مؤتمر ميلووكي يفوض ترمب رمزاً لا مرشحاً فقط

هتافات وأهازيج احتفاءً بـ«رجل أميركا القوي»... وجمهوريون عدّوه «تعويذة» لبلادهم

الرئيس الأميركي السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2024 دونالد ترمب خلال حضوره اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي (رويترز)
الرئيس الأميركي السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2024 دونالد ترمب خلال حضوره اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي (رويترز)
TT

مؤتمر ميلووكي يفوض ترمب رمزاً لا مرشحاً فقط

الرئيس الأميركي السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2024 دونالد ترمب خلال حضوره اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي (رويترز)
الرئيس الأميركي السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2024 دونالد ترمب خلال حضوره اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي (رويترز)

أدى حضور الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، بضمادة صغيرة تغطي جرحاً في أذنه اليمنى بعد نجاته من محاولة اغتيال، مع مرشحه لمنصب نائب الرئيس جيمس ديفيد فانس للانتخابات المقررة بعد أقل من أربعة أشهر، إلى ضخ زخم استثنائي في نشاطات المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري.

وما إن ظهر ترمب للمرة الأولى أمام جمهور حزبه المتجمعين بالآلاف في مدينة ميلووكي في ولاية ويسكونسن، للمرة الأولى منذ إصابته، السبت الماضي، حتى ارتفعت الهتافات والأهازيج احتفاء بـ«رجل أميركا القوي»، وفقاً للتعبير الذي استخدمه كاميرون، وهو عضو في جماعة ضغط تعمل لمصلحة الجمهوريين.

وبعدما طلب عدم نشر اسمه الكامل بسبب طبيعة عمله، قال كاميرون لـ«الشرق الأوسط» إنه أتي من تامبا بولاية فلوريدا ووصل قبل مجيء ترمب إلى قاعة المؤتمر، التي استقطبت 2400 من المندوبين، بالإضافة إلى آلاف آخرين يعتنقون شعار «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، أو ما بات يعرف اختصاراً بعبارة «ماغا!».

يرى كاميرون أن «الأميركيين سئموا من عجز (الرئيس جو) بايدن» الذي «بلغ من الضعف حداً غير معقول»، مضيفاً أن «ترمب وحده يمكن أن يُعيد لأميركا عظمتها وهيبتها بعدّها بلداً لا نظير له عبر العالم. دعنا نعترف بهذه الحقيقة!».

الرئيس الأميركي السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2024 دونالد ترمب خلال حضوره اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي (د.ب.أ)

ومثل كاميرون الذي تفاخر بقبعة وقعها له الرئيس السابق بقلم «شاربي» الذي لا يبهت حبره ولا يمّحي، كان هناك كثيرون ممن ارتدوا ثياباً حمراء - تعكس اللون الرسمي المعتمد من الحزب - ويرقصون فرحاً احتفالاً بترمب ويرفعون الأعلام الأميركية تمجيداً للولايات المتحدة. «ترمب من الآن، اختاره الله ليكون الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، بعدما كان الرئيس الخامس والأربعين!».

خطوات ترمب «ذكية»

وبدا واضحاً أن مؤتمر الحزب الجمهوري صمم لاجتذاب أوسع تأييد ممكن من خارج القاعدة الشعبية المضمونة لترمب، بمن في ذلك الشباب والنساء والأميركيون من ألوان وأعراق مختلفة، مثل السود والهيسبانيك والآسيويين ومن الجاليات العربية المتململة من سياسات الرئيس جو بايدن وإدارته الديمقراطية.

وأشاد كثيرون بأن ترمب اختار جاي دي فانس لبطاقة نائب الرئيس، وهو شاب آيديولوجي اعتنق الشعارات اليمينية المحافظة ومنها «ماغا» و«أميركا أولاً» بعدما كان وجه انتقادات لاذعة لترمب خلال انتخابات عام 2016.

الرئيس السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة مع مرشحه لمنصب نائب الرئيس جاي دي فانس خلال اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري (رويترز)

وكثيراً ما أشار الحضور إلى حيوية فانس الذي درس إدارة الأعمال والقانون في جامعتي شيكاغو ويال وتمكن من استقطاب كثير من الأموال والتبرعات لحملة ترمب، الذي جعله نجماً، رغم أنه وافد جديد إلى النخب السياسية في واشنطن، ثم ألف كتاباً بعنوان «مرثاة لفتاة الجبل» حظي بمبيعات ضخمة.

ولفتت إحداهن إلى «الخطوة الذكية» التي قام بها ترمب البالغ من العمر 78 عاماً باختيار فانس البالغ من العمر 39 عاماً تعزيزاً لعملية «ضخ دماء جديدة» في قيادات «الحزب القديم العظيم»، وهو الاسم التاريخي للحزب الجمهوري.

من أجل البيت الأبيض

ومع إطلالة ترمب على الشاشة خلف الكواليس، ثم خروجه إلى القاعة العامة للمؤتمر، هاج الجمهور وماج. وتأثر بشدة عندما غنى لي غرينوود: «فليبارك الله الولايات المتحدة الأميركية». ووقف ترمب أكثر من مرة ليحيي الحاضرين ويشكرهم على عاطفتهم وتأييدهم، وهتف معهم عندما رددوا عبارته: «قاتلوا، قاتلوا!»، ورفعوا قبضاتهم على غرار ما فعله فور إصابته في الجزء الأعلى من أذنه عندما حاول الشاب الأميركي توماس ماثيو كروكس اغتياله خلال مهرجان انتخابي في بنسلفانيا عصر السبت الماضي.

وشاركهم أيضاً في هتافات هادرة: «يو إس إيه، يو إس إيه، يو إس إيه». ولكنه لم يلق أي كلمة أمام المؤتمر، علماً أنه حصل في اليوم ذاته على تفويض كاسح لترشيح المندوبين له ولفانس في معركة العودة إلى البيت الأبيض عبر انتخابات 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويتوقع أن يلقي ترمب خطاباً يوصف بأنه «مهم للغاية» في ختام المؤتمر ليل الخميس.

ويعكس مشهد ترشيح ترمب رسمياً عمق شعبيته بين الناشطين الجمهوريين. وعندما أجاز العدد اللازم من المندوبين من الولايات الأميركية المختلفة، ظهرت على شاشات التلفزيون العملاقة في المكان عبارة «فوق الذُروة» بينما صدحت أغنية «سيليبرايشن»، أي «احتفال»، التي رقص على وقعها المندوبون ولوحوا بلافتات ترمب وشعاراته.

الرئيس الأميركي السابق ترمب والسيناتور عن ولاية أوهايو فانس يظهران على الشاشة خلال اليوم الأول من مؤتمر الحزب الجمهوري في ميلووكي بويسكونسن (أ.ف.ب)

وفي الافتتاح الذي شهد عشرات الخطابات، قال رئيس الحزب الجمهوري مايكل واتلي: «يجب أن نتحد بوصفنا حزباً، وعلينا أن نتحد بوصفنا أمة»، مضيفاً: «يجب أن نظهر القوة والمرونة نفسهما اللتين يتمتع بهما الرئيس ترمب ونقود هذه الأمة إلى مستقبل أعظم». لكن واتلي وغيره من القادة الجمهوريين استدركوا أن دعواتهم إلى رأب الصدع الأميركي الكبير لا تصل إلى الرئيس جو بايدن وحزبه الديمقراطي.

ساحة معركة

وكذلك تحدث السيناتور رون جونسون، مرحباً بانعقاد مؤتمر الحزب في ولايته ويسكونسن التي تعد ساحة معركة رئيسية، فاز بها ترمب عام 2016 لكنه خسرها أمام بايدن عام 2020، بأن «سياساتهم (الديمقراطيين) تشكل خطراً واضحاً وقائماً على أميركا، وعلى مؤسساتنا وقيمنا وشعبنا».

واستشهد العديد من المتحدثين بصور دينية لمناقشة مشهد ترمب ومحاولة الاغتيال. وقال السيناتور تيم سكوت: «جاء الشيطان إلى بنسلفانيا وهو يحمل بندقية. لكن أسداً أميركياً نهض مرة أخرى على قوائمه!».

وكانت مندوبة ولاية وايومينغ شيريل فولاند من الذين تبنوا هتاف «قاتلوا» بعد رؤية ترمب على قيد الحياة السبت. وقالت: «كنا نعلم حينها أننا سنعتمد ذلك كأنشودة لنا. ليس فقط لأننا أردناه أن يقاتل، وأن الله كان يقاتل من أجله. لقد فكرنا، أليس من واجبنا قبول هذا التحدي والقتال من أجل بلدنا؟». وأضافت أن المسألة «أكبر من ترمب. إنها تعويذة لبلدنا».

ترمب بعد محاولة اغتياله خلال حدث انتخابي في بنسلفانيا في 13 يوليو 2024 (رويترز)

وحدد الجمهوريون هدف المؤتمر بالوصول إلى الأشخاص خارج قاعدة الحزب. وسعت حملة ترمب إلى عرض رسالة أكثر ليونة وأكثر تفاؤلاً، مع التركيز على الموضوعات التي من شأنها أن تساعد الزعيم الشعبوي المثير للجدل على توسيع جاذبيته بين الناخبين المعتدلين والأشخاص الملونين.

استقطاب الديمقراطيين

في حلقة مخصصة لتحفيز الاقتصاد الأميركي، استمع المندوبون والحاضرون إلى متحدثين تصفهم حملة ترمب بأنهم «أميركيون عاديون» كان أحدهم ديمقراطياً ويدعم الآن ترمب.

وكان بينهم عدد لا بأس به من الجمهوريين السود الذين يدعمون جهود حملة ترمب للفوز بمزيد من الأصوات في الدوائر الانتخابية الديمقراطية الأساسية.

وقال النائب ويسلي هانت إن ارتفاع أسعار البقالة والطاقة يضر بمدخرات الأميركيين. واقتبس من الرئيس الأميركي سابقاً رونالد ريغان وصفه للتضخم بأنه «أقسى ضريبة على الفقراء»، عادّاً أن بايدن ونائبة الرئيس كامالا هاريس «لا يبدو أنهما يفهمان المشكلة». وقال: «يمكننا إصلاح هذه الكارثة بانتخاب ترمب وإعادته إلى حيث ينتمي، إلى البيت الأبيض».

وشدد سكوت، الذي ربما يكون المشرع الأسود الأكثر شهرة في الحزب الجمهوري، على أنّ «أميركا ليست دولة عنصرية».

ورغم الدعوات إلى التناغم، فإن اثنين من المتحدثين في الافتتاح، وهما النائبة مارجوري تايلور غرين والمرشح لمنصب حاكم ولاية نورث كارولاينا مارك روبنسون - معروفان بأنهما من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الحزب، والانقسام في أميركا.


مقالات ذات صلة

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أطلقت الخدمة السرية الأميركية النار على شخص بالقرب من البيت الأبيض، السبت، كما أصيب أحد المارة بالرصاص، وفق مسؤول في إنفاذ القانون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب: مسودة الاتفاق مع إيران تتضمن فتح مضيق هرمز

 قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب  اليوم السبت إنه جرى التفاوض على جزء كبير من مذكرة ‌تفاهم حول اتفاق ‌للسلام ​مع ‌إيران

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يرافق المشير عاصم منير في جولة بميدان مشق وسط طهران قبيل مغادرته إيران (الخارجية الإيرانية)

واشنطن تتحدث عن «فرصة اتفاق»... وطهران «قريبة وبعيدة»

بينما تحدّثت واشنطن عن «فرصة» للتوصُّل إلى اتفاق «قريباً»، شدّدت طهران على أن الخلافات لا تزال عميقة، وأن أي تسوية تحتاج إلى وقت طويل.

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مظلة تحت المطر خلال وصوله على متن طائرة «إير فورس وان» يوم 22 مايو 2026 في ماريلاند (أ.ب)

ترمب وإيران بين «ضربة حاسمة»... و«جولة استنزاف»

أعاد تغيير الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، برنامجه لعطلة نهاية الأسبوع، واجتماعه بفريقه للأمن القومي، وضع الملف الإيراني على حافة جديدة بين الدبلوماسية والحرب.

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري إيرانية تمر أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتين (رويترز)

تحليل إخباري واشنطن وطهران... ما تبقّى من معادلة الربح والخسارة

رغم تعرضها لضربات عسكرية واقتصادية، قد تنتهي إيران بامتلاك قدرة على احتجاز خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
TT

مقتل مسلح أطلق النار على عناصر أمنية قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار (ا.ب)

توفي مسلح أطلق النار على عناصر من الخدمة السرية قرب البيت الأبيض، مساء السبت، بعد إصابته بالرصاص، وفق ما أفاد الجهاز في بيان نشرته وسائل إعلام أميركية.

وأشار جهاز الخدمة السرية في البيان إلى أن أحد المارة أصيب أيضاً بالرصاص خلال تبادل إطلاق النار، دون أن يقدم معلومات عن حالته.

الشرطة أغلقت الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض (ا.ب)

وأوضح جهاز الخدمة السرية، أنه بعدما فتح المسلح النار على عناصر أمنية عند نقطة تفتيش قرب البيت الأبيض، «رد عملاء الخدمة السرية بإطلاق النار، ما أسفر عن إصابة المشتبه به الذي نقل إلى مستشفى في المنطقة حيث توفي لاحقا».

وانتشرت الشرطة وقوات الأمن بكثافة في المنطقة المحيطة بالبيت الأبيض، إذ كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، موجوداً في البيت الأبيض في ذلك الوقت حيث كان يعمل على التفاوض بشأن اتفاق مع إيران.

ضباط من جهاز الخدمة السرية في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (إ.ب.أ)

وطوّقت الشرطة مداخل البيت الأبيض، وقال جهاز الخدمة ​السرية الأميركي إنه على علم بالتقارير التي ‌تفيد ‌بوقوع ​إطلاق ‌نار ⁠في واشنطن ​العاصمة، عند ⁠تقاطع شارع 17 وشارع بنسلفانيا شمال غرب بالقرب ⁠من البيت ‌الأبيض.


حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)

منحت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أوكرانيا هامشاً سياسياً وعسكرياً لم يكن محسوباً قبل أشهر قليلة. فكييف، التي بدت في خريف العام الماضي تحت ضغط ميداني ومالي ودبلوماسي متزايد، وجدت نفسها فجأة في موقع مختلف: ليست فقط دولة تحتاج إلى السلاح والتمويل، بل طرف يملك خبرةً قتاليةً باتت مطلوبةً في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبحسب تقارير صحافية غربية، فإنَّ اتساع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد تسليط الضوء على التجربة الأوكرانية، بعد 4 سنوات من التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأنماط الحرب الرخيصة والكثيفة التي صارت عنواناً لمعظم النزاعات الحديثة.

مبنى مُدمَّر تابع لكلية ستاروبيلسك في جامعة لوهانسك التي ضمتها روسيا عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية يوم الجمعة (رويترز)

أوكرانيا تكتشف أوراقها الجديدة

لم يكن التحوُّل رمزياً فقط، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أنَّ كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تقود إلى استثمارات وتصنيع مشترك. هذا المسار، كما تقول نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيَّر صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

ويرى مراقبون أنَّ هذا التحوُّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقةً تفاوضيةً لم تكن واضحةً حين قال له ترمب سابقاً إنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران جعلت ما راكمته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجيةً قابلةً للتصدير: اعتراض المسيّرات، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

ولذلك تبدو المفارقة لافتة: الحرب التي سحبت جزءاً من الاهتمام والذخائر الأميركية من أوكرانيا، فتحت في الوقت نفسه نافذةً جديدةً أمامها. فهي أظهرت، وفق تقديرات غربية، أنَّ جيوشاً أكثر ثراءً وأفضل تسليحاً قد تجد نفسها محتاجةً إلى خبرة دولة قاتلت تحت ضغط دائم، وبموارد محدودة، ضد خصم أكبر حجماً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال بالكرملين يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

المسيّرات تغيّر موقع كييف

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يومياً، أن تعوِّض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. ولم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع باتت تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تعدّ بعيدةً عن الحرب.

وتنقل الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا الكلام لا يعبِّر فقط عن تصعيد عسكري، بل عن تصور أوكراني جديد: رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حدٍّ يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

في المقابل، يحذِّر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. وتنقل الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكِّر بأنَّ الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيُّف، وأنَّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوُّق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تقدُّم روسي بطيء بثمن مرتفع

على الجبهة، تشير تقديرات غربية إلى أنَّ التقدُّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. ويقول محللون إنَّ تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوَّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشريةً، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفَّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدَّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

ويرى ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أنَّ بوتين، لو كان يتحرَّك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

طائرة مسيّرة أوكرانية مخصصة لاعتراض الطائرات الروسية من طراز «شاهد» وغيرها من الطائرات المسيّرة في شمال منطقة خاركيف يوم 20 مايو 2026 (إ.ب.أ)

مأزق الصورة ومحدودية التسوية

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوَّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادراً على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

وتنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أنَّ الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيُّراً في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عناصر تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

بقايا صاروخ روسي في أحد الحقول بمنطقة خاركيف الأوكرانية يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهِ معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهوناً بقدرة كييف على تحويل التفوُّق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.


أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
TT

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

صدرت أوامر بإجلاء عشرات آلاف الأشخاص من منازلهم في كاليفورنيا، الجمعة، بسبب تسرب من خزان مواد كيميائية قد يؤدي إلى انتشار أبخرة سامة فوق منطقة مكتظة ويثير خطر وقوع انفجار. وكان الخزان يحتوي على 26 ألف لتر من ميثيل ميثاكريلات، وهو سائل قابل للاشتعال يُستخدم في صناعة البلاستيك، وحذّر عناصر الإطفاء من أن الوضع قد يتدهور.

وقال قائد العمليات في موقع الحادث كريغ كوفي: «أمامنا فرضيتان إما أن يتلف الخزان ويتسرب ما بين 6 إلى 7 آلاف غالون من المواد الكيميائية السامة جداً إلى موقف سيارات في المنطقة، أو أن ينفجر الخزان ما سيؤثر على خزانات محيطة به تحتوي أيضاً على وقود أو مواد كيميائية». وأضاف: «ننظّم عمليات الإجلاء استعداداً للفرضيتين: إما أن يتلف أو ينفجر».

رجل يجري إجلاؤه من منشأة كيميائية شهدت تسرباً في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

يقع التسرّب في منطقة غاردن غروف في مقاطعة أورنج في جنوب شرق لوس أنجليس. وقال أمير الفرا، قائد شرطة المنطقة إن أمر الإخلاء يطال حوالى 40 ألف شخص، إلا أن الآلاف يرفضون المغادرة.

وأظهرت لقطات جوية نشرتها محطات تلفزة محلية رش الخزان بخراطيم من المياه، وأفاد كوفي في وقت لاحق الجمعة بأن جهود تبريد الخزان تحقق نجاحاً. وقال في مقطع فيديو: «انخفضت حرارته إلى نحو 61 درجة، في حين أن 50 هي درجة الحرارة المثالية له، وبالتالي تُحقق الجهود نجاحاً»، مضيفاً: «سيفعل فريقنا ما بوسعه لإيجاد سيناريو ثالث ورابع وخامس».

وقالت مسؤولة الصحة في مقاطعة أورانج، ريجينا تشينسيو كوونغ، إن إخلاء منطقة واسعة في محيط الخزان إجراء احترازي ضروري. وأضافت أنه «إذا انفجر ونتجت عنه أبخرة سيكون الجميع في أمان ما داموا خارج المنطقة التي أُمر بإخلائها»، وحضت أي شخص يلاحظ «رائحة فاكهية وثقيلة» على إبلاغ السلطات. وقالت: «مجرد شمّ الرائحة لا يعني أنكم وصلتم إلى مستوى يسبب أعراضاً، لكننا لا نريدكم أن تشمّوا تلك الرائحة لذا نحتاج أن نعرف إن كنتم تشمونها».

شرطة لوس أنجليس يقدمون التوجيهات خلال عملية الإجلاء (أ.ف.ب)

ولم تُسجَّل أي إصابات حتى مساء الجمعة ولم تظهر بعد أي مؤشرات عن سبب التسرب الذي أُبلغ عنه الخميس. وقال كوفي إن الفرق تستعد لاحتمال حدوث تسرّب كيميائي واصفاً ذلك بأنه «أفضل سيناريو ممكن» وأفضل بكثير من وقوع انفجار يؤدي إلى انتشار سحابة سامة. وتعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث مجاري مياه الأمطار والأنهار التي تصب في المحيط.

وقالت وكالة حماية البيئة الأميركية إن ميثيل ميثاكريلات مادة مهيِجة للجلد والعينين والأغشية المخاطية لدى البشر. وحذر منشور على موقع الوكالة من «آثار على التنفس لدى البشر بعد التعرض لاستنشاق حاد (على مدى قصير) أو مزمن (على مدى طويل)». كما أفادت الوكالة بأنه «تم الإبلاغ عن أعراض عصبية لدى البشر بعد تعرض لاستنشاق حاد».