مؤتمر ميلووكي يفوض ترمب رمزاً لا مرشحاً فقط

هتافات وأهازيج احتفاءً بـ«رجل أميركا القوي»... وجمهوريون عدّوه «تعويذة» لبلادهم

الرئيس الأميركي السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2024 دونالد ترمب خلال حضوره اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي (رويترز)
الرئيس الأميركي السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2024 دونالد ترمب خلال حضوره اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي (رويترز)
TT

مؤتمر ميلووكي يفوض ترمب رمزاً لا مرشحاً فقط

الرئيس الأميركي السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2024 دونالد ترمب خلال حضوره اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي (رويترز)
الرئيس الأميركي السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2024 دونالد ترمب خلال حضوره اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي (رويترز)

أدى حضور الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، بضمادة صغيرة تغطي جرحاً في أذنه اليمنى بعد نجاته من محاولة اغتيال، مع مرشحه لمنصب نائب الرئيس جيمس ديفيد فانس للانتخابات المقررة بعد أقل من أربعة أشهر، إلى ضخ زخم استثنائي في نشاطات المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري.

وما إن ظهر ترمب للمرة الأولى أمام جمهور حزبه المتجمعين بالآلاف في مدينة ميلووكي في ولاية ويسكونسن، للمرة الأولى منذ إصابته، السبت الماضي، حتى ارتفعت الهتافات والأهازيج احتفاء بـ«رجل أميركا القوي»، وفقاً للتعبير الذي استخدمه كاميرون، وهو عضو في جماعة ضغط تعمل لمصلحة الجمهوريين.

وبعدما طلب عدم نشر اسمه الكامل بسبب طبيعة عمله، قال كاميرون لـ«الشرق الأوسط» إنه أتي من تامبا بولاية فلوريدا ووصل قبل مجيء ترمب إلى قاعة المؤتمر، التي استقطبت 2400 من المندوبين، بالإضافة إلى آلاف آخرين يعتنقون شعار «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، أو ما بات يعرف اختصاراً بعبارة «ماغا!».

يرى كاميرون أن «الأميركيين سئموا من عجز (الرئيس جو) بايدن» الذي «بلغ من الضعف حداً غير معقول»، مضيفاً أن «ترمب وحده يمكن أن يُعيد لأميركا عظمتها وهيبتها بعدّها بلداً لا نظير له عبر العالم. دعنا نعترف بهذه الحقيقة!».

الرئيس الأميركي السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة لعام 2024 دونالد ترمب خلال حضوره اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري في ميلووكي (د.ب.أ)

ومثل كاميرون الذي تفاخر بقبعة وقعها له الرئيس السابق بقلم «شاربي» الذي لا يبهت حبره ولا يمّحي، كان هناك كثيرون ممن ارتدوا ثياباً حمراء - تعكس اللون الرسمي المعتمد من الحزب - ويرقصون فرحاً احتفالاً بترمب ويرفعون الأعلام الأميركية تمجيداً للولايات المتحدة. «ترمب من الآن، اختاره الله ليكون الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، بعدما كان الرئيس الخامس والأربعين!».

خطوات ترمب «ذكية»

وبدا واضحاً أن مؤتمر الحزب الجمهوري صمم لاجتذاب أوسع تأييد ممكن من خارج القاعدة الشعبية المضمونة لترمب، بمن في ذلك الشباب والنساء والأميركيون من ألوان وأعراق مختلفة، مثل السود والهيسبانيك والآسيويين ومن الجاليات العربية المتململة من سياسات الرئيس جو بايدن وإدارته الديمقراطية.

وأشاد كثيرون بأن ترمب اختار جاي دي فانس لبطاقة نائب الرئيس، وهو شاب آيديولوجي اعتنق الشعارات اليمينية المحافظة ومنها «ماغا» و«أميركا أولاً» بعدما كان وجه انتقادات لاذعة لترمب خلال انتخابات عام 2016.

الرئيس السابق والمرشح الجمهوري للرئاسة مع مرشحه لمنصب نائب الرئيس جاي دي فانس خلال اليوم الأول من المؤتمر الوطني العام للحزب الجمهوري (رويترز)

وكثيراً ما أشار الحضور إلى حيوية فانس الذي درس إدارة الأعمال والقانون في جامعتي شيكاغو ويال وتمكن من استقطاب كثير من الأموال والتبرعات لحملة ترمب، الذي جعله نجماً، رغم أنه وافد جديد إلى النخب السياسية في واشنطن، ثم ألف كتاباً بعنوان «مرثاة لفتاة الجبل» حظي بمبيعات ضخمة.

ولفتت إحداهن إلى «الخطوة الذكية» التي قام بها ترمب البالغ من العمر 78 عاماً باختيار فانس البالغ من العمر 39 عاماً تعزيزاً لعملية «ضخ دماء جديدة» في قيادات «الحزب القديم العظيم»، وهو الاسم التاريخي للحزب الجمهوري.

من أجل البيت الأبيض

ومع إطلالة ترمب على الشاشة خلف الكواليس، ثم خروجه إلى القاعة العامة للمؤتمر، هاج الجمهور وماج. وتأثر بشدة عندما غنى لي غرينوود: «فليبارك الله الولايات المتحدة الأميركية». ووقف ترمب أكثر من مرة ليحيي الحاضرين ويشكرهم على عاطفتهم وتأييدهم، وهتف معهم عندما رددوا عبارته: «قاتلوا، قاتلوا!»، ورفعوا قبضاتهم على غرار ما فعله فور إصابته في الجزء الأعلى من أذنه عندما حاول الشاب الأميركي توماس ماثيو كروكس اغتياله خلال مهرجان انتخابي في بنسلفانيا عصر السبت الماضي.

وشاركهم أيضاً في هتافات هادرة: «يو إس إيه، يو إس إيه، يو إس إيه». ولكنه لم يلق أي كلمة أمام المؤتمر، علماً أنه حصل في اليوم ذاته على تفويض كاسح لترشيح المندوبين له ولفانس في معركة العودة إلى البيت الأبيض عبر انتخابات 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ويتوقع أن يلقي ترمب خطاباً يوصف بأنه «مهم للغاية» في ختام المؤتمر ليل الخميس.

ويعكس مشهد ترشيح ترمب رسمياً عمق شعبيته بين الناشطين الجمهوريين. وعندما أجاز العدد اللازم من المندوبين من الولايات الأميركية المختلفة، ظهرت على شاشات التلفزيون العملاقة في المكان عبارة «فوق الذُروة» بينما صدحت أغنية «سيليبرايشن»، أي «احتفال»، التي رقص على وقعها المندوبون ولوحوا بلافتات ترمب وشعاراته.

الرئيس الأميركي السابق ترمب والسيناتور عن ولاية أوهايو فانس يظهران على الشاشة خلال اليوم الأول من مؤتمر الحزب الجمهوري في ميلووكي بويسكونسن (أ.ف.ب)

وفي الافتتاح الذي شهد عشرات الخطابات، قال رئيس الحزب الجمهوري مايكل واتلي: «يجب أن نتحد بوصفنا حزباً، وعلينا أن نتحد بوصفنا أمة»، مضيفاً: «يجب أن نظهر القوة والمرونة نفسهما اللتين يتمتع بهما الرئيس ترمب ونقود هذه الأمة إلى مستقبل أعظم». لكن واتلي وغيره من القادة الجمهوريين استدركوا أن دعواتهم إلى رأب الصدع الأميركي الكبير لا تصل إلى الرئيس جو بايدن وحزبه الديمقراطي.

ساحة معركة

وكذلك تحدث السيناتور رون جونسون، مرحباً بانعقاد مؤتمر الحزب في ولايته ويسكونسن التي تعد ساحة معركة رئيسية، فاز بها ترمب عام 2016 لكنه خسرها أمام بايدن عام 2020، بأن «سياساتهم (الديمقراطيين) تشكل خطراً واضحاً وقائماً على أميركا، وعلى مؤسساتنا وقيمنا وشعبنا».

واستشهد العديد من المتحدثين بصور دينية لمناقشة مشهد ترمب ومحاولة الاغتيال. وقال السيناتور تيم سكوت: «جاء الشيطان إلى بنسلفانيا وهو يحمل بندقية. لكن أسداً أميركياً نهض مرة أخرى على قوائمه!».

وكانت مندوبة ولاية وايومينغ شيريل فولاند من الذين تبنوا هتاف «قاتلوا» بعد رؤية ترمب على قيد الحياة السبت. وقالت: «كنا نعلم حينها أننا سنعتمد ذلك كأنشودة لنا. ليس فقط لأننا أردناه أن يقاتل، وأن الله كان يقاتل من أجله. لقد فكرنا، أليس من واجبنا قبول هذا التحدي والقتال من أجل بلدنا؟». وأضافت أن المسألة «أكبر من ترمب. إنها تعويذة لبلدنا».

ترمب بعد محاولة اغتياله خلال حدث انتخابي في بنسلفانيا في 13 يوليو 2024 (رويترز)

وحدد الجمهوريون هدف المؤتمر بالوصول إلى الأشخاص خارج قاعدة الحزب. وسعت حملة ترمب إلى عرض رسالة أكثر ليونة وأكثر تفاؤلاً، مع التركيز على الموضوعات التي من شأنها أن تساعد الزعيم الشعبوي المثير للجدل على توسيع جاذبيته بين الناخبين المعتدلين والأشخاص الملونين.

استقطاب الديمقراطيين

في حلقة مخصصة لتحفيز الاقتصاد الأميركي، استمع المندوبون والحاضرون إلى متحدثين تصفهم حملة ترمب بأنهم «أميركيون عاديون» كان أحدهم ديمقراطياً ويدعم الآن ترمب.

وكان بينهم عدد لا بأس به من الجمهوريين السود الذين يدعمون جهود حملة ترمب للفوز بمزيد من الأصوات في الدوائر الانتخابية الديمقراطية الأساسية.

وقال النائب ويسلي هانت إن ارتفاع أسعار البقالة والطاقة يضر بمدخرات الأميركيين. واقتبس من الرئيس الأميركي سابقاً رونالد ريغان وصفه للتضخم بأنه «أقسى ضريبة على الفقراء»، عادّاً أن بايدن ونائبة الرئيس كامالا هاريس «لا يبدو أنهما يفهمان المشكلة». وقال: «يمكننا إصلاح هذه الكارثة بانتخاب ترمب وإعادته إلى حيث ينتمي، إلى البيت الأبيض».

وشدد سكوت، الذي ربما يكون المشرع الأسود الأكثر شهرة في الحزب الجمهوري، على أنّ «أميركا ليست دولة عنصرية».

ورغم الدعوات إلى التناغم، فإن اثنين من المتحدثين في الافتتاح، وهما النائبة مارجوري تايلور غرين والمرشح لمنصب حاكم ولاية نورث كارولاينا مارك روبنسون - معروفان بأنهما من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الحزب، والانقسام في أميركا.


مقالات ذات صلة

تقرير: ترمب ومودي أجريا اتصالاً بشأن حرب إيران وماسك انضم لهما

شؤون إقليمية لقاء سابق بين الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ورئيس الوزراء ⁠الهندي ناريندرا ‌مودي (رويترز) p-circle

تقرير: ترمب ومودي أجريا اتصالاً بشأن حرب إيران وماسك انضم لهما

ذكرت ​صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن ‌إيلون ‌ماسك ​شارك ‌في ⁠مكالمة بين الرئيس ترمب ورئيس الوزراء ⁠الهندي، الثلاثاء؛ ​لمناقشة ‌حرب ‌إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية ضربات على منشأة عسكرية في ضواحي أصفهان وسط إيران (تلغرام)

هجمات إسرائيل تشتد على منشآت نووية في إيران

كثّفت إسرائيل، الجمعة، ضرباتها داخل إيران عشية دخول الحرب شهرها الثاني، مركزةً على منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي ومواقع إنتاج الصواريخ.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن_طهران_تل أبيب)
شؤون إقليمية  ترمب يلقي كلمة خلال فعالية أقيمت في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض(إ.ب.أ)

ترقب للرد الإيراني على شروط ترمب لوقف إطلاق النار

ساد، الجمعة، ترقب بشأن الرد الإيراني عبر الوسطاء على مقترح أميركي لإنهاء الحرب، في وقت تحدث فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تقدم في محادثات وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ عملاء من دائرة الهجرة والجمارك (آيس) ينفّذون دوريات بمبنى الركاب بمطار جون إف كيندي الدولي في نيويورك (أ.ف.ب)

وزارة الأمن الداخلي الأميركية على سكة التمويل… بلا «آيس»

اتجهت الأنظار إلى مجلس النواب الأميركي بعدما وافق مجلس الشيوخ على تمويل غالبية عمليات وزارة الأمن الداخلي، مستثنياً دائرة الهجرة والجمارك (آيس).

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

ترمب ينتظر رداً من إيران على مقترح السلام اليوم

قال مصدر مطلع لـ«رويترز» إنه من المتوقع أن يتوافر، مساء اليوم الجمعة، رد من إيران على مقترح السلام الأميركي الذي يهدف إلى إنهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ناشطة أميركية مؤيدة للفلسطينيين تعلن إحباط مخطط لاغتيالها

نردين كسواني الناشطة البارزة في نيويورك في الدفاع عن الفلسطينيين 12 أبريل 2024 (أ.ب)
نردين كسواني الناشطة البارزة في نيويورك في الدفاع عن الفلسطينيين 12 أبريل 2024 (أ.ب)
TT

ناشطة أميركية مؤيدة للفلسطينيين تعلن إحباط مخطط لاغتيالها

نردين كسواني الناشطة البارزة في نيويورك في الدفاع عن الفلسطينيين 12 أبريل 2024 (أ.ب)
نردين كسواني الناشطة البارزة في نيويورك في الدفاع عن الفلسطينيين 12 أبريل 2024 (أ.ب)

أعلنت ناشطة أميركية مؤيدة للفلسطينيين، الجمعة، أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) أحبط مخططاً وشيكاً لاغتيالها، من دون أن تتضح في هذه المرحلة الجهة التي تقف وراء التهديد.

وقالت نردين كسواني، وهي ناشطة بارزة في نيويورك في الدفاع عن الفلسطينيين، على منصة «إكس»: «أبلغتني قوة مكافحة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي في وقت متأخر من الليلة الماضية بأن مخططاً لاستهداف حياتي كان (على وشك) التنفيذ».

وبحسب الناشطة، نُفذت عملية للشرطة في هوبوكين بولاية نيوجيرسي المجاورة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن محامي الناشطة ومصدر في الشرطة، أن شخصاً واحداً على الأقل تم توقيفه.

ومن جهتها، أوضحت السلطات أنها اعتقلت أندرو هايفلر، الذي كان بصدد تجميع زجاجات حارقة (مولوتوف) بهدف إلقائها على منزل الناشطة الفلسطينية لحظة اعتقاله.

وبحسب لائحة الاتهام، ظهر هايفلر في مكالمة فيديو خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، مع مجموعة ضمّت ضابطاً متخفياً، حيث أبدى اهتمامه بالتدريب على «الدفاع عن النفس» ورغبته في إيجاد مكان يتيح له إلقاء زجاجات حارقة.

وتقود كسواني مجموعة «ويذين أور لايفتايم» التي تتصدر تنظيم المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، خصوصاً خلال الحرب في غزة، وهي تتعرض بانتظام لهجمات عبر الإنترنت من مجموعات مؤيدة لإسرائيل.

والشهر الماضي، رفعت دعوى قضائية ضد الفرع الأميركي لحركة «بيتار»، وهي حركة يهودية دولية يمينية، متهمة إياها بالتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي على مضايقتها أو الاعتداء عليها.

وكتبت على «إكس» أنه «منذ أشهر، تشجع منظمات صهيونية مثل بيتار ومسؤولون سياسيون مثل راندي فاين العنف ضدي وضد عائلتي».

وكان راندي فاين، وهو نائب جمهوري من ولاية فلوريدا، قد كتب على «إكس» ردّاً على منشور لكسواني وصفت فيه الكلاب بأنها «نجسة»، قبل أن توضح لاحقاً أنه جاء على سبيل السخرية: «إذا أُجبرنا على الاختيار، فإن الاختيار بين الكلاب والمسلمين ليس صعباً».


مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران تخترق البريد الشخصي لمدير «إف بي آي»

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يستمع إلى سؤال خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)
مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يستمع إلى سؤال خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران تخترق البريد الشخصي لمدير «إف بي آي»

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يستمع إلى سؤال خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)
مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل يستمع إلى سؤال خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقرب من البيت الأبيض (د.ب.أ)

كشفت تقارير إعلامية أميركية عن أن مجموعة قرصنة موالية لإيران نجحت في اختراق حساب البريد الإلكتروني الشخصي لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) كاش باتيل، ونشرت صوراً ومواد شخصية ووثائق على الإنترنت، في حادثة تسلط الضوء على تصاعد الحرب السيبرانية المرتبطة بالنزاع مع طهران.

وحسبما نقلته شبكة «سي إن إن» ووكالة «أسوشييتد برس» عن مصادر مطلعة، تبنّت مجموعة «حنظلة» -وهي مجموعة قرصنة موالية لإيران- مسؤولية الهجوم، مؤكدةً أنها تمكّنت من الوصول إلى مراسلات شخصية ومهنية وسجلات سفر تعود إلى الفترة بين عامَي 2011 و2022، أي قبل تعيين باتيل مديراً للمكتب من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ونشرت المجموعة عبر الإنترنت ما قالت إنها صور خاصة لباتيل، من بينها لقطات يظهر فيها إلى جانب سيارة رياضية كلاسيكية وأخرى وهو يدخن سيجاراً، بالإضافة إلى سيرة ذاتية ووثائق شخصية أخرى. كما أعلنت حصولها على رسائل بريد إلكتروني وملفات أخرى، مشيرة إلى أن كثيراً من هذه المواد يعود إلى أكثر من عقد.

تحذيرات سابقة

لم يصدر تعليق فوري من «إف بي آي» أو وزارة العدل، إلا أن مصدراً مطلعاً أكد لوكالة «أسوشييتد برس» أن حساباً شخصياً لباتيل تعرّض للاختراق بالفعل، من دون توضيح توقيت العملية. وكانت تقارير سابقة قد أفادت بأن باتيل أُبلغ في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بأنه هدف لمحاولات اختراق مرتبطة بإيران.

ويأتي هذا التطور في سياق تحذيرات أطلقتها وزارة العدل عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، من احتمال تصاعد الهجمات السيبرانية التي ينفذها فاعلون مرتبطون بطهران.

تصعيد سيبراني

كانت وزارة العدل قد أعلنت الأسبوع الماضي مصادرة أربعة نطاقات إلكترونية يُشتبه في استخدامها من قِبل قراصنة مرتبطين بوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، من بينها نطاقان يُعتقد أن مجموعة «حنظلة» استخدمتهما. وأوضحت أن هذه المواقع استُخدمت في «عمليات دعائية تستهدف خصوم النظام»، عبر نشر بيانات مسروقة والدعوة إلى استهداف صحافيين ومعارضين.

وتُعد «حنظلة» من أبرز المجموعات السيبرانية الموالية لإيران، وقد تبنّت في وقت سابق هجمات استهدفت أنظمة شركة «Stryker Corporation» الأميركية للتكنولوجيا الطبية، فيما قالت إنه ردّ على ضربات أميركية يُزعم أنها أوقعت ضحايا مدنيين في إيران.

وفي تعليق سابق له، قال باتيل إن إيران «تحاول الاختباء خلف مواقع وهمية وتهديدات إلكترونية لبث الرعب وإسكات المعارضين»، متعهداً بأن المكتب «سيلاحق جميع المتورطين في هذه الهجمات ويقدّمهم إلى العدالة».

وتعكس الحادثة اتساع نطاق المواجهة بين واشنطن وطهران إلى الفضاء الرقمي، في وقت تتزايد فيه أهمية الهجمات السيبرانية بوصفها أداة موازية للصراع العسكري التقليدي.


حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)
المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)
TT

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)
المدمّرة «يو إس إس سبروانس» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

تكشف الحرب الأميركية على إيران، بعد أربعة أسابيع من انطلاقها، عن وجه آخر أقل ظهوراً من مشاهد القصف والتصريحات السياسية: استنزاف سريع لمخزونات الذخائر الدقيقة الهجومية والدفاعية، في وقت تحاول فيه واشنطن خوض حرب في الشرق الأوسط من دون دفع ثمن استراتيجي في أوروبا وآسيا.

لكن الأرقام التي بدأت تتسرب من داخل المؤسسة العسكرية الأميركية توحي بأن هذا التوازن يزداد صعوبة، وأن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت الحملة على إيران تحقق أهدافها، بل ما الذي تستهلكه من قدرة أميركية على الردع في مسارح أخرى، ولا سيما أوكرانيا. وتزداد حساسية هذا المشهد مع تقارير نشرتها «واشنطن بوست» و«رويترز» عن بحث البنتاغون تحويل مساعدات مخصصة لكييف إلى الشرق الأوسط، ومع الزيارة النادرة لوفد من المشرعين الروس إلى واشنطن للمرة الأولى منذ سنوات، بما تحمله من إشارات سياسية مقلقة لكييف تتجاوز بعدها البروتوكولي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

استنزاف الذخائر

حسب «واشنطن بوست»، استخدمت الولايات المتحدة أكثر من 850 صاروخ «توماهوك» ضد إيران خلال أربعة أسابيع فقط، وهو رقم كبير بالنسبة إلى سلاح باهظ الكلفة وبطيء التصنيع؛ إذ قد تصل تكلفة الصاروخ الواحد إلى 3.6 مليون دولار، بينما قد يستغرق إنتاجه نحو عامين، في وقت لا تتجاوز فيه الطاقة الصناعية الحالية نحو 600 صاروخ سنوياً. وهذا يعني أن التعويض لن يكون سريعاً ولا سهلاً.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

هذه الأرقام لا تعكس مجرد خيار عملياتي، بل تكشف عن طبيعة الحرب نفسها. فـ«التوماهوك» هو السلاح المفضل عندما تريد واشنطن ضرب أهداف بعيدة ودقيقة من دون المخاطرة المباشرة بطياريها. لكن الإفراط في استخدامه يحول المكسب التكتيكي إلى عبء استراتيجي، خصوصاً مع تقديرات أشارت إلى أن مخزون البحرية الأميركية قبل الحرب ربما تراوح بين 3100 و4500 صاروخ، بما يعني أن ما استُهلك قد يقترب من ربع المخزون الإجمالي وفق بعض التقديرات. وهذه ليست مسألة محاسبية، بل قضية تمس الجاهزية لأي مواجهة لاحقة، سواء في آسيا أو في أزمة أخرى مفاجئة.

ولا يقتصر الضغط على الذخائر الهجومية. «رويترز» تحدثت أيضاً عن إطلاق أكثر من 1000 صاروخ اعتراض جوي من أنظمة «باتريوت» و«ثاد» للتصدي للهجمات الإيرانية المضادة. وهذه الأنظمة تحديداً من أكثر ما تحتاج إليه أوكرانيا اليوم في مواجهة الضربات الروسية على المدن والبنية التحتية. وهنا يتضح أن الحرب على إيران لا تستنزف مخزوناً أميركياً عاماً فقط، بل تستنزف الفئات الأكثر حساسية من الذخائر التي يصعب تعويضها سريعاً ويشتد عليها الطلب عالمياً.

أوكرانيون يتجمعون أمام الكنيسة التاريخية بمدينة لفيف غرب أوكرانيا خلال عمليات إطفاء الحرائق بعد استهدافها بهجوم روسي 24 مارس الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تدفع جزءاً من الفاتورة

هذا هو السياق الذي يجعل بحث البنتاغون تحويل بعض الأسلحة المخصصة لأوكرانيا إلى الشرق الأوسط أمراً بالغ الدلالة. «واشنطن بوست» كانت قد أفادت بأن النقاش داخل وزارة الدفاع يشمل خصوصاً صواريخ الاعتراض الجوي التي كانت تُشترى لكييف عبر برنامج «قائمة أولويات احتياجات أوكرانيا»، وهو الترتيب الذي موّلته دول أوروبية لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا حتى بعد تقليص إدارة ترمب معظم المساعدات الأمنية المباشرة.

صحيح أنه لم يُتخذ قرار نهائي بعد، وصحيح أن الأمين العام لـ«ناتو» مارك روته قال إن الإمدادات الحيوية ما زالت تتدفق، لكن مجرد فتح هذا النقاش يعني أن المنافسة بين الجبهات أصبحت واقعة. فواشنطن لم تعد تتحدث عن زيادة الإنتاج فقط، بل عن إعادة توزيع النقص. والرئيس دونالد ترمب نفسه أقرّ، عندما سئل عن إمكان نقل ذخائر من أوكرانيا إلى مسرح آخر، بأن الولايات المتحدة «تفعل ذلك طوال الوقت». وهذا الإقرار مهم لأنه ينزع عن الفكرة صفة التسريب العابر، ويجعلها جزءاً من منطق إدارة الموارد في زمن الحرب المفتوحة.

جندي أوكراني يطلق النار من مدفع «هاوتزر» باتجاه القوات الروسية على خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 18 مارس الحالي (أ.ب)

ومن زاوية كييف، الخطر لا يكمن فقط في خسارة شحنة أو اثنتين، بل في تبدل الأولوية الأميركية نفسها. فأوكرانيا تحتاج إلى صواريخ الاعتراض بشكل يومي تقريباً، في حين تسعى أوروبا إلى سد الفجوة عبر التمويل أكثر من التصنيع. وإذا بدأت واشنطن تسحب من الخط المخصص لكييف لتغذية حربها ضد إيران أو لإعادة ملء مخزوناتها، فإن أوكرانيا ستشعر بأن الحرب في الخليج أصبحت تملي إيقاع صمودها في وجه روسيا.

موسكو تراقب لحظة الارتباك

في هذا التوقيت، جاءت زيارة وفد من المشرعين الروس إلى واشنطن، وهي الأولى منذ سنوات، لتضفي على المشهد بعداً سياسياً أكثر حساسية. وعُدت الزيارة مؤشراً إلى دفء نسبي في العلاقات الأميركية - الروسية مقارنة بالسنوات التي تلت غزو أوكرانيا عام 2022، وتشمل لقاءات مع مسؤولين ومشرعين أميركيين على مدى يومين.

ووصف المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف الرحلة بأنها خطوة مهمة نحو تطبيع العلاقات المتوترة.

بوتين وترمب خلال قمة ألاسكا (أ.ب)

ويهدف الوفد المكون من خمسة نواب روس إلى استعادة الاتصالات البرلمانية، وفقاً لما صرح به نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما الروسي. وقال فياتشيسلاف نيكوف لوكالة الأنباء الرسمية «تاس» في واشنطن إن اجتماعات مع مسؤولين في الإدارة الأميركية مخطط لها الجمعة.

وتتولى النائبة الجمهورية آنا بولينا لونا، المؤيدة للرئيس دونالد ترمب والناقدة للمساعدات الأميركية لأوكرانيا، استضافة الوفد الروسي. وأضاف نيكوف أن المناقشات مع المشرّعين الأميركيين ركزت على إنشاء مجموعة برلمانية مشتركة وإمكانية زيارة متبادلة لموسكو في مايو (أيار). وتم رفع العقوبات الأميركية مؤقتاً عن عضو بارز في حزب روسيا الموحدة الحاكم للسماح بالزيارة.

فني من شركة أوكرانية مختصة بإنتاج المسيَّرات خلال عرضها داخل موقع غير محدد بأوكرانيا 19 مارس الحالي (أ.ف.ب)

قد لا يكون من الدقة ربط الزيارة مباشرة بقرارات الذخائر، لكن التزامن مهم. فموسكو ترى، على الأرجح، أن الولايات المتحدة منشغلة بحرب مكلفة في الشرق الأوسط، وأن أوكرانيا قد تصبح أقل أولوية كلما طال أمد القتال مع إيران. أما كييف وحلفاؤها الأوروبيون، فيقرأون المشهد من زاوية أكثر قتامة: روسيا لا تستفيد فقط من احتمال تراجع الإمدادات إلى أوكرانيا، بل تستعيد أيضاً مساحة سياسية في واشنطن في لحظة ارتباك أميركي متعدد الجبهات.

صورة وزَّعتها البحرية الأميركية لصاروخ «توماهوك» 5 مارس الحالي (أ.ف.ب)

في المحصلة، لا تكمن أهمية استنزاف «التوماهوك» في كونه نقصاً فنياً قابلاً للعلاج بالإنتاج وحده، بل في أنه يكشف عن حدود القدرة الأميركية على خوض حروب مكثفة ومتزامنة من دون تكلفة استراتيجية على شركائها وردعها العالمي. فحين تبدأ الذخائر التي تحمي أوكرانيا في منافسة الذخائر التي تُستخدم في إيران، تصبح الحربان مترابطتين عملياً، حتى لو تباعد المسرحان. وحين يزور مشرعون روس واشنطن في هذا المناخ، تبدو الرسالة السياسية مقلقة: موسكو تراقب لحظة إعادة ترتيب الأولويات الأميركية، وكييف تخشى أن تكون هي أول من يدفع الثمن.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال ترؤسه اجتماعاً بالكرملين (أ.ب)

بوتين «لم يطلب تبرعات» للحرب

أفاد موقع ‌«ذا بيل» الإلكتروني الإعلامي نقلاً عن مصادر لم يسمها بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طلب من ​رجال الأعمال المقربين من الدولة التبرع لميزانية المجهود الحربي. وقال الموقع إن بوتين التقى كبار رجال الأعمال الروس في اجتماع مغلق، الخميس. ونشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أيضاً تقريراً مشابهاً ‌عزت ‌فيه المعلومات إلى ثلاثة مصادر ​مطلعة.

ونقل ‌ذا ⁠بيل ​عن المصادر ⁠القول إن بوتين ناقش تمويل الجيش واستمرار الحرب. وقال ‌الموقع أيضاً إن الملياردير ​سليمان كريموف تعهد ‌خلال اجتماعه مع بوتين بالتبرع بمائة مليار ‌روبل (1.23 مليار دولار). لكن نفى المتحدث باسم ​الكرملين دميتري بيسكوف، الجمعة، صحة التقارير. وقال بيسكوف إن أحد رجال ⁠الأعمال ⁠المشاركين في الاجتماع اقترح التبرع بأموال للدولة، ورحب بوتين بهذه المبادرة.