ترمب إلى المحكمة العليا لتأجيل محاكمته بمحاولة قلب انتخابات 2020

محاموه تمسكوا بـ«حصانته المطلقة» رئاسياً والمدعي العام يريد الاستعجال

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أرشيفية - رويترز)
TT

ترمب إلى المحكمة العليا لتأجيل محاكمته بمحاولة قلب انتخابات 2020

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (أرشيفية - رويترز)

طلب الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، من المحكمة العليا تمديد تأجيل محاكمته بالتدخل في الانتخابات، معتبراً أنه يتمتع بالحصانة من الملاحقة القضائية بتهم التآمر لإلغاء خسارته في انتخابات عام 2020.

وقدم وكلاء الدفاع عن ترمب طلباً طارئاً للمحكمة العليا، الاثنين، بعد أربعة أيام فقط من جلسة استماع عقدها قضاة أعلى المحاكم في البلاد في قضية منفصلة، رفعها ترمب من أجل البقاء على لوائح الاقتراع الرئاسي، رغم محاولات بعض الولايات إزالة اسمه منها بسبب جهوده بعد خسارته انتخابات عام 2020.

المحكمة العليا الأميركية (أ.ف.ب)

وكتب وكلاء الدفاع عن ترمب أنه «من دون الحصانة من الملاحقة الجنائية، فإن الرئاسة كما نعرفها ستنتهي من الوجود»، مكررين الحجج التي أخفقت حتى الآن في المحاكم الفيدرالية.

ويؤدي تقديم هذه الدعوى إلى تعليق ما يمكن أن يكون محاكمة جنائية تاريخية لرئيس سابق، ريثما تصدر المحكمة العليا قرارها الذي سيحدد ما إذا كان المرشح الجمهوري الأوفر حظاً في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين سيحاكم في هذه القضية قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل أم لا.

الرئيس الأميركي جو بايدن (أرشيفية - رويترز)

الجدول الزمني

ولا يوجد جدول زمني للمحكمة للتصرف، لكن فريق المستشار القانوني الخاص المعين من وزارة العدل جاك سميث، دفع بقوة من أجل إجراء المحاكمة هذا العام. وفي الوقت نفسه، سعى ترمب مراراً إلى تأخير القضية. وإذا هزم ترمب الرئيس الديمقراطي جو بايدن، يحتمل أن يحاول استخدام منصبه بوصفه رئيساً للسلطة التنفيذية ليأمر وزير العدل الجديد برفض القضايا الفيدرالية التي يواجهها، أو حتى العفو عن نفسه.

وتشمل خيارات المحكمة العليا رفض الاستئناف الطارئ، الأمر الذي سيمكن قاضية المحكمة الجزئية الأميركية تانيا تشوتكان من استئناف إجراءات المحاكمة في المحكمة الفيدرالية بواشنطن. وكان من المقرر أن تبدأ المحاكمة في أوائل مارس (آذار) المقبل. غير أن هذا الموعد بات مرتبطاً بموعد قرار المحكمة العليا، التي يمكنها أيضاً تمديد التأخير في أثناء سماع الحجج المتعلقة بمسألة الحصانة. وفي هذه الحالة، يمكن أن يحدد الجدول الزمني موعد بدء المحاكمة.

وكان سميث حض في ديسمبر (كانون الأول) القضاة على التعامل مع مسألة الحصانة والبت فيها، حتى قبل أن تنظر محكمة الاستئناف في قرارها؛ لأنه «من الأهمية العامة الحتمية أن تحل هذه المحكمة مطالبة المدعى عليه بالحصانة، وأن تستمر محاكمة المدعى عليه في أسرع وقت ممكن إذا رفض طلبه بالحصانة»، بحسب ما كتبه ممثلو الادعاء.

دوافع حزبية

وربط الفريق القانوني لترمب طلب تسريع المحاكمة بدوافع حزبية. وقال محامو الرئيس السابق إن «إجراء محاكمة جنائية مدتها أشهر للرئيس ترمب في ذروة موسم الانتخابات، سيعطل بشكل جذري قدرة الرئيس ترمب على القيام بحملة ضد الرئيس بايدن، وهو ما يبدو أنه بيت القصيد من مطالبات المستشار الخاص المستمرة بالسرعة». وكتب الفريق القانوني بقيادة جون سوير أنه لا ينبغي للمحاكم أن تتعجل في المحاكمة؛ لأن موضوع الحصانة الرئاسية من الاتهامات الجنائية هو «سؤال جديد ومعقد وخطير يتطلب دراسة متأنية عند الاستئناف».

وفي طلبهم للإبقاء على المحاكمة معلقة، أشار محامو ترمب إلى أنهم سيسعون إلى تمديد فترة التأخير من خلال مطالبة محكمة الاستئناف الفيدرالية الكاملة في واشنطن بإبداء رأيهم. وبعد ذلك فقط سيقدمون استئنافاً رسمياً إلى المحكمة العليا.

والآن يعود الأمر إلى المحكمة التي عين فيها ترمب ثلاثة قضاة، وهم إيمي كوني باريت ونيل غورسيش وبريت كافانو، عندما كان رئيساً. ومع ذلك، سبق للمحكمة العليا أن رفضت طعوناً قدمها ترمب وحلفاؤه فيما يتعلق بانتخابات 2020. كما رفضت منع تسليم الملفات الضريبية والوثائق الأخرى الخاصة بترمب إلى لجان الكونغرس والمدعين العامين في نيويورك.

وكانت المحكمة العليا رأت في السابق أن الرؤساء يتمتعون بالحصانة من المسؤولية المدنية عن الأفعال الرسمية، وادعى محامو ترمب لأشهر أن هذه الحماية يجب أن تمتد إلى الملاحقة الجنائية أيضاً.

في الأسبوع الماضي، أجمعت لجنة قضائية على رفض ادعاءات ترمب الجديدة بأن الرؤساء السابقين يتمتعون بالحصانة المطلقة عن الأفعال التي تقع ضمن واجباتهم الوظيفية الرسمية.

والقضية في واشنطن هي واحدة من أربع محاكمات يواجهها ترمب في سعيه إلى استعادة البيت الأبيض. ويواجه اتهامات فيدرالية في فلوريدا بالاحتفاظ بشكل غير قانوني بوثائق سرية في منزله في مارالاغو، وهي القضية التي رفعها سميث أيضاً، ومن المقرر أن تبدأ محاكمته فيها خلال مايو (أيار) المقبل.

واتهم في جورجيا بالتخطيط لتخريب انتخابات تلك الولاية لعام 2020، وفي نيويورك فيما يتعلق بدفع أموال سرية للممثلة الإباحية ستورمي دانيالز.

محاولة تغيير

الرئيس دونالد ترمب يستمع إلى رئيسة اللجنة الوطنية الجمهورية رونا مكدانيال خلال تجمع انتخابي في ميسوري (أرشيفية - أ.ب)

من جهة أخرى، سعى ترمب تغيير القيادة في اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، وتثبيت قائمة جديدة من الموالين له، وبينهم زوجة ابنه لارا ترمب، على رأس الأداة السياسية للحزب الجمهوري حتى قبل أن يضمن رسمياً حصوله على بطاقة الحزب للانتخابات الرئاسية.

وأكدت الرئيسة الحالية للجنة رونا مكدانيال أنها لا تخطط للاستقالة من اللجنة حتى بعد الانتخابات التمهيدية في ساوث كارولاينا في 24 فبراير (شباط) الجاري على الأقل.

ومع ذلك، دعا ترمب الاثنين إلى استبدال مكدانيال بمايكل واتلي، رئيس الحزب الجمهوري في ولاية نورث كارولاينا. وأضاف ترمب أنه يريد لارا ترمب رئيسةً مشاركة.


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، في تبادل رسائل مع صحيفة «نيويورك بوست»، إنه «من الممكن» استئناف المحادثات مع إيران في الأيام المقبلة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورداً على سؤال للصحيفة بشأن احتمال عقد مفاوضات خلال «36 إلى 72 ساعة»، أي قبل حلول يوم الجمعة، قال ترمب: «هذا ممكن».

وكان ترمب قد أعلن، الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار، لإتاحة المجال للتوصل إلى اتفاق مع إيران، من دون أن يحدد مهلة جديدة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، في وقت سابق، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، فاتحاً نافذة زمنية إضافية بانتظار تقديم طهران «مقترحاً موحداً» ينهي حالة الانسداد السياسي، في حين هاجم «الحرس الثوري» ثلاث سفن في مضيق هرمز.


إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
TT

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)

قال مسؤولون أميركيون إن مركبة عمل اصطدمت بقطار ركاب بوسط واشنطن في وقت مبكر من اليوم الأربعاء، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً.

وقالت هيئة النقل في منطقة العاصمة واشنطن في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن قطار الخط الفضي المتوقف تعرض للاصطدام بعد منتصف الليل في محطة المترو المركزية.

وذكرت المحطة أن حالة المصابين ليست خطيرة، ولكنها لم تقدم تفاصيل بشأن شدة الإصابات أو نوعها.


هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
TT

هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)

في لحظة بدت أقرب إلى إعادة ضبط الصراع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران «إلى أجل غير مسمى»، مع الإبقاء على الحصار البحري لموانئها واستمرار التوتر في مضيق هرمز؛ ما جعل المشهد يبدو أقرب إلى هدنة قسرية فوق حافة الانفجار، حيث يصر كل طرف على سياسة «عض الأصابع» لفرض شروطه قبل العودة إلى طاولة المحادثات أو إلى ميدان المعركة.

وجاء التمديد بعد تعثر محادثات كان يفترض أن تُستأنف بوساطة باكستانية، وتراجع ترمب فيها عن موقف سابق برفض التمديد، وبعد مؤشرات متضاربة من واشنطن من تهديد باستئناف الضربات من جهة، ثم قرار بإعطاء التفاوض فرصة إضافية من جهة أخرى، بما يعكس مأزقاً استراتيجياً عميقاً يواجه الإدارة الأميركية.

وقد برر البيت الأبيض تمديد وقف إطلاق النار على أساس أن إدارة ترمب لم تحصل بعد على ما تعدّه «عرضاً إيرانياً موحداً»، ولأن ترمب، رغم لهجته التصعيدية، لا يبدو راغباً في استئناف حرب مفتوحة ما دام هناك احتمال لانتزاع تنازلات تحت الضغط.

وأشارت صحيفة «وول ستريت» إلى سلسلة اجتماعات تداول فيها ترمب خياراته مع نائبه جي دي فانس وصهره جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وأُثيرت خلال الاجتماعات قضية الانقسامات داخل القيادة الإيرانية ووجود فصائل متشددة ترفض الانصياع لمطالب ترمب.

لماذا غير ترمب موقفه؟

ويقول محللون إن التحول من التلويح بعدم التمديد إلى إعلان تمديد مفتوح لا يعني أن ترمب أصبح أكثر ميلاً للتسوية بقدر ما يعكس حسابات التكلفة والمردود. ووفقاً لبعض التسريبات، كان البيت الأبيض يدرس بالفعل إمكان استئناف الهجمات بعد انهيار الترتيبات الخاصة بجولة تفاوض جديدة، لكن الرئيس انتهى إلى خيار وسط هو تمديد الهدنة مع الإبقاء على أقصى درجات الضغط.

ويحقق هذا الخيار ثلاثة أهداف لترمب: أولاً، تجنب التورط الفوري في حرب أطول وغير مضمونة النتائج، ثانياً، الإبقاء على صورة الرئيس القوي الذي لم يتراجع، بل قام فقط بتأجيل الضربة العسكرية، ثالثاً، منح الدبلوماسية فرصة أخيرة من دون رفع الحصار الذي يمثل ورقة الضغط الأهم حالياً.

ويرتبط هذا التبدل أيضاً بمعضلة سياسية داخلية، فترمب الذي هاجم طويلاً اتفاق باراك أوباما النووي المبرم في عام 2015، يجد نفسه الآن أمام مقارنات شبيهة جداً تتعلق بتخفيف عقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل قيود نووية مؤقتة - مثل إعادة 20 مليار دولار من أصول إيرانية المجمدة مقابل تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، مع مناقشة حدود التخصيب والبرنامج الصاروخي والوكلاء الإقليميين.

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة ساحل مسندم العُماني 20 أبريل 2026 (رويترز)

التهدئة

يبدو أن سيناريو التهدئة والتوصل إلى اتفاق مؤجل دون اختراق سريع، ممكن، لكنه ليس سهلاً، وفق مراقبين؛ إذ يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي أو شامل جزئياً، ويشترك الطرفان في الدوافع ذاتها في هذه المقاربة.

وتريد واشنطن ترجمة تفوقها العسكري والبحري إلى مكاسب سياسية ملموسة تتعلق مباشرة بضبط البرنامج النووي، وتقليص المخزون عالي التخصيب، وفرض ترتيبات دائمة أو شبه دائمة في مضيق هرمز، وربما توسيع التفاوض ليشمل الصواريخ والوكلاء الإقليميين. أما طهران، فرغم خطابها المتشدد، فإنها تحتاج إلى متنفس اقتصادي وإلى كسر دائرة الخنق المالي والعسكري.

ويشير خبراء أميركيين إلى أن نافذة إمكانية التوصل الي اتفاق لم تغلق، وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز والخبيرة في الشأن الإيراني، لصحيفة «واشنطن بوست» إن الإيرانيين «غير قابلين للتزحزح» في مسألة التخلي الكامل عن التخصيب، لكنهم أكثر استعداداً للتفاوض حول المدد، والمستويات، وكيفية التعامل مع المخزون. وهذا يعني أن جوهر التسوية المحتملة لن يكون «صفر تخصيب»، كما يطمح بعض صقور واشنطن، بل سيكون تقييداً صارماً ومراقباً للتخصيب.

وتقول ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين في عهد أوباما، إن ترمب يسعى هذه المرة إلى ملف أوسع من اتفاق 2015، يشمل الصواريخ والوكلاء وهرمز، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن مجرد انتزاع تعليق طويل الأمد للتخصيب سيكون إنجازاً أكبر مما تحقق في الاتفاق السابق، إذا أمكن التحقق منه وضمان تنفيذه.

أما ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على ملف إيران في إدارة ترمب الأولى، فيمثل تياراً جمهورياً متشدداً، لكنه يعترف بأن الوصول إلى السيطرة على مخزون اليورانيوم العالي التخصيب وتفكيك المنشآت الحساسة، مثل منشأة «بيك آكس ماونتن» التي يكثر الحديث عنها في التقارير الأميركية، سيكون تحولاً استراتيجياً يزيل التهديد النووي الإيراني لسنوات. هذه المقاربة تعني أن بعض دوائر اليمين الأميركي ليست ضد التفاوض من حيث المبدأ، بل ضد أي اتفاق لا يترجم الحرب إلى مكاسب ملموسة قابلة للتسويق سياسياً. وإذا اتجهت الأمور نحو هذا السيناريو، فلن يكون «سلاماً تاريخياً» سريعاً، بل صفقة إدارة أزمة تمنع الانفجار الكبير.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في غرفة الطعام الرسمية بالبيت الأبيض مساء 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

سيناريو التصعيد

يبقى سيناريو التصعيد واستغلال تمديد الهدنة كاستراحة قبل استئناف الحرب مطروحاً بقوة، مع اتساع الهوة في المطالب بين الطرفين. فواشنطن تحث طهران على التراجع عن التخصيب، والنفوذ الإقليمي، والقدرة على التهديد في هرمز، بينما طهران تعدّ أن التفاوض تحت الحصار والإملاءات اعترافاً بالهزيمة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية وأحد مهندسي نظام العقوبات على إيران، أن «الحرب لم تضعف إيران فقط، بل حررتها أيضاً من بعض ضغوط الردع التقليدية؛ لأنها أثبتت أنها قادرة على امتصاص الضربة والردّ».

وبرأيه، فإن صعود «الحرس الثوري» إلى مركز القرار قلّص مساحة المناورة التي كان يوفرها وجود تيارات أكثر براغماتية في مراحل سابقة.

من جانبه، حذر مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي والباحث في معهد واشنطن، لصحيفة «وول ستريت» من أن الحصار البحري الأميركي سلاح ذو حدين؛ إذ يعيد التوازن في الضغط ويمنع إيران من الاستفادة وحدها من ورقة هرمز، لكنه أيضاً رهان محفوف بالخطر.

ويصف بهنام بن طالبلو، في تقرير لموقع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، هذا المشهد بأنه «حرب إرادات» بقدر ما هو صراع طاقة وأمن؛ ما يعني أن كلاً من الطرفين يقيس نجاحه ليس فقط بالمكاسب المادية، بل أيضاً بمن يكسر إرادة الآخر أولاً.

وأوضح أنه في ظل هذا السيناريو، قد تتحول الهدنة الحالية إلى فترة إعادة تموضع عسكري وسياسي، وإذا خلص ترمب إلى أن إيران تشتري الوقت، أو إذا شعرت طهران بأن الحصار يخنقها من دون مقابل تفاوضي، فقد تعود الضربات الأميركية أو الهجمات الإيرانية غير المباشرة، ويعود المضيق إلى مركز الاشتعال العالمي.

المنطقة الرمادية

يصرّ الطرفان على سياسة «عضّ الأصابع»؛ وهذا لأن الصراع لم يعد تقنياً حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش فقط، بل أصبح معركة وإرادة سياسية. فإدارة ترمب تريد فرض معادلة تقول إن الحرب نجحت، وإن إيران خرجت أضعف، وبالتالي عليها أن تقبل بالشروط الأميركية لا أن تفاوض من موقع الندّية.

أما طهران فترى، وفق مراقبين، أن أخطر ما يمكن أن تقبل به هو أن تظهر كمن انكسر تحت النار والحصار. لهذا؛ تصر على عدم منح واشنطن صورة النصر الكامل. هي تريد أن تقول إنها رغم الضربات، لا تزال تملك أوراقاً يمكن استخدامها ومنها التخصيب، ومضيق هرمز، والقدرة على الإيلام الاقتصادي، والقدرة على الصبر.

لهذا؛ تبدو سياسة «عضّ الأصابع» منطقية من منظور الطرفين. كل واحد منهما يعتقد أن الآخر يتألم، وأن مزيداً من الصبر والضغط قد يفرض تنازله. لكن خطورة هذه السياسة أنها كثيراً ما تنتهي ليس بفائز واضح، بل بانزلاق جماعي إلى مواجهة لا يريدها أحد بالكامل ولا يستطيع أحد منعها بالكامل.

ويقول المحللون إن السيناريو الأرجح في المدى القريب ليس اتفاقاً نهائياً ولا حرباً شاملة، بل استمرار هدنة هشة تحت ضغط متبادل فالرئيس ترمب مدّد الهدنة لأنه يريد صفقة من موقع القوة لا حرباً مفتوحة مجهولة الكلفة، وإيران قبلت ببقاء الباب موارباً؛ لأنها تريد تخفيف الخنق من دون تقديم مشهد استسلام. لكن هذه المنطقة الرمادية لا يمكن أن تدوم طويلاً.