرانيا، وأعتقد أن ترمب وفريقه يعملان على تحقيق السلام، وعليك أن تمنحهما مساحة». وقال السيناتور الجمهوري كيفن كرامر: «أعتقد أن ترمب يتخذ موقفاً جيداً للتفاوض مع بوتين من خلال تعليقاته عن زيلينسكي».

في الجانب الآخر أبدى الديمقراطيون استياءً من انحياز ترمب لصالح روسيا، وقال السيناتور الديمقراطي تشاك شومر، زعيم الأقلية بمجلس الشيوخ: «من المثير للاشمئزاز أن نرى رئيساً أميركياً ينقلب ضد أحد أصدقائنا وينحاز علناً إلى بلطجي مثل فلاديمير بوتين. لم يبدأ شعب أوكرانيا هذه الحرب، فلاديمير بوتين هو من بدأها».

انقلاب

وبدا واضحاً أن إدارة ترمب انقلبت على النهج الذي اتَّبعته إدارة بايدن السابقة في دعم ومساندة أوكرانيا، واتبعت نهجاً مغايراً في دعم روسيا وإلقاء اللوم على زيلينسكي في اندلاع الحرب، وهو ما وصفته صحيفة «نيويورك تايمز»، بأنه «تحول جيوسياسي لم يسبق له مثيل منذ أجيال، ويضع الأساس لسحب الدعم من حليف يتعرض للهجوم».

قال المستشار الألماني أولاف شولتس إن «عدم الاعتراف بشرعية الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي الديمقراطية هو بكل بساطة خاطئ وخطير» في رد على كلام الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

وأشارت صحيفة «وول ستريت» إلى أن الرئيس ترمب «غيَّر اتجاهات السياسة الخارجية الأميركية في أربعة أسابيع، مما جعل الولايات المتحدة حليفاً أقل موثوقية، وتراجع عن الالتزامات العالمية بطرقٍ من شأنها إعادة تشكيل علاقة أميركا بالعالم».

وبثَّت هيئة الإذاعة البريطانية أن أسباب التوتر والخلاف بين ترمب وزيلينسكي تعود إلى المكالمة الهاتفية التي أجراها ترمب في 25 يوليو (تموز) 2019، وأدت إلى أول محاولة لعزل ترمب في ولايته الأولى، حينما تم اتهامه بـ«انتهاك القانون من خلال الضغط على رئيس أوكرانيا لنشر معلومات مسيئة عن جو بايدن قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2020.

وانقسم الخبراء حول مسار الحرب الروسية - الأوكرانية والعلاقة مع كييف، بين فريق يريد التواصل الأميركي مع روسيا بوصفه النهج الصحيح لإنهاء الحرب والقطيعة بين أكبر قوتين نوويتين في العالم، وفريق آخر يرى أن ترمب سيمضي في قطع المساعدات عن أوكرانيا بما في ذلك الدعم الاستخباراتي والأسلحة، ويلقي الكرة في ملعب الدول الأوروبية التي ستواصل دعم أوكرانيا، مما يعني أن الصراع لن ينتهي.

أشاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنتائج المفاوضات بين الوفدين الروسي والأميركي في الرياض (إ.ب.أ)

ويقول فريق ثالث إن ترمب يصعِّد من هجماته ضد زيلينسكي ويصر على أنه يستهدف إنهاء الحرب، لأنه لا يريد أن يبدو ضعيفاً من خلال عقد صفقة سيئة مع بوتين لأن كل ما يطلبه ترمب هو وقف القتال، مما سيمنح روسيا نصراً كبيراً ويترك لها 20 في المائة من أراضي أوكرانيا، ويمكّنها من إعادة تشكيل الحدود بالقوة.

ورغم هذه الحرب الكلامية، سيحتاج ترمب إلى موافقة زيلينسكي إذا نجحت المفاوضات في وضع نهاية للصراع والحرب، وسيحتاج إلى الحلفاء الأوربيين لوضع قوات حفظ سلام بين روسيا وأوكرانيا. وتشير التقارير إلى أنه يمكن لبريطانيا وفرنسا قيادة قوة حفظ سلام قوامها 30 ألف جندي في أوكرانيا إذا انتهت الحرب.


مقالات ذات صلة

مسؤولون أميركيون يكشفون «خطأً تكتيكياً» ارتُكب قبل الحرب مع إيران

الولايات المتحدة​ سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة جوية في طهران (أ.ب) p-circle

مسؤولون أميركيون يكشفون «خطأً تكتيكياً» ارتُكب قبل الحرب مع إيران

إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ربما ارتكبت «خطأً تكتيكياً» عندما لم تمنح اهتماماً كافياً لعرض أوكراني سابق يتعلق بتكنولوجيا مواجهة الطائرات المسيّرة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة تُظهر سفناً تجارية قبالة سواحل دبي 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وزارة الطاقة الأميركية تحمّل موظفين مسؤولية منشور خاطئ عن مرافقة بحرية بمضيق هرمز

حمّلت وزارة الطاقة الأميركية موظفين مسؤولية منشور رسمي خاطئ عن مرافقة أميركية بحرية لناقلة نفط بمضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في ميامي بولاية فلوريدا 9 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

ترمب: «لم يتبق شيء يُذكر» لاستهدافه في إيران

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الحرب مع إيران ستنتهي «قريباً» لأنه «لم يتبقَّ عملياً ما يمكن استهدافه».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ رئيس مجلس النواب مايك جونسون الجمهوري عن ولاية لويزيانا خلال مؤتمر صحافي مع نواب جمهوريين يتحدثون فيه عن الحرب ضد إيران... في مبنى الكابيتول في واشنطن 4 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يعمل لضمان الفوز بالانتخابات النصفية… وجمهوريو الكونغرس يركزون على الاقتصاد

يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضمان الفوز بالانتخابات النصفية، فيما يركز جمهوريو الكونغرس على القضايا الاقتصادية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أفراد من جهاز الخدمة السرية الأميركية في حراسةً أمام البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)

تطويق محيط البيت الأبيض بعد اقتحام حافلة صغيرة حواجز أمنية

أفادت الشرطة الأميركية بأن حافلة صغيرة اقتحمت حواجز أمنية قرب البيت الأبيض فجر اليوم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مسؤولون أميركيون يكشفون «خطأً تكتيكياً» ارتُكب قبل الحرب مع إيران

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة جوية في طهران (أ.ب)
سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة جوية في طهران (أ.ب)
TT

مسؤولون أميركيون يكشفون «خطأً تكتيكياً» ارتُكب قبل الحرب مع إيران

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة جوية في طهران (أ.ب)
سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة جوية في طهران (أ.ب)

مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وازدياد التهديد الذي تمثله الطائرات المسيّرة الإيرانية، بدأ مسؤولون أميركيون في مراجعة بعض القرارات التي اتُّخذت قبل اندلاع المواجهة مع طهران. ويشير عدد منهم إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ربما ارتكبت «خطأً تكتيكياً» عندما لم تمنح اهتماماً كافياً لعرض أوكراني سابق يتعلق بتكنولوجيا مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية، وهي التكنولوجيا التي أصبحت اليوم تشكل تحدياً كبيراً للقوات الأميركية في المنطقة.

ففي منتصف العام الماضي، أفادت تقارير بأن إدارة ترمب تجاهلت عرضاً من أوكرانيا للمساعدة في تعزيز أنظمة الدفاع ضد الطائرات الإيرانية المسيّرة الفتاكة التي باتت منتشرة على نطاق واسع. وبعد أن تسببت هذه الطائرات لاحقاً في مقتل عدد من الجنود الأميركيين، يرى بعض المسؤولين أن تجاهل ذلك العرض الأولي كان خطأً كبيراً، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وقال مسؤول أميركي لموقع «أكسيوس»: «إذا كان هناك خطأ تكتيكي أو هفوة ارتكبناها قبل هذه الحرب (مع إيران)، فهذا هو».

وفي أغسطس (آب) الماضي، أفادت تقارير بأن مسؤولين أوكرانيين حاولوا عرض تكنولوجيا مجرّبة في ساحة المعركة على الولايات المتحدة لمواجهة الطائرات الإيرانية الهجومية من طراز «شاهد». وتتميز هذه الطائرات بأنها منخفضة التكلفة وأحادية الاتجاه، وقد أصبحت جزءاً أساسياً من ترسانة روسيا في حربها ضد أوكرانيا.

وذكرت التقارير أن الأوكرانيين قدموا هذا العرض خلال اجتماع مغلق في البيت الأبيض عُقد في 18 أغسطس، حيث عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على الرئيس ترمب طائرات مسيّرة اعتراضية بوصفها وسيلة لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين. وتشير التقارير إلى أن العرض اختُتم بعرض تقديمي تضمن شرائح توضح كيف يمكن للطائرات المسيّرة الإيرانية أن تشكل تهديداً واسع النطاق في منطقة الشرق الأوسط خلال حرب افتراضية مع إيران.

وحسب التقارير، طلب الرئيس ترمب من فريقه دراسة العرض الأوكراني، غير أن المقترح لم يُبحث بجدية خلال الأشهر اللاحقة. ويُعتقد أن بعض الجهات داخل الإدارة الأميركية آنذاك رأت أن زيلينسكي كان يسعى أساساً إلى استعراض موقفه السياسي والعسكري.

وكانت العلاقات بين الجانبين قد شهدت توتراً قبل أشهر من ذلك الاجتماع. فقد تحول لقاء جمع ترمب وزيلينسكي في المكتب البيضاوي إلى جدال حاد حول ما عدّه ترمب نقصاً في تقدير الزعيم الأوكراني للمساعدات الأميركية، وذلك أمام عدسات الكاميرات.

وفي تعليق على هذه التقارير، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، لصحيفة «إندبندنت»: «انخفضت الهجمات الإيرانية الانتقامية بنسبة 90 في المائة لأن قدراتهم الصاروخية الباليستية تُدمر تماماً. هذا الوصف الذي أطلقته هذه المصادر غير دقيق، ويثبت أنهم مجرد متفرجين من الخارج. لقد قام وزير الدفاع هيغسيث والقوات المسلحة بعمل رائع في التخطيط لجميع الردود المحتملة من النظام الإيراني، والنجاح الباهر لعملية (إبيك فيوري) خير دليل على ذلك».

غير أن التطورات الأخيرة أعادت تسليط الضوء على العرض الأوكراني السابق، خصوصاً بعد أن أصبحت الولايات المتحدة مهددة بشكل مباشر بالطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز «شاهد». ويشير بعض الخبراء إلى أن تكنولوجيا مكافحة الطائرات المسيّرة التي طورتها أوكرانيا تُعد وسيلة أقل تكلفة بكثير لاعتراض هذه الطائرات مقارنة بأنظمة الدفاع الجوي التقليدية الباهظة الثمن المنتشرة في القواعد الأميركية في الشرق الأوسط.

وحسبما ورد، أطلع القادة العسكريون الأميركيون المشرعين الأسبوع الماضي على أن الطائرات المسيّرة الإيرانية تمثل تحدياً أكبر مما كان متوقعاً، مشيرين إلى أن أنظمة الدفاع الجوي الأميركية لا تستطيع اعتراض جميع هذه الطائرات.

وفي سياق متصل، نشرت الولايات المتحدة أيضاً مسيّرات من طراز «لوكاس» في ساحة المعركة، وهي طائرات جرى تصميمها على غرار الطائرات الإيرانية منخفضة التكلفة من طراز «شاهد».


كيف أخطأ ترمب ومستشاروه في تقدير رد إيران على الحرب؟

المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)
المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)
TT

كيف أخطأ ترمب ومستشاروه في تقدير رد إيران على الحرب؟

المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)
المتحدّثة باسم البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي - 10 مارس (نيويورك تايمز)

في 18 فبراير (شباط)، وبينما كان الرئيس دونالد ترمب يدرس ما إذا كان سيشن هجمات عسكرية على إيران، قال وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، في مقابلة، إنه غير قلق من أن تؤدي الحرب الوشيكة إلى تعطيل إمدادات النفط في الشرق الأوسط وإحداث فوضى في أسواق الطاقة.

وقال رايت إنه حتى خلال الضربات الإسرائيلية والأميركية على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، كان هناك اضطراب محدود في الأسواق. وأضاف: «ارتفعت أسعار النفط قليلاً ثم عادت إلى الانخفاض». وكان بعض مستشاري ترمب الآخرين يتبنّون وجهات نظر مماثلة في أحاديث خاصة، متجاهلين التحذيرات من أن إيران قد تشن (في المرة الثانية) حرباً اقتصادية، عبر إغلاق الممرات البحرية التي تنقل نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية.

أزمة اقتصادية

تكشف حجم الخطأ في التقدير خلال الأيام الأخيرة، حين هددت إيران بإطلاق النار على ناقلات النفط التجارية التي تعبر مضيق هرمز، وهو عنق زجاجة استراتيجي يجب أن تمر عبره جميع السفن في طريقها للخروج من الخليج. ورداً على التهديدات الإيرانية، توقّفت حركة الشحن التجاري في المنطقة، وقفزت أسعار النفط، وبدأت إدارة ترمب تبحث على عجل عن سبل لاحتواء أزمة اقتصادية أدت إلى ارتفاع أسعار البنزين بالنسبة للأميركيين.

دخان يتصاعد من ناقلة تايلاندية بعد تعرضها لهجوم بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

ويجسد هذا الحدث إلى أي مدى أساء ترمب ومستشاروه تقدير كيفية رد إيران على صراع ترى فيه الحكومة في طهران، عاصمة إيران، تهديداً وجودياً. فقد ردّت إيران بصورة أكثر عدوانية بكثير مما فعلت خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي، مطلقةً وابلاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة على قواعد عسكرية أميركية، ومدن في دول عربية بالشرق الأوسط، وعلى مراكز سكنية إسرائيلية.

واضطر المسؤولون الأميركيون إلى تعديل خططهم على عجل، من إصدار أوامر متسرعة بإجلاء السفارات إلى وضع مقترحات سياسية لخفض أسعار الوقود.

وبعد أن قدّم مسؤولو إدارة ترمب إحاطة مغلقة للنواب، يوم الثلاثاء، قال السيناتور كريستوفر مورفي، الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الإدارة «لا تملك أي خطة» لمضيق هرمز، و«لا تعرف كيف تعيد فتحه بأمان».

داخل الإدارة، بدا بعض المسؤولين يزدادون تشاؤماً بسبب غياب استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب. لكنهم كانوا حريصين على عدم التعبير عن ذلك مباشرة للرئيس، الذي كرّر مراراً أن العملية العسكرية حققت نجاحاً كاملاً.

وقد طرح ترمب أهدافاً قصوى، مثل إصراره على أن تعيين إيران قائداً يخضع له، في حين وصف وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث أهدافاً أضيق وأكثر تكتيكية قد توفر مخرجاً قريباً من الحرب. وقالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن الإدارة «كانت لديها خطة قوية» قبل اندلاع الحرب، وتعهَّدت بأن تنخفض أسعار النفط بعد انتهائها. وأضافت في بيان: «إن الاضطراب المتعمَّد في سوق النفط من قبل النظام الإيراني قصير الأمد، وهو ضروري لتحقيق المكسب طويل الأجل المتمثل في القضاء على هؤلاء الإرهابيين والتهديد الذي يُشكّلونه على أميركا والعالم». ويستند هذا المقال إلى مقابلات مع نحو اثني عشر مسؤولاً أميركياً طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لتطرّقهم إلى محادثات خاصة.

«أظهروا بعض الشجاعة»

أقر هيغسيث، يوم الثلاثاء، بأن الرد الإيراني العنيف ضد جيرانه فاجأ «البنتاغون» إلى حد ما. لكنه أصرّ على أن تصرفات إيران جاءت بنتائج عكسية. وقال بمؤتمر صحافي في «البنتاغون»: «لا أستطيع القول إننا توقعنا بالضرورة أن يكون هذا بالضبط رد فعلهم، لكننا كنا نعلم أنه احتمال وارد». وأضاف: «أعتقد أنه كان دليلاً على يأس النظام».

ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض من فلوريدا - 9 مارس (نيويورك تايمز)

وقد أبدى ترمب إحباطاً متزايداً من تأثير الحرب على إمدادات النفط، قائلاً لشبكة «فوكس نيوز» إن على أطقم ناقلات النفط «إظهار بعض الشجاعة» والإبحار عبر مضيق هرمز. وكان بعض المستشارين العسكريين قد حذروا قبل الحرب من أن إيران قد تطلق حملة عدوانية رداً على الهجوم، وأنها ستنظر إلى الضربة الأميركية - الإسرائيلية على أنها تهديد لوجودها. لكن مستشارين آخرين ظلوا واثقين من أن قتل القيادة العليا الإيرانية سيؤدي إلى وصول قادة أكثر براغماتية قد يسعون إلى إنهاء الحرب.

وعندما أُطلع ترمب على المخاطر المتمثلة في احتمال ارتفاع أسعار النفط في حال اندلاع الحرب، أقرّ بإمكانية حدوث ذلك، لكنه قلّل من شأنه باعتباره مصدر قلق قصير الأمد ينبغي ألا يطغى على مهمة «قطع رأس» النظام الإيراني. ووجه رايت ووزير الخزانة سكوت بيسنت للعمل على تطوير خيارات لمواجهة أي ارتفاع محتمل في الأسعار.

ترمب برفقة هيغسيث وخلفهما المبعوث الخاص ستيف ويتكوف على متن طائرة الرئاسة - 7 مارس (رويترز)

لكن الرئيس لم يتحدث علناً عن هذه الخيارات - بما في ذلك تأمين المخاطر السياسية المدعوم من الحكومة الأميركية، وإمكانية مرافقة البحرية الأميركية لناقلات النفط - إلا بعد أكثر من 48 ساعة من بدء الصراع. ولم تبدأ هذه المرافقة حتى الآن.

ومع اضطراب الأسواق العالمية بسبب الحرب، بدأ الجمهوريون في واشنطن يشعرون بالقلق من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى إلحاق الضرر بجهودهم لتسويق أجندتهم الاقتصادية للناخبين، قبل انتخابات التجديد النصفي. وقد جادل ترمب، علناً وفي أحاديث خاصة، بأن النفط الفنزويلي يمكن أن يساعد في معالجة أي صدمات ناجمة عن حرب إيران. وأعلنت الإدارة يوم الثلاثاء عن مصفاة جديدة في تكساس قال مسؤولون إنها قد تساعد في زيادة إمدادات النفط، بما يضمن ألا تتسبب إيران في أي ضرر طويل الأمد لأسواق النفط.

مخرج محتمل

قال ترمب إن الحرب قد تستمر لأكثر من شهر، لكنه قال أيضاً إنها «شبه مكتملة إلى حد كبير». وأضاف أن الولايات المتحدة «ستمضي قدماً بعزم أكبر من أي وقت مضى».

غير أن روبيو وهيغسيث يبدوان، في الوقت الحالي، وكأنهما نسّقا رسائلهما حول ثلاثة أهداف محددة، باشرا عرضها في تصريحات علنية، يومي الاثنين والثلاثاء.

وقال روبيو في فعالية بوزارة الخارجية، يوم الاثنين، قبل أن يعقد ترمب مؤتمره الصحافي إن «أهداف هذه المهمة واضحة. إنها تدمير قدرة هذا النظام على إطلاق الصواريخ، وذلك من خلال تدمير صواريخه ومنصات إطلاقها، وتدمير المصانع التي تصنع هذه الصواريخ، وتدمير بحريته». وقد عرضت وزارة الخارجية الأهداف الثلاثة حتى في شكل نقاط، وسلّطت الضوء على مقطع فيديو لروبيو يذكرها عبر حساب رسمي على وسائل التواصل الاجتماعي.

وزير الحرب ونائب الرئيس الأميركيين لدى وصول جثمان جندي أميركي إلى ديلاوير، بعد مقتله في خضمّ الحرب مع إيران (أ.ف.ب)

وبدا عرض روبيو، الذي يشغل أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، وكأنه يُمهّد الطريق للرئيس لإنهاء الحرب عاجلاً لا آجلاً. وفي مؤتمره الصحافي، تفاخر ترمب بأن الجيش الأميركي دمّر بالفعل قدرات إيران على إطلاق الصواريخ الباليستية وبحريتها. لكنه حذر أيضاً من اتخاذ إجراءات أكثر عدوانية، إذا حاول القادة الإيرانيون قطع إمدادات الطاقة العالمية.

وقال ماثيو بوتينغر، الذي كان نائب مستشار الأمن القومي في إدارة ترمب الأولى، في مقابلة، إن الرئيس لمح إلى أنه قد يقرر السعي إلى أهداف حرب طموحة قد تستغرق أسابيع على الأقل. وأضاف بوتينغر: «في مؤتمره الصحافي، شعرت بأنه يعود إلى تبرير القتال لفترة أطول قليلاً، نظراً إلى أن النظام ما زال يبعث إشارات بأنه لن يرتدع، وما زال يحاول السيطرة على مضيق هرمز».

وتابع بوتينغر، الذي يشغل حالياً رئاسة «برنامج الصين» في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، وهي مجموعة تدعو إلى شراكة أميركية وثيقة مع إسرائيل ومواجهة إيران: «هو لا يريد أن يضطر إلى خوض حرب تكملة».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


وزارة الطاقة الأميركية تحمّل موظفين مسؤولية منشور خاطئ عن مرافقة بحرية بمضيق هرمز

صورة تُظهر سفناً تجارية قبالة سواحل دبي 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة تُظهر سفناً تجارية قبالة سواحل دبي 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزارة الطاقة الأميركية تحمّل موظفين مسؤولية منشور خاطئ عن مرافقة بحرية بمضيق هرمز

صورة تُظهر سفناً تجارية قبالة سواحل دبي 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة تُظهر سفناً تجارية قبالة سواحل دبي 11 مارس 2026 (أ.ف.ب)

قال متحدث باسم وزارة الطاقة الأميركية إن موظفين بالوزارة هم المسؤولون عن منشور على الحساب الرسمي لوزير الطاقة كريس رايت على منصة «إكس»، الثلاثاء، ذكر، على نحو خاطئ، أن «البحرية» الأميركية رافقت ناقلة نفط عبر مضيق هرمز، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وزاد المنشور، الذي حُذف سريعاً، من آمال قطاع النفط في العالم في استئناف شحنات النفط والغاز عبر الممر المائي الحيوي الذي أُغلق فعلياً منذ بدء الضربات الإسرائيلية والأميركية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي. ويمر من المضيق في العادة نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز المحمولة بحراً في العالم، وأدى إغلاقه إلى ارتفاع حاد بأسعار الطاقة العالمية.

وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «رويترز»، في بيان بالبريد الإلكتروني: «حذف مقطع فيديو من الحساب الرسمي للوزير رايت على منصة (إكس)، بعد أن تبيّن أن توصيفه جاء خاطئاً من موظفي وزارة الطاقة».

وأضاف: «الرئيس ترمب والوزير رايت وبقية فريق الطاقة يراقبون الوضع من كثب، ويتحدثون مع قادة القطاع، ويطلبون من الجيش الأميركي وضع خيارات إضافية لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، بما في ذلك إمكانية مرافقة (البحرية) الأميركية ناقلات».

وأكد البيت الأبيض، الثلاثاء، أن «البحرية» لم ترافق بعدُ أي سفن للعبور من المضيق.