ترمب يصبّ غضبه على النظام القضائي «الفاسد» في أميركا

زخّم حملته الانتخابية وتعهد القتال للعودة إلى البيت الأبيض رغم إدانته جنائياً

صورة للرئيس دونالد ترمب رافعاً قبضته خلال عودته إلى محكمة الجنايات في مانهاتن هذا الأسبوع (أ.ب)
صورة للرئيس دونالد ترمب رافعاً قبضته خلال عودته إلى محكمة الجنايات في مانهاتن هذا الأسبوع (أ.ب)
TT

ترمب يصبّ غضبه على النظام القضائي «الفاسد» في أميركا

صورة للرئيس دونالد ترمب رافعاً قبضته خلال عودته إلى محكمة الجنايات في مانهاتن هذا الأسبوع (أ.ب)
صورة للرئيس دونالد ترمب رافعاً قبضته خلال عودته إلى محكمة الجنايات في مانهاتن هذا الأسبوع (أ.ب)

شنّ الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب حملة شعواء على النظام القضائي في الولايات المتحدة، واصفاً إياه بأنه «فاسد». وإذ عدَّ نفسه «سجيناً سياسياً»، تعهد تزخيم حملته للانتخابات المقبلة أملاً في العودة إلى البيت الأبيض حتى بعدما صار أول رئيس أميركي يُدان بجرائم جنائية.

ومنذ لحظة إعلان هيئة المحلفين قرارها التاريخي بأن ترمب «مذنب» في كل الجرائم الـ34 المنسوبة إليه، وسّع الرئيس السابق المرشح الجمهوري المفترض للانتخابات في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل وأنصاره في واشنطن العاصمة وعبر الولايات، نطاق هجماتهم التي بدأوها سابقاً على المدعين العامين الذين أصدروا القرار الاتهامي ضده في قضية «أموال الصمت».

وتتمحور القضية حول تزوير وثائق وسجلات شركته «منظمة ترمب» لإخفاء دفع 130 ألف دولار للممثلة الإباحية ستورمي دانيالز (واسمها الحقيقي ستيفاني كليفورد)، عبر محاميه السابق مايكل كوهين، بغية إسكاتها خلال الحملة الانتخابية لعام 2016، بعدما لوحت بفضح علاقة وجيزة أقامتها مع ترمب عام 2006.

كما جدد ترمب هجومه على القاضي خوان ميرشان، الذي أشرف على المحاكمة لدى محكمة الجنايات في مانهاتن، وأفراد أسرة القاضي، من دون أن يوفر أخيراً هيئة المحلفين المؤلفة من سبعة رجال وخمس نساء، الذين جرى انتقاؤهم بعناية بالتعاون بين محامي الادعاء والدفاع من سكان نيويورك، وفقاً لما ينص عليه القانون في الولاية.

من جانبه، أكد الرئيس الأميركي جو بايدن، الجمعة، على منصة «إكس» أن ترمب «يهدد ديمقراطيتنا». وقال بايدن الذي يواجه سلفه الجمهوري في الانتخابات الرئاسية: «لقد شكك أولاً في نظامنا الانتخابي، ولاحقاً، شكك في نظامنا القضائي. والآن يمكنكم وقفه».

موعد 11 يوليو

يتوقع أن يحدد القاضي ميرشان في 11 يوليو (تموز) المقبل طبيعة العقوبات التي سيفرضها على ترمب، علماً بأن ذلك يأتي قبل أيام فحسب من المؤتمر العام للحزب الجمهوري بين 15 و18 منه، حين يتوقع أن يعلن الحزب رسمياً أن ترمب هو المرشح للانتخابات الرئاسية. ومن الحتمي أن ترمب سيستأنف الحكم في عملية يمكن أن تستوجب أشهراً، وربما سنوات، قبل إنزال العقوبة النهائية إذا بقي الحكم على حاله الراهنة.

وهذا يعني أن ترمب سيخوض الانتخابات في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل وهو مدان، حتى إشعار آخر. ويمكن للعقوبة أن تشمل السجن لمدة قد تصل إلى أربع سنوات. لكن لا أحد يمكن أن يتكهن بما إذا كان القاضي سيقرر إنزال مثل هذه العقوبة، أم يكتفي بإجراءات أخرى من الإقامة الجبرية، أو الرقابة القضائية، أو غير ذلك، علماً بأن المدعي العام في نيويورك ألفين براغ لم يحدد طلبه في هذا الشأن حتى الآن.

إريك ترمب وزوجته لارا خلال مؤتمر ترمب الصحافي في نيويورك، الجمعة (أ.ف.ب)

وبينما عدَّ زعماء الحزب الديمقراطي، في مقدمتهم الرئيس جو بايدن وزعيم الغالبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر ومسؤولون آخرون وخبراء قانونيون، أن الحكم على ترمب يثبت أن «لا أحد فوق القانون» في الولايات المتحدة، حتى لو كان مليارديراً ورئيساً سابقاً ومرشحاً رئاسياً، قاد ترمب حملته الشعواء بعد دقائق فحسب من تصنيفه «مجرماً» في المحكمة، التي قال للصحافيين المحتشدين أمامها: «كانت هذه محاكمة مزورة ومخزية»، مضيفاً أن الحكم الحقيقي سيكون في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل من الناس، وهم يعرفون ما حصل هنا. الجميع يعرفون ما حدث هنا».

وبعيد عودته إلى برج ترمب في وسط مانهاتن، حيث حيّا مؤيديه بقبضته، أصدر بياناً مكتوباً رأى فيه أنه «لا يمكن التمييز بين مصيره ومصير الأمة» الأميركية، مضيفاً: «أنا رجل بريء للغاية، ولا بأس، أنا أقاتل من أجل بلدنا. أنا أقاتل من أجل دستورنا». وقال: «بلدنا بأكمله يجري التلاعب به الآن».

«بلد فاشيستي»

وخلال مؤتمر صحافي عقده الجمعة، حمل ترمب بشدة مجدداً على القضاء والطاقم السياسي في واشنطن، قائلاً إن «هؤلاء أناس سيئون. هؤلاء هم في كثير من الحالات أناس مرضى». وأضاف: «عندما تنظر إلى بلدنا، ما الذي يحدث حيث يتدفق الملايين والملايين من الأشخاص من كل أنحاء العالم، وليس فقط أميركا الجنوبية، بل من أفريقيا، ومن آسيا، ومن الشرق الأوسط. يأتون من السجون والمعتقلات. يأتون من مصحات الأمراض العقلية. يأتون من كل أنحاء العالم إلى بلدنا». ورأى أن «لدينا رئيساً ومجموعة من الفاشيين لا يريدون فعل أي شيء حيال ذلك. لأنهم يستطيعون الآن، اليوم، يمكنهم وقف ذلك. لكنهم يدمرون بلدنا. بلادنا في حال سيئة للغاية. وهم ضدي بشدة».

ترمب متجهاً لعقد مؤتمر صحافي في برجه بنيويورك، الجمعة (أ.ب)

وكذلك تحدث ترمب طويلاً عن مظالمه القانونية، قائلاً: «لدينا قاض متضارب بشدة. لم يكن هناك قاض أكثر تضارباً. والآن أنا خاضع لأمر منع النشر، وهو الأمر الذي لم يخضع له أحدٌ من قبل ولم يخضع أي مرشح للرئاسة لأمر منع النشر من قبل (...) اضطررت إلى دفع آلاف الدولارات عقوبات وغرامات، وتم تهديدي بالسجن». وأضاف: «فكروا في الأمر، أنا المرشح الرئيسي. أنا أتقدم على بايدن بفارق كبير وأقود الجمهوريين إلى النقطة التي انتهى فيها الأمر»، عاداً أنه «ممنوع من النشر من قبل رجل لا يمكنه وضع جملتين معاً، صادر عن محكمة وهم في تعاون كامل مع البيت الأبيض ووزارة العدل فقط حتى تفهم وهذا كله يفعله بايدن وأناسه».

وإذ كشف أنه كان يريد الإدلاء بشهادته في قضية «أموال الصمت»، كرر مراراً أنه «بريء» في «بلد فاشيستي».

حكم «غير أميركي»

واصل ترمب حملته هذه خلال مؤتمر صحافي عقده الجمعة في بهو برجه وسط مانهاتن، مكرراً ادعاءاته بشأن النظام القضائي.

وكذلك سارع أنصار ترمب إلى ترديد هذه المشاعر الغاضبة من الحكم. وقال رئيس مجلس النواب مايك جونسون إنه «يوم مخز في التاريخ الأميركي»، واصفاً الاتهامات ضد ترمب بأنها «سياسية محض». وعلّق السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام بأن «هذا الحكم يتحدث عن النظام أكثر من الادعاءات... إنه استهزاء بالعدالة».

حشود أمام برج ترمب قبل المؤتمر الصحافي للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أنه امتنع عن مهاجمة القاضي ميرشان أو هيئة المحلفين، رأى زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل أن الاتهامات «ما كان ينبغي توجيهها في المقام الأول».

وكانت رئيسة مؤتمر الحزب الجمهوري بمجلس النواب أليز ستيفانيك، التي يُنظر إليها على أنها اختيار محتمل لمنصب نائب الرئيس مع ترمب، قالت إن «الحكم يُظهر مدى الفساد والتزوير وما هو غير أميركي، في ما صار عليه نظام العدالة المسلح في عهد جو بايدن والديمقراطيين». وأضافت: «منذ البداية، تم تكديس موازين العدالة كسلاح ضد الرئيس ترمب».

ولكن جمهورياً رفض الانضمام إلى هذه الحملة حاكم ولاية ماريلاند السابق لاري هوغان، المرشح حالياً لمقعد في مجلس الشيوخ. وقال: «في لحظة الانقسام الخطير من تاريخنا، يجب على جميع القادة - بغض النظر عن الحزب - ألا يصبوا الزيت على النار بمزيد من الحزبية السامة». ورد عليه أحد كبار مستشاري حملة ترمب، كريس لاسيفيتا، بتغريدة على منصة «إكس»: «أنهيت للتو حملتك» لمقعد سيناتور.

الفصل في الانتخابات

في المقابل، رددت حملة الرئيس بايدن ما قاله ترمب لجهة أن الحكم النهائي على الرئيس السابق سيأتي في الانتخابات، بعد نحو خمسة أشهر.

وقال مدير الاتصالات لدى حملة الديمقراطيين، مايكل تايلور، إن الحكم «لا يغير حقيقة أن الشعب الأميركي يواجه واقعاً بسيطاً»، مضيفاً أنه «لا تزال هناك طريقة واحدة فقط لإبقاء دونالد ترمب خارج المكتب البيضوي: صناديق الاقتراع». ورأى أنه «سواء كان مجرماً مداناً أو لا، سيكون ترمب المرشح الجمهوري للرئاسة. إن التهديد الذي يشكله ترمب على ديمقراطيتنا أكبر من أي وقت مضى».

نسخ من صحيفة «النيويورك تايمز» بعد إعلان إدانة الرئيس السابق دونالد ترمب بقضية «أموال الصمت» (رويترز)

وبالإضافة إلى المواقف السياسية، توقع خبراء قانونيون تداعيات واسعة النطاق للحكم على ترمب، الذي وصفه البعض بأنه كان «محظوظاً» حتى الخميس الماضي في مواجهة سنوات طويلة من الفضائح والمتاعب القانونية، حتى منذ ما قبل انتخابه رئيساً عام 2016، في مواجهة المرشحة الديمقراطية عامذاك وزير الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، وخلال وجوده في البيت الأبيض حتى عام 2020، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن.

وتعدّ قضية «أموال الصمت» في نيويورك الأقل خطورةً مقارنة بثلاثة قرارات اتهامية أخرى يواجهها حالياً؛ الأول في فلوريداً ويتعلق بنقل غير مشروع لوثائق بالغة السريّة إلى منزله الخاص في مارالاغو، والثاني في جورجيا حيث يواجه اتهامات تتعلق بمساعيه قلب نتائج انتخابات عام 2020 في الولاية لمصلحته على رغم فوز بايدن، والثالث في واشنطن العاصمة ويرتبط أيضاً بجهوده لرفض نتائج الانتخابات. ولكن لن تحصل أي محاكمة في هذه القضايا الثلاث قبل انتخابات 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ويعد الحكم في «أموال الصمت» بمثابة حساب قانوني مذهل لترمب الذي نشأ في نيويورك، التي حملته إلى الشهرة بعدما حولته من قطب عقارات إلى نجم في تلفزيون الواقع، قبل أن يصير رئيساً للولايات المتحدة في نهاية المطاف. ولكنه يواجه الآن ديناميكية محرجة، بينما يسعى للعودة إلى البيت الأبيض مجرماً مداناً.

مخاوف الخبراء

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن أستاذة القانون، نانسي ماردير، في شيكاغو، أن «البشر لديهم نقاط ضعفهم، ومؤسساتنا لديها نقاط ضعفها، لكن المحاكمة أمام هيئة محلفين هي أفضل ما يمكننا القيام به».

ولكن وسط الهجوم المتواصل الذي يشنه ترمب وحلفاؤه على النظام القضائي، جاءت المحاكمة بتكلفة باهظة، وفقاً للذين يدرسون الديمقراطية، ومن المرجح أن يقاس التأثير النهائي في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني). وقال أستاذ علم الاجتماع في جامعة برينستون، كيم لين شيبيلي، إن «النظام القضائي تلقى ضربة قوية من اعتداءات ترمب»، منبهاً إلى أن إجباره على الجلوس أثناء المحاكمة واتباع الأوامر والاستماع إلى الأدلة ضده يعني أن «غضبه من سيطرة الآخرين عليه سيتجه نحو محاولة إسقاط النظام القضائي بأكمله». وأضاف أن «الهجمات ضد المؤسسات الديمقراطية في البلاد لا تؤثر فقط على أولئك الذين يرغبون في الخدمة في تلك المناصب، لكنها تقلل أيضاً من الشرعية المتصورة للمؤسسات التي يجب أن تقف فوق النزاع السياسي».

كذلك، قال أستاذ العلوم الحكومية في جامعة هارفارد، ستيفن ليفيتسكي، إنه كلما وجهت اتهامات ضد سياسي، «يصرخ ذلك الزعيم من أعلى إلى أسفل بأن هذه عملية مسيسة، وأن أعداءه السياسيين يسعون إلى النيل منه»، ملاحظاً أن «الحزب الجمهوري بأكمله يسير بخطى ثابتة، جنباً إلى جنب مع وسائل الإعلام اليمينية»، مدعياً أن العملية القانونية تستخدم كسلاح، وبالتالي تتآكل ثقة الجمهور في مؤسسة حيوية حقاً.


مقالات ذات صلة

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

شمال افريقيا صورة مركبة للكاتب بوعلام صنصال والمحكمة التي دانته بالسجن في مارس 2025 (الشرق الأوسط)

أزمة الجزائر مع مثقفيها الفرنكفونيين تعود إلى الواجهة

يجد الكاتب الفرنسي - الجزائري، بوعلام صنصال، نفسه وسط عاصفة جديدة من الجدل، بعد أن هدَّد بـ«قطع روابطه كافة مع فرنسا».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإطلاق سراح الصحافي مراد الزغيدي (أ.ف.ب)

تونس تعلِّق نشاط «رابطة حقوق الإنسان» الحاصلة على جائزة نوبل للسلام

أكدت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» أنه تم إيقاف نشاطها مدة شهر، في بيان صدر في وقت متأخر، أمس (الجمعة).

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)

تونس: غضب حقوقي إثر تحفظ السلطات على صحافي معارض

قال نافع ‌العريبي، محامي الصحافي التونسي زياد الهاني، إنَّ النيابة العامة أمرت، اليوم (الجمعة)، بالتحفظ على موكله، في خطوة أثارت غضب حقوقيين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الروائي الفرنسي الجزائري كمال داود (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

«قضية داود» تضع العلاقات الفرنسية - الجزائرية في اختبار دبلوماسي جديد

أعرب وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، عن «أسفه» لإدانة الروائي الجزائري الفرنسي كمال داود بالسجن من طرف محكمة مدينة وهران غرب الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب كمال داود (أ.ب)

الجزائر: السجن الغيابي 3 سنوات بحق الكاتب كمال داود

أدانت محكمة جزائرية الكاتب كمال داود، المقيم في فرنسا، بالسجن غيابياً ثلاث سنوات، وغرامة مالية قدرها خمسة ملايين دينار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

المتهم بإطلاق النار عبر عن استيائه من ترمب في كتابات لعائلته

كول توماس ألين قيد الاحتجاز بعد محاولته دخول قاعة الحفل حاملًا أسلحة نارية وسكاكين خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض (د.ب.أ)
كول توماس ألين قيد الاحتجاز بعد محاولته دخول قاعة الحفل حاملًا أسلحة نارية وسكاكين خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

المتهم بإطلاق النار عبر عن استيائه من ترمب في كتابات لعائلته

كول توماس ألين قيد الاحتجاز بعد محاولته دخول قاعة الحفل حاملًا أسلحة نارية وسكاكين خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض (د.ب.أ)
كول توماس ألين قيد الاحتجاز بعد محاولته دخول قاعة الحفل حاملًا أسلحة نارية وسكاكين خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض (د.ب.أ)

انتقد المتهم بإطلاق النار في حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض سياسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأشار إلى نفسه بلقب «قاتل اتحادي ودود» في كتابات أرسلها إلى أفراد عائلته قبل دقائق من الهجوم ، الذي تعتقد السلطات بشكل متزايد أن دوافعه سياسية.

وتضمنت هذه الكتابات، التي أرسلت قبل وقت قصير من إطلاق النار ليلة السبت في فندق واشنطن هيلتون، إشارات متكررة إلى ترمب دون ذكر اسمه بشكل مباشر، كما ألمحت إلى مظالم تتعلق بعدد من إجراءات الإدارة، بما في ذلك الضربات الأميركية على قوارب تهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ.

ويتعامل المحققون مع هذه الكتابات، إلى جانب سلسلة من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ومقابلات مع أفراد من عائلته، باعتبارها من أوضح الأدلة حتى الآن على طريقة تفكير المشتبه به والدوافع المحتملة وراءه.

كما كشفت السلطات عما وصفه أحد مسؤولي إنفاذ القانون بعدد كبير من المنشورات المناهضة للرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، مرتبطة بالمشتبه به كول توماس ألين، وهو رجل (31 عاماً) من كاليفورنيا، متهم بمحاولة اختراق نقطة تفتيش أمنية خلال العشاء وهو مسلح بعدة أسلحة وسكاكين.

واتصل شقيق ألين بالشرطة في نيو لندن بولاية كونيتيكت بعد تلقيه الكتابات، وفقا لمسؤول إنفاذ القانون الذي لم يكن مخولا بمناقشة التحقيق الجاري، وتحدث شريطة عدم الكشف عن هويته.

وقالت إدارة شرطة نيو لندن في بيان إنها تلقت اتصالا في الساعة 49:10 مساء، أي بعد حوالي ساعتين من إطلاق النار، من شخص أراد مشاركة معلومات متعلقة بالحادث، وأضافت إدارة الشرطة أنها أخطرت على الفور جهات إنفاذ القانون الاتحادية.

وأخبرت شقيقة ألين، التي تعيش في ميريلاند، المحققين أن شقيقها اشترى قانونيا عدة أسلحة من متجر أسلحة في كاليفورنيا واحتفظ بها في منزل والديهما في تورانس دون علمهما، وفقا للمسؤول، الذي أضاف أنها وصفت شقيقها بأنه يميل إلى إطلاق تصريحات راديكالية.

وتجاوزت الكتابات، حسب وكالة أنباء «أسوشيتد برس»، ألف كلمة وبدت كرسالة غير مترابطة وشخصية للغاية، بدأت بشكل صادم تقريبا بعبارة «مرحبا بالجميع!»، قبل أن تتحول إلى اعتذارات لأفراد العائلة وزملائه في العمل وحتى الغرباء الذين كان يخشى أن يحاصروا في أعمال العنف. وتأرجحت المذكرة بين الاعتراف والمظلمة والوداع، حيث شكر ألين أشخاصا في حياته حتى وهو يحاول تفسير الهجوم.

وفي أماكن أخرى، انحرف بين الغضب السياسي والمبررات الدينية والردود على منتقدين متخيلين. كما قدم نقدا ساخرا للأمن في فندق واشنطن هيلتون، مستهزئا بما وصفه بالاحتياطات المتساهلة ومعربا عن دهشته لتمكنه من دخول الفندق مسلحا دون اكتشافه.

وتظهر منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي يبدو أنها تتطابق مع المشتبه به أنه مدرس على مستوى عال من التعليم ومطور ألعاب فيديو هاو.


ترمب: مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب: مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأحد، إنّ المشتبه فيه الذي أُلقي القبض عليه بعد محاولته اقتحام عشاء «رابطة مراسلي البيت الأبيض»، الذي كان يحضره، كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية».

وأوضح ترمب، في مكالمة هاتفية مع شبكة «فوكس نيوز»: «عندما تقرأون بيانه، فستجدون أنّه يكره المسيحية»، واصفاً المهاجم بأنّه «مضطرب للغاية بشكل واضح»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

واقتحم رجل مسلح الردهة خارج قاعة عشاء رفيع المستوى للصحافيين كان يحضره ترمب وكثير من كبار القادة الأميركيين مساء السبت، واندفع نحو قاعة الاحتفالات قبل أن يحاصره عملاء الخدمة السرية ويحتجزوه. ولم يُصب الرئيس بأذى، ونُقل على الفور بعيداً.

وعبر ‌الرئيس ‌الأميركي عن ‌اعتقاده أنه ​كان المستهدف من هذا الحادث.

وعن المفاوضات مع إيران، قال ترمب، وفقاً لوكالة «رويترز»، إن إيران ‌يمكنها ‌التواصل ​مع ‌الولايات المتحدة ‌إذا كانت ترغب في ‌التفاوض على إنهاء الحرب بين البلدين.

ورأى ترمب أنه «إذا أرادوا (الإيرانيون) التحدث، فيمكنهم القدوم إلينا أو الاتصال بنا. كما تعلمون: لدينا هاتف، ولدينا خطوط اتصال ‌جيدة ‌وآمنة».

وألغى ترمب، ​السبت، ‌زيارة كان من ‌المقرر أن يجريها مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان؛ مما ‌شكل انتكاسة جديدة لآفاق السلام، وذلك بعد أن غادر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إسلام آباد عقب إجرائه محادثات مع مسؤولين باكستانيين فقط.

وعاد عراقجي بعد ذلك إلى باكستان على الرغم من غياب ​المسؤولين الأميركيين.


واشنطن تتأرجح بين تصعيد العقوبات وتمديد الإعفاءات في حرب إيران

وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)
وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)
TT

واشنطن تتأرجح بين تصعيد العقوبات وتمديد الإعفاءات في حرب إيران

وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)
وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)

مع أخذ أسعار النفط في الاعتبار، انتهجت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقاربة متقلّبة في فرض العقوبات على روسيا وإيران.

وأعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت في منتصف أبريل (نيسان) أن الولايات المتحدة لن تمدّد الإعفاء الذي يسمح ببيع النفط الروسي. وبعد يومين فقط، مساء الجمعة، أصدرت وزارة الخزانة مهلة جديدة لمدة 30 يوماً. وأدان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هذا الإعفاء، قائلاً إن «كل دولار يُدفع مقابل النفط الروسي هو مال للحرب». كما وصف ديمقراطيون في مجلس الشيوخ هذا التحوّل بزاوية 180 درجة بأنه قرار «مُخزٍ»، ثم قال بيسنت يوم الجمعة لوكالة «أسوشييتد برس» إن الولايات المتحدة لا تعتزم تجديد الإعفاء مرة أخرى، علماً بأن الإعفاء الحالي ينتهي في 16 مايو (أيار).

ويعكس هذا التراجع بشأن عقوبات النفط الروسي حالة الارتباك في أداء السياسة الأميركية، في وقت تواجه فيه إدارة ترمب تداعيات الحرب التي بدأتها مع إسرائيل ضد إيران. فبينما كانت الولايات المتحدة في السابق قادرة على استخدام قوتها المالية لشل اقتصادات خصومها، باتت دول مثل روسيا وإيران تستخدم نفوذها في أسواق الطاقة للرد. وهذا ما أجبر وزارة الخزانة، المشرفة على برنامج العقوبات الأميركي، على الارتجال.

عقوبات وإعفاءات

وأطلقت إدارة ترمب يوم الجمعة حملة واسعة من العقوبات استهدفت 40 شركة شحن وسفينة قالت إنها جزء من «أسطول الظل» الإيراني لناقلات النفط، في إطار توسيع جهودها لشل الاقتصاد الإيراني. كما فرضت عقوبات على مصفاة صينية مستقلة، وهي «هنغلي للبتروكيماويات»، التي تُعد من أكبر مشتري النفط الخام والمنتجات النفطية الإيرانية.

وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي، قال بيسنت إن قرار تمديد الترخيص الخاص بروسيا جاء بعد ضغوط من دول نامية طالبته بالحفاظ على كميات أكبر من النفط الروسي في السوق، أثناء وجودها في واشنطن لحضور اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وقال بيسنت: «كان اعتقادي أننا لن نقوم بذلك»، مضيفاً أن الدول الفقيرة تعاني من نقص عالمي في النفط.

ولم يعلّق البيت الأبيض ولا وزارة الخزانة على ما إذا كان قرار تخفيف العقوبات على روسيا جاء بتوجيه مباشر من الرئيس دونالد ترمب.

وتؤدي هذه التسهيلات إلى ملء خزائن روسيا بما يُقدّر بنحو 200 مليون دولار يومياً، ما يقوّض سنوات من الجهود الأميركية والغربية الهادفة إلى تقليص قدرة موسكو على تمويل حربها في أوكرانيا.

وقال السيناتور الديمقراطي كريس كونز، خلال استجوابه بيسنت في جلسة الأربعاء: «لا تحتاج إلى قراءة كتاب (فن الحرب) لتدرك أن مساعدة خصمك على جني الأموال في حين أنك في حالة حرب معه، فكرة سيئة». وأضاف: «لا يوجد بلد استفاد من هذه الحرب أكثر من روسيا»، مشيراً إلى أن إيراداتها تدعم أيضاً إيران عسكرياً.

الضغط على إيران

أما الاستراتيجية تجاه إيران، فبدت هي الأخرى مضطربة؛ فقد منحت الولايات المتحدة الشهر الماضي إعفاءً لمدة 30 يوماً يسمح ببيع النفط الإيراني، بحجة المساهمة في خفض أسعار النفط العالمية، ومنع طهران من الاستفادة عبر إغلاق مضيق هرمز. لكن الإدارة غيّرت مسارها هذا الشهر؛ إذ سمحت بانتهاء الإعفاء وأطلقت «عملية الغضب الاقتصادي»، مع فرض عقوبات جديدة على إيران. كما وسّع الجيش الأميركي نطاق حصاره للسفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية ليشمل مياه العالم الأوسع.

وشبّه بيسنت هذه المبادرة بحملة قصف مالي. وخلال الأسبوع الماضي، شدّد هو وترمب على الضغوط الاقتصادية المفروضة على إيران، معتبرين أنها لن تتمكن خلال أيام من تخزين مزيد من النفط، ما سيجبرها على إغلاق آبارها، مع احتمال تعرّضها لأعطال دائمة، ودفع الاقتصاد نحو الانهيار.

وقالت جينيفر كافاناه، الباحثة البارزة ومديرة تحليل الشؤون العسكرية في مركز «ديفنس برايورتيز»: «إنها حالة من الارتداد المفاجئ في السياسة». وأضافت أن هذا التذبذب يُظهر أن إدارة ترمب «لم تتوقع أن يستمر هذا الوضع كل هذه المدة».

وأوضحت أنه في السابق كان «الضغط الأساسي» عسكرياً، مع افتراض أن القصف سيدفع إيران إلى الاستسلام. لكن مع استمرار القتال وارتفاع تكلفته، بات التصعيد العسكري أقل قبولاً، خاصة أن ترمب «استنفد التصعيد الخطابي إلى أقصاه» بتهديده بمحو الحضارة الإيرانية قبل وقف إطلاق النار، ما أدى إلى التحول نحو الأدوات الاقتصادية.

تحديات «هرمز»

وقد زادت إيران من تعقيد استراتيجية العقوبات الأميركية عبر إغلاق مضيق هرمز، مستخدمة أدوات عسكرية في إطار «حرب اقتصادية».

وأشار تحليل لشركة «لويدز ليست» المتخصصة في معلومات الشحن إلى وجود «مؤشرات على اضطراب عمليات أسطول الظل الإيراني» في ظل الحصار الأميركي العالمي، مع قيام بعض الناقلات بتغيير مسارها أو التوقف. غير أن بيانات تتبّع السفن أظهرت أيضاً أن ناقلات مرتبطة بإيران لا تزال تواصل الإبحار.

وقال «البنتاغون» الخميس إن القوات الأميركية أوقفت وصعدت إلى متن ناقلة ثانية خاضعة للعقوبات تحمل نفطاً إيرانياً في المحيط الهندي، بعد عملية مماثلة يوم الثلاثاء. لكن كافاناه حذّرت من أن «الحصارات ليست حلولاً سريعة»، معتبرة أن إيران قد تكون قادرة على تحمّل الضغوط؛ لأنها تتطلب وقتاً لتحقق أثرها.

كما يثير الحصار العالمي تساؤلات قانونية وعملياتية لكونه غير مقيّد جغرافياً، في وقت لا تستطيع فيه الولايات المتحدة احتجاز سوى عدد محدود من السفن، ما يعني أن تأثيره العملي قد يكون «هامشياً»، إلى جانب إضعاف سمعة واشنطن كحامية للنظام الدولي.

وقال إدوارد فيشمان، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، إن الاستخدام المتخبّط للعقوبات يعكس تداخل الحربين الاقتصادية والعسكرية. وأضاف: «لا نملك نموذجاً جاهزاً لهذا النوع من الحروب الاقتصادية، وهو ما قد يفسّر بعض التخبّط الأميركي».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».