حروب أميركا و«لغز» وزير الدفاع

دعوات للمحاسبة «بالإقالة أو الاستقالة»

وزير الدفاع في المركز السادس على خط خلافة الرئيس (رويترز)
وزير الدفاع في المركز السادس على خط خلافة الرئيس (رويترز)
TT

حروب أميركا و«لغز» وزير الدفاع

وزير الدفاع في المركز السادس على خط خلافة الرئيس (رويترز)
وزير الدفاع في المركز السادس على خط خلافة الرئيس (رويترز)

​في الوقت الذي تنهمك الولايات المتحدة بأزمات المنطقة التي شهدت تصعيداً في الأيام الأخيرة مع تكثيف الحوثيين اعتداءاتهم في البحر الأحمر، والضربات الأميركية البريطانية في اليمن، ناهيك بالهجمات المتتالية من وكلاء إيران على المصالح الأميركية في المنطقة، تعيش الإدارة في دوامة فضائح داخلية مصدرها هذه المرة: البنتاغون، تحديداً وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن.

السؤال: هل سلّم أوستن الواجبات والمسؤولية بشكل صحيح إلى نائبته لكي لا تُكسر سلسلة القيادة خلال هذه الفترة؟ (أ.ف.ب)

فلغز إخفاء أوستن وضعه الصحي المتدهور أياماً عن الرئيس الأميركي جو بايدن، وغيره من المسؤولين، في وقت حساس للغاية من الناحية الأمنية، زعزع توازن البيت الأبيض ودفع بالكثيرين إلى المطالبة باستقالته.

يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، أسباب إخفاء أوستن وضعه الصحي عن البيت الأبيض وما إذا كان «سوء تقديره» سيؤدي إلى إقالته أو استقالته، بالإضافة إلى تأثير غيابه غير المعلن على أمن الولايات المتحدة.

يواجه لويد أوستن دعوات بالاستقالة بسبب إخفائه وضعه الصحي (رويترز)

لماذا أخفى أوستن وضعه الصحي؟

يقول جيم تاونسند، نائب مساعد وزير الدفاع السابق وكبير الباحثين في مركز الأمن الأميركي الجديد، إنه على ما يبدو فإن الموظفين في البنتاغون الذين قرروا الالتزام بتعليمات أوستن وعدم الإبلاغ عن وضعه الصحي ظنوا أن مجريات الأمور ستكون سريعة وأنهم سيتمكنون من عدم تسليط الوضع على القضية، «إلا أنه ومع تطوّر الأحداث، أصبح هذا الأمر مستحيلاً ولم يتمكّن الموظفون من التحكّم بمجريات الأمور».

ويشير الجنرال المتقاعد مارك كيميت، مساعد وزير الخارجية السابق، والنائب السابق لمساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط، إلى معرفته الوطيدة بأوستن خلال خدمتهما في الجيش الأميركي فيقول: «برأيي لم يكن هناك أي سوء تقدير من ناحية لويد أوستن، فأنا أعرفه منذ سنوات كثيرة وخدمنا معاً في الجيش... أعتقد أن سبب رغبته في التكتم على هذا الأمر هو أنه لم يكن يرغب في إثقال كاهل الرئيس».

لكن رغم هذا التقييم، يرى كيميت أنه إن صحَّت التقارير ولم يتواصل الموظفون في البنتاغون مع نظرائهم في البيت الأبيض لإطلاعهم على مجريات الأحداث، «فهذا يدل على نوع من الانهيار في إجراءات البروتوكول الخاصة بالموظفين».

أما ليستر مانسن، كبير الموظفين في اللجنة الخارجية في مجلس الشيوخ سابقاً والشريك في مجموعة «BGR» للعلاقات الحكومية، فيرفض النظرية القائلة إن أوستن رجل يحب الخصوصية تحديداً في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات خارجية كبيرة، فيقول: «هناك تصوّر خاطئ لدى الوزير عن طبيعة مسؤولياته، فليس هناك ما تُعرف بالخصوصية عندما تكون وزيراً، وبالتأكيد ليس هناك مكان لأي خصوصية بالنسبة لشخص في هذا المنصب الرفيع بينما تتعرّض القوات الأميركية للهجوم حول العالم».

المتحدث باسم البنتاغون بات رايدر يواجه أسئلة الصحافيين حول صحة أوستن في 9 يناير 2024 (أ.ب)

خصوصية في عهد الأزمات؟

وشدد مانسن على أهمية الشفافية في هذه القضية مؤكداً ضرورة أن تكون هناك عواقب «يتحملها الموظفون الذين لم يتواصلوا مع زملائهم في البيت الأبيض وفي وكالات رئيسية أخرى حول ما يجري مع القيادة العليا لوزارة الدفاع». ويضيف: «من المهم أن نتذكّر أننا في خضمّ عدد من الأزمات حول العالم حالياً وليس هناك أي عذر لهذا الحد من الخصوصية. من أجل ضمان أفضل سير للأعمال في الحكومة الأميركية يجب أن تكون هناك مساءلة وشفافية وإلا فإننا سنقوم بأكبر الأخطاء وأكثرها سوءاً».

ويوافق تاونسند على أهمية الشفافية لكنه رجّح أن يكون الموظفون في البنتاغون قد فقدوا السيطرة على مجريات الأحداث لأنهم لم يتوقعوا المضاعفات في صحة أوستن، مضيفاً: «كما نعلم أن رئيسة الموظفين كانت تعاني الإنفلونزا، ونائبة وزير الدفاع كانت في إجازة... إذاً كان هناك بعض العوامل التي حالت دون تعزيز التواصل ضمن فريق العمل».

بايدن بين وزيرَي الخارجية والدفاع في البيت الابيض 2 أكتوبر 2023 (رويترز)

لكنّ كيميت يرفض إلقاء اللوم على وزير الدفاع ومطالبات البعض له في الكونغرس بالاستقالة فيقول: «إن وزير الدفاع هو في المركز السادس في خط خلافة الرئيس، بينما رئيس مجلس النواب في المركز الثالث، وأنا لست متأكداً أن أعضاء الكونغرس قد قاموا بالتدقيق نفسه الذي يدعون إليه الآن، فأنا لست متأكداً أنه جرى إعلامنا في كل مرة دخلت فيها نانسي بيلوسي المستشفى مثلاً...».

ويرفض مانسن هذه المقارنة فيشير إلى أن الأمر ليس متعلقاً بخط خلافة الرئيس الأميركي «لكنّه يتمحور حول طمأنة الكونغرس الذي يشرف على أعمال وزارة الدفاع والبيت الأبيض بالإضافة إلى طمأنة الشعب الأميركي إلى أن صناع السياسات في المناصب الرئيسية مستعدون للقيام بعملهم في أي لحظة».

ويضيف مانسن: «المشكلة الحقيقية هنا هي عدم كشف الحقائق، وعدم القيام بذلك قد أدى إلى طرح الأسئلة وتعريض الإدارة للانتقاد ليس من الجمهوريين فحسب، بل من حزب الرئيس في الكونغرس».

فتح الكونغرس تحقيقات للاطلاع على خلفيات قضية أوستن (أ.ف.ب)

تحقيقات ومحاسبة

في ظل هذه التجاذبات، يذكّر تاونسند بفتح سلسلة من التحقيقات حول مجريات الأحداث في الكونغرس والبنتاغون والبيت الأبيض للتوصل إلى معطيات واضحة والحرص على عدم تكرار أمر من هذا النوع مجدداً، ويضيف: «من المهم أن نرى أنه قد جرى اتخاذ إجراءات لمنع حصول ذلك مجدداً، وكما نعلم أنه في البنتاغون وفي الجيش، من المهم أن يحترَم تسلسل القيادة. من المهم جداً أن ندرك جميعاً أن ذلك لن يؤثر في عمل البنتاغون مهما جرى، لذا يجب أن ننتظر صدور نتائج التحقيق لرؤية الإجراءات التي ستُتَّخَذ حيال هذا الموضوع».

ويتحدث كيميت عن وضع البنتاغون الخاص في هذه المسألة فيقول: «ننتمي أنا ولويد إلى منظمة يمكن للقائد في ساحة المعركة أن يقتَل ويجب على النائب أن يتولى المنصب مباشرةً. إذاً السؤال هنا، إنْ دخل أوستن المستشفى للخضوع لعملية جراحية بسيطة نوعاً ما، هل سلّم الواجبات والمسؤولية بشكل صحيح إلى نائبة وزير الدفاع لكي لا تُكسر سلسلة القيادة خلال هذه الفترة؟».

وأضاف كيميت: «آمل أن يسلط التحقيق الضوء على أمرين: هل استمرت مهام وزير الدفاع إمّا من الوزير نفسه وإما من نائبته؟ وإن كانت الإجابة لا، فهذا أمر في غاية الخطورة». ورأى كيميت أن المسؤولية هنا لا تقع على كاهل وزير الدفاع، بل على الموظفين الذين يحيطون به.

ويحمل كيميت معه صورة تجمعه بوزير الدفاع السابق بوب غايتس، يظهر فيها الأخير بذراع مكسورة، ويشرح سبب التقاط الصورة فيقول: «هذه صورة بسيطة جداً لكن المهم فيها هو أن ذراع الوزير مدعمة بحمّالة لأنها كانت قد كُسرت الليلة الماضية بعد أن انزلق على الجليد. ومباشرةً، أعلم رئيس موظفيه المسؤولين في البيت الأبيض، لكن الأهم من ذلك ومن أجل الحفاظ على الشفافية التي تحدثنا عنها سابقاً، جرى التقاط الصورة لكي يضمن للشعب الأميركي أنه قادر على تأدية واجباته وزيراً للدفاع. برأيي، هذا ما كان يجب أن يحدث هنا».

وزير الدفاع لويد أوستن أمام لجنة المخصصات المالية في «الشيوخ» 11 مايو 2023 (أ.ف.ب)

ويتفق مانسن مع كيميت في موضوع محاسبة الموظفين وليس وزير الدفاع فيقول: «من المهم جداً في واشنطن وفي هذه المناصب القيادية، أن يردّ الموظفون على رؤسائهم وتوجيه النصح إليهم حيال ما يجب أن يفعلوه في مواقف من هذا النوع»، ويضيف: «آمل أن يكون هذا ما جرى، لكن إن لم يحصل فيجب أن تكون هناك عواقب، وأعتقد أن الحديث في واشنطن حالياً يدور حول من ينبغي أن يتحمل المسؤولية».


مقالات ذات صلة

إيران تُشعل مواجهة بين ترمب والكونغرس

الولايات المتحدة​ الكونغرس يصوت الأسبوع الحالي على تفويض الحرب في إيران (أ.ف.ب)

إيران تُشعل مواجهة بين ترمب والكونغرس

يعود أعضاء الكونغرس إلى واشنطن لأول مرة منذ إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن بدء عملية «الغضب الملحمي» في ايران، ممهدين لمواجهة ديمقراطية شرسة مع الإدارة.

رنا أبتر (واشنطن)
رياضة عالمية ليونيل ميسي وفريق إنتر ميامي سيزوران البيت الأبيض (أ.ب)

ميسي وإنتر ميامي سيزوران البيت الأبيض

سيزور فريق إنتر ميامي البيت الأبيض في مارس للاحتفال بتتويجه بلقب الدوري الأميركي لكرة القدم لعام 2025، مع توقع حضور النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب خلال خطاب حال الاتحاد 24 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

تحليل إخباري انضباط ترمب واحتجاجات الديمقراطيين... «حال الاتحاد» يعكس استقطاباً حزبياً غير مسبوق

أظهر خطاب حال الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام الكونغرس هذا الأسبوع، حدّة الانقسامات الداخلية في الولايات المتحدة.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة تُظهر البيت الأبيض بما في ذلك الجناح الغربي وعملية بناء قاعة الاحتفالات الجديدة من مبنى مكتب أيزنهاور التنفيذي القديم في حرم البيت الأبيض في العاصمة واشنطن 25 فبراير 2026 (أ.ب)

قاضٍ أميركي يردّ طلباً لمنع البيت الأبيض من بناء قاعة احتفالات ﺑ400 مليون دولار

رفض قاضٍ اتحادي في الولايات المتحدة طلباً لمنع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من بناء قاعة للاحتفالات بتكلفة 400 مليون دولار في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب خلال خطاب حال الاتحاد أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يشيد بـ«عصر أميركا الذهبي» وسط دعم جمهوري واحتجاج ديمقراطي

طغت الانقسامات الحزبية الحادّة على خطاب حال الاتحاد الذي ألقاه الرئيس دونالد ترمب أمام الكونغرس

رنا أبتر (واشنطن)

إيران تُشعل مواجهة بين ترمب والكونغرس

الكونغرس يصوت الأسبوع الحالي على تفويض الحرب في إيران (أ.ف.ب)
الكونغرس يصوت الأسبوع الحالي على تفويض الحرب في إيران (أ.ف.ب)
TT

إيران تُشعل مواجهة بين ترمب والكونغرس

الكونغرس يصوت الأسبوع الحالي على تفويض الحرب في إيران (أ.ف.ب)
الكونغرس يصوت الأسبوع الحالي على تفويض الحرب في إيران (أ.ف.ب)

يعود أعضاء الكونغرس الأميركي إلى واشنطن لأول مرة منذ إعلان الرئيس دونالد ترمب بدء عملية «الغضب الملحمي» في إيران، ممهدين لمواجهة ديمقراطية شرسة مع الإدارة.

فقد أثار قرار ترمب شن ضربات عسكرية على إيران حفيظة الديمقراطيين، الذين اتهموه بخرق الدستور وتخطي صلاحياته بشن حرب من دون موافقة الكونغرس، كما أشاروا إلى عدم وضوح الأهداف وغياب خطة واضحة للبيت الأبيض في إيران. وقال السيناتور الديمقراطي تيم كاين: «يبدو أن الرئيس لا يملك خطة واضحة لليوم التالي، ويبدو أن إيران تستعد الآن لاختيار زعيم جديد من داخل النظام الحالي». كما اتهم كبيرُ الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، السيناتور جون وارنر، الإدارةَ بخوض حرب «اختيارية»، نافياً أن يكون قد اطلع على أي معلومات استخباراتية تثبت ادعاءات البيت الأبيض بأن طهران كانت على وشك شن هجمات على الولايات المتحدة.

إحاطات سرية

السيناتور الديمقراطي تيم كاين يتحدث إلى الصحافيين في الكونغرس يوم 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ويتحدث وارنر من موقع معرفة وسلطة، فهو عضو في «عصابة الثمانية» بالكونغرس التي قدمت لها الإدارة إحاطات سرية بشأن عملياتها وأهدافها. وتتألف هذه المجموعة من 8 أعضاء من مجلسَي الشيوخ والنواب، وتتضمن زعماء الغالبية والأقلية في المجلسَين، ورئيسَي لجنتَي الاستخبارات في المجلسَين، وكبيرَي الديمقراطيين. ووفق القانون، فإنه يتعين على الإدارة إطلاع المجموعة على أي نشاط استخباراتي مهم أو أعمال عسكرية كتلك التي تنفذها الولايات المتحدة حالياً.

وقد عقد أعضاء الإدارة، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، عدداً من الإحاطات مع هذه المجموعة؛ كانت الأخيرة بمجرد وصول أفرادها إلى واشنطن بعد ظهر الاثنين، وشملت رئيسَي لجنتي القوات المساحة والعلاقات الخارجية في مجلسَي الشيوخ والنواب، وكبيرَي الديمقراطيين فيهما، وبحضور روبيو ومدير «وكالة الاستخبارات المركزية (سي إي إيه)» جون راتكليف. وسيحصل كل أعضاء مجلسَي الشيوخ والنواب على إحاطتين منفصلتين بعد ظهر يوم الثلاثاء بمشاركة وزير الدفاع بيت هيغسيث، ورئيس الأركان المشتركة دان كاين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض الأحد (رويترز)

تفويض الحرب

وتسعى الإدارة جاهدة إلى تخفيف المخاوف وطمأنة المشرعين، خصوصاً مع اقتراب موعد التصويت على تفويض الحرب في المجلسَين، الذي سيسجل رسمياً مواقف أعضاء الكونغرس من العملية ضد إيران. ويُتوقع أن يصوّت مجلس الشيوخ أولاً على التفويض الذي من شأنه أن يُقيّد تحركات الإدارة الأميركية في إيران في حال إقراره يوم الثلاثاء أو الأربعاء، على أن يصوت عليه مجلس النواب يوم الخميس.

ورغم أن حظوظ إقرار المشروع في مجلس الشيوخ تبدو ضئيلة حتى الآن مع غياب معارضة جمهورية بارزة لتحركات الإدارة، فإن الديمقراطيين يريدون من هذا التصويت أن يكون سجلاً رسمياً يظهر مواقف أعضاء الكونغرس من الحرب، لتسليط الضوء عليها سياسياً في الأيام والأشهر المقبلة، على غرار تصويت الحرب في العراق الذي وُظّف لأعوام طويلة سياسياً بعد الكشف عن المعلومات الاستخباراتية الخاطئة التي وظفتها إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن لغزو العراق. وترفض الإدارة هذه المقاربة؛ إذ قال وزير الدفاع، بيت هيغسيث، في مؤتمر صحافي: «هذه ليست العراق. هذه ليست حرباً دون نهاية... على العكس تماماً؛ إنها مهمة واضحة ومدمرة وحاسمة. تدمير الصواريخ وتدمير القوة البحرية ومنع امتلاك سلاح نووي».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في واشنطن الاثنين (أ.ف.ب)

وفي حين يصر الديمقراطيون على أن الرئيس ترمب لا يمكنه شن حرب من دون موافقة الكونغرس، فإن الإدارة ترفض هذه المقاربة. فدستورياً؛ يملك الرئيس الأميركي، الذي يعدّ قائد القوات المسلحة، صلاحية شن ضربات محدودة لفترة 60 يوماً؛ لأسباب متعلقة بالأمن القومي، فيما يتمتع الكونغرس بصلاحية الإعلان الرسمي عن الحرب. لكن هذه الصلاحيات تداخلت بعد تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس إثر هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الذي أعطى البيت الأبيض صلاحيات واسعة استعملها في عمليات كثيرة، منها استهداف قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني.

‏لكن هذا لا يعني أن الكونغرس لا وزن له في هذه المسألة، فورقة الضغط التي يُمكن للمشرعين استعمالها هي «قوة المحفظة»، أي إقرار التمويل، التي تعدّ من صلاحيات الكونغرس الدستورية. فأي طلب من الإدارة الأميركية لتخصيص أموال لعملية «الغضب الملحمي» يحتاج إلى موافقة الكونغرس. ويُتوقع أن يحدث هذا الأمر إذا طال أمد العمليات.

عناصر من «مكتب التحقيقات الفيدرالي» بموقع إطلاق النار في تكساس الأحد (أ.ب)

مخاوف من «الذئاب المنفردة»

في غضون ذلك، حذرت وزارة الأمن القومي من خطر تنامي هجمات «الذئاب المنفردة» في الولايات المتحدة جراء الضربات على إيران، وقالت الوزارة إنه من «شبه المؤكد أن تصعد إيران ووكلاؤها من الإجراءات الانتقامية»، مشيرة إلى احتمال تنفيذ هجمات سيبرانية ضد شبكات في الولايات المتحدة كرد انتقامي. ويحقق «مكتب التحقيقات الفيدرالي» في صلة «هجوم تكساس»؛ الذي أودى بحياة اثنين وجرح 15 آخرين الأحد، بالحرب على إيران، وذلك بعدما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأن المسلح الذي نفذ الهجوم كان يرتدي قميصاً عليه علم إيران. ولعلّ المفارقة هنا هي أن حالة التأهب التي أعلنت عنها وزارة الأمن القومي تتزامن مع غياب لتمويلها بسبب خلافات سياسية في الكونغرس؛ مما يطرح أسئلة كثيرة حيال جاهزيتها.

استطلاعات الرأي و«ماغا»

تأتي هذه التطورات فيما تُظهر استطلاعات الرأي أن ربع الأميركيين فقط يؤيدون الضربات الأميركية على إيران، بينما يعتقد نحو 50 في المائة أن ترمب يميل بشدة إلى استخدام القوة العسكرية. وقال الاستطلاع الذي أجرته «رويترز - إيبسوس» إن نحو 27 في المائة فقط يؤيدون الضربات التي عارضها 43 في المائة.

وتنتقد وجوه في حركة «ماغا» قرار ترمب بشدة، خصوصاً أنه وعد بإنهاء الحروب والتركيز على مبدأ «أميركا أولاً». وتفاقمت هذه الانتقادات مع الإعلان عن مقتل 4 أفراد من القوات الأميركية ضمن العمليات العسكرية، وترجيح ترمب وقوع مزيد من القتلى. وقالت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين: «كان هذا غير ضروري مطلقاً وغير مقبول. ترمب و(نائبه) جي دي فانس و(مديرة الاستخبارات الوطنية) تولسي غابرد، وكلنا خضنا حملاتنا الانتخابية على أساس رفض الحروب الخارجية وتغيير الأنظمة. والآن نشهد مقتل جنود أميركيين...».


رئيس الأركان الأميركي: عمليات سيبرانية عطلت الاتصالات في إيران أثناء الضربات

دان كين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الدفاع بيت هيغسيث في البنتاغون (أ.ف.ب)
دان كين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الدفاع بيت هيغسيث في البنتاغون (أ.ف.ب)
TT

رئيس الأركان الأميركي: عمليات سيبرانية عطلت الاتصالات في إيران أثناء الضربات

دان كين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الدفاع بيت هيغسيث في البنتاغون (أ.ف.ب)
دان كين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الدفاع بيت هيغسيث في البنتاغون (أ.ف.ب)

قال دان كين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، اليوم الاثنين، إن أكثر من 100 طائرة أطلقت في موجة واحدة في هجوم ساحق على إيران.

وأضاف، في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الدفاع بيت هيغسيث، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «أعطى الموافقة النهائية على مهمة إيران في تمام الساعة 3:38 مساء يوم الجمعة».

وأوضح رئيس الأركان الأميركي أن عمليات فضائية وسيبرانية أدت لتعطيل شبكات الاتصالات في إيران أثناء الضربات، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأشار كين إلى أن الحرب على إيران «ليست عملية تنتهي في مجرد يوم، وتحقيق الأهداف العسكرية ​سيتطلب وقتاً»، مضيفاً: «نتوقع المزيد من الخسائر؛ هذه عمليات قتالية كبرى».

وتابع: «القوات اعترضت مئات الصواريخ الباليستية التي كانت تستهدف أميركا وشركاء لها، وسنبقى متيقظين في مواجهة الطائرات المسيّرة».

ولفت إلى استمرار تدفق القوات إلى المنطقة حتى في ظل الحشد العسكري الضخم الموجود حالياً.


مارالاغو... منتجع فاخر حوّله ترمب «غرفة عمليات» لإدارة الحروب

ترمب وهو يتابع مجريات عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح السبت (أ.ب)
ترمب وهو يتابع مجريات عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح السبت (أ.ب)
TT

مارالاغو... منتجع فاخر حوّله ترمب «غرفة عمليات» لإدارة الحروب

ترمب وهو يتابع مجريات عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح السبت (أ.ب)
ترمب وهو يتابع مجريات عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» جون راتكليف بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز في مارالاغو صباح السبت (أ.ب)

من دارته الفخمة في فلوريدا، امتنع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن التوجه مباشرة للشعب الأميركي عقب بدء الحرب على إيران، مفضلاً مخاطبة العالم بشكل أساسي عبر شبكته الاجتماعية «تروث سوشال». فعلى هذه المنصة الاجتماعية التي أسسها، سطّر الرئيس الأميركي أحد أهم فصول تاريخ الشرق الأوسط والولايات المتحدة، مخالفاً بذلك التصريحات الرسمية التي أدلى بها أسلافه من البيت الأبيض في ظروف مماثلة.

الرئيس الأميركي يتحدث مع رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز ووزير الخارجية ماركو روبيو خلال العمليات العسكرية في إيران بمنتجع مارالاغو التابع لترمب في بالم بيتش بفلوريدا يوم 28 فبراير 2026 (رويترز)

مرتدياً قميصاً أبيض وقبعة بيضاء، أعلن ترمب بدء العملية العسكرية عند الساعة 02:30 صباحاً بالتوقيت المحلي، في رسالة مصورة استمرت ثماني دقائق على «تروث سوشال»، سُجلت في منتجعه مارالاغو.

واختار تأكيد نبأ وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي خطياً على هذه الشبكة التي يستخدمها كقناة تواصل رسمية، وأيضاً كمتنفس شخصي يدوّن فيها آراءه.

الأحد، وبعد إعادة نشر على «تروث سوشال» يدّعي فيه أن والد المغنية ليدي غاغا يدعمه، ونشره عدة رسائل تُشيد بخطابه الأخير عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس، أصدر الرئيس الجمهوري رسالة مصورة أخرى خصصها للحديث عن الصراع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

وخلافاً لنهجه المعتاد، امتنع ترمب عن الدردشة مع الصحافيين، لا في الطائرة ولا عند عودته إلى واشنطن مساء الأحد. واكتفى بالإشارة إلى تمثالين جديدين يزينان حديقة الورود في البيت الأبيض، من دون الإجابة عن أي أسئلة تتعلق بإيران.

«من أجل أبنائنا»

كان ترمب يضع ربطة عنق هذه المرة، من دون قبعة، وتحدث بنبرة حزينة غير معهودة، متعهداً بـ«الثأر» لمقتل ثلاثة جنود أميركيين، لكنه هيّأ الرأي العام أيضاً لخسائر بشرية أخرى «من المحتمل» أن تتكبدها الولايات المتحدة.

وقال الملياردير الجمهوري الذي وعد سابقاً بعدم توريط أميركا في أي حروب جديدة: «إننا ننفذ هذه العملية الضخمة ليس فقط لضمان أمننا هنا والآن، بل أيضاً من أجل أبنائنا وأحفادنا».

ترمب يغادر بعد إلقاء كلمة في منتجع مارالاغو يوم 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وحاول ترمب تبرير موقفه أمام جمهور كان متردداً حيال هذا الخيار العسكري، قائلاً: «إن نظاماً إيرانياً مُجهزاً بصواريخ بعيدة المدى وأسلحة نووية سيشكل تهديداً خطيراً لكل أميركي».

لم يُلقِ الرئيس الأميركي خطاباً رسمياً مباشراً كما فعل باراك أوباما، على سبيل المثال، عند إعلانه مقتل أسامة بن لادن عام 2011؛ إذ كان الرئيس الديمقراطي الأسبق قد نشر صورة لاقت شهرة واسعة وقُلِّدت مراراً، تُظهره في «غرفة العمليات»، وهي الغرفة الشديدة الحراسة في البيت الأبيض، أثناء العملية. في المقابل، نشر دونالد ترمب صوراً التُقطت في ناديه في بالم بيتش.

غرفة عمليات

أصبح هذا المقر الفخم بمنزلة ملحق للبيت الأبيض؛ إذ أنشأ فيه ترمب ما يشبه المقر الرئيسي، وقد استُخدم للإشراف على عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع يناير (كانون الثاني).

ترمب ومسؤولون في إدارته يشاهدون عملية «العزم المطلق» بمارالاغو يوم 3 يناير 2025 (أ.ب)

السبت، نشر البيت الأبيض صوراً للرئيس الأميركي واضعاً قبعته البيضاء ومحاطاً بكبار المسؤولين، في مكان ذي عوارض خشبية مكشوفة وستائر داكنة مجهَّز بهواتف وفيه خريطة للشرق الأوسط.

وقد غاب ترمب عن أعين الصحافيين المرافقين له إلى فلوريدا لمدة 48 ساعة تقريباً. مع ذلك، أجرى صباح الأحد اتصالات هاتفية مع عدد من الصحافيين، مؤكداً لهم أن الهجوم يسير بالشكل المرسوم له، ومتوقعاً أن يستمر «أربعة أسابيع».

ماركو روبيو يشاهد عملية القبض على مادورو في مارالاغو يوم 3 يناير 2025 (أ.ب)

لم يدافع أي عضو من أعضاء الحكومة عن الهجوم الأميركي - الإسرائيلي خلال المقابلات السياسية التقليدية التي تُجرى صباح الأحد على التلفزيون الأميركي. فعلى سبيل المثال، لم يُدلِ كلٌّ من وزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب الرئيس جي دي فانس، بأي تعليق.

عشاء

على الرغم من أن دونالد ترمب لم يمارس رياضة الغولف، وهي هوايته المفضلة عندما يكون في منتجع مارالاغو، فإنه حضر مساء السبت حفل عشاء خيري أُقيم في ناديه لكبار المتبرعين.

الرئيس ترمب مستقبِلاً نتنياهو في منتجع مارالاغو بفلوريدا أمس (أ.ف.ب)

وأوضحت المتحدثة باسمه كارولاين ليفيت أن هذا العشاء الذي يعود ريعه للحزب الجمهوري، كان «أكثر أهمية من أي وقت مضى».

خلال ولايته الأولى، اتبع دونالد ترمب في البداية البروتوكول التقليدي عند إعلانه مقتل زعيم تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادي في عملية أميركية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019. فقد ألقى خطاباً رسمياً مباشراً من البيت الأبيض، ثم اختار الإجابة عن أسئلة الصحافيين الحاضرين في القاعة بأسلوب أكثر عفوية. ووصف طريقة متابعته العملية في سوريا قائلاً: «كان الأمر أشبه بمشاهدة فيلم».