دونالد ترمب... من عالم الثروة والعقارات إلى البيت الأبيض

«أميركا العظيمة» تُلهمه القتال ولو تحت أزيز الرصاص

TT

دونالد ترمب... من عالم الثروة والعقارات إلى البيت الأبيض

دونالد ترمب... من عالم الثروة والعقارات إلى البيت الأبيض

يوصَف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، بأنه «سريع البديهة»، حتى مع أزيز الرصاص.

في اللحظة التي تعرض فيها لمحاولة اغتيال، في يوليو (تموز) الماضي في بنسلفانيا، ارتمى أرضاً فَنَجا. ثم نهض مُدمىً، ليرفع قبضته هاتفاً لجمهوره الواسع: «قاتِلوا، قاتِلوا، قاتِلوا!» من أجل «فوزي» في انتخابات 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، و«عودتي» إلى البيت الأبيض.

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي ينجو فيها مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات المقبلة. لكن صاحب الشخصية الاستثنائية، الذي وفد من عالم الأعمال والعقارات في نيويورك إلى الحياة السياسية الأميركية في واشنطن، لم تربكه حتى الرصاصة التي لامست الجزء الأعلى من أذنه اليمنى بدل أن تخترق رأسه وتصرعه. بل أعطت ربما الصورة الأوضح عنه لأنصاره، بصموده مهما بلغت محاولات إسقاطه سياسياً وقضائياً ومالياً وحتى اجتماعياً.

ولم يعد غريباً أن يواجه ترمب الكثير من التحديات، وعدداً قياسياً من المتاعب القانونية والقضائية منذ اقتحامه الحلبة السياسية.

يقرأ الأميركيون الذين يشكلون قاعدة ترمب الشعبية، وغالبيتهم من البيض الذي يمثّلون 61 في المائة من مجموع الشعب الأميركي، شعاراته الشعبوية بشكل متمايز. يعكس شعاره الرئيسي «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، («ماغا» اختصاراً)، وجهة نظر تفيد بأن «عظمة» الولايات المتحدة تَضمر ليس بسبب صعود الأمم الأخرى، ومنها الصين وروسيا خصوصاً، بل بسبب «مؤامرة» متواصلة لـ«تسميم» المجتمعات الأميركية بموجات مهاجرين غير شرعيين من ألوان مختلفة، يطغى عليهم «المجرمون» و«العاطلون عن العمل» و«المتاجرون» بالبشر وبالمخدرات و«الهاربون» من بلدانهم الفاشلة عبر الحدود «السائبة» لأميركا. يعتقد بعضهم أن التغيّر الديمغرافي أدى عام 2008 إلى وصول رجل أسود (باراك أوباما) إلى البيت الأبيض، ويُنذر عام 2024 بوصول امرأة من أصول أفريقية وآسيوية (كامالا هاريس) إلى الوظيفة التي لطالما كانت مخصصة للرجال البيض. في المقابل، يُفضّل بعض ناخبيه تجاوز تصريحاته وتصرفاته «المثيرة للجدل»، ليركّزوا بدل ذلك على إنجازاته الاقتصادية وسياساته في ملفّات الأمن والسياسة الخارجية.

إجلاء ترمب من فوق المنصة بعد إصابته خلال التجمع الانتخابي في بنسلفانيا بعد إطلاق النار عليه وإصابته بأذنه يوليو 2024 (رويترز)

«دون كيشوتي»

تثير سيرة ترمب الكثير من علامات التعجب والتساؤل، وأحياناً السخرية بين خصومه، في عدد من المسائل والمواضيع التي يقاربها. يتهمونه بأنه «دون كيشوتي»، لكنه لا يكترث إلا قليلاً بالأمور والقضايا التي لا تخصه مع هذه الشريحة الاجتماعية من الأميركيين. وعندما يفعل، يرد غالباً بتغريدة حادة، أو بتصريحات مثيرة.

يحاول ترمب في انتخابات عام 2024 تكرار تجربته الانتخابية الناجحة عام 2016. ورغم «طرده» المؤقت من منصة «تويتر»، (الاسم السابق لـ«إكس»)، بعد خسارته انتخابات عام 2020، عثر ترمب على وسائل مختلفة لمهاجمة خصومه من الجمهوريين والديمقراطيين على السواء حاولوا من دون جدوى إقصاءه عن الحلبة السياسية الأميركية. وأنشأ منصته «تروث سوشيال»، واستخدم فيها بفاعلية استثنائية الكلمات الحادة لمواجهة الحملة الضارية ضده، من خلال عديد من القضايا التي تلاحقه منذ كان رئيساً عبر محاولتَي عزل فاشلتين في الكونغرس على خلفية دعمه المزعوم لمصالح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثم بتهمة السعي إلى قلب نتائج الانتخابات التي فاز فيها الرئيس جو بايدن (واشنطن العاصمة وجورجيا)، وكذلك بتهمة النقل غير المشروع لوثائق سريّة للغاية من البيت الأبيض في واشنطن إلى بيته الخاص في مارالاغو (فلوريدا)، بالإضافة إلى إدانته بارتكاب جنايات على خلفية علاقة مزعومة مع ممثلة إباحية (نيويورك).

مَن ترمب؟

قبل أن يترشح في المرة الأولى للانتخابات الرئاسية، كان ترمب من أشهر المليارديرات الأميركيين وأكثرهم حيوية. ورث الثروة عن أبيه وصنع الشهرة من خلال برنامجه «ذا أبرانتيس» للمبتدئين والمبتدئات في تلفزيون الواقع. وعندما بدأ يتحدث عن طموحاته الرئاسية قبل عام 2016، رأى القريبون منه أن هذا الطموح «بعيد المنال» أمام كل السياسيين الذين نافسوه، وغالبهم أكثر حنكة منه سياسياً في السباق التمهيدي للجمهوريين، وكذلك أمام منافسته الديمقراطية عامذاك هيلاري كلينتون. ورغم إسقاطه في المواجهة الرئاسية التالية عام 2020 مع منافسه جو بايدن، عاد عام 2024 إلى الحلبة ليستعيد «النتائج المسروقة» منه قبل أربعة أعوام.

حياة مثيرة

في صغره، كان لدى ترمب، الطفل الرابع لرجل الأعمال العقاري في نيويورك فريد ترمب، طموح أن يتسلم وظيفة متدنية داخل شركة والده. لكن رغم ثروة الأسرة، أُرسل إلى الأكاديمية العسكرية عندما بلغ من العمر 13 عاماً، وبدأت تظهر علامات على سوء السلوك. ثم التحق بجامعة بنسلفانيا، وصار المرشح المفضل لخلافة والده بعدما قرر شقيقه الأكبر فريد الابن أن يصير طياراً. لكنّ هذا الأخير توفي عن 43 عاماً بسبب معاقرته الخمر. ويقول ترمب إنه دخل في سوق العقارات بقرض «صغير» قيمته مليون دولار من والده، قبل أن ينضم الى الشركة ليساعد في إدارة المحفظة الواسعة لوالده من مشاريع الإسكان في أحياء مدينة نيويورك، ثم سيطر على الشركة وسماها «منظمة ترمب» عام 1971.

بعد وفاة والده عام 1999، غيّر ترمب أعمال عائلته من وحدات الإسكان في بروكلين وكوينز إلى المشاريع الجذابة في مانهاتن، فبنى فندق «غراند هايات» على أنقاض فندق الكومودور المتهدم و«برج ترمب» الفاخر والمكون من 68 طابقاً في الجادة الخامسة. ثم أنشأ علامات تجارية عديدة، وأبرزها بين عامي 1996 و2015، حين كان مالكاً لمسابقات ملكة جمال الكون وملكة جمال الولايات المتحدة وملكة جمال المراهقات. وخلال هذه المرحلة، ظهر للمرة الأولى عام 2003 في برنامج تلفزيون الواقع على شبكة «إن بي سي»، حيث يتنافس المتسابقون للحصول على وظيفة إدارية داخل مؤسسة ترمب.

وتفيد مجلة «فوربس» الأميركية بأن صافي ثروة ترمب يبلغ بضعة مليارات دولار، لكنه يُصرّ على أن قيمتها تستحق أكثر من عشرة مليارات دولار.

رغم أنه تزوج ثلاث مرات، لا تزال زوجته الأولى الرياضية وعارضة الأزياء التشيكية إيفانا زيلنيكوفا هي الأشهر. وأنجب منها ثلاثة أطفال، هم: دونالد جونيور وإيفانكا وإريك. وأدت دعوى الطلاق بينهما عام 1990، إلى ظهور عديد من القصص المثيرة عن ترمب في الصحف الشعبية. ثم تزوج من الممثلة مارلا مابلز عام 1993، وأنجب منها ابنة سمياها تيفاني، قبل أن ينفصلا عام 1999. وعام 2005، تزوج من العارضة ميلانيا كناوس وأنجب منها ابناً سمياه بارون وليام. ولا يزال أولاده من زواجه الأول يساعدون في إدارة شركته المعروفة باسم «منظمة ترمب».

ترمب يتفاعل مع أنصاره خلال فعالية انتخابية بأريزونا 23 أغسطس (د.ب.أ)

طموحات قديمة... جديدة

عبّر ترمب عن اهتمامه بالترشح للرئاسة الأميركية في وقت مُبكّر يعود إلى عام 1987، ودخل إلى هذا السباق للمرة الأولى عام 2000 مرشحاً عن حزب الإصلاح. وبعد عام 2008، صار الأكثر صراحةً بين أعضاء حركة «بيرث»، التي تساءلت عما إذا كان الرئيس باراك أوباما وُلد في الولايات المتحدة. وعندما دخل السباق إلى البيت الأبيض مجدداً عام 2016، قال في خطاب: «نحن بحاجة إلى شخص ما يتسلّم هذا البلد بالمعنى الحرفي للكلمة، ويجعله عظيماً مرة أخرى. يمكننا أن نفعل ذلك».

ووعد منذ ذلك الحين بأنه سيرفع شعار «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، ثم أدار حملة مثيرة مبنية على وعود بتعزيز الاقتصاد الأميركي، وبناء جدار على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، وحظر هجرة مواطني دول ذات غالبية مسلمة.

منذ ذلك التاريخ، يحمل ترمب شعاره الذي ازداد بريقاً مع مصادقة الجمهوريين خلال مؤتمرهم في يوليو (تموز) الماضي في ميلووكي، ويسكونسن، على ترشيحه مع السيناتور جاي دي فانس، في المواجهة التي يتوقع أن تزداد حدة وقسوة مع تسلم نائبة الرئيس كامالا هاريس، شعلة الرئاسة مع مرشحها لمنصب الرئيس حاكم مينيسوتا تيم والز، من المؤتمر الوطني العام للحزب الديمقراطي في شيكاغو، إلينوي.

كما في السابق، يثابر ترمب لتحدي استطلاعات الرأي، التي كانت تُرجّح فوز هيلاري كلينتون عام 2016 وفوزه هو عام 2020، مؤكِّداً أن الوجه الآخر لشعاره، وهو «أميركا أولاً»، سيكون بمثابة «تجفيف المستنقع» السياسي الآسن في واشنطن.

بعد فوزه المذهل عام 2016، دخل ترمب التاريخ لأنه الرئيس الأميركي الأول الذي لم يتقلد منصباً منتخباً أو يخدم في الجيش قبل أن يؤدي اليمين الدستورية بوصفه الرئيس الـ45 للولايات المتحدة في 20 يناير (كانون الثاني) 2017. وإذا فاز هذه المرة، فسيدخل إلى البيت الأبيض، مُدركاً القدرات المذهلة التي يحظى بها أي رئيس أميركي.

كثيرون يعتقدون أن ترمب عائد. وهذا ما يدفعهم إلى نصح الآخرين بـ«شدّ الأحزمة».


مقالات ذات صلة

استئناف الحركة في مضيق هرمز عقب وقف إطلاق النار

شؤون إقليمية سفن شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

استئناف الحركة في مضيق هرمز عقب وقف إطلاق النار

عبرت سفينتان مضيق هرمز، الأربعاء، منذ وافقت إيران على إعادة فتحه في إطار اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

هدنة الحرب تقفز ببورصات الخليج في التداولات المبكرة

قفزت أسواق الأسهم الخليجية خلال التعاملات المبكرة، الأربعاء، مدفوعة بتحسن معنويات المستثمرين، عقب إعلان ترمب التوصل إلى اتفاق هدنة لمدة أسبوعين مع إيران.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض وخلفه وزير الدفاع بيت هيغسيث أول من أمس (رويترز)

ما نعرفه عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران

اتفقت الولايات المتحدة وإيران أمس (الثلاثاء) على وقف إطلاق النار مدة أسبوعين، في محاولة أخيرة لتجنب دمار شامل هدد به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في 7 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle

زعيم المعارضة في إسرائيل: وقف إطلاق النار مع إيران «كارثة سياسية»

انتقد زعيم المعارضة الإسرائيلي يائير لابيد، اليوم (الأربعاء)، اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، ووصفه بأنه «كارثة سياسية غير مسبوقة».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

إسرائيل: ندعم تعليق قصف إيران لكنه لا يشمل لبنان

قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم ​(الأربعاء)، إن إسرائيل تؤيد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق الهجمات على إيران لمدة أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

نائب أميركي: وقف إطلاق النار في إيران ليس نصراً

ناشطون يتظاهرون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء رافضين الحرب على إيران (أ.ب)
ناشطون يتظاهرون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء رافضين الحرب على إيران (أ.ب)
TT

نائب أميركي: وقف إطلاق النار في إيران ليس نصراً

ناشطون يتظاهرون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء رافضين الحرب على إيران (أ.ب)
ناشطون يتظاهرون في حديقة لافاييت بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن الثلاثاء رافضين الحرب على إيران (أ.ب)

أبدى نواب أميركيون بارزون رد فعل حذِراً تجاه إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في الحرب الإيرانية، في حين انتقد بعض الديمقراطيين طريقة تعامل الرئيس دونالد ترمب مع الحرب.

وقال النائب الديمقراطي بمجلس الشيوخ ريتشارد بلومنتال في منشور عبر منصة «إكس»: «وقف إطلاق النار خبر جيد، لا لشيء سوى أن هذه الحرب التي ليس لها هدف يجب أن تنتهي في أقرب وقت ممكن»، مضيفاً أن ترمب لم يوضح بعد سبب إطلاق الصراع. وتابع: «وقف إطلاق النار ليس نصراً بالنسبة للشعب الأميركي»، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال ممثل الحزب الديمقراطي جريجوري ميكس إن الهدنة ليست كافية، ودعا ترمب إلى التوضيح للكونغرس السبب وراء اقتياد الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران قُتل فيها 13 جندياً.

وقال تشاك شومر، زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، بنبرة تهكمية، في منشور عبر منصة إكس، إنه مسرور أن ترمب «تراجع» والآن «يبحث بشكل يائس عن أي مخرج لتهديداته السخيفة».

واتفقت الولايات المتحدة وإيران على وقف لإطلاق النار قبل فترة قصيرة من مهلة حددها ترمب تنقضي في الساعة صفر بتوقيت غرينيتش، الأربعاء.


ما نعرفه عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض وخلفه وزير الدفاع بيت هيغسيث أول من أمس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض وخلفه وزير الدفاع بيت هيغسيث أول من أمس (رويترز)
TT

ما نعرفه عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض وخلفه وزير الدفاع بيت هيغسيث أول من أمس (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض وخلفه وزير الدفاع بيت هيغسيث أول من أمس (رويترز)

اتفقت الولايات المتحدة وإيران أمس (الثلاثاء) على وقف إطلاق النار مدة أسبوعين، في محاولة أخيرة لتجنب دمار شامل هدد به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وفيما يلي ما نعرفه عن الهدنة بين البلدين اللذين من المقرر أن يبدآ مفاوضات، ولكنهما لا يزالان على طرفي نقيض في مواقفهما بشأن إنهاء الحرب:

ما الذي قالته الولايات المتحدة عن الهدنة؟

صرح ترمب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن اتفاق وقف إطلاق النار يمثل «نصراً كاملاً وشاملاً» لواشنطن. وحسب واشنطن، ستعلق الولايات المتحدة هجماتها على إيران مدة أسبوعين، وستعيد طهران بدورها مؤقتاً فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي للنفط على مستوى العالم.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال»، إن طهران وافقت على «الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز». وأوضح الرئيس الأميركي أن الاتفاق جرى التوصل إليه بعد محادثات أجراها مع قادة باكستان الذين لعبوا دوراً محورياً في الوساطة لوقف الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط).

كما صرح ترمب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن اليورانيوم المخصب الإيراني «سيتم التعامل معه على أكمل وجه» بموجب الهدنة التي تستمر أسبوعين.

وفي خطة سابقة لوقف الأعمال الحربية، والتي رفضتها طهران، طالبت الولايات المتحدة إيران بوقف تخصيب اليورانيوم، والموافقة على وضع قيود على برنامجها الصاروخي، ووقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة. ولم تُفصَّل هذه الشروط في الهدنة الأخيرة.

والشهر الماضي، صرَّح الرئيس الأميركي بأن «استسلام إيران غير المشروط» هو الخيار الوحيد المقبول لإنهاء الحرب.

ما الذي تقوله إيران؟

أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن طهران ستسمح بمرور آمن مدة أسبوعين عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس نفط العالم.

وقد اقترحت إيران خطة من 10 نقاط لإنهاء الحرب، وصفها ترمب بأنها «قابلة للتنفيذ». وبينما قد تُشكل الخطة أساساً لمفاوضات محتملة في وقت لاحق من هذا الأسبوع، فإنها تتضمن نقاطاً خلافية عدة، سبق أن وصفتها واشنطن بأنها غير قابلة للتطبيق.

وتتطلب الخطة، وفقاً لبيان صادر عن طهران: «استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وقبول تخصيب اليورانيوم، ورفع جميع العقوبات الأساسية والثانوية».

ولم يرد مطلب تخصيب اليورانيوم في بيان طهران باللغة الإنجليزية الذي نشرته الأمم المتحدة؛ لكنه ورد في البيان الفارسي الذي وزعته وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية.

وتشمل المطالب الأخرى: الانسحاب العسكري الأميركي من الشرق الأوسط، ووقف الهجمات على إيران وحلفائها، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يجعل الاتفاق ملزماً.

ما الذي وافقت عليه إسرائيل؟

وأعلنت إسرائيل أنها تدعم قرار ترمب تعليق الضربات على إيران، ولكنها أكدت أن وقف إطلاق النار «لا يشمل لبنان». وطالت الحرب في الشرق الأوسط لبنان في الثاني من مارس (آذار) بعدما أطلق الحزب المدعوم من طهران صواريخ على إسرائيل. وتردُّ إسرائيل بشنِّ غارات واسعة النطاق على لبنان، واجتياح قواتها جنوب البلاد.

وأدَّت الغارات الإسرائيلية على لبنان منذ بدء الحرب إلى مقتل أكثر من 1500 شخص، حسب وزارة الصحة. وتتناقض التصريحات الإسرائيلية مع إعلان سابق لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي قال إن وقف إطلاق النار يشمل «كل مكان، بما في ذلك لبنان».

ما الخطوة التالية؟

قال شريف إن وقف إطلاق النار سيبدأ فوراً، وستستضيف العاصمة إسلام آباد وفوداً من البلدين لمحادثات من المقرر أن تبدأ الجمعة. وأضاف أن المحادثات تهدف إلى التوصل إلى «اتفاق نهائي». وقالت إيران إنها ستخصص أسبوعين للمفاوضات.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، إن البيت الأبيض يدرس إجراء محادثات في باكستان، ولكن الخطط لم تُوضع بشكل نهائي.

وتراجعت أسعار النفط الأربعاء بعد الإعلان عن إعادة فتح مضيق هرمز بموجب الهدنة، في ظلِّ انخفاض إمدادات النفط والغاز العالمية، منذ أن أغلقت إيران المضيق فعلياً. ومن شأن فتح المضيق أن يوفر انفراجة مؤقتة للدول التي تعتمد على واردات النفط.


ترمب: الولايات المتحدة ستساعد في إنهاء اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في مؤتمر صحافي عن إنقاذ الطيارين الأميركيين الذين سقطت طائراتهم في إيران (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في مؤتمر صحافي عن إنقاذ الطيارين الأميركيين الذين سقطت طائراتهم في إيران (د.ب.أ)
TT

ترمب: الولايات المتحدة ستساعد في إنهاء اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في مؤتمر صحافي عن إنقاذ الطيارين الأميركيين الذين سقطت طائراتهم في إيران (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في مؤتمر صحافي عن إنقاذ الطيارين الأميركيين الذين سقطت طائراتهم في إيران (د.ب.أ)

وافق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مع إيران، وذلك قبل أقل من ساعتين من انتهاء المهلة التي حددها لطهران لإعادة فتح مضيق هرمز أو مواجهة هجمات مدمرة على البنية التحتية المدنية.

وشكَّل إعلان ترمب الذي نشره على وسائل التواصل الاجتماعي في وقت متأخر أمس الثلاثاء تحولاً مفاجئاً عن موقفه في وقت سابق من اليوم نفسه، عندما حذَّر من أن «حضارة بأكملها ستفنى الليلة» إذا لم تتم تلبية مطالبه.

وساعد قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف في التوسط لإبرام وقف إطلاق النار.

وقال شريف إنه دعا الوفدين الإيراني والأميركي للاجتماع في إسلام آباد يوم الجمعة.

وقال ترمب إن الاتفاق، الذي تم التوصل إليه في اللحظة الأخيرة مشروط بموافقة إيران على وقف عرقلتها لعبور إمدادات النفط والغاز من المضيق، وهو ممر يعبره عادة نحو خمس شحنات النفط العالمية.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بيان إن طهران ستوقف الهجمات المضادة وتتيح مروراً آمناً عبر مضيق هرمز إذا توقفت الهجمات عليها.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)

وذكر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بيان أن إسرائيل أيدت قرار تعليق الضربات على إيران لمدة أسبوعين. وأضاف البيان أن وقف إطلاق النار لا ينطبق على لبنان، في تناقض واضح مع تصريحات رئيس الوزراء الباكستاني شريف الذي قال في وقت سابق إن الاتفاق يشمل وقف الحملة الإسرائيلية في لبنان.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشيال»: «سيكون هذا وقفاً لإطلاق النار من الجانبين!»، وأضاف: «السبب في فعلنا ذلك هو أننا حققنا بالفعل جميع الأهداف العسكرية وتجاوزناها، وقطعنا شوطاً كبيراً نحو التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن سلام طويل الأمد مع إيران، والسلام في الشرق الأوسط».

ووصف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الاتفاق بأنه انتصار على الولايات المتحدة، مضيفاً أن ترمب قبل شروط طهران لإنهاء الأعمال القتالية.

وقال ترمب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الأمر يمثل «انتصاراً كاملاً وشاملاً» لبلده.

ورد عندما سئل عما إذا كان يعلن الانتصار بوقف إطلاق النار، قائلاً: «انتصار كامل وشامل. بنسبة 100 في المائة. لا شك في ذلك».

وقال لاحقاً على موقع «تروث سوشيال»: «يوم عظيم للسلام العالمي! إيران تريد أن يحدث ذلك، لقد سئموا! وكذلك الجميع!».

وأضاف أن إيران يمكن أن تبدأ عملية إعادة الإعمار، وأن الولايات المتحدة ستساعد في معالجة التكدس الملاحي في مضيق هرمز.

وأودت الحرب، التي دخلت أسبوعها السادس، بحياة أكثر من 5 آلاف شخص في أكثر من 10 دول، وتشير إحصاءات من مصادر حكومية ومنظمات حقوق الإنسان إلى أن من بينهم أكثر من 1600 مدني قتلوا في إيران.

وعبر مصدر اطلع على المحادثات عن الحذر بشأن صمود وقف إطلاق النار، قائلاً إن الجانب الأميركي يعتقد أن إيران ربما تحاول كسب الوقت. وأضاف أنه بمثابة «تدريب على بناء الثقة».

قالت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان إن الغارات الإسرائيلية استمرت في جنوب البلاد، بما يشمل القصف المدفعي وغارة جوية عند الفجر على مبنى بالقرب من مستشفى أسفرت عن مقتل أربعة. وأفادت أيضاً بوقوع هجمات على عدة بلدات أخرى وعلى مركز طبي أسفرت عن وقوع إصابات.

وأصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات عاجلة متكررة لسكان مدينة صور في جنوب لبنان، قائلاً إنه سيشن هجوماً على المنطقة.

شرط إعادة فتح المضيق

لم يتضح على الفور متى سيبدأ السريان الكامل لوقف إطلاق النار في الأماكن الأخرى، وذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أنه سيبدأ بمجرد فتح إيران للمضيق وأن إسرائيل تتوقع استمرار الهجمات الإيرانية حتى ذلك الحين.

وقالت المقاومة الإسلامية في العراق أيضاً إنها ستعلق عملياتها في العراق وفي أنحاء المنطقة لمدة أسبوعين.

وبعد أكثر من ساعة من إعلان ترمب، قال الجيش الإسرائيلي إنه رصد صواريخ أطلقت من إيران، وسُمع دوي انفجارات ناجمة عن اعتراض الصواريخ في تل أبيب. وأصدرت دول خليجية، من بينها الكويت والبحرين والسعودية والإمارات، إنذارات متزامنة تقريباً وفعَّلت دفاعاتها الجوية.

وقالت وسائل الإعلام الإسرائيلية إن الجيش يرد بقصف مواقع الإطلاق في إيران.

وقال ترمب، الذي أطلق سلسلة من التهديدات في الأسابيع القليلة الماضية قبل أن يتراجع عنها، إن التقدم الذي أحرزه الجانبان دفعه إلى الموافقة على وقف إطلاق النار. وأضاف أن طهران قدمت مقترحاً من 10 نقاط يمثل «أساساً عملياً» للمفاوضات، وأنه يتوقع «وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق وإتمامه» خلال فترة وقف إطلاق النار التي تستمر أسبوعين.

خريطة توضح مضيق هرمز وبراميل نفط مطبوعة بالتقنية ثلاثية الأبعاد (رويترز)

وقال ترمب لاحقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لدينا اتفاقية من 15 نقطة وتم التوافق على معظمها، سنرى ما سيحدث وما إذا كان سيتم إنجازها».

وتنفست الأسواق الصعداء مع انخفاض أسعار النفط وارتفاع الأسهم وتراجع الدولار في التعاملات الآسيوية، مدعومة بالأمل في استئناف التجارة عبر المضيق.

ورحب قادة حول العالم بوقف إطلاق النار، وقالت الحكومة الأسترالية: «كلما طالت مدة الحرب، زاد تأثيرها على الاقتصاد العالمي، وزادت الخسائر البشرية».

وقال محللون إن ترمب، بموافقته على وقف إطلاق النار، ربما أظهر إدراكه أن الحرب التي لا تحظى بشعبية كبيرة في أجزاء كثيرة من الولايات المتحدة استمرت لفترة أطول مما كان يتوقع.

وقالت جيسيكا جيناور المديرة الأكاديمية لمعهد السياسة العامة بجامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية: «شهدنا في الأيام القليلة الماضية رغبة الرئيس ترمب في إيجاد طريق يتيح للجيش الأميركي الانسحاب من الحرب مع إيران، مع تصوير ذلك على أنه نوع من الانتصار للولايات المتحدة».

تحول مفاجئ

توَّج هذا التحول المفاجئ يوماً عاصفاً سيطر عليه تهديد ترمب بتدمير كل الجسور ومحطات الكهرباء في إيران ما لم تفتح المضيق، الأمر الذي أثار قلق قادة العالم وهز أسواق المال والطاقة العالمية، وأثار تنديداً واسع النطاق، بما في ذلك انتقادات من الأمين العام للأمم المتحدة وبابا الفاتيكان البابا ليو.

وقال بعض خبراء القانون الدولي إن الهجوم العشوائي على البنية التحتية المدنية قد يشكل جريمة حرب.

وأدى إغلاق المضيق، الذي يمر عبره عادة ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية، إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، مما زاد من احتمالات حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي أو حتى ركود. وحذَّرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية في وقت سابق أمس الثلاثاء من أن أسعار الوقود قد تستمر في الارتفاع لعدة أشهر حتى بعد إعادة فتح المضيق.

ومع اكتساب حملة انتخابات التجديد النصفي الأميركية زخماً، وصلت شعبية ترمب إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق، مما يعرض الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه لخطر فقدان سيطرته على الكونغرس.

وتظهر استطلاعات الرأي أن أغلبية كبيرة من الأميركيين تعارض الحرب وتشعر بالإحباط بسبب ارتفاع أسعار البنزين.

ومع اقتراب الموعد النهائي الذي حدَّده ترمب في الساعة الثامنة مساء أمس الثلاثاء بتوقيت شرق الولايات المتحدة (00:00 بتوقيت غرينتش اليوم الأربعاء)، اشتدت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، إذ استهدفت الجسور والسكك الحديدية ومطاراً ومصنعاً للبتروكيماويات. وهاجمت القوات الأميركية أهدافاً في جزيرة خرج، التي تضم محطة تصدير النفط الرئيسية في إيران.