هل تفرض الولايات المتحدة شروطاً على المساعدات لإسرائيل؟

بايدن تحت نيران حزبه… والرأي العام

يتراجع دعم الديمقراطيين الشباب للرئيس جو بايدن بسبب موقفه من إسرائيل (أ.ف.ب)
يتراجع دعم الديمقراطيين الشباب للرئيس جو بايدن بسبب موقفه من إسرائيل (أ.ف.ب)
TT

هل تفرض الولايات المتحدة شروطاً على المساعدات لإسرائيل؟

يتراجع دعم الديمقراطيين الشباب للرئيس جو بايدن بسبب موقفه من إسرائيل (أ.ف.ب)
يتراجع دعم الديمقراطيين الشباب للرئيس جو بايدن بسبب موقفه من إسرائيل (أ.ف.ب)

تتعالى أصوات بعض المشرعين الداعية لفرض شروط على المساعدات الأميركية لإسرائيل. فالأزمة الإنسانية في قطاع غزة ألقت بظلالها على أروقة الكونغرس بشكل خاص والولايات المتحدة بشكل عام، وقادت إلى تحذيرات متزايدة من انعكاساتها على صورة أميركا وقيمها. يأتي ذلك بالتزامن مع استطلاعات الرأي الأخيرة التي عكست شرخاً كبيراً بين الديمقراطيين في دعمهم لموقف الرئيس الأميركي جو بايدن المؤيد لإسرائيل، ناهيك عن التظاهرات والاحتجاجات في ولايات مختلفة للمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، بالإضافة إلى تصاعد في جرائم الكراهية ضد العرب في الولايات المتحدة.

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، خلفية المطالبات بتعديل سياسة «الشيك على بياض» الأميركية تجاه إسرائيل، وما إذا كانت ستؤدي إلى تغيير في لهجة بايدن حيال تل أبيب.

حشد عسكري إسرائيلي على حدود قطاع غزة الخميس (أ.ف.ب)

شروط على المساعدات العسكرية؟

يقول المستشار العسكري السابق لوزارة الخارجية، الكولونيل عبّاس داهوك، إن المساعدات العسكرية الأميركية تكون عادة مرتبطة بقيود محددة، مشيراً إلى أن أي دولة تتلقى هذه المساعدات يجب أن تتقيد بالقوانين الإنسانية الدولية وقوانين الصراعات وبعض القوانين الأميركية. واقترح داهوك أن تعطي الإدارة الأميركية إسرائيل لائحة بالمواقع التي لا يجب استهدافها، تشمل مواقع الأمم المتحدة والمدارس والمستشفيات والشبكات الكهربائية وغيرها.

من ناحيته، لم يستبعد آدم إيرلي، السفير الأميركي السابق لدى البحرين، احتمال فرض شروط على المساعدات العسكرية، مشيراً إلى وجود «تحول جذري في الرأي العام في الولايات المتحدة حول إسرائيل». وأضاف إيرلي: «نرى آلاف الأميركيين الذي يحتجون ويتظاهرون ضد إسرائيل ولصالح الفلسطينيين... متى كانت آخر مرة يحصل فيها ذلك؟ لم يحصل ذلك أبداً».

وتحدّث المستشار السابق للمندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، وائل الزيّات، عن الدعوات الديمقراطية لوقف إطلاق نار وفرض شروط على المساعدات العسكرية لإسرائيل، مشيراً إلى وجود آراء مختلفة في الحزب الديمقراطي. وقال إنه «حزب معقد ومتنوّع ويضم ديمقراطيين معتدلين ويساريين، من ضمنهم الاشتراكيون. يضم مجتمعات عرقية ودينية مختلفة، من المسلمين واليهود والأميركيين من أصل أفريقي أو لاتيني أو آسيوي. لذا، هناك آراء عديدة مختلفة حول هذا الصراع». لكن الزيّات عدَّ أن سبب الاعتراضات لدى البعض هو الاختلاف بين ما قاله بايدن فيما يتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية عندما كان مرشحاً رئاسياً، وبين سياسته اليوم. وأوضح: «لقد رأوا أنه مارس هذا التوجه في أماكن مثل أوكرانيا، لكن ليس في العالم العربي، تحديداً في فلسطين».

السيناتور التقدمي برني ساندرز هو من أبرز الداعين لفرض شروط على المساعدات العسكرية لإسرائيل (أ.ف.ب)

وفي ظل هذه الدعوات والاعتراضات، يحذّر البعض من انعكاسات سياسة بايدن الداعمة لإسرائيل على قيم الولايات المتحدة وصورتها، وهذا ما كرره الكولونيل داهوك الذي شدّد على ضرورة فرض القيود على المساعدات لإسرائيل. وقال: «إذا ما استمرت الولايات المتحدة بتوفير هذا النوع من الدعم، في نهاية المطاف يجب أن تتحمل مسؤولية بعض هذه النتائج في غزة».

وتحدّث إيرلي عن انعكاسات الصراع على صورة الولايات المتحدة، مشيراً إلى فترة خدمته نائباً للمتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية في عام 2006 خلال «حرب تموز» في لبنان. وقال: «لقد وجّه لي الصحافيون حينها الأسئلة نفسها... كيف يمكن للولايات المتحدة أن تدعم إسرائيل في حين أنها تتسبب بكل هذا الدمار؟»، مضيفاً: «ما يجري في غزة الآن هو أسوأ بعشر مرّات... وبالمناسبة، إن قام (حزب الله) بالهجوم على إسرائيل، ستكون الأمور أسوأ بثلاثين مرة عما هي في غزة. ولهذا السبب، فإن الجميع قلق في واشنطن».

مظاهرة داعمة للفلسطينيين أمام مبنى الكابيتول في 4 نوفمبر 2023 (أ.ب)

تباين الأجيال

تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة شرخاً كبيراً بين الديمقراطيين في دعمهم لإسرائيل. ففيما يعارض 69 في المائة من الشباب تحت سن الـ35 سياسة بايدن مع إسرائيل، يدعمه 77 في المائة من الديمقراطيين فوق سن الـ65، حسب استطلاع لجامعة «كينيبياك»، كما أن 74 في المائة من الديمقراطيين الشباب يتعاطفون مع الفلسطينيين، مقابل 25 في المائة فقط من الديمقراطيين فوق سن الـ65.

ويقول الزيّات إن الشباب في الولايات المتحدة ينشأون في عصر يسلّط فيه الضوء على العدالة الاجتماعية والعرقية، موضحاً: «لقد رأينا ذلك هنا بعد مقتل الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد في مينيسوتا، وما حصل بعد ذلك من رفع للوعي حول الحاجة للمساواة بين الشعوب. اليوم، يقارن الشباب هنا بين ظروف الفلسطينيين والاحتلال والفصل والتمييز وما يرونه هنا. لذلك، بسبب هذه المقارنات والتجارب في عصر منصات التواصل الاجتماعي، ليس من الصعب عليهم رؤية الروابط». وتابع: «لهذا السبب، نرى جهوداً حثيثة لترهيب أصوات طلاب الجامعات والموظفين الشباب في كبرى الشركات، لإسكاتهم وإخافتهم لكي لا يتحدثوا عن حقوق الفلسطينيين أو إنسانيتهم، ومساواة ذلك بطريقة خطيرة جداً مع المعاداة للسامية».

ناشطون يدعون لوقف إطلاق النار أمام البيت الأبيض في 15 نوفمبر 2023 (أ.ب)

من جهته، يقول الكولونيل داهوك إن الجيل الأكبر سناً «ما زال يعد إسرائيل حليفةً يجب دعمها للدفاع عن نفسها. بينما الجيل الجديد ينظر إلى الأمر بمنظور مختلف، ويعارض المقاربة العسكرية». وتحدث داهوك عن أن هذا التباين في الآراء يؤدي إلى صعوبة في إدراج شباب في الجيش الأميركي، «لأن الجيل الجديد لا يعد أن الخيار العسكري خيار جيد للعلاقات الدولية، ويفضل توظيف الدبلوماسية والمعلومات الاستخباراتية والاقتصاد في إدارة شؤوننا الخارجية».

ومع تعالي أصوات الشباب المطالبة بتغيير في سياسة بايدن مع إسرائيل، يستبعد إيرلي أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذري وفوري في السياسة. ويفسّر أن «أعضاء الكونغرس وأي مسؤول منتخب، لا يهتمون إلا بأمرين: المتبرّعون والناخبون. الشباب بين الـ20 و30 من العمر، رغم آرائهم، إلا أنهم لا يتبرعون بالمال ولا يصوّتون كثيراً. لهذا السبب، فإن استطلاعات الرأي لن تطيح بالسياسيين حتى يقوم الأفراد المؤيدون لفلسطين بالتصويت بأعداد كبيرة وتقديم الأموال إلى السياسيين».

حظوظ بايدن وسياسة ترمب

الناخب الشاب ليس الوحيد الذي يعترض على سياسة بايدن تجاه إسرائيل، فقد أدت هذه السياسة إلى انتقادات متزايدة للإدارة الديمقراطية من قبل الناخبين المسلمين والعرب. ويقول الزيّات، وهو يشغل حالياً منصب المدير التنفيذي لمؤسسة «إيمغايج» المعنية بتنسيق جهود الناخبين الأميركيين المسلمين، بأن هذه الفئة الانتخابية «تشعر بالغضب وخيبة الأمر والخيانة من قبل إدارة بايدن التي دعمها الكثيرون مالياً وعبر التصويت لها».

دونالد ترمب خلال حدث انتخابي في نيوهامشير في 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

وأضاف: «نحتاج إلى وقف إطلاق نار مستمر وحل دائم وأكثر واقعية لهذه الأزمة، يؤدي إلى مسار أكثر مصداقية بالنسبة للفلسطينيين وحقهم في تقرير مصيرهم».

وشدد الزيات على أن هؤلاء الناخبين لن يمتنعوا عن التصويت، مشيراً إلى أن الامتناع يعني دعم مرشح آخر، على الأرجح أن يكون في هذه الحالة الرئيس السابق دونالد ترمب، ومضيفاً: «سنحرص على تثقيف الناس أن التصويت لمرشّح من حزب ثالث أو البقاء في المنزل هو ليس حل وقد يؤدي إلى إدارة أكثر سوءاً في نوفمبر».

وقارن إيرلي بين سياسات بايدن وترمب في الملف الإسرائيلي - الفلسطيني، فقال محذراً: «إذا كان الديمقراطيون أو الأميركيون أو غيرهم يعتقدون بأن بايدن لا يعمل لصالح الفلسطينيين، انتظروا حتى يصبح ترمب رئيساً لتروا الفرق». وفسّر إيرلي ما يقصده عارضاً سياسة ترمب مع الفلسطينيين فقال: «لكان اعتمد الآن على سياسة الأرض المحروقة، فجاريد كوشنر والسفير الأميركي في إسرائيل ووزير الخارجية الأميركي في عهده صرحواً علناً بأن السلطة الفلسطينية لا قيمة لها، ولا يمكن التعامل معها. هو نقل السفارة إلى القدس، وقطع كل تمويلنا للأونروا، وكان ذلك خلال فترة سلام وليس فترة حرب مثل اليوم».

جرائم الكراهية

ومع تصاعد لهجة الإسلاموفوبيا وجرائم الكراهية بحق العرب في الولايات المتحدة، كان آخرها حادثة إطلاق النار على 3 شبان فلسطينيين - أميركيين في ولاية فيرمونت، وجه الزيات اللوم إلى البيت الأبيض.

الشبان الفلسطينيون الذين تعرضوا لإطلاق نار في فيرمونت في 25 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

وقال: «يمكن لوم البيت الأبيض جزئياً على ذلك بسبب الطريقة التي يصفون بها ما يجري في إسرائيل. فهم يشبهونه بأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وكانت هناك تعابير مأخوذة من اللغة المستخدمة للحديث عن (داعش). وبالطبع استفادت إسرائيل من ذلك، لأن ذلك يصب لمصلحتها ويبرر تحركاتها ضد غزة». وأضاف الزيات: «هذه لغة الإبادة الجماعية... هذه اللغة التي يتم استخدامها لتبرير المذابح الجماعية وقتل الناس. ورأينا ذلك في نزاعات أخرى. ورؤية ذلك هنا في الولايات المتحدة ليس أمراً مؤسفاً فحسب، بل إنه أمر خطير أيضاً».

وشدد إيرلي على ضرورة تغيير لهجة المسؤولين في هذا الإطار، قائلاً: «يجب أن يقولوا بوضوح إن ما قامت به (حماس) هو أمر خاطئ، لكن (حماس) لا تمثل الشعب الفلسطيني. وإذا أردت استهداف (حماس)، لا تدن وتعاقب وتقتل الشعب الفلسطيني بأكمله».


مقالات ذات صلة

ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ برنار آرنو وأفراد عائلته يظهرون خلف بيل وهيلاري كلينتون وجورج دبليو بوش في حفل تنصيب الرئيس دونالد ترمب (إ.ب.أ)

ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

ترمب يكسر مقاطعته، ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض... يتخلى الحدث عن تقليد السخرية من الرئيس، ويختبر العلاقة بين الصحافة والسلطة.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ يدير ترمب حرب إيران بمنشورات على «تروث سوشيال» (د.ب.أ)

ترمب وإيران... سياسة على إيقاع «تروث سوشيال»

يستعرض تقرير واشنطن خلفيات مسار دونالد ترمب المتقلب على «تروث سوشيال» بحرب إيران وكيف تترجم هذه الرسائل المتناقضة على الأرض.

رنا أبتر (واشنطن)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام في المكتب البيضاوي بواشنطن (إ.ب.أ)

ترمب يمدد إعفاء «قانون جونز» 90 يوماً لاحتواء تكاليف الطاقة المرتفعة

أعلن البيت الأبيض، يوم الجمعة، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مدّد لمدة 90 يوماً إعفاءً من قانون الشحن المعروف بـ«قانون جونز»، في خطوة تهدف إلى تسهيل نقل النفط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران.

هبة القدسي (واشنطن)

ترمب: إيران ستقدم عرضا يهدف إلى تلبية المطالب الأميركية

 الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: إيران ستقدم عرضا يهدف إلى تلبية المطالب الأميركية

 الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)

قال الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب، ‌لوكالة «رويترز»، اليوم ​الجمعة، إن إيران تعتزم تقديم عرض ‌يهدف ‌إلى ​تلبية ‌المطالب ‌الأميركية.

وقالت المتحدثة ​باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، ‌في ‌مقابلة ​مع قناة ‌«فوكس نيوز»، في وقت سابق من ​اليوم الجمعة، إن ستيف ويتكوف مبعوث ‌الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب ​الخاص، ‌وجاريد ‌كوشنر صهر الرئيس، ‌سيتوجهان إلى باكستان صباح غد السبت لإجراء محادثات مع إيران.

ووصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام أباد، اليوم ​الجمعة، لمناقشة مقترحات لاستئناف محادثات السلام مع الولايات المتحدة، لكن ليس من المقرر أن يلتقي بمفاوضين أميركيين، وفقا لوكالة «رويترز».

كانت إسلام أباد قد استضافت محادثات بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب لكنها انهارت في وقت سابق.


وزارة العدل الأميركية: يجب استخدام طرق إعدام مثل الرمي بالرصاص والصعق الكهربائي

صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
TT

وزارة العدل الأميركية: يجب استخدام طرق إعدام مثل الرمي بالرصاص والصعق الكهربائي

صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)

قالت وزارة ‌العدل الأميركية، اليوم الجمعة، إن على الحكومة الأميركية إضافة الإعدام رمياً بالرصاص وصعقاً بالكهرباء وباستنشاق الغاز لطرق إعدام ​المدانين بارتكاب أخطر الجرائم الاتحادية، وذلك في تقرير أشار إلى الصعوبات التي تواجه الحصول على الأدوية اللازمة للحقن المميتة.

وجاء التقرير في إطار تنفيذ لتعهد من الرئيس دونالد ترمب باستئناف تطبيق عقوبة الإعدام في ولايته الرئاسية الثانية. وفي ولايته الأولى، التي انتهت في 2021، استأنف ‌ترمب تنفيذ عقوبة الإعدام ‌بعد توقف استمر 20 ​عاماً؛ ‌إذ أعدم ​13 سجيناً اتحادياً بالحقن المميتة خلال أشهر قليلة في نهاية ولايته.

وقالت الوزارة إن تود بلانش، القائم بأعمال وزير العدل الأميركي والذي أصدر التقرير، أذن بالسعي إلى إصدار أحكام بالإعدام بحق تسعة أشخاص بعد أن ألغى ترمب قرار وقف تنفيذ أحكام الإعدام الاتحادية الذي أصدره الرئيس السابق ‌جو بايدن، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضافت الوزارة، ‌في بيان: «من بين الإجراءات المتخذة ​إعادة اعتماد بروتوكول الحقن ‌المميت الذي استُخدم خلال إدارة ترمب الأولى، وتوسيع ‌نطاق البروتوكول ليشمل طرق إعدام إضافية مثل الرمي بالرصاص، وتبسيط الإجراءات الداخلية لتسريع حالات الإعدام».

وقال بلانش: «تحت قيادة الرئيس ترمب، تعود وزارة العدل مرة أخرى إلى ‌تطبيق القانون والوقوف في صف الضحايا».

وفي التقرير، أصدر بلانش تعليمات إلى مكتب السجون التابع لوزارة العدل بتعديل بروتوكول الإعدام «ليشمل طرق إعدام إضافية ودستورية ينص عليها حالياً قانون بعض الولايات»، مشيراً إلى الطرق القديمة المتمثلة في الإعدام رمياً بالرصاص والصعق بالكهرباء، وطريقة الإعدام الجديدة بالاختناق بالغاز بادرت ولاية ألاباما بتطبيقها في 2024.

وذكر التقرير: «سيساعد هذا التعديل على ضمان استعداد الوزارة لتنفيذ عمليات الإعدام القانونية حتى في حالة عدم توفر عقار معين».

وخفف بايدن، وهو ديمقراطي، أحكام ​37 مداناً من ​المحكوم عليهم بالإعدام في السجون الاتحادية، ولم يتبقَّ سوى 3 رجال.


حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
TT

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة جوية وصاروخية مكثفة ضد إيران، بل باتت تتصل مباشرة بجاهزية الجيش الأميركي لمواجهة طارئة في مسارح أخرى، خصوصاً في غرب المحيط الهادئ إذا قررت الصين التحرك ضد تايوان، أو في أوروبا إذا تصاعد التهديد الروسي.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال سياسي لا يقل حساسية، وفق ما يطرحه محللون، وهو: هل تعكس التسريبات قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها تتحول أيضاً أداةَ ضغطٍ على الكونغرس لتمرير ميزانية دفاعية ضخمة وطلب تمويل إضافي للحرب؟

وتستند هذه المخاوف إلى تقارير نشرتها صحف أميركية عدة، إضافة إلى تقديرات من مركز دراسات استراتيجية ودولية، تشير إلى أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى واعتراضات دفاعية باهظة التكلفة.

وعلى سبيل المثال، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن إطلاق أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي اعتراضي، بينها «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد»، مع تقديرات بأن تعويض بعض المخزونات بالكامل قد يستغرق حتى ست سنوات.

أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فأشارت إلى استخدام نحو 1100 صاروخ «جاسم - إي آر» وأكثر من 1200 صاروخ «باتريوت»، فضلاً عن أكثر من ألف صاروخ أرضي من طرازات دقيقة؛ ما جعل المخزون العالمي الأميركي تحت ضغط شديد.

مخزون يتآكل سريعاً

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس أركان القوات المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 24 أبريل (أ.ف.ب)

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن كثيراً من الذخائر المستهلكة ليست من النوع الذي يمكن استبداله سريعاً. فصواريخ «توماهوك» و«جاسم - إي آر» و«باتريوت» و«ثاد» ليست ذخائر عادية، بل هي جزء من العدة الأساسية لأي مواجهة مع قوة كبرى، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية معقدة كالتي يتوقعها المخططون الأميركيون في حال نشوب حرب حول تايوان مثلاً. لذلك؛ لا يقاس الاستنزاف بعدد الصواريخ وحده، بل بموقع هذه الصواريخ داخل خطط الحرب الأميركية.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين في الإدارة باتوا يقدّرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع، في المدى القريب، تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان بالكامل إذا وقع غزو صيني مفاجئ.

ويكمن جوهر القلق في أن الحرب مع إيران استهلكت ذخائر كان يُفترض أن تبقى جزءاً من «مخزون الردع» في آسيا. فالصين، بخلاف إيران، تملك قوة صاروخية وبحرية وجوية ضخمة، وتستند عقيدتها العسكرية في أي حرب محتملة إلى منع القوات الأميركية من الاقتراب، عبر كثافة نيران وصواريخ مضادة للسفن والطائرات.

في مثل هذا السيناريو، تصبح الاعتراضات الدفاعية والصواريخ البعيدة المدى سلعة استراتيجية لا يمكن تعويض نقصها بمجرد نقل وحدات أو حاملات إضافية.

تايوان وحرب إيران

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

من جانبها، تؤكد الإدارة الأميركية أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض حرب كبرى. فالبيت الأبيض نفى بشدة خلاصات التقارير التي تتحدث عن ضعف القدرة العسكرية؛ إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن فرضية النقص «خاطئة»، مؤكدة أن الولايات المتحدة تملك أقوى جيش في العالم ومخزونات كافية لتنفيذ أي عملية يوجه بها الرئيس.

وقال أيضاً المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل، إن الجيش يملك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهمة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس.

لكن النفي السياسي لا يلغي جوهر المشكلة العملياتية. فقائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، حاول خلال شهادته في الكونغرس، الموازنة بين دعم العمليات الجارية في الشرق الأوسط والطمأنة إلى أن الردع ضد الصين لم يتضرر. غير أنه أقرّ ضمناً بوجود حدود في «المخزن»، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة في النقاش العسكري الأميركي، مفادها أن القضية ليست فقدان القدرة، بل ارتفاع المخاطر إذا جاءت الأزمة التالية قبل إعادة ملء المخازن.

وتتعمق هذه المخاوف مع نقل منظومات وذخائر من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط. فالتقارير تتحدث عن إرسال رادارات من كوريا الجنوبية، وتحريك صواريخ اعتراضية من منظومة «ثاد»، وتحويل وحدات من مشاة البحرية من المحيط الهادئ إلى المنطقة.

كما سبقت ذلك إعادة توجيه حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

هذه التحركات لا تعني انسحاباً أميركياً من آسيا، لكنها تمنح بكين مادة دعائية وسياسية للقول إن واشنطن مشتتة بين حروب متعددة، وإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء ليست بلا حدود، وفق ما يقول عدد من المحللين.

امتحان الزمن والتكلفة

حاملة طائرات أميركية من طراز «نيميتز» خلال مناورات تدريبية في تشيلي 18 أبريل (رويترز)

تكشف الحرب مع إيران عن فجوة مزمنة في قاعدة التصنيع الدفاعي الأميركية. فقد اعتادت الولايات المتحدة على خوض حروب ضد خصوم أضعف بتكلفة عسكرية يمكن احتواؤها، لكنها تجد نفسها الآن أمام معادلة مختلفة، وهي استخدام ذخائر بملايين الدولارات لاعتراض صواريخ أو مسيّرات أرخص بكثير، أو لضرب أهداف كثيرة ومتفرقة في مسرح واسع.

وإذا صح أن تكلفة الحرب حتى الآن تراوح بين 25 و35 مليار دولار، حسب تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز»، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالنفقات، بل بوتيرة الاستهلاك مقارنة بوتيرة الإنتاج.

تقول بعض التقارير إن إنتاج «باتريوت» في عام كامل لا يعادل تقريباً نصف ما استُهلك في الحرب. وتضيف أن تعويض «توماهوك» و«ثاد» و«ستاندرد» قد يستغرق سنوات، حتى لو ضُخت أموال جديدة. فالمال يشتري العقود، لكنه لا يبني فوراً خطوط إنتاج ولا يؤمّن سلاسل توريد معقدة ولا يضاعف العمالة المتخصصة خلال أسابيع.

لهذا؛ يضغط «البنتاغون» على شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» لزيادة الإنتاج، بل ويفتح قنوات مع شركات السيارات والمصانع المدنية لاختبار إمكان تحويل جزء من القدرة الصناعية الأميركية إلى نمط أقرب إلى «اقتصاد حرب».

غير أن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي واقتصادي. فشركات الدفاع تريد عقوداً طويلة الأجل قبل توسيع مصانعها، والكونغرس يريد رقابة على التكلفة، والرأي العام قد لا يتقبل بسهولة إنفاقاً إضافياً ضخماً على حرب لا تزال نهايتها غير واضحة.

وبينما تطلب الإدارة ميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وتطرح في الوقت نفسه حاجة إلى تمويل إضافي بنحو 200 مليار دولار للحرب مع إيران، تصبح أرقام الذخائر جزءاً من معركة داخل واشنطن حول حجم الدولة الأمنية والعسكرية في عهد ترمب.

إنذار أم ضغط على الكونغرس؟

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

ويتفق المراقبون على أنه من الصعب فصل البعد العسكري عن البعد السياسي في توقيت هذه التقارير. فالتسريبات تخدم، من جهة، وظيفة إنذارية حقيقية: تنبيه صناع القرار إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة قد تستهلك بسرعة ذخائر مخصصة أصلاً لمنافسة القوى الكبرى. لكنها، من جهة أخرى، تمنح «البنتاغون» وحلفاءه في الكونغرس حجة قوية لطلب اعتمادات إضافية، تحت عنوان أن عدم التمويل لا يهدد حملة إيران وحدها، بل يضعف الردع في تايوان وأوروبا وكوريا الجنوبية.

هنا تتبدى المفارقة في خطاب الإدارة. فترمب يقول إن لدى الولايات المتحدة إمدادات تكاد تكون «غير محدودة» من بعض الذخائر، بينما تطالب مؤسسته العسكرية بزيادة تاريخية في الإنفاق وتسريع الإنتاج.

وينفي البيت الأبيض أن تكون الجاهزية قد تضررت، لكنه يدفع في الوقت نفسه باتجاه استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الأميركية: الطمأنة مطلوبة للحلفاء والخصوم، أما التهويل المدروس فمفيد داخل الكونغرس.

الخلاصة، أن حرب إيران لا تختبر القوة الأميركية في الشرق الأوسط وحده، بل تختبر نموذج القوة الأميركية عالمياً. فإذا كانت واشنطن قادرة على ضرب آلاف الأهداف، فإن السؤال الأعمق هو: كم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وفي كم مسرح، وبأي تكلفة، ومن دون أن تفتح نافذة إغراء أمام خصومها؟ تلك هي المعضلة التي تجعل نقص الذخائر قضية استراتيجية لا لوجستية فحسب.