تجميد المساعدات الغربية والسعي لبناء صناعة دفاعية محلية يضغطان على خيارات أوكرانيا

مقابل «نجاح» روسيا في تحويل اقتصادها إلى اقتصاد حرب

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
TT

تجميد المساعدات الغربية والسعي لبناء صناعة دفاعية محلية يضغطان على خيارات أوكرانيا

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

مع استمرار الحرب الأوكرانية الروسية، التي تقترب من دخول سنتها الثالثة الشهر المقبل، تضغط الإمدادات العسكرية الغربية المتناقصة لأوكرانيا على خيارات كييف السياسية والعسكرية، مقابل إصرار موسكو على مواصلة حربها، حتى تحقيق أهداف «عمليتها العسكرية».

وفي الولايات المتحدة، وفي ظل تعثر طلب الرئيس جو بايدن للحصول على المزيد من المساعدات لأوكرانيا في الكونغرس، باتت فرص مناورته لمقايضة طلبه بشروط الجمهوريين، أضيق، وسط تحذير البنتاغون من أن الأموال المتبقية لمساعدة أوكرانيا اقتربت من النفاد، ولم يبق سوى 4.5 مليار دولار منها.

وفي أوروبا، فشل التعهد بتقديم مليون قذيفة مدفعية في غضون 12 شهراً، حيث تم تسليم نحو 300 ألف فقط حتى الآن، في إشارة إلى الصعوبات التي تواجهها لزيادة إنتاجها العسكري، مقابل «نجاح» روسيا في تحويل اقتصادها إلى اقتصاد حرب. كما فشل الاتحاد الأوروبي بإقرار حزمة مساعداته العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا، بسبب معارضة المجر، التي يتحالف رئيس وزرائها فيكتور أوروبان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوروبان يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكتوبر الماضي (إ.ب.أ)

خيارات كييف تضيق

غير أن الهجمات الروسية على أوكرانيا استمرت، حيث تضرب الصواريخ والطائرات المسيرة التي حصلت موسكو على إمدادات منها، من كوريا الشمالية وإيران، بحسب اتهامات أميركية وغربية، مدناً أوكرانية عدة، ملحقة أضراراً بشرية ومادية في البنية التحتية. وبدت خيارات أوكرانيا تضيق هي الأخرى، في ظل تصاعد التكهنات عن محادثات لوضع أهداف سياسية وعسكرية «يمكن تحقيقها»، ومساعيها للتحرر من اعتمادها على الإمدادات الغربية، عبر تعزيز وتطوير صناعتها الدفاعية المحلية، والعمل في مشاريع مشتركة مع حكومات أجنبية لتصنيع المزيد من الذخيرة والأسلحة على أراضيها. ورغم ذلك، يدرك المسؤولون الأوكرانيون أن تحقيق هذا الهدف دونه صعوبات ويحتاج إلى وقت.

جندي أوكراني خلال تدريب عسكري بالقرب من مدينة كييف (رويترز)

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إنه على الرغم من تمكن بلاده من إيقاف الجيش الروسي، لكنها في حاجة ماسة إلى الحلفاء الغربيين لإرسال المزيد من أنظمة الدفاع الجوي، لإسقاط وابل متزايد من الطائرات دون طيار والصواريخ الروسية القادمة. وحذّر زيلينسكي من أن «أي توقّف» لبلاده في الدفاع عن نفسها في مواجهة الغزو الروسي سيساعد موسكو على إعادة التسلّح و«سحقنا».

وحتى المساعدات التي وعدت بريطانيا بتقديمها لأوكرانيا، خلال زيارة رئيس وزرائها ريشي سوناك المفاجئة لكييف، الجمعة، لا تبدو كافية في سد حاجة البلاد الشرهة للذخائر والمعدات في حربها مع روسيا. وتعهد سوناك بزيادة التمويل العسكري بنحو 260 مليون دولار، ليصل إلى 3.25 مليار دولار، في تأكيد للالتزام تجاه كييف.

وجاءت تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، خلال اجتماع مع رجال أعمال من الشرق الأقصى، عن قوة الاقتصاد الروسي، لتزيد من مخاوف الأوروبيين حول نياته، خصوصاً بعد توجيه اقتصاد بلاده للتحول إلى اقتصاد حرب، مشيرين أيضاً إلى الدور الذي لعبه «فشل سياسة العقوبات» في إجبار بوتين على تغيير خططه.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يقدم ميدالية الحرية لرئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك الجمعة في كييف (إ.ب.أ)

وقال بوتين إن بلاده تفوقت على ألمانيا، وصارت الاقتصاد الأول في أوروبا والخامس عالمياً، موضحاً أن نمو الاقتصاد الروسي بحلول نهاية عام 2023 قد يكون أعلى من النسبة المتوقعة البالغة 3.5 في المائة. وأشار بوتين إلى أن «هذه نتيجة مذهلة» في ظل ظروف الضغوط الخارجية.

بوتين يواجه معضلة ثلاثية

ولكن تباهي الرئيس الروسي بهذه «النتيجة المتوقعة» لا يعكس حقيقة الوضع الفعلي للاقتصاد الروسي، بحسب تقرير في مجلة «فورين أفيرز». وقالت إنه بدلاً من الإشارة إلى صحة الاقتصاد، فإن هذه الأرقام تشير إلى «الإفراط في النشاط». وأضاف التقرير: «في الواقع، فإن المشاكل التي يواجهها الاقتصاد الروسي بلغت حداً يجعل بوتين يواجه معضلة ثلاثية مستحيلة»: تمويل حربه المستمرة ضد أوكرانيا، والحفاظ على مستويات معيشة شعبه، وحماية استقرار الاقتصاد الكلي. ولتحقيق الهدفين الأول والثاني سيتطلب زيادة في الإنفاق، الأمر الذي سيغذي التضخم، وبالتالي يحول دون تحقيق الهدف الثالث.

وأشار التقرير إلى أنه على الرغم من عائدات النفط والغاز المرتفعة، والإدارة المالية الماهرة من قبل السلطات الروسية، والتراخي في تطبيق القيود الغربية، التي لعبت دورها في النمو الاقتصادي في روسيا، ولكنها تخفي الاختلالات المتزايدة في هذا الاقتصاد. ومع عدم ذكر بوتين أن أكثر من ثلث نمو روسيا يرجع إلى الحرب، فقد أخفى المشهد الاقتصادي المشرق في روسيا في عام 2023 مقايضات خطيرة تمت في السعي لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل.

وحتى لو نجحت القيادة المالية في موسكو في تهدئة الاقتصاد بحلول نهاية عام 2024، فإن المشاكل الكبرى الناجمة عن الحرب لا مفر منها. وتشمل هذه العوامل الاستياء من نقص تمويل الصحة العامة، والنقص المتزايد في الأدوات والمعدات بسبب تشديد نظام العقوبات، والاضطرابات الكبيرة الناجمة عن الاستثمار الضخم في صناعة الدفاع، وهو ما سيؤدي إلى أن تدفع أجيال المستقبل ثمناً باهظاً للوضع الحالي، رغم أن هذا هو آخر ما يفكر فيه الكرملين في الوقت الحالي.

مصادرة الأصول الروسية

وصفت وزارة الخارجية الروسية، الجمعة، الخطة الأميركية لمصادرة ما يصل إلى 300 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة للمساعدة في إعادة بناء أوكرانيا، بأنها «قرصنة القرن الحادي والعشرين». وقالت إن موسكو سترد بشدة إذا حدث ذلك. واتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا الولايات المتحدة بمحاولة خلق «غطاء قانوني» لسرقة الأصول السيادية الروسية، وهي خطوة حذرت موسكو مراراً من أنها تنتهك القانون الدولي وتقوض النظام المالي العالمي.

وقالت زاخاروفا في مؤتمر صحافي: «أصبحت سرقة ممتلكات الدولة والممتلكات الخاصة والعامة علامة مسجلة للأنجلوسكسونيين». وأضافت: «واشنطن (و) لندن تقومان بذلك منذ عقود. قبل ذلك كانت تسمى قرصنة، ولكن بعد ذلك تم إضفاء الشرعية عليها. الآن هي قرصنة القرن الحادي والعشرين في رأيي».

وذكر تقرير لـ«بلومبرغ» نُشر، الأربعاء، أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تدعم تشريعاً يسمح لها بمصادرة بعض الأصول الروسية المجمدة من أجل المساعدة في إعادة بناء أوكرانيا، التي أصبحت أجزاء منها في حالة خراب بعد أن أرسلت موسكو جيشها إليها في فبراير (شباط) 2022.

وقالت زاخاروفا، التي اتهمت واشنطن بمحاولة إقناع الاتحاد الأوروبي بالتوقيع على نفس خطة مصادرة الأصول، إن موسكو سترد بقوة إذا سُرقت أصولها. وأضافت: «سيتم اتخاذ إجراءات انتقامية، وستكون واضحة بحيث يمكن رؤيتها والشعور بها. وستكون مؤلمة». وقالت زاخاروفا إن الغرب يسعى الآن لإيجاد طرق جديدة لتمويل أوكرانيا بسبب الصعوبات المتزايدة في تأمين الدعم المالي لكييف.

وذكر البيت الأبيض، الخميس، إن المساعدات الأميركية لأوكرانيا «توقفت تماماً» مع استمرار المفاوضات في واشنطن بشأن حزمة مساعدات يمكن ربطها بإصلاح شامل لإجراءات أمن الحدود.


مقالات ذات صلة

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)
العالم وزير الدفاع ورئيس البرلمان الروسيان يصفقان فيما يتحدث كيم جونغ أون خلال افتتاح المجمع التذكاري لتكريم الجنود الكوريين الشماليين الذين قتلوا في الحرب ضد أوكرانيا (وكالة الأنباء المركزية - رويترز)

كوريا الشمالية تتعهّد بدعم روسيا في حربها «المقدسة» على أوكرانيا

أكَّد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون مجدداً دعم بلاده للغزو الروسي لأوكرانيا، متعهداً بمساعدة موسكو على تحقيق النصر في حربها «المقدسة».

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)

الهند تسد فجوة نقص النفط مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط

أفاد محللون بأن الهند كثّفت مشترياتها من النفط الروسي وأعادت تنشيط مصادر وطرق بديلة من أفريقيا وإيران وفنزويلا؛ لتخفيف حدة النقص في نفط الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
أوروبا جندي أوكراني وهو يمر بجوار مبنى متضرر في ضواحي دروجكيفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية في أنحاء أوكرانيا عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 4 على الأقل بجروح.

«الشرق الأوسط» (كييف)

ترمب: لم أكن قلقاً أثناء إطلاق النار بحفل المراسلين... ولست متحرشاً بالأطفال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

ترمب: لم أكن قلقاً أثناء إطلاق النار بحفل المراسلين... ولست متحرشاً بالأطفال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنه «لم يكن قلقاً»، أثناء إجلائه من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، بعد محاولة مسلَّح اقتحام قاعة الاحتفالات، كما نفى اتهامات مطلق النار بأنه «مغتصب ومتحرش بالأطفال».

وخلال مقابلة مع برنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس نيوز»، قال ترمب، بعد يوم واحد من حادثة إطلاق النار في فندق هيلتون بواشنطن العاصمة: «لم أكن قلقاً، أنا أفهم الحياة. نحن نعيش في عالم مجنون».

كما أشار إلى أنه حاول التباطؤ أثناء إجلائه من القاعة، بعد أن أطلق المشتبَه به كول توماس ألين النار قرب نقطة تفتيش أمنية، خلال الحفل؛ لمعرفة ما يحدث.

وقال: «لم أُسهّل على عناصر الأمن إجلائي من القاعة، أردتُ أن أرى ما يجري. أردتُ أن أرى ما يحدث. لكن بعد ذلك بدأنا نُدرك أن الأمر ربما كان خطيراً، حيث طلب مني عناصر الأمن الاحتماء والانبطاح على الأرض. كنتُ محاطاً بأشخاص رائعين».

وأوضح أن السيدة الأولى ميلانيا ترمب بدت متوترة، خلال اللحظات الأولى، لكنه أشاد بتعاملها مع الموقف، قائلاً إنها «كانت قوية جداً وذكية»، كما أثنى على سرعة استجابة جهاز الخدمة السرية، الذي تمكّن من تحييد المُهاجم خلال ثوانٍ.

وقال مسؤولون إن المشتبَه به أطلق النار من بندقية صيد على أحد أفراد الخدمة السرية، عند نقطة تفتيش أمنية في فندق هيلتون واشنطن، قبل السيطرة عليه واعتقاله.

وقال ترمب إن فرد الخدمة السرية الذي أُصيب بالرصاص نجا من إصابة خطيرة بفضل ارتدائه سترة واقية.

وخلال المقابلة، انتقد ترمب مقدِّمة برنامج «60 دقيقة» نورا أودونيل، بعد قراءة مقتطفات من وثيقة مكتوبة يُعتقد أنها مرتبطة بالمشتبه به تضمنت إشارة لترمب على أنه «متحرش بالأطفال، ومغتصب، وخائن»، حيث قال ترمب لأودونيل: «عليكِ أن تخجلي من نفسكِ لقراءة ذلك؛ لأنني لستُ أياً من هؤلاء، لستُ مغتصباً، لم أغتصب أحداً، ولستُ متحرشاً بالأطفال».

وجرى تداول هذه المقتطفات على عدة وسائل إعلام أميركية. ولم تتحقق «بي بي سي نيوز»، بشكل مستقل، من صحة الوثيقة، والتي وُصفت بأنها بيان، ويُزعم أنها أُرسلت إلى أفراد عائلة المشتبه به قبل محاولة الهجوم، حيث كتب ألين أنه «سيستهدف أعضاء إدارة ترمب».

ورغم الحادث، أكد ترمب رغبته في عدم إلغاء حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض، داعياً إلى إعادة تنظيمه قريباً مع تعزيز الإجراءات الأمنية.


تقييم الترتيبات الأمنية الخاصة بترمب بعد واقعة حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض عقب إلغاء حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السنوي (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض عقب إلغاء حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السنوي (د.ب.أ)
TT

تقييم الترتيبات الأمنية الخاصة بترمب بعد واقعة حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض عقب إلغاء حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السنوي (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في غرفة برادي للإحاطات الإعلامية بالبيت الأبيض عقب إلغاء حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السنوي (د.ب.أ)

يقيّم مسؤولو إنفاذ القانون الأميركيون الترتيبات الأمنية المتعلقة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعد أن أطلق مسلَّحٌ الرصاص بالقرب من حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض، مما أثار تساؤلات حول كيفية تمكنه من الاقتراب إلى هذا الحد من حدث يحضره الرئيس وأعضاء الحكومة ومشرِّعون.

وقال اثنان من عناصر جهاز الخدمة السرية السابقين وثلاثة مسؤولين أميركيين كبار، لـوكالة «رويترز»، أمس الأحد، إن عناصر اتحاديين بدا أنهم نفّذوا خطتهم لحماية الرئيس بفاعلية، ليل السبت، عندما أوقفوا المسلَّح المشتبَه به قبل أن يصل إلى الطابق السفلي من فندق هيلتون واشنطن، حيث كان من المقرر أن يُلقي ترمب كلمة.

لكن المسؤولين قالوا إن سماع بعض الحاضرين دويَّ الرصاص الذي أُطلق على أحد عناصر جهاز الخدمة السرية سلّط الضوء على نقاط الضعف، حتى بعد أن دفعت محاولتا اغتيال ضد ترمب، خلال حملة 2024، إلى اتخاذ تدابير أمنية أكثر صرامة حول الرئيس.

ولم يردَّ جهاز الخدمة السرية بعدُ على طلب «رويترز» للتعليق.

وقال المسؤولون السابقون في أجهزة إنفاذ القانون إن الدرس الأكثر وضوحاً المستفاد من الواقعة هو أن أفراد الأمن ربما يحتاجون إلى توسيع نطاق الحماية حول الرئيس في الأماكن العامة الكبيرة، حتى لو أدى ذلك إلى إزعاج الجمهور.

وأشار بعض المسؤولين الأميركيين إلى أن نطاق الحماية الأمنية في تجمعات ترمب، غالباً ما يكون أوسع بكثير من ذلك الذي حدث يوم السبت.

وطُلب من الضيوف في حفل العشاء، الذي أُقيم يوم السبت، المرور عبر أجهزة الكشف عن المعادن لدخول قاعة الرقص، لكنهم لم يحتاجوا سوى لبطاقة لدخول الفندق نفسه. وقال شخص على دراية مباشرة بالترتيبات المتعلقة بالحدث، إن عدة أشخاص حاولوا الدخول باستخدام بطاقة العام الماضي.

وقال مسؤولون إن الرجل القادم من كاليفورنيا وبدا أنه تجاوز الحراسة مسرعاً وحاملاً عدة أسلحة، اتضح أنه تجاوز حتى تلك الخطوة الأساسية، من خلال تسجيل دخوله الفندق في الأيام التي سبقت الفعالية.

عناصر الشرطة والخدمة السرية يجلون الرئيس ترمب من صالة حفل مراسلي البيت الأبيض بعد إطلاق النار مساء السبت (رويترز)

وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، نقلا عن مصادر لم تسمها، أن الحفل لم يخصص له مستوى التأمين المعتاد للتجمعات التي تضم كبار المسؤولين، ما يعني عدم نشر كامل الموارد الأمنية.

ومن المقرر أن يعقد السيناتور الجمهوري تشاك جراسلي جلسة استماع لاستجواب جهاز الخدمة السرية بشأن الترتيبات الأمنية.
من جهته، دافع القائم بأعمال المدعي العام الأميركي، تود بلانش، عن الإجراءات، مصرحا لشبكة «إن بي سي نيوز» بأن النظام الأمني عمل كما هو مخطط له، وأنه تم تحييد المهاجم بسرعة.

توسيع نطاق الحماية

قال بيل جيج، الذي خدم في فريق مكافحة الهجمات، التابع لجهاز الخدمة السرية لمدة ست سنوات ويشغل حالياً منصب مدير الحماية التنفيذية في مجموعة سيف هافن سكيوريتي جروب، إن المراجعات التي ستُجرى بعد الواقعة ستُركز على الأرجح، ولو بقدرٍ ما، على دفع أجهزة الكشف عن المعادن إلى مسافةٍ أبعد لتوسيع النطاق الخارجي.

وأضاف جيج، وفق «رويترز» أن جهاز الخدمة السرية «سيُضطر إلى إيجاد طريقة لتأمين الفنادق الكبيرة بشكل أفضل، وهو ما قد يسبب إزعاجاً لنزلاء الفندق وللفندق نفسه».

وتابع أن جهاز الخدمة السرية سيحتاج إلى تحسين تنسيق عملية إجلاء المسؤولين الآخرين في الإدارة.

وقامت عدة هيئات لإنفاذ القانون بإجلاء الحاضرين بعد إطلاق الرصاص، مما يسلّط الضوء بشأن كيف أن الشبكة المعقّدة للأجهزة المسؤولة عن حماية مختلف الشخصيات المهمة يمكن أن تؤدي إلى استجابات تبدو غير منسقة. وأظهر تحليل صوتي ومرئي، أجرته «رويترز»، أن إخراج ترمب من القاعة استغرق ما يزيد قليلاً عن 30 ثانية بعد إطلاق الرصاصات الأخيرة، لكن الأمر استغرق ما لا يقل عن 100 ثانية حتى يغادر وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت إف كنيدي القاعة، ونحو 150 ثانية حتى يخرج وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث.

وقال دون ميهالك، وهو عنصر كبير سابق بجهاز الخدمة السرية وشارك في تأمين حفلات عشاء المراسلين السابقة بفندق هيلتون واشنطن، إن تأمين الموقع مترامي الأطراف شكَّل تحديات منذ فترة طويلة.

وأضاف ميهالك: «متأكد من أن جهاز الخدمة السرية سيعود ويعيد النظر في الترتيبات هناك، وربما يوسّع نطاق الحماية الآن، بسبب ما حدث».

وقال ترمب نفسه، في مؤتمر صحافي مرتجل، في وقت متأخر من يوم السبت، إن فندق هيلتون واشنطن «ليس مبنى يتمتع بقدر خاص من الأمن».

وخلال محاولة الاغتيال الأولى ضد ترمب، التي وقعت في تجمع انتخابي في بتلر بولاية بنسلفانيا، في يوليو (تموز) 2024، تعرّض مسؤولو إنفاذ القانون لانتقادات؛ لعدم فرض محيط أمني فعال. وسمح هذا الإغفال لمسلَّح بالحصول على خط رؤية واضح لترمب الذي كان مرشحاً للرئاسة آنذاك وأصيب في أذنه.

«كاميرات مراقبة في كل منعطف»

ومُطلِق النار نفسه مِن بين مَن انتقدوا الإجراءات الأمنية للفعالية، إذ عبّر، في بيان مكتوب، حازت صحيفة «نيويورك بوست» على السبْق في نشره، عن مدى التراخي الذي بدا عليه الأمن.

وكتب الرجل: «كنت أتوقع وجود كاميرات مراقبة في كل منعطف، وغرف فندقية مزودة بأجهزة تنصُّت، وعناصر مسلّحين كل عشرة أقدام، وأجهزة الكشف عن المعادن في كل مكان... ما واجهته (مَن يدري، ربما كانوا يمازحونني!) هو لا شيء».

المشتبه به في إطلاق النار كول توماس ألين بعد احتجازه (رويترز)

وسارع مؤثّرون ومسؤولون محافظون، بمن فيهم تود بلانش القائم بأعمال وزير العدل، إلى استخدام منصة «إكس» للقول إن الواقعة توضح سبب وجوب المُضي قدماً في بناء قاعة احتفالات بالبيت الأبيض. وأمر قاضٍ اتحادي بوقف بناء قاعة الرقص في أواخر مارس (آذار) الماضي، قائلاً إن المشروع غير قانوني دون موافقة «الكونغرس»، لكن محكمة استئناف اتحادية علّقت لاحقاً ذلك الأمر القضائي.

وقال أحد المسؤولين الأميركيين إنه يتوقع مراجعة الإجراءات الأمنية المحيطة بالرئيس وحكومته، وربما بعض التغييرات. وأشار مسؤول أميركي ثانٍ إلى أنه جرى تشديد الإجراءات الأمنية لبعض أعضاء الحكومة عندما اندلعت الحرب على إيران في فبراير (شباط) الماضي.


إدارة ترمب تضغط لسحب دعوى ضد تشييد قاعة احتفالات في البيت الأبيض

البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)
البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)
TT

إدارة ترمب تضغط لسحب دعوى ضد تشييد قاعة احتفالات في البيت الأبيض

البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)
البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)

تستخدم وزارة العدل التابعة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حادث إطلاق النار الذي وقع في عشاء مراسلي البيت الأبيض، أول من أمس السبت، لمحاولة الضغط على دعاة الحفاظ على التراث للتنازل عن دعواهم القضائية بشأن قاعته المخطط لها بتكلفة 400 مليون دولار في موقع الجناح الشرقي السابق للبيت الأبيض.

وقال القائم بأعمال المدعي العام تود بلانش، أمس، على منصة «إكس»: «حان الوقت لبناء القاعة»، ونشر رسالة لمساعد المدعي العام بريت شوميت منح فيها «الصندوق الوطني للحفاظ على التراث التاريخي» - الذي رفع دعوى لوقف البناء - مهلة حتى الساعة التاسعة من صباح اليوم الاثنين للتنازل عن دعواه، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وكتب شوميت أنه إذا لم يفعل الصندوق ذلك، فإن الحكومة ستطلب من المحكمة شطب الدعوى «في ضوء الأحداث الاستثنائية» ليلة السبت، واصفاً فندق واشنطن هيلتون - موقع الحفل - بأنه «غير آمن بشكل واضح» للفعاليات التي يحضرها الرئيس «لأن حجمه يفرض تحديات أمنية استثنائية على جهاز الخدمة السرية».

وكتب شوميت أن قاعة البيت الأبيض «ستضمن سلامة وأمن الرئيس لعقود قادمة وتمنع محاولات الاغتيال المستقبلية للرئيس في واشنطن هيلتون».

ورداً على سؤال حول الرسالة، قال إليوت كارتر، المتحدث باسم الصندوق الوطني للحفاظ على التراث التاريخي، يوم الأحد إن المجموعة ستراجعها مع المستشار القانوني.

وكانت مجموعة الحفاظ على التراث قد رفعت دعوى قضائية في ديسمبر (كانون الأول)، بعد أسبوع من انتهاء البيت الأبيض من هدم الجناح الشرقي لإفساح المجال لبناء قاعة احتفالات قال ترمب إنها ستتسع لـ999 شخصاً. ويقول ترمب إن المشروع يتم تمويله من تبرعات خاصة، رغم أن الأموال العامة تدفع تكاليف بناء المخبأ والتحصينات الأمنية.

وحضر حشد من 2300 شخص حدث ليلة السبت في فندق هيلتون في واشنطن، الذي يضم واحدة من القاعات القليلة الكبيرة بما يكفي لهذا الحدث. ويتم حشد الحاضرين على طاولات مستديرة تلتصق كراسيها ببعضها البعض، والمساحة المتاحة للحركة ضيقة. ولا يعد العشاء حدثاً رسمياً للبيت الأبيض، بل تديره رابطة مراسلي البيت الأبيض، وهي منظمة غير ربحية من الصحافيين من وسائل الإعلام التي تغطي أخبار الرئيس.

وفي أعقاب إطلاق النار، استغل ترمب وبلانش وعدد من مؤيدي الإدارة الفرصة للترويج للمشروع عبر منصات التواصل الاجتماعي والبرامج الإخبارية. وقال النائب الجمهوري عن ولاية أوهايو جيم جوردان إنه يتفق مع ترمب «بنسبة 100في المائة» بشأن مشروع البناء الضخم في البيت الأبيض، والذي قال جوردان في قناة «فوكس نيوز» إنه «سيكون بوضوح موقعاً أكثر أماناً لهذا النوع من الفعاليات».