هل تقدم إدارة بايدن على وضع خطوط حمراء لإسرائيل في حملتها العسكرية على جنوب غزة؟

مع تجاهل إسرائيل التحذيرات الأميركية حول المدنيين

متظاهرون في العاصمة واشنطن يطالبون بوقف إطلاق النار وحماية الفلسطينيين المدنيين ومحاسبة رئيس الوزراء الإسرائيلي (أ.ف.ب)
متظاهرون في العاصمة واشنطن يطالبون بوقف إطلاق النار وحماية الفلسطينيين المدنيين ومحاسبة رئيس الوزراء الإسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

هل تقدم إدارة بايدن على وضع خطوط حمراء لإسرائيل في حملتها العسكرية على جنوب غزة؟

متظاهرون في العاصمة واشنطن يطالبون بوقف إطلاق النار وحماية الفلسطينيين المدنيين ومحاسبة رئيس الوزراء الإسرائيلي (أ.ف.ب)
متظاهرون في العاصمة واشنطن يطالبون بوقف إطلاق النار وحماية الفلسطينيين المدنيين ومحاسبة رئيس الوزراء الإسرائيلي (أ.ف.ب)

دفعت الأعداد المتزايدة من القتلى المدنيين الفلسطينيين، مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى إصدار تحذيرات علنية لإسرائيل بضرورة حماية المدنيين والاستماع للنصائح الأميركية، وعدم تجاهل الحدود التي وضعتها الولايات المتحدة لأطر العمليات العسكرية وكيفية القيام بها.

وبدا الارتباك والتناقض واضحين على إدارة الرئيس بايدن، في كيفية التوفيق بين دعمها الصارم لإسرائيل وأهدافها الاستراتيجية في تدمير «حماس»، وغضب الإدارة لتجاهل إسرائيل تحذيرات الولايات المتحدة بضرورة تجنب سقوط قتلى مدنيين.

وأثارت الانتقادات العلنية الأميركية الأخيرة تساؤلات حول مدى قدرة إسرائيل على تجاهل التحذيرات الأميركية دون رادع، وما إذا كانت مخاطر الكارثة الإنسانية ستدفع إدارة بايدن إلى وضع محاذير وخطوط حمراء لإسرائيل، ومتى يمكن أن يحدث ذلك.

وحتى يوم الاثنين، ارتفعت أعداد القتلى من المدنيين الفلسطينيين إلى أكثر من 15 ألف شخص، منهم أكثر من 700 مدني فلسطيني منذ استئناف إسرائيل العمليات العسكرية في جنوب غزة، بعد انتهاء الهدنة صباح الجمعة الماضي.

تجاهل إسرائيلي

يقول المحللون إنه لا يوجد أي حافز يدفع حكومة نتنياهو للاستماع إلى تحذيرات الولايات المتحدة، لأنه من الناحية العملية، وضعت الولايات المتحدة جميع الإمكانات السياسية والدبلوماسية والعسكرية تحت طلب إسرائيل، ورفضت مطالب المشرعين في الكونغرس لوضع شروط على المساعدات لإسرائيل.

وقد وصفت صحيفة «وول ستريت جورنال»، استراتيجية بايدن بأنها «ترسل القنابل المدمرة ملفوفة بتفاهات اهتمام إنساني بالمدنيين». وقالت الصحيفة إن الإدارة ترسل لإسرائيل قنابل ضخمة وقنابل ذكية وقذائف مدفعية، وفي الوقت نفسه تحث إسرائيل على الحد من الخسائر في صفوف المدنيين، في إشارة إلى موقف أميركي يتسم بالتناقض.

نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس تحدثت أمام مؤتمر «كوب 28» في الإمارات السبت (رويترز)

نائبة الرئيس كاملا هاريس، تحدثت يوم الأحد، منتقدة مقتل أعداد كبيرة من المدنيين الأبرياء ورفضت أطماع إسرائيل في وضع شريط أمني عازل واستقطاع جزء من أراضي قطاع غزة. كما رفضت طموحات إسرائيل لتولي السلطة الأمنية في القطاع بعد انتهاء الحرب، وحذرت من أن إدارة بايدن لن تقبل تحت أي ظروف بالترحيل القسري للفلسطينيين.

وأجرت هاريس، يوم الاثنين، محادثات هاتفية مع الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وكررت المخاوف من تصعيد التوترات وارتفاع أعداد القتلى المدنيين ومن عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وأكدت على الالتزام الأميركي بحل الدولتين.

ومن قبلها، قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في زيارته لإسرائيل، الجمعة الماضي، إنه تحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وشدد على أن ما حدث في شمال غزة من عمليات تهجير وسقوط عشرات المدنيين الأبرياء، لن يتكرر في الجنوب. ودعا إلى توفير مناطق آمنة للسماح للفلسطينيين بالهروب من القصف الإسرائيلي.

وحاول رون ديرمير، وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، تجميل وجه إسرائيل أمام شبكة «إيه بي سي»، يوم الاثنين، مؤكداً أنها تتخذ كل السبل لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين. كما دافع المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض جون كيربي عن المواقف الأميركية، مشيراً إلى أن إدارة بايدن لا تزال تعمل على وقف الأعمال العدائية ومواصلة المفاوضات لإخراج الرهائن.

النصر التكتيكي والهزيمة الاستراتيجية

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن يحذّر إسرائيل من نصر تكتيكي وهزيمة استراتيجية (أ.ف.ب)

أما أقوى التحذيرات الأميركية، فجاء من وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، الذي وجه توبيخاً علنياً لإسرائيل لم يركز فقط على انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي الإنساني وقتل المدنيين عشوائياً، بل تطرق إلى عدم تماسك الخطط الاستراتيجية العسكرية لدى إسرائيل، وحذّر من أن الفشل في حماية المدنيين في غزة، قد يحول الانتصارات التكتيكية إلى هزائم استراتيجية.

وقال أوستن، خلال مشاركته في منتدى ريغان للدفاع الوطني في كاليفورنيا، يوم السبت: «في هذا النوع من القتال، يكون السكان المدنيون هم مركز الثقل. وإذا دفعتهم إلى أحضان العدو، فإنك تغير النصر التكتيكي إلى هزيمة استراتيجية». وحذر من أن إسرائيل تخاطر بهزيمة استراتيجية في غزة إذا لم تفعل المزيد لحماية المدنيين.

وتابع: «لقد أوضحت مراراً وتكراراً لقادة إسرائيل أن حماية المدنيين الفلسطينيين في غزة، مسؤولية أخلاقية وضرورة استراتيجية». وشدد وزير الدفاع الأميركي على أنه حثّ القادة الإسرائيليين على تجنب سقوط ضحايا من المدنيين، وعلى منع عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، وتعزيز إمكانية وصول المساعدات الإنسانية.

وأضاف أن حل الدولتين يظل هو السبيل الوحيدة للخروج من الصراع «من دون أفق من الأمل، سيظل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني محركاً لعدم الاستقرار وانعدام الأمن والمعاناة الإنسانية».

وحملت تحذيرات وزير الدفاع معاني استراتيجية، فحتى وإن استطاعت إسرائيل إلحاق هزيمة عسكرية بـ«حماس» وتدمير بنيتها العسكرية، فإن ما تقوم به من تدمير وقتل يدفع جيلاً كاملاً من الفلسطينيين إلى التطرف، ويباعد من جلب الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية لطاولة التفاوض والمضي في حل الدولتين. وهو ما قد يدمر سمعة الولايات المتحدة في أنحاء المنطقة، ويزيد من فرص ظهور الإرهاب، مع تآكل التحالفات والاتفاقات التي أبرمت خلال الفترة الماضية.

الرغبة والنية

أوضح المسؤولون الأميركيون في إحاطات متعددة مع الصحافيين، أنهم يريدون من إسرائيل اتخاذ خطوات لحماية سكان غزة. وأشار مسؤولون بالبيت الأبيض إلى أنهم يستمعون لحجج إسرائيل حول وجود «حماس» في الأوساط السكانية وبين المدنيين، لكنهم ليسوا مقتنعين بأن إسرائيل تتخذ كل السبل للتخفيف من الخسائر في صفوف المدنيين.

نازحون فلسطينيون من خان يونس نزحوا إلى مخيمات في رفح جنوب قطاع غزة هرباً من القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

ويدرك المسؤولون في الإدارة الأميركية مخاطر استمرار حرب إسرائيل في غزة بهذا المعدل، واستمرار سقوط القتلى المدنيين واستمرار دفع إسرائيل السكان للنزوح جنوباً إلى الحدود مع مصر. ويتفق المحللون على أن الأمر بيد الرئيس بايدن في وقف هذه الكارثة والتوضيح لإسرائيل وحكومة نتنياهو صراحة، أن هناك عواقب لحملة التطهير العرقي التي يمارسها ضد سكان غزة، لكن يبدو أن بايدن ليست لديه الرغبة أو النية في اتخاذ مثل هذه الخطوط ورسم خطوط حمراء لإسرائيل.

وتخاطر إدارة بايدن بتقويض فرص الرئيس في إعادة انتخابه مرة أخرى، في ظل انقسام داخل الحزب الديمقراطي من التيار الليبرالي والتقدمي، والغضب بين الفئات السكانية الرئيسية التي تشكل كتلة تصويتية رئيسية في الانتخابات، وهي كتلة الشباب والنساء والأميركيين من أصول أفريقية.

وقد أظهرت استطلاعات رأي كثيرة انخفاض شعبية بايدن، وتآكل الدعم لإسرائيل بين عدد كبيرة من الناخبين الأميركيين. وإذا ظل هؤلاء الناخبون غاضبين من سياسة إدارة بايدن حيال الحرب بين إسرائيل و«حماس»، فإن فرص بايدن في إعادة انتخابه ستكون ضعيفة للغاية.

تحول في العلاقات؟

أشار أرون ديفيد ميللر، الباحث المخضرم في معهد كارنيغي الذي كان أحد المفاوضين في عملية السلام في إدارات أميركية عدة، إلى أن خطاب إدارة بايدن تجاه إسرائيل شهد تحولاً خلال الفترة الأخيرة. وقال، في تصريحات لشبكة «سي إن إن»، مساء الأحد، إن رسائل الإدارة كانت أنه إذا كان الإسرائيليون سيواصلون هذه الحملة فيجب عليهم التعامل مع قضيتين؛ الأولى عدم مهاجمة المواقع المكتظة بالسكان، والأخرى السماح بزيادة المساعدات الإنسانية لثلثي سكان غزة الذين نزحوا من منازلهم.

متظاهرون في العاصمة واشنطن يطالبون بوقف إطلاق النار وحماية الفلسطينيين المدنيين ومحاسبة رئيس الوزراء الإسرائيلي (أ.ف.ب)

ويقول ميللر إن بايدن يحاول التخفيف من الضغوط السياسية الداخلية من داخل التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي، ويهدئ من الغضب في أوساط الشباب والمظاهرات التي تنتقد سقوط المدنيين من الفلسطينيين، لكنه سيواجه الانتقادات من الحزب الجمهوري الذي سيتهمه بتقليص حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في أعقاب هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول). وحذّر ميللر أيضاً من أنه إذا لم تستمع إسرائيل للتحذيرات الأميركية، فإن إدارة بايدن ستبدو ضعيفة.

بايدن مع بنيامين نتنياهو خلال زيارته التضامنية لإسرائيل في 18 أكتوبر (د.ب.أ)

محاسبة نتنياهو

يقوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحسابات دقيقة، تضيف بُعداً آخر في المعضلة السياسية والعسكرية والأخلاقية التي تواجهها إسرائيل، ما بين ضغوط أميركية وضغوط من أهالي بقية الرهائن المحتجزين لدى «حماس» وحركة الجهاد، بمَن فيهم الجنود والمجندات.

ويواجه نتنياهو محاسبة سياسية وقضائية تنتظره بعد تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» كشف عن وثائق ومقابلات تثبت أن خطط هجوم «حماس» الأخير كانت معروفة لقادة الجيش والاستخبارات الإسرائيلية منذ أكثر من عام، لكنهم استبعدوا إمكانية حدوثه.

فلسطيني مصاب خلال القصف الإسرائيلي على مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة الاثنين (أ.ف.ب)

أقسم نتنياهو على تدمير «حماس»، لكن هناك تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت إسرائيل ستغير من خططها العسكرية للاستجابة للتحذيرات الأميركية، لأن الدعم الأميركي لإسرائيل له ثقله القوي على المستوى الدولي، لكن القصف الإسرائيلي المكثّف في مناطق مكتظة بالسكان سيؤدي إلى نتائج كارثية وتداعيات تلقي بظلالها على الولايات المتحدة وإسرائيل، وأيضاً على الرئيس الأميركي بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.


مقالات ذات صلة

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

المشرق العربي فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاطهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.

المشرق العربي سيدتان فلسطينيتان تقرآن تعليمات التصويت بالانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

تُجري لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، استعدادات مكثفة لإجراء أول انتخابات محلية على مستوى قطاع غزة منذ عام 2005، تنطلق السبت المقبل بالتزامن مع الضفة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)

ترمب سيشارك في جولة المحادثات بين لبنان وإسرائيل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع بشأن الرعاية الصحية في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع بشأن الرعاية الصحية في البيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب سيشارك في جولة المحادثات بين لبنان وإسرائيل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع بشأن الرعاية الصحية في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع بشأن الرعاية الصحية في البيت الأبيض (رويترز)

سيشارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب في جولة جديدة من المحادثات، الخميس، في واشنطن بين سفيري لبنان وإسرائيل، ستطلب خلالها بيروت تمديد الهدنة السارية منذ 17 أبريل (نيسان).

وقال مسؤول أميركي، طلب عدم كشف اسمه، إن المحادثات التي كان من المقرر في البداية أن تُعقد في وزارة الخارجية «ستُعقد الآن في البيت الأبيض. وسيستقبل الرئيس ترمب ممثلي البلدين لدى وصولهم».

وقال الرئيس اللبناني جوزيف عون إن مطالب بيروت خلال الاجتماع ستكون «تمديد وقف إطلاق النار... وقف تدمير المنازل والاعتداء على المدنيين ودور العبادة والإعلاميين والجسمين الطبي والتربوي». وأضاف: «آمل أن أتمكن من زيارة واشنطن وعقد لقاء مع ترمب لوضعه في حقيقة الوضع في لبنان بالتفصيل»، مؤكداً أن «الاتصال مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكن وارداً لديّ مطلقاً».

واندلعت الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار) بعد إطلاق الحزب صواريخ على الدولة العبرية ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وعقد البلدان اللذان هما في حالة حرب رسمياً منذ عام 1948، جولة محادثات في واشنطن في 14 أبريل، وكانت الأولى من نوعها منذ عام 1993، في محاولة لإنهاء الحرب.

بعد هذه المحادثات بيومين، أعلنت الولايات المتحدة هدنة لمدة عشرة أيام في الحرب التي أدّت إلى مقتل أكثر من 2400 شخص في لبنان ونزوح أكثر من مليون.

سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)

ويشارك في محادثات الخميس على غرار الجولة السابقة، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والسفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل ليتر، وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، بحضور سفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى.

وسينضمّ إليها هذه المرة السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بحسب ما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتأتي هذه الجلسة بينما يتبادل «حزب الله» وإسرائيل الاتهامات بخرق الهدنة.

وقُتل ثلاثة أشخاص بغارة إسرائيلية على جنوب لبنان، الخميس، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية.

إضافة إلى الغارات، تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات تفجير وهدم في قرى حدودية، وتمنع سكان عشرات القرى من العودة إليها.

في المقابل، أعلن «حزب الله»، الخميس، في ثلاثة بيانات عن عمليتي استهداف لتجمعات جنود إسرائيليين في بلدة الطيبة، وإسقاط مسيّرة استطلاع إسرائيلية في بلدة مجدل زون، وذلك «ردّاً على خرق العدوّ الإسرائيليّ لوقف إطلاق النار واستباحته الأجواء اللبنانيّة».

وبحسب نص اتفاق وقف إطلاق النار الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية، الأسبوع الماضي، تحتفظ إسرائيل بـ«حق الدفاع عن النفس» في مواجهة عمليات تجري أو يخطط لها ضدها.

وأفاد مصدر رسمي لبناني، الأربعاء، بأن «لبنان سيطلب تمديد الهدنة» التي تنتهي في نهاية هذا الأسبوع، «لمدة شهر، ووقف إسرائيل عمليات التفجير والتدمير في المناطق التي يوجد فيها جيشها والالتزام بوقف إطلاق النار».

ووافق البلدان خلال الاجتماع الأول على إطلاق مفاوضات مباشرة «في مكان وزمان يُتّفق عليهما»، وفق ما قال حينها الناطق باسم الخارجية الأميركية تومي بيغوت.

وعيّن لبنان السفير السابق لدى واشنطن سيمون كرم رئيساً للوفد المفاوض مع إسرائيل.


حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد من جديد؛ ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال فعلياً بل نقل الاشتباك من الجو إلى البحر.

فبينما تواصل باكستان مساعيها لعقد جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران من دون موعد محدد حتى الآن، يزداد وضوحاً أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد تفصيل عسكري أو اقتصادي، بل أصبحت أداة التفاوض الأهم في يد إيران، وأداة الضغط الأوضح في يد الولايات المتحدة.

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز تحول داخلي إيراني بالغ الدلالة: صعود «الحرس الثوري» من شريك في القرار إلى مركز ثقله الفعلي، وفق ما يرى مراقبون.

المعطيات المتوافرة حتى الخميس 23 أبريل (نيسان) تشير إلى أن إسلام آباد لم تنجح بعد في تثبيت موعد للجولة الثانية، رغم استمرار الاتصالات الباكستانية مع الطرفين. ونقلت وكالة «رويترز» في وقت سابق عن الخارجية الباكستانية أنه لم تتحدد مواعيد بعد لجولة ثانية، ثم عادت قبل يومين لتنقل الموقف الإيراني نفسه تقريباً: لا تاريخ جديداً قبل الاتفاق على «إطار تفاهم».

كما رحّب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بتمديد وقف النار بطلب من بلاده، فيما قال وزير الداخلية محسن نقوي، بعد لقائه القائمة بالأعمال الأميركية ناتالي بيكر، إنه يأمل «تقدماً إيجابياً» من إيران.

العقدة الأساسية

طريق خالٍ يقود إلى «المنطقة الحمراء» التي تعقد فيها جولات التفاوض بين الإيرانيين والأميركيين في إسلام آباد (أ.ف.ب)

لكن استمرار المسعى الباكستاني لا يعني أن المسار السياسي يتقدم فعلاً. فالعقدة الأساسية، وفق محللين، لم تعد فقط في تفاصيل الملف النووي أو الضمانات الأمنية، بل في ترتيب الأولويات بين الطرفين. واشنطن تريد إبقاء الحصار البحري قائماً حتى تتلقى عرضاً إيرانياً «موحداً»، بينما تعدّ طهران أن التفاوض تحت الحصار ليس تفاوضاً، بل إملاء.

هذا ما يجعل الوساطة الباكستانية حتى الآن أقرب إلى منع الانهيار الكامل منها إلى إنتاج اختراق نوعي. فإسلام آباد تحافظ على قناة التواصل، لكنها لا تملك وحدها كسر التناقض الرئيسي، وهو أن أميركا تريد استخدام الهدنة لتعظيم الضغط، وإيران تريد استخدام هرمز لتعظيم كلفة هذا الضغط.

التحول الأكثر أهمية داخل إيران، كما أظهر تقرير مفصل لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، هو أن القيادة الفعلية في ملفات الحرب والتفاوض والأمن انتقلت إلى جماعة متماسكة من قادة «الحرس الثوري» والدوائر المحيطة بهم، فيما يدير المرشد الجديد مجتبى خامنئي المشهد بصورة أقرب إلى «رئيس مجلس إدارة» لا إلى مرشد يتمتع بالهيمنة التي كان يملكها والده.

ويخلص تقرير الصحيفة، المستند إلى مقابلات واسعة مع مسؤولين وشخصيات إيرانية، إلى أن القادة العسكريين في إيران باتوا أصحاب الكلمة الأثقل في تقرير الاستراتيجية، وأنهم هم الذين دفعوا نحو تشديد المقاربة في البحر، كما أنهم هم الذين قبلوا تكتيكياً، بهدنة مؤقتة وبقنوات تفاوض خلفية حين رأوا أنها تخدم ميزان القوة.

ويقول محللون إن هذا التحول يفسر جزءاً كبيراً من التخبط الظاهر في الرسائل الإيرانية، إذ ليست المشكلة أن القرار مفقود، بل إن مركزه تبدّل. فبدلاً من هرمية دينية - سياسية صارمة، ثمة الآن قيادة أمنية - عسكرية جماعية ترى الحرب والتفاوض وإدارة الاقتصاد، حلقات في معركة بقاء واحدة.

لذلك لم يعد ممكناً فهم موقف طهران من المفاوضات بعيداً عن منطق «الحرس الثوري»، المتمثل في أن أي تسوية يجب أن تُبقي لإيران ورقة ردع فعلية، وأهم هذه الأوراق اليوم ليست الخطاب الآيديولوجي ولا حتى البرنامج النووي وحده، بل القدرة على شلّ الملاحة في مضيق هرمز، أو تنظيمها بشروط إيرانية.

هرمز منصة مساومة

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

المضيق اليوم ليس مغلقاً بالكامل بالمعنى التقني، لكنه معطّل تجارياً. ووصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية الوضع بأنه انتقال من الحرب الجوية إلى «مأزق خانق» في هرمز، مع بقاء وقف النار هشاً واستمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.

ووفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد انخفضت حركة السفن عبر المضيق من نحو 130 سفينة يومياً قبل الحرب إلى مستويات متدنية جداً، بينما تواصل إيران مهاجمة أو اعتراض السفن، بما يبقي حرية الملاحة اسماً بلا مضمون.

كما نقل عن بيانات ملاحية أن 187 سفينة فقط عبرت منذ بدء الإغلاق، أي بمعدل 4 سفن يومياً، مقارنة بأكثر من 130 عادةً. وهذا ما يجعل طهران تشعر بالنجاح وربما الانتصار في هذه الحرب. كما أنها لا تحتاج إلى إغلاق محكم كي تنتج الأثر نفسه، ويكفي أن تجعل المرور ممكناً على نحو استثنائي، أو أن يخضع للخوف والانتظار والمخاطرة، ما يعني أن المضيق يتحول إلى أداة ضغط عالمية.

ولهذا أيضاً يحمل حديث مسؤول إيراني عن تلقي «أول إيرادات» من رسوم عبور المضيق دلالة سياسية أكثر منها مالية.

وتريد إيران تثبيت فكرة أن هرمز بعد الحرب لن يعود كما كان قبلها، وأن ثمن إعادة تدفق التجارة يمر عبر صفقة سياسية لا عبر مجرد ترتيبات أمنية.

إطلاق النار على الزوارق

قوارب وسفن تبحر في مضيق هرمز بالقرب من سلطنة عُمان (رويترز)

في المقابل، يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب منع ترسخ الانطباع بأن إيران، رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية، ما زالت تمسك بالمضيق. لذلك صعّد خطابه حين قال إنه أمر البحرية الأميركية بـ«إطلاق النار» على أي زورق يزرع ألغاماً في هرمز.

وأضاف أنه أمر بزيادة جهود كسح الألغام إلى ثلاثة أضعاف، بحسب تغريدة له على منصته «تروث سوشيال».

هذا الخطاب لا يستهدف طهران فقط، بل أيضاً الرأي العام الأميركي وخصومه الإعلاميين، في ظل تقارير شككت في سرعة استعادة القوات الأميركية السيطرة البحرية الكاملة، وكذلك قدرات إيران العسكرية التي ما تزال تمتلكها.

ومن هنا جاءت حساسية تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الذي قال إن البنتاغون أبلغ الكونغرس في جلسة مغلقة بأن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق نحو ستة أشهر. وأحدثت هذه الرواية صدمة سياسية لأنها تناقض سردية الحسم السريع. لكن متحدثاً باسم البنتاغون نفى لاحقاً، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عدة، أن يكون تقييم الأشهر الستة حكماً نهائياً أو «ممكناً» بالصيغة التي عُرض بها، وهاجم ما سماه «انتقائية» التسريبات من الإحاطة السرية، ما تسبب لاحقاً في سحب الصحيفة لتقريرها.

عملياً، لا يحسم هذا السجال السؤال العسكري بقدر ما يكشف السؤال السياسي: إذا كانت واشنطن واثقة تماماً من قدرتها على تأمين المضيق سريعاً، فلماذا لا تزال الشركات والسفن تتصرف كما لو أن الخطر قائم؟

معادلة الحصار

المأزق الحالي يمكن اختصاره بمعادلة واحدة، وهي أن أميركا تحاصر الموانئ الإيرانية لتخنق الاقتصاد وتدفع طهران إلى تقديم تنازلات؛ وإيران تخنق هرمز لتُظهر أن حصارها ليس مجانياً على العالم.

وحذرت «وول ستريت جورنال» من أن استمرار هذا الوضع يرفع أخطار تباطؤ اقتصادي عالمي حاد، مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، بينما أشارت «نيويورك تايمز» إلى أن إيران، رغم الخسائر العسكرية الكبيرة، ما زالت تحتفظ بقدرة كافية لردع الملاحة التجارية وإبقاء المضيق رهينة مساومة.

وفي الوقت نفسه، أشار قائد القيادة الأميركية المركزية «سنتكوم»، براد كوبر، إلى وجود مروحيات «أباتشي» في محيط المضيق غرضها «إظهار الوجود والردع» وحماية تدفق التجارة، وهو اعتراف ضمني بأن الردع لم يتحول بعد إلى سيطرة مريحة ومكتملة.

لهذا، لا يبدو أن الجولة الثانية من المفاوضات، إن عُقدت في إسلام آباد، ستكون مجرد استئناف روتيني، بل ستكون اختباراً لما إذا كان الطرفان مستعدين فعلاً لتعديل هذه المعادلة.

فطهران، في ظل صعود «الحرس الثوري» ستدخل أي تفاوض وهي أكثر ميلاً إلى ربط كل تنازل برفع ملموس للحصار. وواشنطن في ظل حاجة ترمب إلى إظهار القوة وعدم التراجع، ستسعى إلى تثبيت أن الهدنة ليست مكافأة لإيران، بل فرصة أخيرة لها.


الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
TT

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

في ظل الجدل المتصاعد بشأن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في كثير من الولايات الأميركية، أمر قاضٍ في فيرجينيا بمنع المصادقة على نتائج استفتاء لترسيم جديد يصب في مصلحة الديمقراطيين بالولاية، ونقل الجمهوريون المعركة إلى فلوريدا، في محاولة لإعادة التوازن مع خصومهم قبل أشهر من الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأدى فوز الديمقراطيين في استفتاء فيرجينيا إلى منحهم أفضلية في خريطة يمكن أن تمنح حزبهم 4 مقاعد إضافية في الانتخابات النصفية التي تجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وكان الجمهوريون حصلوا على مكاسب بعد سلسلة إجراءات بدأوها العام الماضي في تكساس، بطلب من الرئيس دونالد ترمب. ومنذ ذلك الحين، تحول «التلاعب» بالدوائر الانتخابية، وهي ممارسة راسخة في البلاد كل 10 سنين، حرباً بين الحزبين الرئيسيين.

حاكم فلوريدا رون دي سانتيس خلال اجتماع في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)

وبعدما أعاد الجمهوريون رسم خريطة الدوائر الانتخابية في تكساس لإضافة 5 مقاعد جمهورية محتملة، ردّ الديمقراطيون في كاليفورنيا بإعادة رسم خريطة ولايتهم لإضافة 5 مقاعد ديمقراطية محتملة. كما أعادت 3 ولايات أخرى؛ هي ميسوري ونورث كارولاينا وأوهايو، رسم خرائطها لإضافة مقاعد جمهورية محتملة.

والآن، احتفل الديمقراطيون بنتيجة فيرجينيا، التي منحتهم خريطة جديدة لمجلس النواب بمقعد واحد مضمون للجمهوريين. ويتألف وفد الولاية في الكونغرس من 11 عضواً، هم حالياً 6 ديمقراطيين و5 جمهوريين. وعلى الصعيد الوطني، تعادل الديمقراطيون بشكل شبه تقريبي مع الجمهوريين في معركة إعادة رسم الدوائر الانتخابية.

اللجوء إلى القضاء

في المقابل، أمل الجمهوريون أن تُبطل المحكمة العليا في فيرجينيا نتيجة الاستفتاء. وقبل الوصول إلى تلك النقطة، أعلن الرئيس ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» أن الاستفتاء «مزور». وكتب: «فلنرَ ما إذا كانت المحاكم ستُصلح هذه المهزلة التي تُسمى: العدالة».

وأصدر القاضي في محكمة مقاطعة تازويل جاك هيرلي قراراً بمنع مسؤولي الولاية من المصادقة على نتيجة الاستفتاء واستخدام الخرائط الجديدة. وكتب أن المحكمة «تُعلن أن كل الأصوات المؤيدة أو المعارضة للتعديل الدستوري المقترح في الانتخابات الخاصة المقررة في 21 أبريل (نيسان) 2026، باطلة».

وعلى الأثر، قال وزير عدل الولاية؛ الديمقراطي جاي جونز، إن مكتبه «سيقدم استئنافاً فورياً» ضد الحكم. وكتب في بيان: «أدلى ناخبو فيرجينيا بأصواتهم، وينبغي ألا يمتلك قاضٍ ناشطٌ حقَّ النقض على تصويت الشعب».

وإذا ما تأكدت نتيجة الاستفتاء، فإنه يبدو أن أمام الجمهوريين فرصاً متضائلة لتوجيه ضربة قوية أخرى في معارك التلاعب بالدوائر الانتخابية. إحدى هذه الفرص، في فلوريدا، تنطوي على مخاطر جسيمة.

فرغم أن حاكم فلوريدا، الجمهوري رون دي سانتيس، أشار إلى نقص مُتصوَّر في تعداد السكان بوصف ذلك مبرراً لرسم خرائط جديدة، فإن أي إعادة تقسيم للدوائر في الولاية ستواجه على الأرجح طعوناً قضائية. كما أن الدوائر الجديدة ذات الميول الجمهورية قد تشتت الناخبين الجمهوريين بشكل كبير؛ مما يُعرض بعض شاغلي المناصب لخطر أكبر بفقدان مقاعدهم.

وأصابت نتائج الاستفتاء الجمهوريين بالإحباط، فتحركوا سريعاً لإعادة رسم الخريطة الانتخابية في فلوريدا، حيث يسيطرون على منصب الحاكم ويتمتعون بأكثرية ساحقة في المجلس التشريعي. لكنّ ثمة شكوكاً متصاعدة داخل الحزب بشأن استراتيجيته الأوسع. وقال المستشار الجمهوري ستيوارت فيرديري: «أنفق الطرفان مئات الملايين من الدولارات للعودة إلى نقطة البداية، وعموماً، انتهى الأمر بخسارة الجمهوريين».

تحذير من المخاطر

رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال حملة انتخابية في فيرجينيا (رويترز)

وأفاد خبير الاستطلاعات جون كوفيلون؛ الذي عمل مع مرشحين جمهوريين، بأن «ما يُريد الجمهوريون في فلوريدا فعله محفوفٌ بالمخاطر». وأضاف أن المناخ السياسي الحالي يُشكّل مخاطر خاصة أمام أي تلاعب عدواني بالدوائر الانتخابية يهدف إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل.

ودعا دي سانتيس المشرعين في الولاية إلى جلسة استثنائية لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية. ولكن قبل أقل من أسبوع من بدء الجلسة، التي أُجّلت، لم يكشف بعدُ عن خريطة جديدة ليعرضها المشرعون. وأبدى مشرعو فلوريدا اهتماماً ضئيلاً بإعادة تقسيم الدوائر، ولا يُتوقع منهم اقتراح خرائط خاصة بهم.

وقال عضو الكونغرس الجمهوري السابق عن جنوب فلوريدا، كارلوس كوربيلو، إن «كل مبادرات إعادة تقسيم الدوائر هذه ضارة»، محذراً بأن حزبه يُخاطر بإضعاف فرص الجمهوريين في بعض الدوائر، وتقويض الثقة بالديمقراطية الأميركية.

ومع أن فلوريدا قد تستحوذ على معظم الاهتمام على المدى القصير، فإن قضية أمام المحكمة العليا الأميركية قد يكون لها تأثير أكبر بكثير على إعادة تقسيم الدوائر.

فإذا ألغت المحكمة هذا البند تماماً، كما بدا أنها على وشك فعله خلال المرافعات الشفوية، فيمكن أن تحاول ولايات كثيرة إعادة رسم خرائطها بسرعة. وقد يعطي قرار المحكمة العليا دي سانتيس مبرراً آخر لرسم خرائط جديدة في فلوريدا.

ومع ذلك، فإنه لا يزال من غير الواضح متى ستُصدر المحكمة حكمها في هذه الدورة، التي تنتهي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو (تموز) المقبلين، علماً بأن صدور حكم متأخر، بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية في عشرات الولايات، سيصعب على كثير من الولايات رسم خرائط جديدة قبل الانتخابات النصفية.

وعلق الناطق الأسبق باسم البيت الأبيض (في عهد الرئيس جورج دبليو بوش)، آري فليشر: «إذا كنت ستخوض معركة، فعلى الأقل انتصر فيها». وأضاف أن «الطرف الآخر سيرد دائماً. كل هذا كان متوقعاً ويمكن تجنبه. ما كان ينبغي لنا أن نبدأ هذه المعركة».