أوباما وزوجته يدفعان «الأمل» في تكرار تجربة 2008 وانتخاب هاريس

اليوم الثاني من مؤتمر الحزب الديمقراطي يؤكد ترشيحها وسط سخرية من «صغائر» ترمب

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما يتحدث في المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما يتحدث في المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو (أ.ف.ب)
TT

أوباما وزوجته يدفعان «الأمل» في تكرار تجربة 2008 وانتخاب هاريس

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما يتحدث في المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما يتحدث في المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو (أ.ف.ب)

ألهب الرئيس الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشال أوباما حماسة المشاركين في اليوم الثاني من المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي في شيكاغو، الثلاثاء، بدعواتهما إلى تكرار تجربة عام 2008 وتشكيل ائتلاف عريض يدفع «الأمل» بانتخاب نائبة الرئيس كامالا هاريس، لتكون المرأة الأولى التي تصعد إلى المرتبة الأعلى في البيت الأبيض.

مناصرون لهاريس خلال المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو (أ.ف.ب)

واستعاد الرئيس أوباما بعضاً من صعوده كنجم سياسي في مؤتمر عام 2004 للديمقراطيين، فقال: «أشعر بالأمل لأن هذا المؤتمر كان دائماً جيداً للغاية للأطفال ذوي الأسماء المضحكة الذين يؤمنون ببلد فيه كل شيء ممكن»، مضيفاً أنه «لدينا الآن الفرصة لانتخاب شخص أمضى حياته كلها في محاولة منح الناس الفرص نفسها التي منحتها لها أميركا». إنها كامالا هاريس.

ورأى أوباما أن الأميركيين «ليسوا بحاجة إلى أربع سنوات أخرى من التهويل والفوضى. شاهدنا هذا الفيلم - ونحن جميعاً نعلم أن التكملة عادة ما تكون أسوأ (...) أميركا مستعدة لفصل جديد. أميركا مستعدة لقصة أفضل. نحن مستعدون لرئيسة مثل كامالا هاريس».

وفي تصميم متقن، لعب أوباما دور الشخصية الكاريزمية لإلهام الذين حضروا المؤتمر وغيرهم خارجه من أجل تمكين هاريس من الفوز في الشهرين المتبقيين قبل يوم الانتخابات في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

عودة الأمل

وفي تصريحاتها، وجهت ميشال أوباما رسالة مماثلة، فقالت: «أميركا، الأمل يعود»، لأن هاريس «واحدة من أكثر الأشخاص المؤهلين على الإطلاق الذين سعوا إلى منصب الرئاسة». وشنت ميشال أوباما، واحدة من أشد الهجمات على الرئيس السابق دونالد ترمب، ساخرة من أكثر خطوط حملته إثارة للجدل ضده، بالتساؤل: «من سيخبره أن الوظيفة التي يبحث عنها حالياً يمكن أن تكون مجرد واحدة من تلك الوظائف السوداء؟». ثم أثارت حماسة الحاضرين في شيكاغو بتقديم الدعم والثناء الاستثنائيين لهاريس، لكنها ركزت جزءاً كبيراً من خطابها الذي استمر نحو 20 دقيقة على ترمب، مكررة السخرية من تعليقاته وخلفيته وسلوكه، في حين تجنبت ذكر اسمه.

وأعطت ملاحظاتها نبرة شخصية عندما تحدثت عن الرئيس السابق، الذي قاد حملة استمرت لسنوات عديدة للتشكيك في مكان ميلاد زوجها بارك أوباما، فقالت: «بذل دونالد ترمب لسنوات كل ما في وسعه في محاولة لجعل الناس يخافون منّا»، مضيفة أن «نظرته المحدودة والضيقة للعالم جعلته يشعر بالتهديد من وجود شخصين ناجحين ومتعلمين تعليماً عالياً ومجتهدين، وهما من السود». وركزت على شكواه حول المهاجرين الذين يأخذون «وظائف السود» من خلال الإشارة إلى أن رئاسة الولايات المتحدة كانت كذلك، وقد تكون كذلك قريباً. ورأت أن الأميركيين الذين مثل هاريس يدركون أن «معظمنا لن يُمنح أبداً نعمة الفشل إلى الأمام»، في إشارة إلى مشاكل ترمب التجارية.

وأشارت إلى أن معظم الأميركيين لا يكبرون مع «العمل الإيجابي للثروة المتوارثة» علي غرار ترمب المولود من عائلة ثرية في نيويورك. وقالت: «إذا رأينا جبلاً أمامنا، فلا نتوقع أن يكون هناك سلم متحرك ينتظرنا ليأخذنا إلى القمة. درجة تلو الدرجة»، وسط تصفيق مدوٍ من الجمهور.

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشال على منصة المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو (إ.ب.أ)

تأكيد ترشيح هاريس

وقبل أن يتحدث أوباما وزوجته، أجرى المندوبون تصويتاً بالنداء على هاريس، في طقس احتفالي أكد ترشيحها رسمياً. ثم تم نقل هاريس لتحية مندوبي شيكاغو في تجمع جماهيري كانت تقيمه بميلووكي، حيث خاطبت حشوداً مبتهجة في كلتا المدينتين في وقت واحد. وقالت هاريس: «أشكر الجميع هناك وهنا (...) هذه حملة مدعومة بالناس، وسنرسم معاً طريقاً جديداً للمضي قدماً».

وفي تصريحاته، أشاد أوباما أيضاً بفترة ولاية بايدن وإنجازاته. وقال: «سيتذكر التاريخ جو بايدن بصفته رئيساً دافع عن الديمقراطية في لحظة من الخطر الكبير»، مضيفاً: «أنا فخور بأن أُسمّيه رئيسي، ولكنني أكثر فخراً بأن أُسمّيه صديقي».

الرئيس جو بايدن ونائبته المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس يداً بيد في «المؤتمر الوطني الديمقراطي» بشيكاغو (أ.ب)

ولم يكن أوباما الوحيد من نادي الرؤساء المدافعين عن سجل هاريس الرئاسي، إذ شارك في المؤتمر أحفاد الرئيس جيمي كارتر، وجون كينيدي، لدعمها بصفتها الوريثة الطبيعية لزعماء ديمقراطيين سابقين. وقال جايسون كارتر، حفيد الرئيس التاسع والثلاثين: «تحمل كامالا هاريس إرث جدي. إنها تعرف ما هو الصواب وتقاتل من أجله». واقترح جاك شلوسبيرغ أن هاريس ستواصل أجندة كينيدي، فقال إنها «تؤمن بأميركا كما كان جدي يؤمن بها. أننا نفعل الأشياء ليس لأنها سهلة، ولكن لأنها صعبة».

جمهوريون ضد ترمب

وصعد بعض الجمهوريين إلى منصة الحزب الديمقراطي لتوجيه رسالة إلى زملائهم، مفادها أنه لا بأس من ترك ترمب. وقالت ستيفاني غريشام التي عملت في أدوار مختلفة في البيت الأبيض في عهد ترمب الذي «ليس لديه تعاطف ولا أخلاق ولا إخلاص للحقيقة». وقالت: «لم يعد بإمكاني أن أكون جزءاً من الجنون بعد الآن. عندما كنت ناطقة صحافية، تعرضت للسخرية لأنني لم أعقد إحاطة في البيت الأبيض أبداً. هذا لأنه على عكس رئيسي. لم أرغب قط في الوقوف على تلك المنصة والكذب».

وقال كايل سويتسر، وهو ناخب لترمب من ألاباما، إن التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس السابق جعلت الحياة أكثر صعوبة بالنسبة لعمال البناء مثله. ويتحدث رئيس بلدية ميسا في أريزونا الجمهوري، جون غيلز، عن سبب دعمه لهاريس، معدّاً أن سياسات ترمب تضر بالمدن مثل مدينته.

وتحدث الرجل الثاني دوغ إيمهوف، وزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ السيناتور تشاك شومر، والسناتور المستقل بيرني ساندرز، المحبوب من التقدميين.

هويتان متشابهتان

وكان ناشطو الحزب الديمقراطي استعادوا في اليوم الثاني من مؤتمرهم، بداية العلاقة بين أوباما وهاريس عام 2004، عندما ساعدت هاريس في استضافة حملة لجمع التبرعات لترشيحه لمجلس الشيوخ في قاعة فندق في سان فرانسيسكو. وسرعان ما نشأت بينهما علاقة متينة بسبب خلفياتهما الثقافية، ووجدا قواسم مشتركة مريحة مع بعضهما في عالم سياسي يُهيمن عليه السياسيون البيض.

وبين عامي 2007 و2008، لم تُصر هاريس، وهي ابنة عالم هندي وأستاذ اقتصاد جامايكي، مجرد بديل قوي لسياسات أوباما فحسب، بل صارت أيضاً سفيرة لخلفيته الثقافية، إذ أوضحت تعقيدات هويته للناخبين الذين لم يفكروا قط في مرشح رئاسي مثله من قبل. وقالت هاريس عام 2007: «يميل الكثيرون منا إلى تبسيط التصنيفات السياسية بشكل مفرط. إنه أكثر إثارة للاهتمام وتعقيداً من تلك الفئات العادية».

المرشح الجمهوري للانتخابات الأميركية دونالد ترمب ومرشحة الديمقراطيين كامالا هاريس (أ.ف.ب)

وتوطدت هذه العلاقة بعد فوز أوباما بترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة في يونيو (حزيران) 2008، والرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام، فاحتلت هاريس العناوين الرئيسية في المقارنات الإيجابية مع أوباما.

وتوجد أوجه تشابه عديدة بين أوباما وهاريس، اللذين أمضى كل منهما حياته المهنية في الدفاع عن قضية بلد يغلب عليه البيض مفادها أن «الطفل النحيف ذو الاسم المضحك»، كما أطلق أوباما على نفسه مرشحاً لمجلس الشيوخ في مؤتمر الحزب الديمقراطي عام 2004، وهاريس، «ابنة أوكلاند» التي نشأت في بيركلي لأم عزباء، يمكن أن يساعدا الأميركيين على بناء جسور ثقافية فيما بينهم وتجاوز الخلافات السياسية.

في بداية علاقتهما السياسية، زعمت هاريس أن خلفية أوباما ــ كانت والدته بيضاء من كانساس وكان والده من كينيا ــ كانت ميزة، وهو النوع من الهوية التي قد يعدها عدد متزايد من الأميركيين ليس تهديداً للوضع الراهن بل سمة مرحب بها للعيش في ديمقراطية متنوعة.

وربط بعضهم حضور أوباما بأنه لم ينسَ قط ما فعلته هاريس، وجاء إلى المؤتمر الوطني الديمقراطي ليرد لها الجميل، بخطاب عمل عليه لمدة ثلاثة أشهر على الأقل، وفقاً لشخص مطلع على استعداداته، موضحاً أن الرئيس الأسبق أعاد صياغة الخطاب أخيراً ليتناسب مع انسحاب بايدن من السباق لمصلحة هاريس.


مقالات ذات صلة

مرشحو ترمب يحققون فوزاً لافتاً في «تمهيديات الجمهوريين»

الولايات المتحدة​ المرشح لمنصب حاكم جورجيا ريك جاكسون مع مؤيديه خلال متابعة نتائج جولة الإعادة الانتخابية في أتلانتا (أ.ب)

مرشحو ترمب يحققون فوزاً لافتاً في «تمهيديات الجمهوريين»

حقق مرشحو الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فوزاً ساحقاً في 3 عمليات انتخابية تمهيدية لمجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري، لكنه واجه صعوبات بسباقات أخرى في جورجيا...

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح في أثناء صعوده إلى الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» من قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند متوجهاً إلى فرنسا للمشاركة في قمة مجموعة السبع يوم الاثنين (إ.ب.أ)

تفاهم ترمب مع إيران يواجه أسئلة صعبة حول «النووي» والعقوبات

تراوحت ردود الفعل على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى مذكرة تفاهم مع إيران بين ترحيب حذر وقلق من التفاصيل وآليات التنفيذ.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جيمس تالاريكو خلال لقاء انتخابي في سان أنتونيو (أ.ف.ب)

الديمقراطي جيمس تالاريكو يفرض نفسه منافساً جدياً في تكساس «قلعة الجمهوريين»

يخوض المرشحان الديمقراطي والجمهوري سباقاً حقيقياً للفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس.

«الشرق الأوسط» (سان أنتونيو)
الولايات المتحدة​ السيناتور ليندسي غراهام متحدثاً بعد فوزه الانتخابي في ساوث كارولاينا (أ.ب)

حلفاء ترمب يتقدمون جمهورياً… ومرشح مثير للجدل بين الديمقراطيين

بسط الرئيس الأميركي دونالد ترمب سطوته بين الجمهوريين بفوز حلفائه في الانتخابات التمهيدية للحزب. وتقدم مرشح مثير للجدل عن الديمقراطيين في ماين.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أشخاص يسيرون على طول الممشى الوطني بالقرب من مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن 27 أكتوبر 2025... ويُعدّ مبنى الكابيتول التاريخي حيث يجتمع البرلمان الأميركي رمزاً من رموز الديمقراطية في البلاد (رويترز)

استطلاع: عدد أقل من الأميركيين يرى الديمقراطية عنصراً أساسياً في هوية البلاد

يُظهر استطلاع جديد تراجع إيمان الأميركيين باستثنائية بلادهم وبمركزية الديمقراطية في هويتهم الوطنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجيش الأميركي: مقتل قيادي في «داعش» بغارة شمال غربي سوريا

جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)
جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي: مقتل قيادي في «داعش» بغارة شمال غربي سوريا

جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)
جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)

أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، على منصة «إكس» الأربعاء، أن الجيش الأميركي نفّذ غارة جوية في شمال غربي سوريا، في 19 يونيو (حزيران)، أسفرت عن مقتل قيادي بارز في تنظيم «داعش».

ورأت «سنتكوم» أن «هذه الضربة الدقيقة التي أسفرت عن مقتل علي حسين العليوي جزء من الجهود الأميركية المتواصلة لعرقلة والقضاء على الإرهابيين الذين يسعون لمهاجمة الأميركيين في الخارج أو داخل الولايات المتحدة»، فيما تواصل قوات «سنتكوم» العمل جنباً إلى جنب مع الشركاء الإقليميين.

وقال الأدميرال الأميركي براد كوبر، قائد «سنتكوم»: «تلتزم (سنتكوم) وشركاؤنا باستئصال فلول (داعش) المتبقية لضمان هزيمته النهائية. وسنواصل الدفاع عن الوطن الأميركي، وأفراد قواتنا المسلحة، وحلفائنا وشركائنا في جميع أنحاء المنطقة».

وكانت حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع قد انضمت العام الماضي إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم ‌«داعش».

وأعلن التنظيم، يوم السبت، مسؤوليته عن هجوم ⁠قرب ⁠مدينة منبج في حلب بشمال شرق سوريا.

وسيطر «داعش» على ما يقرب من ربع مساحة سوريا في ذروة قوته خلال الحرب الأهلية السورية قبل عقد، قبل أن يتم طرده من تلك الأراضي من قبل ​تحالف ​بقيادة الولايات المتحدة وخصوم آخرين.


غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الأربعاء، إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية واتساع فجوة تمويل الجهود الرامية للتغلب على هذه المخاطر.

وأضاف غوتيريش لصناع سياسات وقادة تمويل خلال فعالية أسبوع العمل المناخي في لندن أنه في ظل تأثير حالات الجفاف والفيضانات وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة على مجتمعات في جميع أنحاء العالم، لم يحظَ التكيف مع هذه الظواهر بالتقدير الكافي، فضلاً عن أنه يشهد نقصاً مزمناً في التمويل.

وأضاف: «على وزراء المالية والبنوك المركزية ووزارات التخطيط وهيئات الاستثمار العام التعامل مع مخاطر المناخ باعتبارها ركيزة أساسية في السياسة الاقتصادية، من أجل حشد مزيد من الموارد المحلية»، ودعا الحكومات إلى إدراج مخاطر المناخ في جميع جوانب عملها، بدءاً من السياسة المالية وحتى سن التشريعات.

امرأة تستخدم مروحة في فناء متحف اللوفر في باريس حيث بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية (أ.ب)

وأوضح غوتيريش أن سد هذه الفجوة يتطلب مجموعة واسعة من الإجراءات، منها فرض رسوم على صناعات تسبب تلوثاً بيئياً وهياكل تمويل مدمجة، بالإضافة إلى تقديم ضمانات لتشجيع الاستثمار الخاص.

وأشار إلى أن الحاجة إلى زيادة التمويل العام والتمويل القائم على المنح تشتد في الدول النامية، لأنها الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ، ولكنها الأقل قدرة على الاستعداد لها. وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن هذه الدول ستحتاج إلى ما بين 310 و365 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، بينما لم تتلق سوى نحو 26 مليار دولار في 2023.


هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
TT

هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)

لم تعد صورة الخلاف بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحكومة بنيامين نتنياهو قابلة للاختزال في أن واشنطن تنحاز إلى إيران على حساب إسرائيل، أو تمنح طهران حق تقرير مستقبل لبنان. فتصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رسمت معادلة أكثر تعقيداً: المسار اللبناني ـ الإسرائيلي منفصل رسمياً عن مذكرة التفاهم مع إيران، ومستقبل لبنان تقرره حكومته، لكن دعم طهران لـ«حزب الله» سيطرح في المحادثات الأميركية ـ الإيرانية. وبذلك تحاول واشنطن الجمع بين تقييد العمليات الإسرائيلية التي قد تفجر وقف النار، وتحميل إيران مسؤولية سلوك حلفائها، من دون تعهد واضح بمعاقبتها إذا استأنف الحزب هجماته. وهذا لا يلغي القلق الإسرائيلي، لكنه يغير طبيعته: الخشية ليست من تخلي أميركي عن إسرائيل، بل من إخضاع هامش عملها العسكري لأولويات ترمب الإقليمية والداخلية.

القلق حقيقي

أكد روبيو أن واشنطن ستتعامل مباشرة مع الحكومة اللبنانية لأن لبنان «دولة ذات سيادة»، وأن مستقبل البلاد يعود إلى الشعب اللبناني من خلال حكومته. لكنه أضاف أن هناك «مسألة إيرانية تتعلق بلبنان»، تتمثل في دعم طهران لـ«حزب الله» ورعايتها له، وأنها ستبحث ضمن المحادثات مع الإيرانيين. وقال أيضاً إنه لا يمكن إنهاء الأعمال القتالية في المنطقة ما دامت جماعات مدعومة من إيران تطلق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بعيد وصوله إلى أبوظبي في جولته على دول المنطقة (أ.ب)

هذه العبارات لا تعني أن واشنطن أعلنت آلية رسمية لمحاسبة إيران، لكنها تنقل النقاش من عدّ لبنان بنداً تملكه طهران إلى عدّ سلوك «حزب الله» مسؤولية إيرانية تدخل في حساب الاتفاق الأوسع. وهي ترد جزئياً على المخاوف الإسرائيلية من أن تمنح خلية منع الاحتكاك الجديدة، التي تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان ووسطاء من دون إسرائيل، طهران اعترافاً بأنها صاحبة قرار في لبنان.

لكن الفصل السياسي بين المسارين لا يلغي ترابطهما العملي. فإيران تستطيع التأثير عبر «حزب الله»، بينما تستطيع واشنطن الضغط على إسرائيل لمنع عمليات تهدد الاتفاق. وقد انتقد ترمب قصف مبان سكنية في لبنان، وقال إن ملاحقة عنصر من الحزب لا تبرر هدم مبنى بالكامل، داعياً نتنياهو إلى التصرف «بمسؤولية أكبر». كما تواصل القيادة المركزية الأميركية دعم خفض التصعيد والفصل التكتيكي والتحقق من وقف الأعمال العدائية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف ورئيس الوزراء القطري محمد بن جاسم آل ثاني في بورغنستوك بسويسرا (أ.ف.ب)

ويرى براين كاتوليس، الباحث في معهد الشرق الأوسط، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن التخوف الإسرائيلي «حقيقي»، لأن نتنياهو يواجه انتقادات داخلية بسبب الصورة الضعيفة التي ظهرت بها إسرائيل بعد الاتفاق، والخشية من استعادة «حزب الله» قدرته على تهديدها. ويضاعف اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، المقرر إجراؤها في موعد أقصاه أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، حساسية أي تنازل بشأن الانسحاب أو حرية عمل الجيش.

ويذهب ديفيد داود، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، أبعد. وعدّ أن تغير موقف إدارة ترمب حقيقي، لأن الرئيس يريد الخروج من الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي، خشية أن تؤدي خسارة جمهورية في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى شل أجندته الداخلية. وبرأيه، ربطت إيران إنهاء الحرب الأميركية ـ الإيرانية بوقف الحرب في لبنان، لتتكرر دورة من المطالبة بكبح إسرائيل، ثم الضغط الأميركي عليها فتقليص عملياتها قبل تجدد التصعيد. غير أن تصريحات روبيو تعدل هذه القراءة ولا تنفيها: فهي ترفض أن يكون مستقبل لبنان جزءاً من صفقة مع طهران، لكنها تقر بأن نفوذ إيران على الحزب جزء من التفاوض معها.

خلاف على السياسة الخارجية

الانقسام في واشنطن لا يدور فقط حول أمن إسرائيل، بل حول معنى شعار «أميركا أولاً». ترمب ونائبه جي دي فانس يقدمان الاتفاق بوصفه مخرجاً من حرب غير شعبية، وإعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار الطاقة. في المقابل، يرى الجناح الجمهوري المتشدد أن الإدارة تمنح إيران تخفيفاً للعقوبات ونفوذاً من دون قيود كافية على الصواريخ أو الحلفاء المسلحين.

وعدّ السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام استبعاد إسرائيل من آلية منع الاحتكاك بأنه «خطأ كبير». ورأى رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ روجر ويكر أن تقييد عمليات إسرائيل ضد «حزب الله» يبدد مكاسبها العسكرية، فيما وصف بيل كاسيدي الاتفاق بأنه أحد أسوأ أخطاء السياسة الخارجية منذ عقود. ورد ترمب على منتقديه الجمهوريين بوصفهم «حمقى»، مستشهداً بتراجع أسعار النفط وارتفاع الأسواق.

أما الديمقراطيون، فلا يقفون ببساطة في صف نتنياهو. اعتراضهم يركز على غياب تفويض الكونغرس، وغموض الاتفاق، وتكاليف الحرب، وضرورة إخضاع أي تفاهم يرفع العقوبات للمراجعة التشريعية. وهكذا يلتقي صقور جمهوريون يريدون حماية أوسع لإسرائيل مع ديمقراطيين وانعزاليين جمهوريين يريدون إنهاء الحرب واستعادة دور الكونغرس.

تضخيم الخطر لتحسين الشروط

مع ذلك، يحتفظ القلق الإسرائيلي ببعد تفاوضي واضح. فرفع التحذير من «تقوية إيران» يساعد نتنياهو على تعبئة حلفائه في الكونغرس، وانتزاع ضمانات أميركية، وتوسيع تعريف التهديد الذي يسمح لإسرائيل باستخدام القوة، وربط أي انسحاب بانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح «حزب الله». كما يتيح له تحويل الغضب الداخلي إلى مواجهة مع واشنطن حول قيود مفروضة على أمن إسرائيل.

ويشير «أكسيوس» إلى أن الاستعانة العاجلة برون ديرمر، المقرب من فريق ترمب، إلى أن تل أبيب لا تتعامل مع التحول بوصفه نهائياً، بل تحاول تعديل قواعده من داخل العلاقة. ويقول مسؤولون أميركيون إن وجود واشنطن في خلية منع الاحتكاك يضمن نقل الهواجس الإسرائيلية بسبب التنسيق الوثيق بين الطرفين. وتنقل «رويترز» عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن نتنياهو لا يتوقع تحولاً فورياً مثل إبطاء شحنات السلاح، وأن بعض خطاب ترمب موجه إلى الناخب الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي.

خلاصة الصورة أن تصريحات روبيو لا تبدد القلق الإسرائيلي، لكنها تمنع اختزاله في رواية أن واشنطن سلمت لبنان لإيران. لذلك دخلت العلاقة مرحلة إعادة ضبط فعلية: إسرائيل تبقى حليفاً مركزياً، لكن حريتها العسكرية لم تعد شيكاً مفتوحاً، وإيران لم تحصل على حق تقرير مستقبل لبنان، لكنها ستواجه سياسياً وتفاوضياً مسؤولية أكبر عن أفعال «حزب الله».