بايدن يتحدى معارضيه الديمقراطيين: ترشحوا ضدي

ترمب يرى أن «عزة النفس» ستبقي الرئيس الحالي في السباق

لافتة أمام الكونغرس تدعو بايدن إلى التنحي (أ.ف.ب)
لافتة أمام الكونغرس تدعو بايدن إلى التنحي (أ.ف.ب)
TT

بايدن يتحدى معارضيه الديمقراطيين: ترشحوا ضدي

لافتة أمام الكونغرس تدعو بايدن إلى التنحي (أ.ف.ب)
لافتة أمام الكونغرس تدعو بايدن إلى التنحي (أ.ف.ب)

لم تنجح رسالة التحدي التي أرسلها الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى المشرعين الديمقراطيين في تهدئة المخاوف ووقف التساؤلات المتعلقة باستمراره في السباق الرئاسي. على العكس؛ فقد سلّطت الضوء على عمق الانقسامات الديمقراطية في مجلسي الشيوخ والنواب بين المشرعين الذين يدعون إلى تنحيه من جهة؛ مروراً بأولئك المتحفظين الحذرين، ووصولاً إلى المدافعين الشرسين عنه من جهة أخرى.

فبايدن؛ الذي تزعزع توازنه بعد أدائه المثير للجدل في المناظرة الرئاسية الأولى، يسعى جاهداً إلى رصّ الصف الديمقراطي والمضي قدماً بحملته الرئاسية، معتمداً استراتيجية هجومية ملؤها التحدي، فوصف منتقديه بالـ«نخب»، وقال لهم: «لكل الأشخاص الذين لا يريدونني أن أستمر: ترشحوا ضدي! أعلنوا عن ترشحكم للرئاسة؛ تحدوني في المؤتمر الوطني للحزب!».

السيناتور الديمقراطي جون تيستر يتحدث مع الصحافيين في 8 يوليو 2024 (أ.ف.ب)

استفزاز وتحدٍّ

كلمات استفزازية بعيدة كل البعد عن الاستراتيجية الدفاعية التي اعتمدها البيت الأبيض مباشرة بعد المناظرة، لكنها لم تُسكت المتململين في الحزب، خصوصاً أولئك المتخوفين على مقاعدهم والذين يخوضون سباقات حامية في ولايات متأرجحة. من هؤلاء السيناتور الديمقراطي جون تيستر الذي يسعى إلى الدفاع عن مقعده في ولاية مونتانا. تيستر قال تعقيباً على مواقف بايدن: «عليه أن يثبت للأميركيين؛ بمن فيهم أنا، أنه أهل للاستمرار في العمل على مدى الأعوام الأربعة المقبلة».

موقف تكرر على لسان عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، الذين أعربوا عن قلقهم من أداء بايدن، لكن من دون دعوته بشكل مباشر إلى التنحي، مثل السيناتورة باتي موراي، وهي من القيادات البارزة في «الشيوخ» التي دعت بايدن إلى «النظر بجدية إلى الطريقة الفضلى للحفاظ على إرثه الرائع وحماية مستقبل هذا الإرث»، مضيفة: «يجب أن ترى مرشحاً نشيطاً وحازماً في الأحداث الانتخابية في المستقبل القريب كي يقنع الناخبين أنه أهل لعمله»

زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز أعرب عن دعمه بايدن (أ.ف.ب)

ورغم هذه التصريحات المبطنة، فإن الزعماء الديمقراطيين في المجلسين لم يغيروا حتى الساعة من موقفهم الداعم بايدن، فأكد زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، أنه يدعم «جو»، فيما شدد زعيم الحزب في مجلس النواب، حكيم جيفريز، على أن «موقفه لم يتغير» في تأييد الرئيس الأميركي.

وجرت العادة أن تعكس مواقف زعماء الحزب الجو العام في صفوف المشرعين؛ مما يدل على أنه، وحتى الساعة، لا يزال عدد المعترضين والمنتقدين تحت السيطرة. وتأمل هذه القيادات في رصّ الصف عبر فتح باب الحوار في اجتماعات مغلقة؛ حيث عادة ما يعرب المشرعون عن مشاعرهم وآرائهم وراء أبواب مغلقة تفادياً للحرج العلني.

لكن التحدي الأكبر يكمن في احتواء الاستياء الديمقراطي بمجلس النواب، حيث دعا عدد من النواب بايدن إلى التنحي بشكل مباشر، مثل كبير الديمقراطيين في «لجنة القوات المسلحة»، آدم سميث، الذي قال في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»: «أظن أن عليه التنحي. من الواضح أنه ليس الشخص الأنسب لتمثيل الديمقراطيين».

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير تتحدث مع الصحافيين في 8 يوليو 2024 (أ.ب)

البيت الأبيض و«طبيب باركنسون»

وتمتد جبهة المواجهة مع المنتقدين لتشمل الصحافيين، فبعد سجال ساخن بين المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارين جان بيير، والمراسلين إثر أسئلة طرحوها بشأن زيارات متكررة من اختصاصي في مرض «باركنسون» إلى البيت الأبيض، أصدر طبيب الرئيس الأميركي بياناً يؤكد فيه أن بايدن لم يخضع لأي فحوصات عصبية خارج إطار الفحوصات الروتينية السنوية، مشيراً إلى أنه لا يعاني من مرض «باركنسون».

يأتي هذا بعد تقارير أشارت إلى أن الاختصاصي المذكور زار البيت الأبيض 8 مرات على مدى 8 أشهر، وفق سجلات الزوار الخاصة، وهو أمر رفضت جان بيير الخوض في تفاصيله «لأسباب متعلقة بالخصوصية»؛ نظراً إلى أن عدداً كبيراً من عناصر الجيش الأميركي يخضعون للعلاج في وحدة البيت البيض الطبية.

ترمب يرى أن «عزة نفس» بايدن ستبقيه في السباق (أ.ب)

ترمب: بايدن و«عزة النفس»

وفي حين يسعى الديمقراطيون إلى رأب صدع الانشقاقات، يراقب الرئيس السابق دونالد ترمب المشهد بتحفظ غير معهود، فقد قال لشبكة «فوكس نيوز»: «يبدو لي أنه سيبقى في السباق. لديه عزة نفس ولا يريد الاستسلام...».

وتابع ترمب: «لا أحد يريد الاستسلام بهذه الطريقة، فسوف يشعر بالإحباط لوقت طويل إذا فعل هذا، خصوصاً بالطريقة التي يسعون بها إلى إرغامه على التنحي...».

لهجة بعيدة كل البعد عن أسلوب ترمب الهجومي والمتهكم، مما أثار حيرة كثيرين تساءلوا عن سبب هذا التحفظ، كالمستشار الديمقراطي السابق ديفيد أكسلرود الذي قال: «ترمب لا يتحدث كثيراً عن أداء بايدن السيئ في المناظرة، وحملة ترمب لا تنشر أي حملات دعائية منتقدة هذا الأداء... لماذا؛ على غير عادته، يحجم عن إطلاق النار؟؟».


مقالات ذات صلة

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
يوميات الشرق بيل ستيفنسون طليق السيدة الأميركية السابقة جيل بايدن (شرطة مقاطعة نيو كاسل- فيسبوك)

في قضية وفاة زوجته... توجيه تهمة القتل إلى طليق جيل بايدن

أعلنت السلطات الأميركية توجيه تهمة القتل العمد إلى طليق السيدة الأولى الأميركية السابقة جيل بايدن، على خلفية وفاة زوجته عقب شجار عائلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي منازل فلسطينية متضررة بشدة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في بيت لاهيا شمال القطاع 18 ديسمبر 2024 (رويترز) p-circle

سفارة أميركا لدى إسرائيل عرقلت رسائل حذّرت من «أرض خراب كارثية» في غزة

حذّر موظفو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أوائل 2024 المسؤولين الكبار في إدارة الرئيس السابق جو بايدن من أن شمال غزة مهدد بالتحول إلى أرض خراب كارثية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بايدن ونتنياهو خلال زيارة الرئيس الأميركي لتل أبيب في 18 أكتوبر 2023 (أ.ب) p-circle

«نكران الجميل» عند نتنياهو يصدم بايدن ورجاله

أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإطراء لنفسه والنفاق للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فوجد نفسه يدخل في صدام مع مستشاري الرئيس السابق جو بايدن.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الجوية الأميركية الجنرال دان كين يشرح نتائج الضربات على المنشآت الإيرانية خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون يوم 26 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

ترمب نفّذ ضربات في عامه الأول تعادل ما نفذه بايدن في كامل ولايته

مجموع الضربات التي نفّذت منذ تولي ترمب ولايته الثانية في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، إلى 672 ضربة جوية أو بطائرات مسيرة مقارنة بـ694 خلال كامل ولاية جو بايدن.

«الشرق الأوسط» (باريس)

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب ينتقد عدم تعاون فرنسا في الحرب على إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض لدى عودته إلى العاصمة واشنطن يوم 29 مارس 2026 (إ.ب.أ)

لاحظ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، أن فرنسا لم تكن متعاونة مع الولايات المتحدة في الحرب على إيران، منتقداً حظرها تحليق الطائرات الأميركية فوق أراضيها، من دون أن يتضح ما كان يقصده بالضبط، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «لم تسمح فرنسا للطائرات المتجهة إلى إسرائيل، والمحملة معدات عسكرية، بالتحليق فوق أراضيها. كانت فرنسا غير متعاونة إطلاقاً، بينما تتصل بالجزار الإيراني الذي تم القضاء عليه بنجاح».

وقال قصر الإليزيه للصحافيين، الثلاثاء، رداً على تصريحات ترمب، إن هذا القرار يتماشى مع الموقف الفرنسي منذ بداية الحرب، وأضاف: «لم تُغيِّر فرنسا موقفها منذ البداية. لقد فوجئنا بهذا المنشور» لترمب.

ولم تعلن باريس رسمياً أو علناً حظراً لتحليق الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب فوق أراضيها، على عكس إسبانيا.

وكانت إسبانيا التي أعلنت حكومتها اليسارية «معارضتها التامة» للهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلنت الاثنين إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية المشاركة في الحرب.


هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
TT

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)
روبيو لدى وصوله إلى مقر الاجتماع قرب باريس 27 مارس (رويترز)

لم يعد السؤال في واشنطن حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في إلحاق ضرر عسكري كبير بإيران، بل ما إذا كان هذا النجاح يكفي لتبرير وقف الحرب قبل إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

فالإشارات الأخيرة الصادرة عن البيت الأبيض والتسريبات الصحافية توحيان بأن الرئيس دونالد ترمب بات أقرب إلى تضييق أهدافه العملية: ضرب البحرية الإيرانية، استنزاف مخزون الصواريخ، تقويض القاعدة الصناعية الدفاعية، ثم الانتقال إلى ضغط دبلوماسي يحمّل الآخرين عبء الملاحة والطاقة. غير أن هذه المقاربة لا تبدو مستقرة بعد؛ لأن ترمب نفسه يراوح بين لغة التهدئة ولغة التهديد، فيما تواصل طهران تقديم نفسها بوصفها الطرف الذي صمد عسكرياً وانتزع ورقة ضغط اقتصادية عالمية من خلال هرمز. بهذا المعنى، دخلت الحرب مرحلة أكثر تعقيداً: لم تعد معركة إسقاط النظام بالضرورة، لكنها لم تصبح أيضاً تسوية قابلة للحياة.

صورة جماعية لوزراء خارجية «السبع» يوم 27 مارس في «فو دي سيرني» (إ.ب.أ)

أهداف تتقلص

أبرز ما تكشف عنه التطورات الأخيرة أن إعادة فتح مضيق هرمز لم تعد، في الخطاب الأميركي الأحدث، هدفاً عسكرياً فورياً بالمعنى نفسه الذي طُرح سابقاً. «وول ستريت جورنال» ذكرت أن ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة حتى إذا بقي المضيق مغلقاً إلى حد كبير، على أن تُترك مهمة إعادة فتحه لاحقاً للدبلوماسية أو لتحالفات دولية أوسع. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل إقرار ضمني بأن انتزاع المضيق بالقوة قد يجر واشنطن إلى حرب أطول وأثقل مما يريده الرئيس، وخصوصاً إذا استلزم الأمر بقاء قوات برية أو السيطرة على عقد استراتيجية مثل جزيرة خرج أو فرض حماية دائمة للممر البحري.

Spain's Patriot system at Incirlik Air Base in southern Turkey (AFP)

لكن تضييق الأهداف لا يحل المعضلة، بل يعيد صياغتها. فإذا توقفت الحرب قبل فتح هرمز، تكون إيران قد خسرت كثيراً من قدراتها العسكرية، لكنها تكون أيضاً قد فرضت على العالم معادلة خطيرة: تستطيع قوة إقليمية متضررة أن تشل أحد أهم شرايين الطاقة ثم تنتزع مفاوضات من موقع التعطيل. لذلك يتركز كثير من النقد الأميركي حول الفجوة بين «النجاح العسكري» و«النتيجة الاستراتيجية». فالتوقف الآن قد يعني الاكتفاء بتقليص التهديد الإيراني من دون إزالة ورقة الابتزاز البحري، بينما يعني الاستمرار حتى فتح المضيق بالقوة احتمال الانزلاق إلى حرب مفتوحة النهاية.

إيران تراهن على البقاء

في المقابل، تبدو طهران كأنها قرأت هذا التردد الأميركي بوصفه فرصة لاختبار السقف النهائي لترمب. رسالتها المعلنة لا تقتصر على رفض الخطة الأميركية، بل تذهب أبعد من ذلك: لا تفاوض فعلياً قبل وقف الضربات، ولا عودة طبيعية للممر البحري قبل انتزاع تنازلات تتعلق بالسيادة والضمانات وربما التعويضات. ومن هنا يمكن فهم تصريحات نائب الرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، عن أن «الأعداء» باتوا يطلبون التفاوض بشأن المضيق، في محاولة لتثبيت رواية داخلية وخارجية تقول إن إيران، رغم الضربات، لم تُهزم سياسياً، وإن هرمز جعل الآخرين بحاجة إليها أكثر مما تحتاج إليهم.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ب)

هذا لا يعني أن إيران في وضع مريح. العكس هو الأرجح عسكرياً واقتصادياً. لكن حساباتها الحالية تبدو قائمة على أن البقاء السياسي أهم من الخسارة العسكرية، وأن مجرد استمرار قدرتها على تهديد الملاحة يمنحها موقعاً تفاوضياً أفضل من موقع طرف مهزوم تماماً. كما أن سماحها الانتقائي لبعض السفن أو لبعض الدول الصديقة بالمرور لا يعني فتح المضيق فعلاً، بل إدارة الإغلاق بطريقة تخلق شبكة مصالح وضغوط متعارضة بين القوى الكبرى، والمستوردين الآسيويين، والحلفاء الخليجيين. إنها تحاول تحويل هرمز من ساحة عسكرية إلى سوق مساومات.

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

الميدان يضغط

على جبهة المفاوضات، لا تزال الصورة ضبابية. هناك حديث أميركي عن اتصالات و«محادثات» أكثر منه عن مفاوضات كاملة، مع تداول دور لباكستان في نقل مقترحات، وسعي أطراف إقليمية ودولية إلى بلورة إطار يسمح بوقف الحرب أو على الأقل تجميدها. لكن اللافت أن واشنطن نفسها تبدو منقسمة في توصيف ما تريد الوصول إليه: ترمب يلمّح أحياناً إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة «عقلانية»، ثم يعود إلى التهديد بضرب البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه؛ وزير خارجيته ماركو روبيو يتحدث عن أسابيع قليلة إضافية لاستكمال الأهداف العسكرية، ثم يربط ملف هرمز بخيارات إيران أو بتحالف دولي لاحق.

صورة لانفجارات قوية قيل إنها لقصف أميركي بقنابل خارقة لإحدى القواعد العسكرية الإيرانية في مدينة أصفهان (رويترز)

هذا التناقض ليس مجرد فوضى خطابية، بل يعكس مأزقاً حقيقياً: كيف يمكن الجمع بين الرغبة في نهاية سريعة للحرب والحاجة إلى نتيجة لا تبدو كأنها تترك لإيران قدرة مزمنة على تعطيل التجارة العالمية؟ ميدانياً، يزيد هذا المأزق استمرار الحشد العسكري الأميركي. فبينما يلوّح ترمب بإنهاء الحرب من دون حسم ملف المضيق فوراً، تستمر واشنطن في دفع أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ويستمر النقاش حول خيارات أكثر خطورة، من حماية الممرات بالقوة إلى السيطرة على عقد استراتيجية أو نشر مزيد من القوات البرية. وهذا وحده كافٍ للدلالة على أن خيار «الإنهاء السريع» لم يتحول بعد إلى قرار نهائي مستقر، بل لا يزال أداة ضغط تفاوضي قد تنقلب سريعاً إذا واصلت إيران الرفض أو رفعت مستوى التهديد.

حلفاء مرتبكون

خارجياً، تكشف الأزمة عن حدود الحلفاء أكثر مما تكشف عن قوتهم. بريطانيا تحاول تسويق مشاركتها على أنها «دفاعية» لا «هجومية»، رغم أن قواعدها تستضيف قاذفات أميركية تنفذ ضربات مرتبطة مباشرة بمسرح الحرب. أما أوروبا فمأزقها مضاعف: فهي تحتاج إلى استقرار الطاقة وحرية الملاحة، لكنها تخشى الغرق في حرب جديدة لا تملك أدوات التحكم بها، بينما تضغط عليها في الداخل فاتورة النفط والغاز والتضخم والإنفاق الدفاعي. لذلك، فإن أي رهان أميركي على أن يتولى الأوروبيون أو تحالف واسع مهمة إعادة فتح هرمز لاحقاً يصطدم بحقيقة أن هذه الأطراف لا تريد حرباً ممتدة، ولا تملك دائماً هامشاً سياسياً أو عسكرياً لتحملها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على درج الطائرة الرئاسية قبيل عودته إلى واشنطن من منتجعه في فلوريدا (رويترز)

وهنا برز العرض الأوكراني؛ فقد طرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي خبرة بلاده في كسر الحصار البحري الروسي في البحر الأسود بوصفها نموذجاً يمكن الإفادة منه في هرمز. سياسياً، يحمل العرض رسالة بأن كييف تريد أن تقدم نفسها شريكاً أمنياً لا مجرد طالب سلاح. أما عملياً، فإن التجربة الأوكرانية تتضمن عناصر جدية، مثل استخدام المسيّرات البحرية، والدفاع الساحلي المتكامل، والتعامل مع الألغام، وتأمين ترتيبات الشحن والتأمين. لكن نقل هذه الخبرة إلى هرمز ليس أمراً آلياً؛ لأن الجغرافيا مختلفة، والخصم مختلف، وتشابك الحرب مع أسواق الطاقة العالمية أكبر بكثير. لذلك قد تكون القيمة الفعلية للعرض الأوكراني تقنية وتكتيكية أكثر منها حلاً استراتيجياً كاملاً..

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز)

في المحصلة، يبدو ترمب أقرب اليوم إلى حسم من نوع خاص: ليس حسم الحرب، بل حسم أولوياته داخلها. فإذا اختار إنهاء الحملة قبل فتح هرمز، فيكون قد قرر أن تقليص الخطر الإيراني أهم حالياً من فرض نظام ملاحي جديد بالقوة. وإذا تراجع عن ذلك، فسيكون قد أقر بأن أي نهاية للحرب من دون كسر قبضة إيران على المضيق هي نهاية ناقصة وربما مكلفة سياسياً. وحتى الآن، لا يبدو أن إيران مستعدة لتسهيل هذا الاختيار، بل تراهن على أن عنادها ومرونتها الانتقائية في آن سيدفعان واشنطن إلى قبول تسوية أدنى من شعاراتها الأولى. لهذا، فإن الأيام المقبلة لن تختبر فقط قدرة ترمب على إنهاء الحرب، بل قدرته على تعريف ما يعدّه «انتصاراً» أصلاً.


هيغسيث: خياراتنا مفتوحة في هرمز... والقوات البرية ليست مستبعدة

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)
TT

هيغسيث: خياراتنا مفتوحة في هرمز... والقوات البرية ليست مستبعدة

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)

وضع وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث مضيق هرمز في قلب الرسالة الأميركية الجديدة إلى إيران، معلناً أن خيارات واشنطن في الممر البحري الحيوي لا تزال مفتوحة، وأن إرسال قوات برية ليس خياراً مستبعداً، فيما أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أن الضربات الأميركية تتصاعد ضد القدرات البحرية الإيرانية ومواقع إنتاج السلاح، مع بدء مهمات قاذفات «بي - 52» فوق الأراضي الإيرانية.

أكد هيغسيث في مؤتمر صحافي أن الأيام المقبلة من الحرب التي تشّنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ستكون «حاسمة»، رافضاً استبعاد إمكان تنفيذ عملية بريّة.

وبعد 12 يوماً على آخر مؤتمر صحافي عقده، عكس هيغسيث من البنتاغون توجهاً أميركياً يقوم على إبقاء سقف التصعيد مرتفعاً؛ من الضغط في مضيق هرمز وتعزيز الانتشار العسكري في المنطقة، إلى توسيع بنك الأهداف داخل إيران، مع ترك قرار إنهاء الحرب أو الانتقال إلى اتفاق بيد الرئيس دونالد ترمب وحده، من دون أي جدول زمني معلن أو تصور واضح للخطوة التالية. وقال هيغسيث: «الأيام المقبلة ستكون حاسمة، إيران تدرك هذا الأمر، ولا يمكنها فعل شيء عسكري إزاءه تقريباً».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون (رويترز)

وأضاف أن الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت «أقل عدد من الصواريخ التي تطلقها إيران»، مشيراً إلى أنه تفقد في الآونة الأخيرة وحدات عسكرية أميركية منتشرة بالشرق الأوسط. وقال هيغسيث إن المحادثات لإنهاء الحرب في إيران تكتسب زخماً، وإنها «حقيقية جداً»، مضيفاً: «لا نريد أن نضطر إلى القيام بأكثر مما هو ضروري عسكرياً. وحين قلت إننا سنُفاوض تحت القنابل لم أقل ذلك باستخفاف».

مضيق هرمز

ولفت هيغسيث إلى أن قضية مضيق هرمز «ليست مجرد مشكلة تخص الولايات المتحدة الأميركية»، مكرراً دعوة الرئيس دونالد ترمب إلى أن تقوم دول أخرى بدور أكبر في هذا الممر الحيوي. وأضاف أن على إيران أن «تفتحه للأعمال التجارية»، وإلا فإن لدى الولايات المتحدة «خيارات». ووجه انتقاداً واضحاً إلى الحلفاء، ولا سيما بريطانيا، قائلاً إن الأمر لا يقتصر على البحرية الأميركية، وإن دولاً أخرى يفترض أن تكون مستعدة للتحرك في المضيق.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن عدداً أكبر بكثير من السفن يمر اليوم عبر مضيق هرمز، في إشارة إلى أن واشنطن بدأت بالفعل إجراءات ميدانية لتحسين حركة الملاحة، من دون أن يوضح طبيعة هذه الإجراءات أو ما إذا كانت ترقى إلى عملية لفرض فتح المضيق بالقوة.

وعندما سُئل عن إمكان إرسال قوات برية إلى إيران، رفض هيغسيث استبعاد هذا الخيار. وقال إن الولايات المتحدة لن تخبر خصمها بما هي مستعدة لفعله أو عدم فعله، «بما في ذلك إرسال قوات برية»، مضيفاً أن إيران تعتقد بوجود «15 طريقة مختلفة» يمكن للولايات المتحدة أن تهاجمها بها بقوات على الأرض، وتابع: «وخمّنوا ماذا؟ هناك بالفعل 15 طريقة». لكنه شدد في الوقت نفسه على أن عدم كشف هذه الخيارات جزء من استراتيجية تقوم على الإبقاء على الغموض وعدم القابلية للتنبؤ.

وربط هيغسيث هذا الموقف بانتشار القوات الأميركية في المنطقة، مؤكداً أنه زار خلال عطلة نهاية الأسبوع قوات أميركية في الشرق الأوسط، ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية، من دون أن يكشف عن أسماء القواعد أو مواقعها. وقال إنه تحدث إلى أفراد من سلاحي الجو والبحرية، بعضهم عادوا «للتو من سماء إيران»، وإن الرسالة التي تلقاها منهم كانت المطالبة بمزيد من القنابل، وقنابل أكبر، وأهداف أكثر. كما قال إن صاروخين أُسقطا بنجاح خلال زيارته، في إشارة إلى استمرار التهديدات الإيرانية المباشرة على القواعد والقوات المنتشرة في المنطقة.

وفي جانب آخر من صورة الانتشار العسكري، قال هيغسيث إن آلاف المارينز والمظليين الوافدين حديثاً لا يمكن الحديث عن كيفية استخدامهم، مكتفياً بالتأكيد أن كل الخيارات تبقى مطروحة، وأن قرار استخدامها يعود إلى الرئيس وحده. كما أوضح أن قرار إنهاء الحرب أو إبرام اتفاق مع إيران سيكون «تحديداً من جانب الرئيس دونالد ترمب وحده».

وعلى مستوى الأهداف العسكرية، قدم هيغسيث مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين صورة أكثر تفصيلاً لطبيعة الحملة الجارية ضد إيران. وقال هيغسيث إن الهدف الأساسي للبنتاغون هو تدمير صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة وأسطولها البحري، من دون أن يضع فتح مضيق هرمز ضمن الأهداف العسكرية الأميركية المباشرة، معتبراً أن هذه مهمة أوسع يفترض أن تشارك فيها دول أخرى.

رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون (أ.ف.ب)

من جانبه، قال الجنرال كين إن العمل العسكري الأميركي يركز على «استهداف قدراتهم في زرع الألغام وأصولهم البحرية»، مضيفاً أن أكثر من 150 سفينة إيرانية دمرت مجدداً، وأن المروحيات الهجومية انضمت إلى الحملة التي تستهدف الأهداف البحرية الإيرانية. وبذلك بدا واضحاً أن واشنطن تركز، في الشق البحري من الحرب، على شل قدرة إيران على تهديد الملاحة أو فرض إغلاق فعلي للمضيق.

لكن كين أضاف أن الجبهة الثانية لا تقل أهمية، وهي تعطيل القاعدة الصناعية الدفاعية الإيرانية. وقال إن الضربات تشمل المصانع والمستودعات ومختبرات البحث والتطوير المرتبطة بالأسلحة النووية، فضلاً عن البنية التحتية اللازمة لإعادة بناء القدرة القتالية الإيرانية.

قاذفات «بي - 52» الأميركية

وأوضح أن الطائرات الأميركية باتت تركز على «اعتراض وتدمير سلاسل الإمداد واللوجيستيات» التي تغذي منشآت بناء الصواريخ والطائرات المسيّرة والسفن الحربية، بهدف خنق قدرة إيران على تعويض الذخائر التي دمرت في آلاف الغارات.

وفي هذا الإطار، أعلن كين بدء مهمات قاذفات «بي - 52» الأميركية فوق إيران، في خطوة عكست، بحسب توصيفه، حجم التفوق الجوي الأميركي فوق البلاد، وما يعنيه ذلك من تراجع شديد في فاعلية الدفاعات الجوية الإيرانية. كما أكد أن هذا التطور يسمح بتوسيع الضغط على أهداف أعمق وأثقل ضمن الحملة الجارية.

وتحدث هيغسيث عن جانب عملياتي آخر، قائلاً إن الولايات المتحدة نفذت الليلة الماضية وحدها نحو 200 «ضربة ديناميكية»، أي ضربات يتغير فيها الهدف بعد إقلاع الطائرة، إضافة إلى أهداف مخطط لها مسبقاً. وأكد أن مقطع الفيديو الذي نشره ترمب أظهر ضربة أميركية على مستودع ذخيرة في أصفهان. ولم يحدد متى صُور الفيديو، لكنه قال إن قلة المقاطع المتاحة تعود أيضاً إلى أن إيران ما زالت تحجب الإنترنت عن معظم سكانها.

وبالتوازي مع هذا التصعيد، حرص هيغسيث على التأكيد أن «الجهد الأساسي» للولايات المتحدة ما زال هو التوصل إلى اتفاق مع إيران. وقال إن مهمة واشنطن هي حمل النظام القائم حالياً في إيران على إدراك أن وضعه سيكون أفضل إذا أبرم اتفاقاً. لكنه أوضح أن عدم التوصل إلى اتفاق سيعني ببساطة أن الولايات المتحدة «مستعدة للمضي قدماً».

وفي معرض شرحه لهذه المعادلة، استخدم هيغسيث عبارة لافتة حين قال: «نحن نتفاوض بالقنابل»، في تلخيص واضح لسياسة تمزج بين الإبقاء على القناة التفاوضية مفتوحة، واستخدام الضغط العسكري المكثف لتحسين شروط التفاوض. كما قال إن المحادثات مع إيران «حقيقية للغاية، ونشطة، وتكتسب قوة»، رغم التباين العلني بين واشنطن وطهران بشأن وجود هذه المفاوضات أصلاً.

وأظهر المؤتمر أيضاً أن الإدارة الأميركية تريد تقديم صورة عن تراجع إيران ميدانياً ومعنوياً. فقد قال هيغسيث إن عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها إيران انخفض، وإن الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت أدنى عدد من المقذوفات الإيرانية منذ بدء الحرب. وأضاف أن معنويات الجيش الإيراني تتضرر، متحدثاً عن حالات فرار وإحباط بين القادة العسكريين.

وفي هذا السياق نفسه، قال هيغسيث إن «تغيير النظام قد حدث» في إيران، وهو توصيف سياسي بالغ الحساسية لم يقدمه كخطة أميركية معلنة بقدر ما طرحه كقراءة لواقع القيادة الحالية. لكنه لم يدخل في تفصيل شكل هذا التغيير أو تركيبته، بينما أشار جزء من الإحاطة إلى أن القائد الجديد في إيران يُعتقد أنه أكثر تشدداً من سلفه.