تقرير: أجهزة الاستخبارات الأميركية تتخوف من أن تصبح هدفاً لحملة التطهير التي يقودها ترمب

شعار «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» في مقرها بولاية فيرجينيا (أ.ف.ب)
شعار «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» في مقرها بولاية فيرجينيا (أ.ف.ب)
TT

تقرير: أجهزة الاستخبارات الأميركية تتخوف من أن تصبح هدفاً لحملة التطهير التي يقودها ترمب

شعار «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» في مقرها بولاية فيرجينيا (أ.ف.ب)
شعار «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية» في مقرها بولاية فيرجينيا (أ.ف.ب)

قالت وكالة «بلومبرغ» للأنباء إن حملة التطهير التي تقودها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد المسؤولين غير الموالين لها أو النفاقات الزائدة في وزارة العدل و«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» والوكالات الفيدرالية الأخرى أثارت مخاوف المشرّعين وكبار مسؤولي الاستخبارات السابقين من أن تصبح وكالات التجسس الهدف التالي لتلك الحملة.

وأضافت أن وكالات الاستخبارات نجت حتى الآن من تدقيق وزارة كفاءة الحكومة التابعة لإيلون ماسك وغير ذلك من المنتقدين الذين يطاردون ما يرون أنه ما يُسمَّى بمقاومة «الدولة العميقة» والتضخم البيروقراطي.

لكن مسؤولي الاستخبارات السابقين رجحوا أن الأمر قد يكون مجرد مسألة وقت، خاصة أن ترمب طالما انتقد ما يدعي أنه إساءة استخدام سلطات الاستخبارات بدوافع سياسية.

وقال بول بيلار، من مركز دراسات الأمن بجامعة جورج تاون الضابط الكبير السابق في «وكالة الاستخبارات المركزية»: «لا يوجد بالتأكيد سبب لتوقُّع أن يكون البيت الأبيض أكثر تساهلاً في التعامل مع وكالات الاستخبارات» من الإدارات الأخرى المستهدَفة بالفعل.

وأضاف بيلار أنه «لا شك» أن المشكلة الكبيرة التي تواجه ترمب هي تقييم مجتمع الاستخبارات بأن روسيا تدخلت في انتخابات عام 2016 لصالحه، وهو التقييم الذي يرفضه.

وقال مسؤول في البيت الأبيض، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، إن أنشطة وزارة كفاءة الحكومة قد تبدو مزعجة، ولكنها تحقق أهداف المساءلة والكفاءة التي وضعها ترمب.

وحتى الآن، ركزت الوزارة على أجهزة أخرى من الحكومة، مثل وزارة الخزانة و«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية».

وفي الوقت نفسه، تحركت وزارة العدل لطرد مجموعة من كبار المسؤولين في «مكتب التحقيقات الفيدرالي».

والثلاثاء، امتثل «مكتب التحقيقات الفيدرالي» لطلب بتسليم أسماء نحو 5000 عميل عملوا على قضايا مرتبطة باقتحام «الكونغرس» في 6 يناير (كانون الثاني) 2021.

إيلون ماسك مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تكساس (رويترز)

ومن المفترض أن تكون وكالات الأمن القومي معفاة من جهود ماسك لخفض التكاليف، ومع ذلك، قدم مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف عرضاً لموظفيه للاستقالة الطواعية، بينما قالت الوكالة إن الخطوة تهدف لشحذ تركيزها على أولويات مثل الصين ومساعدة جهود ترمب لتقليص القوى العاملة.

والأربعاء، أثار المشرعون الديمقراطيون مخاوف بشأن التقارير التي تفيد بأن «وكالة الاستخبارات المركزية» أرسلت بريداً إلكترونياً إلى البيت الأبيض به أسماء جميع الموظفين الذين تم تعيينهم خلال العامين الماضيين.

وقال النائب جيم هايمز في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب: «أنا قلق للغاية بشأن هذا الطلب، الذي يبدو أنه يهدف لطرد الموظفين المؤقتين بشكل جماعي».

ولفتت الوكالة إلى تعيين مايكل إليس، حليف ترمب نائباً لمدير «وكالة الاستخبارات المركزية»، الاثنين، وقالت إنه ساعد في تأليف مشروع 2025 حول إصلاح الاستخبارات، وهي وثيقة مكونة من 34 صفحة تنتقد ما قالت إنه استخدام الاستخبارات سلاحاً من قبل مسؤولي الوكالة المعيَّنين من قبل الديمقراطيين، ودعت إلى طرد «الموظفين الذين أساءوا استخدام مناصبهم».

وأشارت «بلومبرغ» إلى توتر العلاقة بين ترمب ووكالات الاستخبارات في ولايته الأولى بعد أن خلصت إلى أن روسيا تدخلت في انتخابات عام 2016 لتعزيز ترشيح ترمب على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون.

وفي المقابل، رفض ترمب وأنصاره ذلك، وقد أسفر هذا النزاع عما وصفته بواحدة من أكثر اللحظات سيئة السمعة في ولايته الأولى: عندما شكك ترمب، في مؤتمر صحافي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في هلسنكي، في استنتاجات وكالات الاستخبارات، وقال ترمب: «يقول الرئيس بوتين إن روسيا لم تتدخل، وأنا لا أرى أي سبب يجعلها كذلك».

ولم تتزايد شكوك ترمب في الاستخبارات إلا بعد أن تقدم ضابط في «وكالة الاستخبارات المركزية» بشكوى رسمية تفيد بأن الرئيس الأميركي مارس ضغوطاً على نظيره الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، للتحقيق مع منافسه السياسي جو بايدن، وكان هذا بمثابة بداية أول محاكمة لترمب.

مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية جون راتكليف (أ.ف.ب)

وبدأت حملة ترمب ضد الاستخبارات في يوم التنصيب، عندما أمر بإلغاء التصاريح الأمنية لـ50 من رجال الاستخبارات السابقين الذين وقَّعوا على رسالة تتساءل عما إذا كانت المعلومات المضللة الروسية وراء التقارير التي تفيد بأن نجل بايدن ترك جهاز الكومبيوتر المحمول الخاص به في شركة لإصلاح أجهزة الكومبيوتر.

وفي الجلسة بشأن المصادقة على تعيينها في مجلس الشيوخ، الأسبوع الماضي، صورت النائبة السابقة تولسي جابارد (مرشحة ترمب للإشراف على وكالات التجسس الأميركية الـ18) الاستخبارات الأميركية كقوة شريرة، ووصفت ما قالته عن تدخل روسيا في الانتخابات بأنه محاولة لتقويض ترمب و«تصويره زوراً على أنه دمية في يد بوتين».

ومن جانبها، قالت إيميلي هاردينج، من مركز أبحاث الأمن القومي في واشنطن إنها «قلقة للغاية»، بشأن حملة التطهير، خصوصاً بالنسبة لضباط الاستخبارات الذين يتوصلون إلى استنتاجات قد لا تعجب ترمب.

وأضافت: «أرى أن بعض الضباط المتحمسين قد يعتبرون أن تقديم الأخبار السيئة بمثابة خيانة، وإذا كان هناك شعور داخل الاستخبارات بأن التحليل المستقل القوي غير مرحَّب به، فسيكون لذلك تأثير مخيف».


مقالات ذات صلة

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

قال الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب إن الدنمرك لم تتمكن من فعل أي شيء ‌لإبعاد "«التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند، ‌مضيفا «حان الوقت لذلك الآن وسيتم».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية متظاهرون يشاركون في مسيرة دعماً لاحتجاجات الإيرانيين، في برلين الأحد (أ.ب)

الرئيس الإيراني يحذر من استهداف المرشد

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، من استهداف المرشد علي خامنئي، قائلاً إنه سيكون بمثابة إعلان حرب، وذلك غداة قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب «الوقت.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب) play-circle

الرئيس الإيراني: استهداف خامنئي إعلان «حرب شاملة ضد الشعب»

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، من أنّ أي هجوم على المرشد علي خامنئي سيكون بمثابة إعلان حرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب إن الدنمرك لم تتمكن من فعل أي شيء ‌لإبعاد "«التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند، ‌مضيفا «حان الوقت لذلك الآن وسيتم».

أصر ترمب مرارا على أنه ⁠لن يرضى بأقل ‌من ‍ملكية ‍بلاده لغرينلاند، وهي إقليم ‍يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدنمرك، في ​حين يصر قادة كل من الدنمرك ⁠وغرينلاند على أن الجزيرة ليست للبيع وليست هناك رغبة في أن تكون جزءا من الولايات ‌المتحدة.


تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟